النص المفهرس
صفحات 681-700
٦٨١
سورة آل عمران : الآيتان ١١٢،١١١
قال فى موضعٍ آخرَ (١): ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَمُونُواْ﴾ [فاطر: ٣٦]. إذ لم يَكُنْ رأسَ
آية .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ
مِّنَ النَّاسِ ﴾ .
يَعْنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾: أَلْزِموا الذلةَ. والذلةُ الفِعْلةُ
مِن الذُّلِّ .
وقد بيَّنا ذلك بشواهدِه فى غيرِ هذا الموضع .
﴿ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ﴾. يعنى: حيثما لُقُوا . يقولُ جلَّ ثناؤه: أُلْزِم اليهودُ المكذِّبون
بمحمدٍ مَّ الِ الذلةَ أينما(٢) كانوا مِن الأرضِ ، وبأىِّ مكانٍ كانوا مِن بقاعها ، مِن بلادِ
المسلمين والمشركين، ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا هَوْذةُ ، قال : ثنا عوفٌ ، عن الحسن فى
قوله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحِبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو
بِغَضَبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾. قال: أدركتهم هذه الأمةُ وإن المجوسَ
لَتَجبيهم الجزيةً(٤) .
/ حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُ، قال: ثنا عبادٌ، عن ٤٨/٤
الحسنِ فى قولِهِ: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا نُقِفُواْ إِلَّا بِحِبَلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ
(١) بعدها فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( وقد قال)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٦/٢.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أين)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ (٣٩٨٧) من طريق هوذة به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٦٤/٢ إلی عبد بن حميد وابن المنذر .
٠
٦٨٢
سورة آل عمران : الآية ١١٢
النَّاسِ ﴾. قال: أُذَلَّهم اللَّهُ، فلا منَعةً لهم، وجعَلهم اللَّهُ تحت أقدام
(١)
المسلمين(١).
وأما الحبلُ الذى ذكَره اللَّهُ فى هذا الموضع، فإنه السببُ الذى يَأْمَنون به على
أنفسِهم مِن المؤمنين، وعلى أموالِهم وذراريِّهم، من عهدٍ وأمانٍ تَقَدَّم لهم عقدُه قبلَ
أن يُثْقَفوا فى بلادِ الإسلامِ .
كما حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ﴾. قال: بعهدٍ ،
◌ْوَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾. قال: بعهدِهم .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِبَلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ﴾. يقولُ: إلا بعهدٍ مِن اللَّهِ وعهدٍ مِن
الناس .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ مثلَه(٣) .
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ، عن عثمانَ بنِ غِياثٍ (٤) ، قال عكرمةُ :
يقولُ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾. قال: بعهدٍ مِن اللَّهِ وعهدٍ مِن
(٥)
الناس(٥).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ (٣٩٨٨) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٧.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٣٠/١.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عتاب)).
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ عقب الأثر (٣٩٩٠) معلقًا.
1
٦٨٣
سورة آل عمران : الآية ١١٢
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ
اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: إلا بعهدٍ مِن اللَّهِ وعهدٍ مِن الناسِ(١) .
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿ إِلَّا
بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾. يقولُ: إلا بعهدٍ مِن اللَّهِ وعهدٍ مِن الناسِ".
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی [٢/١١ظ] أیی ، قال : ثنی عمى ، قال : ثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ
النَّاسِ﴾: فهو عهدٌ مِن اللَّهِ وعهدٌ مِن الناسِ، كما يَقُولُ الرجلُ: ذمةُ اللَّهِ وذمةٌ
رسولِه ◌َ لَّهِ. فهو الميثاقُ(٣).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاج، عن ابن جريج ، قال : قال
مجاهدٌ: ﴿ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحَبَلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ﴾. قال: بعهدٍ مِن اللَّهِ
وعهدٍ مِن الناسِ لهم. قال ابنُ جريج: وقال عطاء: العهدُ حبلُ اللَّهِ(٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ أَيْنَ مَا
ثُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ﴾. قال: إلا بعهدٍ، وهم يهودُ. قال :
والحبلُ العهدُ. قال: وذلك قولُ أبى الهيثم بنِ التَّيِّهانِ لرسولِ اللَّهِ مَِّ حين أَتْه
الأنصارُ فى العقبةِ: أيُّها الرجلُ ، إنا قاطعون فيك حبالاً بيننا وبينَ الناسِ . يقولُ :
عهودًا . قال: واليهودُ لا يَأْمَنون فى أرضٍ مِن أرضِ اللَّهِ إلا بهذا الحبلِ الذى قال
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ عقب الأثر (٣٩٩٠) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ عقب الأثر (٣٩٩٠) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ (٣٩٩٠، ٣٩٩١) من طريق هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن
عباس ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى ابن المنذر .
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٥٧.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ عقب الأثر (٣٩٩٠) معلقًا .
٦٨٤
سورة آل عمران : الآية ١١٢
اللَّهُ عزَّ وجلَّ. وقرَأ: ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتََّعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ
اَلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥]. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ مِن النصارى إلا وهم فوق
يهودَ فى " شرقٍ ولا غربٍ)، هم فى البلدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون، قال اللَّهُ:
﴿ وَقَطَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ أُمَمَّا﴾ [الأعراف: ١٦٨]. قال: يهودُ(٢) .
/حُدِّثت عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
٤٩/٤
سمِعتُ الضَّّاكَ فى قوله: ﴿ إِلَّا بِحَبَلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ﴾. يقولُ: بعهدٍ
مِن اللَّهِ وعهدٍ مِن الناسِ(٣).
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ ، قال : أخبرَنا جويبرٌ، عن
الضحاكِ مثلَه .
واختلف أهلُ العربيةِ فى المعنى الذى جلَب الباءَ فى قوله: ﴿إِلَّا بِحِبَلٍ مِّنَ
اُللَّهِ ﴾؛ فقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: الذى جلَب الباءَ فى ذلك(٤) فعلٌ مضمَرٌ قد تُرِك
ذكرُه . قال: ومعنى الكلام: ضُرِبت عليهم الذلةُ أينما تُقِفوا إلا أن يَعْتَصِموا بحبلٍ
مِن اللَّهِ . فأُضْمِرَ ذلك. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك بقولِ الشاعرِ ():
رأتْنِى بِحَبْلَيْها فصَدَّت مخافةً وفى الحبلِ رَوْعاءُ الفؤادِ(١) فَرُوقُ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٣، س: ((فسوق ولا غيرهم))، وفى ت ٢: ((فوق ولا غيرهم)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٤٥٥ .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٥/٣ عقب الأثر (٣٩٩١) معلقًا .
(٤) فى ص: (( بحبل فقال بعضهم ذلك))، وفى م: ((قوله بحبل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((قوله
بحبل فقال بعضهم فى ذلك )) .
(٥) هو حميد بن ثور الهلالى، والبيت فى ديوانه ص ٣٥. ورواية البيت فيه هكذا:
إلى النفس روعاء الجنان فروق
فجئت بحبليها فردت مخافة
(٦) روعاء الفؤاد: ذكية الفؤاد. ينظر اللسان (روع).
٦٨٥
سورة آل عمران : الآية ١١٢
وقال: أراد : أَقْتَلَتْ بِحَبْلَيها(١). وبقولِ الآخرِ(٢):
كأنّ خاتِلٌ(٣) أدنو(٤) لصيدٍ
حَنَتْنى حانِياتُ الدهرِ حتى
- ولستُ مُقَيَّدًا - أنى بقَيْدٍْ
"قريبُ الخطوِ يَحْسَبُ من رآنى
(" يريدُ: مقيدًا بقيدٍ) .
فأوجب إعمالَ فعلٍ محذوفٍ وإظهارَ صلتِه(٢) وهو متروكٌ.
وذلك فى مذاهبِ العربيةِ ضعيفٌ ، ومِن كلامِ العربِ بعيدٌ. وأما ما اسْتَشْهِدَ
به لقولِه مِن الأبياتِ، فغيرُ دالٌ على صحةٍ دعواه؛ لأن فى قولِ الشاعرِ : رَأَتْنى
بِحَبْلَيها . دلالةٌ بينةً فى أنها رَأَتْه بالحبل تُمْسِكًا. [٣/١١و] ففى إخبارِه عنها أنها رَأَتْه
بِحَبْلَيها ، إخبارٌ منه أنها رَأَتْه تُمْسِكًا بالحَلَين، فكان فيما ظهَر مِن الكلامِ مُسْتَغْنّى عن
ذكرِ الإمساكِ، وكانت الباءُ صلةً(٨) لقولِه: رَأَتَنِى. كما(٩) قولُ القائل: أنا باللَّهِ.
مكتفٍ بنفسِه ومعرفةِ السامع معناه ، أن تكونَ الباءُ محتاجةً إلى كلام يكونُ لها جالبًا
غيرَ الذى ظهَر، وأن (١٠) المعنى: أنا باللَّهِ مستعينٌ.
وقال بعضُ نحوِّى البصرةِ: قولُه: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ﴾. استثناءٌ
(١) فى ص، س: ((بحبلها)).
(٢) هو أبو الطمحان القينى حنظلة بن الشرقى، كما فى المعمرين ص ٧٢، والمعانى الكبير ٣/ ١٢١٤، وقال
أبو الفرج فى الأغانى ٢/ ٣٥٧: يقال : إنه لعدى بن زيد .
(٣) المخاتلة : مشى الصياد قليلا قليلا فى خفية لئلا يسمع الصيد حسه. اللسان (خ ت ل) والبيت فيه .
(٤) فى النسخ: ((أحنو)). والمثبت من معانى القرآن للفراء ١/ ٢٣٠، فهذه مقالته، وفى مصادر التخريج الأخرى: ((يدنو)).
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦ - ٦) سقط من النسخ، والمثبت من معانى القرآن.
(٧) الصلة هنا : الجار والمجرور .
(٨) فى م: ((وصلة)).
(٩) بعده فى م: ((فى)) .
(١٠) بعده فى الأصل، ص، ت١، ت٢، ت٣: ((كان)).
٦٨٦
سورة آل عمران : الآية ١١٢
خارجٌ مِن أولِ الكلام. قال: وليس ذلك بأشدَّ مِن قوله: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا
لَغْوَا إِلَّا سَلَمَاً ﴾ [مريم
٥٠/٤
/وقال آخرون مِن نحوِّى الكوفةِ: هو استثناءٌ متصلٌ. والمعنى : ضُرِبت عليهم
الذلةُ أينَما تُقِفوا. أى: بكلِّ مكانٍ ، إلا بموضع حبلٍ مِن اللَّهِ. كما تقولُ: ضُرِبت
عليهم الذلةُ فى الأمكنةِ إلا فى هذا المكانِ .
وهذا أيضًا طلَبَ الحزّ(١)، فأخطأ المَفْصِلَ، وذلك أنه زعم أنه استثناءٌ مُتَّصلٌ،
ولو كان متصلاً كما زعَم ، لوجب أن يكونَ القومُ إذا ثُقِفوا بحبلٍ مِن اللَّهِ وحبلٍ مِن
الناسِ غيرَ مضروبةٍ عليهم الذلةُ(١) . وليس ذلك صفةً اليهودِ ؛ لأنهم أينما تُقِفُوا بحبلٍ
مِن اللَّهِ وحبلٍ مِن الناسٍ، أو بغيرِ حبلٍ مِن اللَّهِ وغيرِ حبلٍ مِن الناسِ، فالذلةُ مضروبةٌ
عليهم، على ما ذكرنا عن أهلِ التأويلِ قبلُ(٣). فلو كان قولُه: ﴿إِلَّا بِبَلٍ مِّنَ اللَّهِ
وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ﴾. استثناءً متصلًا، لوجب أن يكونَ القومُ إذا ثُقِفوا بعهدٍ وذمةٍ ، ألا
تكون الذلةُ مضروبةً عليهم ، وذلك خلافُ ما وصَفهم اللَّهُ به مِن صفتِهم ، وخلافُ
ما هم به مِن الصفةِ، فقد تبينَّ أيضًا بذلك فسادُ قولِ هذا القائلِ أيضًا .
ولكنَّ القولَ عندَنا أن الباءَ فى قوله: ﴿إِلَّا بِبَلٍ مِّنَ اللَّهِ﴾. أُدْخِلت لأن
الكلامَ الذى قبلَ الاستثناءِ مُقتضٍ فى المعنى الباءَ. وذلك أن(٤) معنى قوله: ﴿ضُرِيَتْ
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ﴾: ضرِبت عليهم الذلةُ بكلِ مكانٍ تُقِفُوا. ثم قال: ﴿إِلَّا
بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾. على غيرِ وجهِ الاتصالِ بالأُولِ، ولكنه على
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((الحق)). وهو من قولهم: إنك لتكثر الحزَّ وتخطئ المفصل. مثل
يضرب لمن يجتهد فى السعى ثم لا يظفر بالمراد . ينظر نهاية الأرب ٣/ ١١، ومجمع الأمثال ٩٦/١.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت٢، ت ٣، س: ((المسكنة)).
(٣) فى ص، ت ١: ((قيل)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((هو).
٦٨٧
سورة آل عمران : الآية ١١٢
الانقطاع عنه، ومعناه : ولكن قد (١) يُتْقَفون بحبلٍ مِن اللَّهِ وحبلٍ مِن الناسِ، كما
قيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأَ﴾ [النساء: ٩٢]. فالخطأ
وإن كان منصوبًا بما عمِل فيما قبلَ الاستثناءِ، فليس قولُه باستثناءٍ متصلٍ بالأُولِ
بمعنى: إلا خطأً فإن له قتلَه كذلك. ولكنّ معناه: ولكن قد يَقْتُه خطأً . فكذلك
قولُه: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اَللَّهِ﴾. وإن كان الذى جلَب الباءَ التى بعدَ ﴿
إِلَّا﴾ الفعلُ الذى يَقْتَضِيها قبلَ ﴿إِلَّا﴾، فليس الاستثناءُ بالاستثناءِ المتصلِ بالذى
قبلَه ، بمعنى أن القومَ إذا لُقُوا فالذلةُ زائلةٌ عنهم ، بل الذلةُ ثابتةٌ لهم(١) بكلِّ حالٍ،
ولكن معناه ما بيَنا آنفًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ
◌ِأَنَّهُمْ كَانُواْ [٣/١١ظ] يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾: وَتَحَمَّلوا غضبَ اللَّهِ
فانصرفوا به مستحقِّيه . وقد بيّنا أصلَ ذلك بشواهدِه، ومعنى المسكنةِ ، وأنها ذُلُّ
الفاقةِ والفقرِ وخُشوعُهما، ومعنى الغضبٍ مِن اللَّهِ، فيما مضَى بما أغنى عن إعادتِه
فى هذا الموضعِ (٢).
وقولُه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ ﴾. يعنى جلُّ ثناؤه
بقوله: ﴿ ذَلِكَ﴾ أى: بَوْءُهم الذى باءوا به مِن غضبِ اللَّهِ، وضَرْبُ الذلةِ
عليهم، بَدَلٌ مما كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللَّهِ . يقولُ: مما كانوا يَجْحَدُون أعلامَ اللَّهِ
وأدلته على صدقٍ أنبيائه، وما فُرِض عليهم مِن فرائضِه، ﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٨٩/١، ١٩٠، ٢٦/٢، ٢٧.
٦٨٨
سورة آل عمران : الآية ١١٢
حَقّ﴾. يقولُ: وبما كانوا يَقْتُلون أنبياءهم ورُسُلَ اللَّهِ إليهم، اعتداءً على اللَّهِ،
وجراءةً عليه بالباطلِ، وبغير حقِّ استحقُّوا منهم القتلَ.
فتأويلُ الكلامِ: أُلزِموا الذلةَ بأىِّ مكانٍ لُقُوا ، إلا بذمةٍ مِن اللَّهِ وذمةٍ مِن الناسِ،
وانصرفوا بغضبٍ مِن / اللَّهِ مُتَحَمِّليه(١)، وأُلزِموا ذُلَّ الفاقةِ وخشوعَ الفقرِ، بدلًا مما
كانوا يَجْحَدُون بآياتِ اللَّهِ وأدلتِه وحججِه ، ويَقْتُلون أنبياءَه بغيرِ حقٌّ ظلمًا واعتداءً .
٥١/٤
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
(١١٢
يعنى " تعالى ذكره : فعلنا بهم ذلك بكفرهم وقَتْلِهم الأنبياءَ ومعصيتهم ربَّهم
واعتدائِهم أمرّه .
وقد بيَّا معنى ((الاعتداءِ)) فى غيرِ موضع فيما مضَى مِن كتابِنا بما فيه الكفايةُ
عن إعادته(٤).
فأعلَم ربَّنا جلَّ ثناؤه عبادَه ما فعَل بهؤلاءِ القومِ مِن أهلِ الكتابِ ؛ مِن إحلالٍ
الذلةِ والخزى بهم فى عاجلِ الدنيا، مع ما ذخَر لهم فى الآجلِ مِن العقوبةِ والنكالِ
وألیم العذاب ، إذ تعدَّوا حدوده واستحلُّوا محارمه ؛ تذ کیرًا منه تعالی ذکرُه لهم ،
وتنبيهًا على موضعِ البلاءِ الذى مِن قِتْلِه ◌ُتُوا، لينيبوا ويَذََّّروا، وعِظةً منه لأمتِنا
ألا يَسْتَنُوا بسنتِهم ويَرْكَبوا منهجهم(٥) ، فيَشْلُكَ بهم مسالِكَهم، ويُحِلَّ بهم مِن نقمٍ
اللَّهِ ومَثُلاتِه(٦) ما أحلَّ بهم.
(١) فى الأصل: (( محتمليه)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يقول)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((مما)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣٢/٢.
(٥) فى ص: ((مناهجهم))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((منهاجهم)).
(٦) فى س: (( بلائه)).
٦٨٩
سورة آل عمران : الآيتان ١١٣،١١٢
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ ذَلِكَ بِمَا
عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾: اجْتَنِبوا المعصيةَ والعُدوانَ، فإن بهما أَهْلِك من أُهْلِك
مِن(١) قبلِكم مِن الناسِ ().
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَنْتِ
١١٣
اللَّهِ ءَانَآءَ الَتَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
[٤/١١ و] يَعْنى بقوله جلِّ ثناؤه: ﴿لَيْسُواْ سَوَاءٌ﴾: ليس فريقًا أهلِ الكتابِ ؛
أهلُ الإيمانِ منهم والكفرِ، سواءً. يعنى بذلك أنهم غيرُ متساوين(٢) . يَقُولُ : ليسوا
مُتَعادِلين، ولكنهم مُتفاوتون فى الصلاحِ والفسادٍ ، والخيرِ والشرّ .
وإنما قيل: ﴿لَيْسُواْ()﴾؛ لأن فيه ذكرَ الفريقين مِن أهلِ الكتابِ اللذيْن
ذكَرهما اللَّهُ فى قولِه: ﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مِنْهُمُ
اُلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَسِقُونَ﴾ ثم أخبر جلَّ ثناؤُه عن حالِ الفريقين عندَه ؛
المؤمنةِ منهما والكافرةِ، فقال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءٌ﴾. أى: ليس هؤلاء سواءً؛ المؤمنون
منهم والكافرون . ثم ابتدَأُ الخبرَ جلّ ثناؤه عن صفةِ الفرقةِ المؤمنةِ من أهلِ الكتابِ،
ومدَحهم وأثنى عليهم ، بعدَ ما وصَف الفرقةَ الفاسقةَ منهم بما وصَفها به؛ مِن
الهَلَعِ ونَخْبِ الْجَنَانِ، ومحالفةِ الذلّ والصَّغارِ، وملازمةِ الفاقةِ والمسكنةِ، وتَحَمُّلِ
خزي الدنيا وفضيحةِ الآخرةِ، فقال: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ
ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. الآيات الثلاث إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ
◌ِلْمُنَّقِينَ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((المسلمين)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٧/٣ (٣٩٩٩) من طريق يزيد به .
(٣) فى ت ٢، س: (( متساويين)).
(٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((سواء)).
( تفسير الطبرى ٤٤/٥ )
٦٩٠
سورة آل عمران : الآية ١١٣
فقولُه(١): ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾. مرفوعةٌ بقولِه: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ﴾ .
وقد توهَّم جماعةٌ مِن نحوِّى الكوفة والبصرةِ والمتقدَّمين منهم فى
صناعتهم(٢) ، أن ما بعدَ ﴿سَوَاءٌ﴾ فى هذا الموضعِ مِن قوله: ﴿أُمَّةٌ قَبِمَةٌ﴾.
ترجمةٌ عن ﴿ سَوَاءٌ﴾ وتفسيرٌ عنه، بمعنى: لا يستوى مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ
يَثْلون آياتِ اللَّهِ آناء الليلِ، وأخرى كافرةٌ. وزعَموا أن ذكرَ الفرقةِ الأخرى تُرِك
اكتفاءً بذكرٍ إحدى الفِرِقَتين، وهى الأمةُ القائمةُ، ومثَّلوه بقولِ أبى ذُؤيبٍ (١):
سميعٌ فما أدرى أَرُشْدٌ طِلابُها
٥٢/٤ /عصَيتُ إليها القلبَ إنِّى لأمرِها
ولم يَقُلْ: أم غيرُ رشدٍ . اكتفاءً بقولِه: أرُشْدٌ. مِن ذِكرٍ : أم غيرُ رشدٍ. وبقولٍ
الآخر (٤) :
(٤)
أَرَاكَ(٥) فلا أدْرِى أَهَمّ هَمَمْتُه وذو الهَمِّ قِدْمًا خاشعٌ متضائلُ
وهو مع ذلك خطأٌ عندَهم قولُ القائلِ المريدِ أن يَقُولَ: سواءٌ أَقُمْتَ أم قعَدْتَ:
سواءٌ أَقُمْتَ. حتى يَقُولَ: أم قعَدت . وإنما يُجِيزُون حذفَ الثانى فيما كان مِن
الكلام مكتفيًا بواحدٍ ، دونَ ما كان ناقصًا عن ذلك، وذلك نحوُ : ما أَبالى. أو: ما
أدرى. فأجازوا فى ذلك : ما أبالى أَقُمْتَ . وهم يريدون: ما أَبالى أُقُمْتَ أم قعَدت .
الاكتفاءِ: ما أبالى. بواحدٍ، وكذلك فى(١): ما) أدرى. وأَبُوا الإجازةَ فى
(١) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((قوله)).
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ٢٣٠/١، ٢٣١.
(٣) تقدم تخريج البيت فى ٣٤٤/١ .
(٤) معانى القرآن للفراء ٢٣١/١.
(٥) فى م: ((أزال)).
(٦) بعده فى ت ٢: (( ما أبالى أو)).
(٧) بعده فى الأصل: ((لا)).
٦٩١
سورة آل عمران : الآية ١١٣
((سواء))، مِن أجل نقصانِه، وأنه غيرُ مكتفٍ بواحدٍ . فأغفَلوا فى توجيهِهم قولَه:
﴿ لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. على ما حكَينا عنهم إلى ما وجَّهوه
[٤/١١ظ] إليه - مذاهبهم فى العربية، إذ أجازوا فيه مِن الحذفِ ما هو غيرُ جائزٍ
عندَهم فى الكلامِ مع (( سواء)). وأخطَئوا تأويلَ الآيةِ، فـ﴿سَوَاءٌ﴾ فى هذا الموضعِ
بمعنى التمامٍ والاكتفاءِ، لا بالمعنى الذى تأوَّله مَن حكَينا قولَه .
وقد ذُكر أن قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. الآياتُ الثلاثُ نَزَلت
فى جماعةٍ مِن اليهودِ أسلموا فحسُن إسلامُهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال: ثنى
محمدُ بنُ أبى محمدٍ ، عن عكرمةَ، أو عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: لما أَسلَم عبدُ اللَّهِ بنُ سلَامٍ، وثعلبةُ بنُ سَعْيَةً(١)، وأُسَيدُ بنُ سَعيةً، وأسدُ
بنُ عبيدٍ، ومَن أسلَم مِن يهودَ معهم، فآمَنوا وصدَّقوا، ورغِبوا فى الإسلامِ،
وتنخَّوا(٢) فيه، قالت أحبارُ يهودَ وأهلُ الكفرِ منهم: ما آمَن بمحمدٍ ولا اتَّبَعه إلّا
أشرارُنا، ولو كانوا مِن خيارِنا ما تَرَكوا / دينَ آبائِهم وذهبوا إلى غيرِهِ. فَأَنزَل اللَّهُ ٥٣/٤
تبارك وتعالى فى ذلك مِن قولِهم: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾
(٣)
إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
(١) فى ص، ت ٢، س: ((سعيد)).
(٢) فى الأصل: ((تنخوا))، وبدون نقط فى ص، وفى ت ١، ت ٣: ((بنجوا))، وفى ت ٢: ((محرا))،
وفى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((منحوا))، وفى سيرة ابن هشام: ((رسخوا)). وتنحوا فيه: توجهوا له،
وصاروا فى ناحيته ، وقصدوه. ينظر النهاية ٣٠/٥، والتاج (ن ح و).
(٣) سيرة ابن هشام ٥٥٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٧/٣ (٤٠٠٣) من طريق سلمة به . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى ابن المنذر .
٦٩٢
سورة آل عمران : الآية ١١٣
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ (١) بكيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال:
ثنى محمدُ بنُّ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ ،
عن ابنِ عباسٍ بنحوِه().
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءُ مِنْ أَهْلِ
اُلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ الآية. يَقُولُ: ليس كلُّ القومِ هلَك، قد كان للَّهِ فيهم
(٣)
بقية
٠
حذَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريج :
أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ : عبدُ اللَّهِ بنُ سلَامٍ ، وثعلبةُ بنُ سلَامٍ أخوه، وسَعيةُ ومُبَشِّرٌ، وَأَسَيدٌ
وأَسَدٌ ابنا كعبٍ" .
وقال آخرون : معنى ذلك : ليس أهلُ الكتابِ وأمةُ محمدٍ القائمةُ بحقِ اللَّهِ
سواءً عندَ اللَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ(٥) العجليّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنه كان يَقُولُ فى
قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءُ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ ﴾ . قال : لا يَشْتوى أهلُ الكتابِ
(١) فى النسخ: ((عن)).
٠
(٢) أخرجه الطبرانى (١٣٨٨) من طريق أبي كريب به، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٥٣٣/٢ - ومن طريقه
ابن عساکر فی تاریخه ١١٥/٢٩- من طریق یونس به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى المصنف.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أبى يزيد))، وفى س: ((أبى زيد)). وينظر التاريخ الكبير ٣٠٨/٢،
والجرح ٤٢/٣.
٦٩٣
سورة آل عمران : الآية ١١٣
وأمةُ محمدٍ عَ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدِّىِّ: ﴿لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ الآية . يقولُ: ليس هؤلاءٍ
اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التى هى قائمةٌ(١).
وقد بيّنا أن أوْلى [٥/١١] القولين بالصوابِ فى ذلك قولُ مَن قال: قد تمّت
القصةُ عند قوله: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءٌ﴾. عن إخبارِ اللَّهِ بأمرٍ مؤمنى أهلِ الكتابِ وأهلِ
الكفرِ منهم ، وأن قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾. خبرٌ مبتدأ عن مدح
مؤمنيهم، ووصفِهم بصفتِهم، على ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ وابنُ جريجٍ .
وَيَغْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ : جماعةٌ ثابتةٌ على الحقِّ .
وقد دلَّلنا على معنَى ((الأمةِ)) فيما مضى، بما أغنَى عن إعادته(٢).
وأما ((القائمةُ))، فإن أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناها
العادلةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾. قال: عادلةٌ(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٧/٣ (٤٠٠٠) من طريق ابن أبى نجيح به، وستأتى بقيته فى ص ٦٩٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٧/٣ (٤٠٠١) من طريق أحمد بن المفضل به، وفيه: قانتة للَّه.
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٢٤.
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٥٨، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٦/٢ (١٢٢٣ - تحقيق حكمت
بشير)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى عبد بن حميد.
٦٩٤
سورة آل عمران : الآية ١١٣
وقال آخرون : بل معنَى ذلك أنها قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ وما أُمَر به فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُمَّةٌ
قَائِمَةٌ﴾. يقولُ: قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ وفرائضِه وحدودِه .
حُدِّثت عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿أُمَّةُ
قَابِمَةٌ ﴾ يقولُ : قائمةٌ على كتابِ اللَّهِ وحدودِه وفرائضِه(١).
٥٤/٤
/حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَبِمَةٌ﴾. يقولُ: أمّةٌ مهتديةٌ ،
قائمةٌ على أمرِ اللَّهِ ، لم تنزِعْ عنه وتترُكْه، كما ترَكه الآخرون وضيَّعوه(٢) .
وقال آخرون: بل معنَى ﴿ قَائِمَةٌ﴾: مُطِيعةٌ .
ذكرُ مِن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدِّىِّ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ الآية. يقولُ: ليس هؤلاء اليهودُ كمثَلِ هذه الأمةِ التى
هى قائمةٌ(٣) للَّهِ، والقائمةُ(٤) المطيعةُ(٥).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فى تأويلٍ ذلك ما قاله ابنُ عباس وقتادةُ ومَن قال
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٨/٣ (٤٠٠٦) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٨/٣ (٤٠٠٤، ٤٠٠٥) عن محمد بن سعد به .
(٣) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((قانتة)).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((القانتة)).
(٥) تقدم فى الصفحة السابقة ، إلى قوله : قائمة .
٦٩٥
سورة آل عمران : الآية ١١٣
بقولِهما، على ما روينا عنهم ، وإن كان سائرُ الأقوالِ الآخَرِ متقاربةَ المعنى مِن معنى ما
قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ فى ذلك، وذلك أن معنى قوله: ﴿قَبِمَةٌ﴾: مستقيمةٌ على
الهُدَى وكتابِ اللَّهِ وفرائضِه وشرائِع دينه ، بالعدلِ والطاعةِ ، وغيرِ ذلك مِن أسبابٍ
الخيرِ مِن صفةِ أهلِ الاستقامةِ على كتابِ اللَّهِ وسنةِ رسولِ اللَّهِ وَّهِ. ونظيرُ ذلك
الخبرُ الذى رواه النعمانُ بنُ بشيرٍ عن النبىّ ◌َّهِ أنه قال: ((مثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ
والواقعٍ فيها كمثَلِ قومٍ ركبوا سفينةً)) (١). [٥/١١ظ] ثم ضرَب لهم مثلاً، فالقائمُ
على حدودِ اللَّهِ هو الثابتُ على التمسكِ بما أمرَه اللَّهُ به واجتنابٍ ما نهاه اللَّهُ عنه .
فتأويلُ الكلام: مِن أهل الكتابِ جماعةٌ معتصمةٌ بكتابِ اللَّهِ مُتَمسكةٌ به ،
ثابتةٌ على العملِ بما فيه وبما(٢) سنَّ لهم(٣) رسولُه ◌َهِ.
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اُللَّهِ ءَانَّةَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
١١٣
يعنى بقولِه: ﴿ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ﴾: يَقْرَءون كتابَ اللَّهِ آناء الليل. ويَعْنى
بقولِه: ﴿ ءَايَتِ اللَّهِ﴾. ما أنزل اللهُ فى كتابِهِ من العِبَرِ والمواعظِ. يقولُ: يَثْلُون
ذلك آناء الليلِ(٤) فِيَتَدبَرونه ويَتَفَكّرون فيه .
وأمّا ﴿ ءَانَآءَ الَيَّلِ ﴾. فساعاتُ الليلِ، واحدُها إنْىّ، كما قال الشاعرُ:
حُلْوٌ ومُرّ كعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُه
فى ٢) كلِّ إِنِى حَذَاهُ(٧) الليلُ يَنْتَعِلُ
و (٨)
(١) أخرجه الحميدى (٩١٩)، وأحمد ٣١/٣٠ (١٨٣٦١)، والبخارى (٢٤٩٣، ٢٦٨٦)، والترمذى (٢١٧٣).
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: (( ما)).
(٣) فى النسخ: (( له)) . والمثبت ما يقتضيه السياق .
(٤) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يقول فى ساعات الليل)).
(٥) هو المتنخل الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ٣٥/٢.
(٦) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من).
(٧) فى م: ((قضاه).
(٨) كعطف القدح: يريد: طُوِى كما يطوى القدح. ومرتُه: فَثْلته. ينتعل: يسرى فى كل ساحة من الليل =
٦٩٦
سورة آل عمران : الآية ١١٣
وقد قيل إن واحدَ الآناءِ: إنّى مقصورٌ، كما واحدُ الأمعاءِ مِعْى .
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه : ساعاتُ الليلِ.
كما قلنا .
٥٥/٤
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ
ءَانَآءَ الََّّلِ ﴾ : أى ساعات الليلِ(١).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: آناءُ
الليلِ ساعاتُ الليلِ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ :
قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ : سمِعنا العربَ تقولُ : آناءُ الليلِ ساعاتُ الليلِ .
وقال آخرون : آناءُ الليلِ جوفُ الليلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىّ: ﴿يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَلِ﴾: أمّا ﴿ءَاتَّةَ الَّلِ﴾: فجوفُ الليلِ (٣).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون العشاءَ الآخِرَةَ(٤).
= من هدايته . ينظر شرح أشعار الهذليين ٣/ ١٢٨٣.
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٩/٣ عقب الأثر (٤٠١٣) معلقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٩/٣ عقب الأثر (٤٠١٣) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٨/٣ عقب الأثر (٤٠١٠) من طريق عمرو ، عن أسباط به .
(٤) فى م: ((الأخيرة)).
٦٩٧
سورة آل عمران : الآية ١١٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحِ، عن الحسنِ بنِ يزيدَ(١) العجلىّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ فى قوله: ﴿يَتْلُونَ
ءَايَاتِ اللَّهِ ءَانَآءَ الَيَّلِ ﴾ : صلاةُ العَتَمةِ هم يُصَلَّونها ، ومَن سِواهم مِن أهلِ الكتابِ
(٢)
لا يُصَلِّيها(٢) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ، عن
عبيدِ اللَّهِ بنِ زَحْرٍ، عن سليمانَ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، [٦/١١و] عن عبدِ اللهِ بن
مسعودٍ ، قال: احتبَس علينا رسولُ اللَّهِ مَ ◌ّهِ ذاتَ ليلةٍ، كان عندَ بعض أهلِه أو(١)
نسائِه، فلم يَأْتِنا لصلاةِ العشاءِ حتى ذهَب ليلٌ، فجاء ومنّا المصلِى ومنّا المضطجعُ،
فبشَّرنا وقال: ((إنه لا يُصَلِّى هذه الصلاةَ أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ)). فأنزل اللَّهُ: ﴿ لَيْسُوا
سَوَآءُ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَةَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن أبى يحيى الخراسانيّ، عن نصر
ابنِ طَريفٍ ، عن عاصم، عن زرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: خرج علينا
رسولُ اللَّهِ عَظَه ونحن نَنْتَظِرُ العِشاءَ - يُرِيدُ العَتَمَةَ - فقال لنا: ((ما على الأرضِ
أحدٌ مِن أهلِ الأديانِ يَنْتَظِرُ هذه الصلاةَ فى هذا الوقتِ غيرُكم)). قال:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أبى يزيد)).
(٢) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٣٠٨/٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٩/٣ (٤٠١٤) من طريق ابن
أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر. وتقدم أوله فى
ص ٦٩٢، ٦٩٣.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( و)).
(٤) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٨٨ من طريق يونس به، وأخرجه الطبرانى فى الكبير
(١٠٢٠٩)، وأبو نعيم فى الحلية ١٨٧/٤ من طريق يحيى بن أيوب به .
(٥ - ٥) فى س: ((ابن أبى نجيح)).
٦٩٨
سورة آل عمران : الآية ١١٣
فنزَلت: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللَّهِ ءَانَآءَ
اُلَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾(١).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ كانوا يُصَلُّون فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا الثورىُّ، عن
منصورٍ، قال: / بلَغنى أنها نزلت -: ﴿لَيْسُواْ سَوَاءُ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ
يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَانَآءَ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ - فيما بينَ المغربِ والعِشاءِ).
٥٦/٤
وهذه الأقوالُ التى ذكَرتُها على اختلافِها متقاربةُ المعانى، وذلك أن اللَّه تعالى
ذكره وصَف هؤلاء القوم بأنهم یتْلُون آیاتِ اللَّهِ فی ساعاتِ اللیل ، وهی آناؤُه ، وقد
يكونُ تالِيها فى صلاةِ العشاءِ تالِيًّا لها آناء الليلِ، وكذلك مَن تلاها فيما بينَ المغربِ
والعشاءِ، ومَن تلاها جوفَ الليلِ، فكلُّ تالٍ لها (٢) ساعاتِ الليلِ. غيرَ أن أولى
الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عُنى بذلك تلاوتُهُ(٤) القرآنَ فى صلاةِ العشاءِ؛
لأنها صلاةٌ لا يُصَلِّيها أحدٌ مِن أهلِ الكتابِ، فوصَف اللَّهُ جل ثناؤه أمّةً محمدٍ عَلِّ
بأنهم يُصَلُّونها دونَ أهلِ الكتابِ الذين كفروا باللهِ ورسولِه .
وأما قولُه: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. فإن بعضَ أهلِ العربيةِ (٥) زعم أن معنى
(١) أخرجه أحمد ٣٠٤/٦ (٣٧٦٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٧٣)، والبزار (٣٧٥)، وأبو يعلى
(٥٣٠٦)، وابن أبى حاتم ٧٣٨/٣ (٤٠٠٨، ٤٠٠٩)، وابن حبان (١٥٣٠)، والواحدى فى أسباب النزول
ص ٨٧، ٨٨ من طريق عاصم به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٣٩/٣ (٤٠١٢) من طريق الثورى به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦٥/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( له)).
(٤) فى م، ت ٢، ت ٣، س: ((تلاوة)).
(٥) هو الفراء فى معانى القرآن ٢٣١/١.
٦٩٩
سورة آل عمران : الآيتان ١١٣، ١١٤
السجودِ فى هذا الموضع اسمٌ للصلاةِ لا للسجودِ ؛ لأن التلاوةَ لا تكونُ فى السجودِ
ولا فى الركوعِ، فكأنَّ معنى الكلام كان(١) عندَه: يتلون آياتِ اللَّهِ آناء الليلِ وهم
◌ُصلُّون .
وليس المعنى على ما ذهب إليه ، وإنما معنى الكلام: مِن أهلِ الكتابِ أمةٌ قائمةٌ
يَثْلُون آياتِ اللَّهِ آناء الليلِ فى صلاتِهم، وهم مع ذلك يَسْجُدون فيها . فالسجودُ هو
السجودُ المعروفُ فى الصلاةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
١١٤
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [٦/١١ ظ] وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِّ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
يعنى بقولِه: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾: يُصَدِّقون باللّهِ وبالبعثِ
بعدَ المماتِ، ويَعْلَمون أن اللَّهَ مُجازِيهم بأعمالِهم، وليسوا كالمشركين الذين
يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ ، ويَعْبُدون معه غيرَه، ويُكَذِّبون بالبعثِ بعدَ المماتِ ،
ويُنْكِرون المجازاةَ على الأعمالِ ، والثواب والعقابَ .
وقولُه: ﴿ وَيَأْمُّرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾. يقولُ: وَيَأْمُرُون الناسَ بالإِيمانِ بِاللَّهِ
ورسولِه وتصديقٍ محمدٍ "وما جاءهم به. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. يَقُولُ:
ويَنْهونَ الناسَ عن الكفرِ باللّهِ وتكذيبٍ محمدٍ وما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ . یعنی
بذلك أنهم ليسوا كاليهودِ والنصارى الذين يَأْمُّرون الناسَ بالكفرِ باللهِ وتكذيبٍ
محمدٍ فيما جاءهم به ، ويَنْهونَهم عن المعروفِ مِن الأعمالِ ، وهو تصديقُ محمدٍ
فيما أتاهم به مِن عندِ اللَّهِ، ﴿ وَيُسَرِعُونَ فِىِ اٌلْخَيْرَتِّ﴾. يقولُ: وَيَتَدِرون فعلَ
الخيراتِ ؛ خشيةَ أن يَقُوتَهم ذلك قبلَ معاجَلتِهِم مَنَاياهم .
(١) سقط من: م، ت٢، ت ٣.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((بما)).
٧٠٠
سورة آل عمران : الآيتان ١١٤، ١١٥
ثم أخبر جلَّ ثناؤه أنَّ هؤلاءِ الذين هذه صفتُهم مِن أهلِ الكتابِ ، هم مِن عِدادٍ
الصالحين ؛ لأن مَن كان منهم فاسقًا قد باء بغضبٍ مِن اللَّهِ؛ لكفرِه باللّهِ وآياتِهِ ،
وقتلهم الأنبياءَ بغيرِ حقٌّ ، وعصيانِه ربَّه، واعتدائِه فى حدودِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
◌ِلْمُتَّقِينَ
/اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ
٥٧/٤
خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ﴾. بالياءِ (١) جميعًا، ردًّا على صفةِ القومِ الذين وصَفهم جلّ
ثناؤه بأنهم يَأْمُرون بالمعروفِ ويَنْهونَ عن المنكرِ .
وقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ وبعضُ قرأةِ الكوفةِ ، بالتاءِ فى الحرفين جميعًا :
( ومَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرِ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ) (١). بمعنى: وما تَفْعَلوا أنتم أيتُها المؤمنون مِن خيرٍ
فلن يَكْفُرَكُمُوه ربُّكم .
وكان بعضُ قرأةِ أهلِ البصرةِ يَرَى القراءتين فى ذلك جائزًا بالياءِ والتاءِ فى الحرفين .
والصوابُ مِن القراءةِ فى ذلك عندَنا: ﴿ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ
يُكْفَرُوهُ﴾. بالياءِ فى الحرفين كليهما ، يَعْنى بذلك الخبرَ عن الأمةِ القائمةِ ، التاليةِ
آياتِ اللَّهِ . وإنما اخترنا ذلك لأن ما قبلَ هذه الآيةِ مِن الآياتِ خبرٌ عنهم ، فإلحاقُ
هذه الآيةِ - إذ كان لا دلالةَ فيها تدلّ على الانصرافِ عن صفتِهم - بمعانى الآياتِ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وهى قراءة حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص.
ينظر حجة القراءات ص ١٧٠.
(٢) وهى قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى عمرو البصرى وعاصم فى رواية أبى بكر عنه . ينظر السبعة لابن
مجاهد ص ٢١٥.