النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
سورة آل عمران : الآية ١٠٢
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى هذه الآيةِ ؛ هل هى مَنْسوخَةٌ أم لا؟ فقال بعضُهم:
هى مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾: إنها لم تُنْسَخْ، ولكن حقّ
تقاتِه أن يُجاهدَ(١) فى اللَّهِ حقَّ جهادِه. ثم ذكَر تأويلَه الذى ذكرناه عنه
آنفًا .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ، عن
قيس بنِ سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿ يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، ﴾ : فإن لم
تَفْعَلوا ولم تَسْتَطيعوا فلا تَمُوتُنَّ إلَّا وأنتم مُسْلِمُونَ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجَّاج ، عن ابن جريج ، قال : قال
طاوسٌ: قولُه: ﴿وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾. يقولُ: إن لم تَتَّقوه، فلا تموتُنَّ إلا
وأنتم مسلمون .
وقال آخرون: هى منسوخةٌ، نسخها قولُه: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ
[ التغابن: ١٦] .
= والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٢/٣ (٣٩١٠)، والنحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ٢٨٣،
وابن الجوزى فى نواسخه ص ٢٤٤ من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٩/٢ إلى ابن المنذر.
(١) فى م: ((تجاهد)) .
(٢) تتمة الأثر المتقدم فى ص ٦٣٩، وليس فى الإسناد ذكر ابن أبى نجيح، وكذا فيما سيأتى فى ص ٦٤٣،
وهو الموافق لما فى تفسير ابن أبى حاتم .
( تفسير الطبرى ٤١/٥ )

٦٤٢
سورة آل عمران : الآية ١٠٢
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾: ثم أَنْزَل التخفيفَ
واليُسرَ، وعاد بعائِدَتِه ورحمتِه على ما يَعْلَمُ مِن ضَعْفٍ خَلْقِه، فقال: ﴿فَأَنَقُواْ اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ ﴾ . فجاءتْ هذه الآيةُ فيها تخفيفٌ وعافيةٌ ويسرٌ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ الأنماطئُ، قال: ثنا همامٌ، عن
قتادةَ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَّوُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمُ
مُسْلِمُونَ﴾. قال: نَسَختْها هذه الآيةُ التى فى ((الثَّغابْنِ)): ﴿فَأَفَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمُ
وَأَسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ﴾. وعليها بايَعَ رسولُ اللَّهِ يَّهِ؛ على السمع والطاعةِ فيما
استطاعوا .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: لما نَزَلَتْ: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾، ثم نَزَل بعدَها :
﴿ فَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾. فَنَسَخَتْ هذه الآيةُ [٤٣٨/١ظ] التى فى ((آل
(٢)
عِمْرانَ))(٢) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ﴾: فلم يُطقِ الناسُ هذا،
(١) تفسير عبد الرزاق ٢٩٥/٢ عن معمر، عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٩/٢ إلى عبد بن
حميد وأبى داود فى ناسخه والمصنف .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٢/٣ عقب الأثر (٣٩١١) من طريق ابن أبى جعفر به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٥٩/٢ إلى المصنف .

٦٤٣
سورة آل عمران : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
فتَسَخه اللَّهُ عنهم، فقال: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ / أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ،﴾. قال: جاء أمرٌ شديدٌ، قالوا(١) : ومَن يَعْرِفُ
قَدْرَ هذا أو يَتْلُغُه؟ فلما عَرَف أنه قد اشْتَدَّ ذلك عليهم ، نسخها عنهم ، وجاء بهذه
الأُخرَى، فقال: ﴿ فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ ﴾ فنسخها .
٣٠/٤
وأما قولُه: ﴿ وَلَا تَمُثُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾. فإن تأويلَه كما حدَّثنى المثنى،
قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسٍ بنِ سعدٍ، عن طاوسٍ: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾. قال: على الإسلامِ وعلى محُرمةِ الإسلامِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وتعلَّقوا بأسبابِ اللَّهِ جميعًا. يريدُ بذلك تعالى ذكرُه :
وتَسَّكوا بدينِ اللَّهِ الذى أمَرَ كم به ، وعهْدِه الذى عهده إلیکم فى كتابه إليكم ، مِن
الأُلْفِ والاجتماعِ على كلمةِ الحقِّ، والتسليمِ لأمرِ اللهِ .
وقد دَلَّلْنا فيما مضى قبلُ على معنى الاعتصامِ .
وأما الحبلُ؛ فإنه السببُ الذى يُوصَلُ به إلى البُغْيَةِ والحاجةِ. ولذلك سُمِّى
الأمانُ حبلًا؛ لأنه سببٌ يُوصَلُ به إلى زَوالِ الخوفِ ، والنجاةِ من الجَزَّعِ والذعرِ .
ومنه قولُ أعشى بنى ثَغْلبةَ(٤):
(١) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخه ص ٢٤٣ من طريق أحمد بن المفضل به، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٢/٣
عقب الأثر (٣٩١١) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال))، وفى س: ((فقال)).
(٣) تتمة الأثر المتقدم فى ص ٦٣٩، وينظر ص ٦٤١ .
(٤) ديوانه ص ٢٩.

٦٤٤
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلةٍ أَخَذَتْ مِن الأُخرَى إليك حبالَها (١)
ومنه قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ﴾ [ آل عمران:
١١٢]٠
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا العوَّامُ، عن الشَّغْبِىّ،
عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه قال فى قوله: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال:
ي (٢)
الجماعةُ() .
/ حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن العَوَّامِ، عن
٣١/٤
الشعبىِّ، عن عبدِ اللَّهِ فى قوله: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: حبلُ اللَّهِ
الجماعةُ .
وقال آخرون : عنَى بذلك القرآنَ والعهدَ الذى عهِد فيه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: حبلُ اللَّهِ المتينُ الذى أمرَ أن يُعتصَمَ به هذا
(١) كان من عادة العرب أن يُخيف بعضُها بعضًا فى الجاهلية، فكان الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا من سيد
كل قبيلة، فيأمن به ما دام فى تلك القبيلة حتى ينتهى إلى الأخرى، فيأخذ مثل ذلك أيضًا ، يريد به الأمان .
اللسان (ح ب ل) والبيت فيه .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٢٠ - تفسير)، والطبرانى (٩٠٣٣) من طريق هشيم به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٠/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
٠- ٠

٦٤٥
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
.(١)
القرآنُ(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: بعهدِ اللَّهِ وأمرِه (٢) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللَّهِ ،
قال: إن الصراطَ مُخْتَضَرٌ، تَحْضُرُه الشياطينُ، ينادُون: يا عبدَ اللَّهِ، هلمّ ، هذا
الطريقُ؛ لِيَصُدُّوا عن سبيلِ اللَّهِ ، فاعْتَصِموا بحبلِ اللَّهِ ، فإِنَّ حبلَ اللَّهِ هو كتابُ
للَّهِ(٣) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، عن أسباطَ ، عن الشُدىِّ :
وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾: أمَّا حبلُ اللَّهِ، فكتابُ اللَّهِ(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿بِحَبْلِ اَللَّهِ ﴾: بعهدِ اللَّهِ(٥) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ جُريج، عن
عطاءٍ: ﴿ بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. قال: العهدُ(٦).
(١) أخرجه البغوى فى تفسيره ٧٨/٢ من طريق شيبان ومعمر عن قتادة به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٩، وأخرجه ابن حاتم فى تفسيره ٧٢٤/٣ (٣٩١٩) عن الحسن به .
(٣) أخرجه الطبرانى (٩٠٣١) من طريق سفيان عن منصور به، وأخرجه الدارمى ٤٣٢/٢، وابن الضريس فى
فضائله ص ٥٠ (٧٤)، والبيهقى فى الشعب (٢٠٢٥) من طرق عن الأعمش عن شقيق به، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٦٠/٢ إلى الفريابى، وعبد بن حميد، وابن الأنبارى فى المصاحف وابن مردويه .
(٤) أخرجه البغوى فى تفسيره ٧٨/٢ من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به .
(٥) أخرجه البغوى فى تفسيره ٧٨/٢ من طريق مسلم بن خالد الزنجى عن ابن أبى نجيح به .
(٦) أخرجه البغوى فى تفسيره ٧٨/٢ من طريق ابن جريج به .

٦٤٦
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: ثنا وكيع، عن الأعمشِ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ:
﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. قال: حبلُ اللَّهِ القرآنُ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوييرٍ، عن الضخَّاكِ
فى قولِه: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: القرآنُ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال : ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى
سليمانَ العَرْزَميِّ، "عن عطيةً)، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: قال رسولُ
اللَّهِ عِهِ: ((كتابُ اللَّهِ، هو حبلُ اللَّهِ الَمْدُودُ من السماءِ إلى الأرضِ))(١).
وقال آخرون : بل ذلك هو إخلاصُ التوحيدِ للَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن
الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ فى قولِه: ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. يقولُ:
اعْتَصِموا بالإخلاصِ للَّهِ وحدَه(٤) .
/حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾. قال: الحبلُ الإِسلامُ. وقرأ: ﴿وَلَا
٣٢/٤
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥١٩ - تفسير)، والطبرانى (٩٠٣٢) من طريق أبى وائل به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٦٠/٢ إلى ابن أبى شيبة وابن المنذر.
(٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن كثير ٧٣/٢ ومصادر التخريج .
(٣) ذكره ابن كثير ٧٣/٢ عن المصنف، وأخرجه أحمد ٣٠٨/١٧ (١١٢١١)، وابن أبى عاصم فى السنة
(١٥٥٣)، وأبو يعلى (١١٤٠)، والطبرانى (٢٦٧٨) من طريق عبد الملك بن أبى سليمان به، وأخرجه ابن
أبى شيبة ٥٠٦/١٠ - ومن طريقه ابن أبى عاصم فى السنة (١٥٥٤) من طريق عطيه به.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٤/٣ (٣٩١٨) من طريق ابن أبى جعفر به .

٦٤٧
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
تَفَرَّقُواْ ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه عز وجل: ﴿ وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾: ولا تتفرَّقوا عن دينِ اللَّهِ وعهدِه الذى
عهد إليكم فى كتابِه، من الاثْتلافِ والاجتماع على طاعته وطاعةِ رسولِه ◌ِ لٍَّ ،
والانتهاءِ إلى أمرِه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا تَفَرَّقُواْ
وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ [٤٣٩/١ و] عَلَيْكُمْ﴾: إن اللّهَ عزّ وجلَّ قد كرِه لكم الفُرْقةَ، وقدَّم
إليكم فيها، وحَذَّرَ كموها ، ونهاكم عنها، ورضِى لكم السمعَ والطاعةَ ، والأَلْفَةَ
والجماعةَ ، فارْضَوْا لأنفسِكم ما رضِى اللَّهُ لكم إن استطعتم، ولا قوةَ إلا باللّه(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الرَّبِيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿ وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾: لا تَعادَوْا عليه. يقولُ: على الإخلاصِ
للَّهِ، وكونوا (٣) عليه إخوانً(٤).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالح، أن
الأوزاعيَّ حدَّثه، أن يزيدَ الرَّقَاشىَّ حدَّثْه ، أنه سمِع أنسَ بنَ مالك قال : قال رسولُ
اللَّهِ مَّهِ: ((إن بنى إسرائيلَ افْتَرَقتْ على إحدى وسبعين فِرْقَةً، وإن أُمَّتِى ستَفْتَرِقُ
على اثنتين وسبعين فرقةً، كلَّهم فى النارِ إلّ واحدةً)). قال: فقيل: يا رسولَ اللَّهِ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦١/٢ إلى المصنف.
(٢) ينظر التبيان ٥٤٦/٢.
(٣) فى ص، ت ١: ((تكونوا)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٤/٣ (٣٩٢١) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به.

٦٤٨
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
وما هذه الواحدةُ؟ قال: فقبَض يدَه وقال: ((الجماعةُ، ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ﴾))(١).
حدَّثنى عبدُ الكريم بنُ أبى عُميرٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلم، قال: سَمِعتُ
الأوزاعىَّ يُحدِّثُ عن يزيدَ الرَّقَاشىِّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، عن النبيِّ عَ لَه
(٢)
نحوه
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المحارِيئُ، عن ابنٍ أبى خالدٍ، عن الشَّعْبىِّ، عن
ثابتِ بنِ قُطْبةً(٣) المُنِيّ(٤)، عن عبدِ اللَّهِ ، أنه قال: يا أيها الناسُ، عليكم بالطاعةِ
والجماعةِ ، فإنها (٥) حبلُ اللَّهِ الذى أمَر به، وإنَّ ما تَكْرَهون فى الجماعةِ والطاعةِ ، هو
خيرٌ مما تَسْتَحِبُون فى الفُرْقَةِ(٦).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ السكرىُّ(٧)، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن
إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن الشعبىِّ، عن ثابتِ بنِ قُطْبَةً ، قال : سَمِعتُ ابنَ
مسعودٍ وهو يَخْطُبُ ، وهو يقولُ: يا أيها الناسُ. ثم ذكَر نحوّهُ(٨) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٣/٣ (٣٩١٥) من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح به.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من طريق الوليد بن مسلم عن أبى عمرو الأوزاعى عن قتادة عن أنس به .
(٣) فى م، س: ((قطنة)). وينظر التاريخ الكبير ٢/ ١٦٨.
(٤) فى ص: ((المرنى))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((المرى)). والمثبت موافق لما فى طبقات ابن سعد
١٩٧/٦، وثقات ابن حبان ٩٢/٤، ونسبه فى التاريخ الكبير: ((المدنى)).
(٥) فى م، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن أبى حاتم: ((فإنهما)). وينظر الأثر بعد الآتى.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٣/٣ (٣٩١٦) من طريق إسماعيل - وهو ابن أبى خالد - به .
(٧) فى م: ((اليشكرى)) .
(٨) أخرجه اللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد ١٠٨/١ من طريق محمد بن يزيد به .

٦٤٩
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ حفصِ الأُثْلِىُّ(١) ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ أبو هشامٍ ، قال :
ثنا مجالدُ بنُ سعيدٍ ، عن عامٍ ، عن ثابتِ بنِ قُطْبَةً(٢) المُزْنِىّ(٣) ، قال: قال عبدُ اللَّهِ :
عليكم بالطاعةِ والجماعةِ ، فإنها حبلُ اللَّهِ الذى أمَر به. ثم ذكر نحوَهُ(٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُمْ أَعْدَاءٍ فَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا﴾ .
/ يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: واذكُروا ما أَنْعَم
اللَّهُ به عليكم مِن الأُلْفَةِ والاجتماعِ على الإسلامِ .
٣٣/٤
واختلف أهلُ العربيةِ فى قوله: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾؛ فقال
بعضُ نحوِّ البصرةِ فى ذلك: انقطَع الكلامُ عندَ قولِه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ﴾. ثم فُسِّر بقولِه: ﴿ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾. وأخبَرَ بالذى كانوا فيه قبلَ
التأليفِ، كما تقولُ: أمسِكِ الحائطَ(٥) أن يَمِيلَ.
وقال بعضُ نحوِّى الكوفةِ: قولُه: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءٍ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
تابعٌ قوله: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ مُنْقَطِعةٍ منها.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن قوله: ﴿ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ﴾. متصلٌ بقولِه: ﴿وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. غيرُ منقطعٍ عنه.
وتأويلُ ذلك : واذكُروا أيها المؤمنون نعمةَ اللَّهِ عليكم التى أنعم بها عليكم حينَ
(١) فى م: ((الآملى))، وفى س: ((الايلى)). وينظر تهذيب الكمال ٣/ ٦٢.
(٢) فى م، س: ((قطنة)).
(٣) فى ص: ((المرنى))، وفى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((المرى)).
(٤) أخرجه الآجرى فى الشريعة (١٧) من طريق مجالد به، وأخرجه الحاكم ٥٥٥/٤ من طريق أبى حصين عن عامر.
(٥) بعدها فى ت ١: ((قبل)).

٦٥٠
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
كنتُم أعداءً، أى بشركِكم (١)، يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا عصبيةً ، فى غيرِ طاعةِ اللهِ ولا
طاعةٍ رسولِهِ ، فَأَلَّف اللَّهُ بالإِسلامِ بينَ قلوبِكم ، فجعَل بعضكم لبعضٍ إخوانًا - بعدَ
أن(٢) كنتم أعداءً - تَتَواصلون بأَلْفَةِ الإِسلامِ، واجتماع كلمتِكم عليه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ أَعْدَآءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾: كنتم
تَذْابَحون فيها، يَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى جاء اللَّهُ بالإسلامِ، فَآخَى به
بينَكم وألّف به بينكم، أما واللَّهِ الذى لا إلهَ إلا هو، إنَّ الأَلْفةَ لرحمةٌ ، وإنَّ
ءُ
الفُرْقةَ لعذابٌ (٣) .
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ ﴾ : يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا،
0
ويَأْكُلُ شديدُكم ضعيفَكم، حتى جاء اللَّهُ بالإِسلام، فَأَلَّف به بينكم، وجمَع
جمعَكم عليه، وجعَلكم عليه إخوانًا (٤) .
فالنعمةُ التى أَنعَم اللَّهُ على الأنصارِ ، التى أمَرهم تعالى ذكرُه فى هذه الآيةِ أن
يَذْكُروها، هى أُلْفةُ الإسلامِ، واجتماعُ كلمتِهم عليها، والعداوةُ التى كانت
بينَهم ، التى قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ ﴾ . فإنها عداوةُ الحروبِ التى
كانت بينَ الحيين مِن الأُوسِ والخزرج فى الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ ، يَزْعُمُ العلماءُ بأيام
العربِ أنها تطاوَلت بينَهم عشرين ومائةً سنةٍ .
(١) فى ص: ((شرككم)).
(٢) فى م: ((إذا)) .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦١/٢ إلى ابن المنذر وفيه زيادة مرسلة إلى النبى عظامه.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٥/٣ (٣٩٢٥) من طريق ابن أبى جعفر به مختصرًا .

٦٥١
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: قال ابنُ إسحاقَ : كانت الحربُ
بينَ الأوسِ والخزرج عشرين ومائةً سنةٍ ، حتى قام الإِسلامُ وهم على ذلك، فكانت
حربُهم بينَهم وهم أخوان لأُبٍ وأمّ ، فلم يُسمَعْ بقومٍ كان بينَهم مِن العداوةِ والحربِ
ما كان بينَهم، ثم إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ أطفَأ ذلك بالإسلامِ، وأَلَف بينَهم برسولِه
(١)
محمدٍ عَلِيمٍ (١).
فذكَّرهم جلَّ ثناؤه إذ وعظَهم ، عظيمَ ما كانوا فيه فى جاهليتهم مِن البلاءِ
والشقاءِ، بمعاداةِ بعضِهم بعضًا، وقتلٍ بعضِهم بعضًا، وخوفٍ بعضِهم [٤٣٩/١ ظ]
مِن بعضٍ ، وما صاروا / إليه بالإسلام، واتباع الرسول پڼ والإيمان به، وبما جاء به
مِن الائتلافِ والاجتماع، وأَمْنٍ بعضِهم مِن بعضٍ، ومصيرِ بعضِهم لبعضٍ إخوانًا .
٣٤/٤
وكان سببَ ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال : ثنى ابنُ
إسحاقَ ، قال : ثنا عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ المدنُ(١)، عن أشياخٍ مِن قومِه ، قالوا :
قدِمِ سُويدُ بنُ صامتٍ ، أخو بنى عمرو بنِ عوفٍ ، مكةً حاتًّا أو معتمِرًا. قال: وكان
سويدٌ إنما يُسَمِّيه قومُه فيهم الكاملَ؛ لجَلَدِه وشِعْرِهِ ونسبِه وشرفِه . قال: فتَصدَّى له
رسولُ اللّهِ وَمِ حينَ سمِع به، فدعاه إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ وإلى الإسلامِ ، قال : فقال له
سُويدٌ : فلعلَّ الذى معك مثلُ الذى معى. قال: فقال له رسولُ اللّهِ عَّهِ: ((وما الذى
معك؟)) قال: مَجَلَّةُ لُقْمانَ - يعنى حكمةَ لقمانَ - فقال له رسولُ اللَّه ◌ُطِعٍ:
((اعْرِضْها علىَّ)). فعرَضها عليه، فقال: ((إن هذا الكلامُ(٢) حسَنٌ، معى أفضلُ مِن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦١/٢ إلى المصنف مختصرًا.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٣، س: ((الكفرى))، وفى ت ٢: ((الكفوى)).
(٣) فى م: ((الكلام)) .

٦٥٢
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
هذا، قرآنٌ أَنزَله اللَّهُ علىَّ، هدى ونورٌ)). قال: فتلا عليه رسولُ اللَّهِ مِِّ القرآنَ،
ودعاه إلى الإسلام، فلم يَتْعُدْ (١) منه، وقال : إن هذا القولَ حسنٌ ، ثم انصرف عنه ،
وقدِمِ المدينةَ ، فلم يَلْبَتْ أَن قَتَلَتْه الخزرجُ ، فإن كان قومُه لَيَقُولُون: قد قتِل وهو
مسلمٌ. وكان قتلُه قبلَ يومٍ بُعاثٍ (١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال: ثنى
الحُصَينُ(٢) بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرو بنِ سعدِ بنِ مُعاذٍ ، أحدُ بنى عبدِ الأشهلِ، أن
محمودَ بنَّ ◌َبِيدٍ(٤) ، أحدَ بنى عبدِ الأشهلِ، قال: لما قدِم أبو الحَيْسَِ(٥) أنسُ بنُ رافعٍ
مكةَ ، ومعه فتيةٌ مِن بنى عبدِ الأشهلِ، فيهم (١) إياسُ بنُ معاذٍ، يلتمِسون الحِلْفَ مِن
قريشٍ على قومٍ مِن الخزرجِ، سمِع بهم رسولُ اللَّهِ عَمِ فأتاهم، فجلس إليهم،
فقال: ((هل لكم إلى خيرٍ مما جِئْتُم له؟)) قالوا: وما ذاكَ؟ قال: ((أنا رسولُ اللَّهِ،
بعَثنى إلى العبادِ، أَدْعُوهم إلى اللّهِ ، أن يَعْبُدُوا(٧) اللَّهَ ولا يُشْرِكُوا(٨) به شيئًا، وأَنْزَل
علىَّ الكتابَ)). ثم ذكَر لهم الإِسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ، فقال إِياسُ بنُ معاذٍ ،
وكان غلامًا حدثًا: أْ قومُ، هذا واللَّهِ خيرٌ مما جِئْتُم له. قال: فأخَذُ(١) أبو الحيسِ
:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يبعده)، وفى س: (( يتعده).
(٢) سيرة ابن هشام ٤٢٥/٢ - ٤٢٧، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٣٥١/٢، ٣٥٢.
(٣) فى م، ت ١، س: ((الحسين)). وينظر تهذيب الكمال ٥١٧/٦.
(٤) فى م: ((أسد)).
(٥) فى ص، م، ت١: ((أبو الجيش))، وفى ت ٢، ت ٣: ((الحسين))، والمثبت من تاريخ المصنف، وسيرة
ابن هشام .
(٦) فى س: ((منهم)).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( يعبدون)).
(٨) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( يشركون)) .
(٩) فى تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام: ((فيأخذ)).
(١٠) فى ص، م، س: ((الجيش))، وفى ت١: ((الحسن))، وفى ت ٢، ت ٣: ((الحسين)).

٦٥٣
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
أنسُ بنُ رافع حَفْنةٌ مِن البطحاءِ فضرَب بها وجهَ إياسٍ بنِ معاذٍ ، وقال: دَعْنا منك،
فَلَعَمْرى لقد جِئْنا لغيرِ هذا، قال: فصمَت إياسُ بنُ مُعاذٍ ، وقام رسولُ اللَّهِ سَ لامِ
عنهم، وانصرَفوا إلى المدينةِ، وكانت وقعةُ بُعاثٍ بينَ الأُوسِ والخزرج. قال: ثم لم
يَلْبَثْ إياسُ بنُ معاذٍ أن هلك. قالَ: فلمَّا أراد اللَّهُ إظهارَ دينِه، وإعزازَ نبيِّه ◌َلَّهِ،
وإنجازَ موعدِه له، خرَج رسولُ اللَّهِ وَلِ فى (١) الموسمِ الذى لقِى فيه النفَرَ مِن
الأنصار ، فعرض (١) نفسه علی قبائل العرب، کما کان یَصْنُ فی کلّ موسم ، فبينا
هو عندَ العقبةِ، إذ لقِى رهطًا مِن الخزرج أراد اللَّهُ لهم(١) خيرًا، قال ابنُ حميدٍ : قال
سلمةُ : قال محمدُ بنُ إسحاقَ: فحدَّثنى عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قتادةَ ، عن أشياخٍ مِن
قومِه، قالوا: لما لقِيّهم رسولُ اللَّهِ عَ لِّ قال لهم: ((مَن أنتم؟)) قالوا: نفرٌ مِن
الخزرجِ. قال: ((أمِنْ مَوَالى يَهُودَ؟)) قالوا: نعم. قال: ((أفلا تجلسون حتى
أَكَلِّمَكم؟)) قالوا: بلى. قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى اللَّهِ، وعرض عليهم
الإسلامَ، وتلا عليهم القرآنَ. قال: وكان مما صنَع اللَّهُ لهم به فى الإسلامِ، أن يَهُودَ
كانوا / معهم ببلادِهم، وكانوا أهلَ كتابٍ وعلمٍ، وكانوا أهلَ شرك أصحابَ
أوثانٍ ، وكانوا قد عزُّوهم ) ببلادِهم، فكانوا إذا كان بينَهم شىءٌ قالوا لهم : إن نبيًّا
الآنَ مبعوثٌ قد أظلَّ زمانُه، نَتَّبِعُه ونَقْتُلُكم معه قتلَ عادٍ وإرَمَ ، فلما كلَّم رسولُ اللَّهِ
عَ المِ أولئك النفرَ، ودعاهم إلى اللَّهِ عزَّ وجلّ، قال بعضُهم لبعضٍ: يا قومُ،
٣٥/٤
(١) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يعرض)). وهو صحيح أيضا، والمثبت موافق لما فى مصدرى
التخريج .
(٣) فى تاريخ المصنف، وسيرة ابن هشام: ((بهم)).
(٤) فى م، وسيرة ابن هشام: ((غزوهم)). وعزُّوهم: غلبوهم. اللسان (ع زز).

٦٥٤
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
تعلمون (١) واللَّهِ إنه للنبىُ الذى توَّدُكم به يهودُ ، فلا ١ يَشْبِقُنَّكم إليه. فأجابوه
فيما (١) دعاهم إليه بأن صدَّقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم مِن الإسلام، وقالوا له : إنا
قد تركنا قومَنا ولا قومَ بينَهم مِن العداوةِ والشرِّ ما بينَهم، وعسى "اللَّهُ أَن يَجْمَعَهمّ"
بك، وستَقْدَمُ(٥) عليهم فنَدْعُوهم(٤) إلى أمرِك، ونعرِضُ(١) عليهم(4) الذى أجبناك
إليه (١) مِن هذا الدينِ، فإن يَجْمَعْهم اللَّهُ عليه فلا رجل أعزُّ منك. ثم انصرفوا عن
رسولِ اللهِ عَ لَه راجعِين إلى بلادِهم، قد آمنوا وصدَّقوا، وهم فيما ذكِر لى ستةُ نفرٍ .
قال: فلما قدِموا المدينةَ على قومِهم، ذكَروا لهم رسولَ اللَّهِ مَ له، ودعَوهم إلى
الإِسلامِ حتى فشا فيهم، فلم يَبقَ دارٌ من دورِ الأنصارِ إلا وفيها ذِكرٌ من رسولِ اللَّهِ
عَظَاهِ، حتى إذا كان العالمُ المقبلُ، وافى (١٠) الموسمَ مِن الأنصارِ اثنا عشَرَ رجلًا، فلقُوه
بالعقبةِ، وهى العقبةُ الأولى، فبايَعوا رسولَ اللَّهِ عَ لَّمِ على بيعةِ النساءِ، وذلك قبلَ أن
يُفْتَرَضَ عليهم الحربُ(١١).
(١) فى م، وسيرة ابن هشام: ((تعلموا))، وفى تاريخ المصنف: ((تعلمن)).
(٢) فى النسخ: ((ولا)). والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام.
(٣) فى س: ((إلى ما)).
(٤ - ٤) فى م: ((أن يجمعهم اللَّه)).
(٥) فى ص، ت ١: ((ستقدم)).
(٦) فى ت ١: ((فتدعوهم)).
(٧) فى ص، ت ١، وسيرة ابن هشام: ((تعرض)).
(٨) بعده فى ت ٢: (( الإسلام)).
(٩) فى س: ((عليه)) .
(١٠) فى ص، ت ١: ((واتى)).
(١١) سيرة ابن هشام ٤٢٧/١ - ٤٣١، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٣٥٢/٢ - ٣٥٥.

٦٥٥
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
أيوبَ، عن عكرمةَ، أنه لقِى النبىَّ عِِّ ستةُ نفرٍ مِن الأنصارِ، فَآمَنوا به
وصدَّقوه، [٤٤٠/١ و] فأراد أن يَذْهَبَ معهم، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إن بينَ قومِنا
حربًا ، وإنا نَخافُ إِن جثْتَ على حالِك هذه ألَّ يتهيأَ الذى تُريدُ. فواعَدوهُ(١) العامَ
المقبلَ، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ نَذْهبُ، فلعل (٢) اللَّهَ أن يُصْلِحَ تلك الحربَ . قال:
فذهبوا ففعلوا ، فأصلح اللّهُ عزَّ وجلَّ تلك الحرب ، و كانوا يُزَوْنَ أنها لا تصلحُ ، وهو
يومُ بُعاثٍ ، فلقُوه مِن العام المقبلِ سبعين رجلاً قد آمنوا، فأخذ عليهم(١) النقباءَ اثْنَىْ
عشرَ رجلاً() نقيبًا، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ
فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾(٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: أما ﴿ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءُ ﴾: ففى حربٍ سُمَيْرٍ (١)، ﴿فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
(٧)
بالإسلام().
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنا أبو سفيانَ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ،
عن عكرمةَ بنحوِه، وزاد فيه: فلما كان مِن أمرٍ عائشةً ما كان، فتثَاوَر " الحيَّانِ،
(١) فى م: ((فوعدوه)).
(٢) فى س، وتفسير عبد الرزاق: ((لعل)).
(٣) فى تفسير عبد الرزاق، والدر المنثور: ( منهم)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٢٩/١. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦١/٢ إلى ابن المنذر.
(٦) سقط من النسخ، والمثبت مما سيأتى فى الصفحة التالية. وينظر ما تقدم فى ٢٠٨/٢.
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٥/٣ (٣٩٢٧) من طريق أحمد بن المفضل به مقتصرًا على آخره .
(٨) تثاورا : تواثبا . ينظر التاج (ث ور).

٦٥٦
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
فقال بعضُهم لبعضٍ: موعدُكم الحَرَّةُ. فخرجوا إليها، فنزَلت هذه الآيةُ:
﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ:
إِخْوَانًا﴾ الآية. فأتاهم رسولُ اللَّهِ مَّهِ، فلم يَزَلْ يَتْلُوها عليهم حتى اعتَنَق بعضُهم
بعضًا، وحتى إن لهم لخَنِينًا(١)، يعنى البكاءَ(٢).
وسُميز الذی زعم السدُ أن قوله : ﴿ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءُ ﴾ . عنى به حربه ، هو
سُمَيرُ بنُ زيدِ بنِ مالكِ، أحدُ بنى عمرو بنِ عوفٍ ، الذى ذكّره مالكُ بنُ العجلانِ
(٤)
فی قولِه(4) :
٣٦/٤ / إنَّ سُمَيرًا أَرَى عَشيرتَهُ قد حدِبوا(٥) دونَه وقد أَنِفوا(٦)
إِنْ يَكُنِ الظنّ صادِقِى ببنى النجّارِ لم يَطْعَمُوا الذى عُلِفوا (٧)
وقد ذكّر علماءُ الأنصارِ أن مبدأ العداوةِ التى هيَّجت ( الحروبَ التى كانت
بينَ قبيلتيها الأوسِ والخزرجِ وأولَها، كان بسببٍ قتلِ(٩) مولّى لمالكِ بنِ العجلانِ
الخزرجىٌّ، يقالُ له: الحُهُ(١٠) بنُ سُميرٍ. مِن مُزَيْنَةَ، وكان حليفًا لمالكِ بنِ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لحنينا))، وفى س: ((لنحيبا)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦١/٢ إلى المصنف.
(٣) ذكره أبو الفرج فى الأغانى ٣/ ٤٠: ((یزید))، و کذا ذکر أخاه درهم بن یزید، وفى نسخ منه فى اسم
أخيه (( زيد)).
(٤) جمهرة أشعار العرب ٦٣٧/٢، والأغانى ٣/ ٢٠، والخزانة ٢٧٩/٤.
(٥) حدب : تعطّف وحنا . ينظر التاج (ح د ب).
(٦) فى م: ((أبقوا)).
(٧) فى ص، م، ت ٢، ت ٣، س: ((علقوا)). وقال أبو الفرج فى الأغانى: يقال: عُلِفوا الضيم: إذا أقروا
به . أى : ظنى أنهم لا يقبلون الضيم .
(٨) فى ص، ت ١، س: ((هاجت)).
(٩) فى ص، ت ١: ((قتلة))، وفى س: ((قبيلة)).
(١٠) کذا فی النسخ، وفی خزانة الأدب : ( بجیر ))، وفی شرح دیوان حسان ص ٨١ نقلا عن ابن الكلبی
وغيره: ((أبجر)).

٦٥٧
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
العجلانِ ، ثم اتصلت تلك العداوةُ بينَهم، إلى أن أطفأها اللَّهُ بنبيّه محمدٍ عَ لَه.
فذلك معنى قولِ السدىِّ : حربُ سُمیٍ" .
وأما قولُه: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنَا﴾. فإنه يعنى: فأصبحتم بتأليفِ اللَّهِ
عزَّ وجلَّ بينَكم بالإسلام وكلمةِ الحقِّ ، والتعاونِ على نصرةِ أهلِ الإِيمانِ ، والتآزرِ
على مَن خالَفكم مِن أهلِ الكفرِ ، إخوانًا متصادِقين، لا ضغائنَ بينَكم ولا تحاسدَ .
كما حدَّثنى بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ، إِخْوَانًا﴾: ذُكِر(١) لنا أن رجلًا قال لابن مسعودٍ: كيف
أصبحتم؟ قال : أصبَحنا بنعمةِ اللَّهِ إخوانًا .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنَذَكُم مِّنْهَا﴾ .
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ ﴾: وكنتم يا معشرَ
المؤمنين من الأوس والخزرج، على حرفٍ حفرةٍ مِن النارِ . وإنما ذلك مَثَلٌ لكفرِهم
الذى كانوا عليه قبلَ أن يَهْدِيَهم اللَّهُ للإسلام ، يقول تعالى ذكرُه: وكنتم على طرْفٍ
جهنمَ بكفرِكم الذى كنتم عليه قبلَ أن يُنْعِمَ اللَّهُ عليكم بالإسلامِ، فتصيروا
بائتلافِكم عليه إخوانًا ، ليس بينكم وبينَ الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك مِن
كفرٍكم، فتكونوا مِن الخالدين فيها ، فأنقَذ كم اللَّهُ منها بالإيمانِ الذى هداكم له .
وشفا الحفرةِ طْفُها وحرفُها، مثلُ شفا الرَّكِيَّةِ والبئرِ، ومنه قولُ الراجزِ:
نحن حفرَنا للحجيج سَجْلَةْ
نابتةٌ فوقَ شفاها بَقْلَهُ(٣)
(١) فى م: ((ابن سمير)).
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((وذكر)).
(٣) لم نجد هذا الرجز، وأقرب ما ورد إليه ما ذكره أبو عبيد البكرى فى معجم ما استعجم ٣/ ٧٢٤. تعريف =
( تفسير الطبرى ٤٢/٥ )

٦٥٨
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
يعنى : فوقَ حرفِها. يقالُ: هذا شفَا هذه الرَّكِيَّةِ، مَقْصورٌ، وهما شفَواها .
٣٧/٤
/ وقال: ﴿ فَأَنْقَذَكُم مِّنْهًّا﴾. يعنى(١): فأنقَذكم مِن الحفرةِ. فردَّ الخبرَ إلى
الحفرة، وقد ابتدَأ الخبرَ عن الشَّفَا؛ لأن الشَّفا مِن الحفرةِ ، فجاز ذلك ، إذ كان الخبرُ
عن الشفا على السبيلِ التى ذكرها فى هذه الآيةِ خبرًا عن الحفرة ، كما قال جريرُ بنُ
-(٢)
عطيةً(٢) :
رَأَتْ موَّ السنينَ أَخَذْنَ منى كما أَخَذ السّرارُ مِن الهلالِ
فذكر ((مرَّ السنين))، ثم رجَع إلى الخبرِ عن السنينَ، وكما قال العجاج (":
طُولُ اللَّيَالِى أَسْرَعَتْ فى نَقْضِى
طَوَيْنَ طُولى وطوين عرضى
وقد بيَّنتُ العلةَ التى مِن أجلِها قيل ذلك كذلك فيما مضى قبلُ(٢).
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك مِن التأويلِ قال أهلُ التأويلِ .
= سجلة فقال : بئر احتفرها قصى بمكة ، وقال :
أنا قصی وحفرت سَجْلَهْ
تُرْوِى الحجيجَ زُغْلَةً فَرُغْلَةْ
وقيل : بل حفرها هاشم، ووهبها أسد بن هاشم لعدى بن نوفل ، وفى ذلك تقول خالدة بنت هاشم :
نحن وهبنا لعدی سَجْلَةْ
تُرْوِى الحجيجَ زُغْلَةٌ فَرُغْلَةْ
(١) بعده فى ص: ((فأنقذكم منها)).
(٢) شرح ديوان جرير ص ٥٤٦. وتفسير الآية ٣٣ من سورة الرعد .
(٣) السرار بكسر السين وفتحها : آخر ليلة من الشهر، يستسر الهلال بنور الشمس. وينظر التاج (س ر ر)
والمراد فى البيت نقصان القمر حتى يبلغ أن يكون هلالا .
(٤) وكذا نسبه إليه سيبويه فى الكتاب ٥٣/١، ونسبه أبو حاتم فى المعمرين ص ١٠٨، وأبو الفرج فى الأغانى
٢٨/٢١ إلى الأغلب العجلى، وفى روايته اختلاف، وينظر الخزانة ٢٢٤/٤ - ٢٢٦.
(٥) ينظر ما تقدم فى ٢٤٧/٤، ٢٤٨.

٦٥٩
سورة آل عمران : الآية ١٠٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا
حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنَقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، ﴾: كان هذا الحىُّ مِن
العربِ أذلَّ الناسِ ذلًا ، وأشقاه عيشًا، وأبينَه ضلالةً، وأعْراهُ جلودًا، وأجوعَه
بطونًا، مَكْثُومين (١) على رأسٍ حجرٍ بينَ الأسدَين فارسَ والرومٍ، لا واللَّهِ، ما فى
بلادِهم يومَئذٍ مِن شىءٍ يُحْسَدُون عليه، مَن عاش منهم عاش شقِيًّا، ومن ماترُدِّى
فى النارِ ، يُؤْكَلون ولا يَأْكُلون، واللَّهِ ما نَعْلَمُ قبِيلًا يومَئذٍ مِن حاضرِ الأرضِ كانوا
فيها أصغَرَ حظًّا وأدقَّ فيها شأنًا منهم، حتى جاء اللَّهُ عزَّ وجلَّ بالإسلامِ، فورَّثكم
[٤٤٠/١ظ] به الكتابَ، وأحلَّ لكم به دارَ الجهادِ، ووضَع لكم به مِن الرزقِ ،
وجعَلكم به ملوكًا على رقابِ الناسِ، وبالإسلامِ أعطى اللَّهُ ما رأيتم، فاشْكُروا
نعمَهُ(١) ، فإِن ربّكم مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشاكرين، وإن أهلَ الشكرِ فى مزيدِ اللَّهِ ، فتعالى
ربنا وتبارَكُ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الربيعِ بنِ أنسٍ قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ ﴾ . يقولُ: كنتم على الكفرِ
باللّهِ، ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ : من ذلك وهداكم إلى الإسلامِ.
/حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
٣٨/٤
السدىِّ: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهًا﴾: بمحمدٍ عَّهِ. يقولُ:
(١) فى م: ((معكومين))، وكعم البعير: شدَّ فاه فى هياجه لئلا يعض أو يأكل، وكعمه الخوف: أمسك فاه .
اللسان (ك ع م) .
(٢) فى س: ((نعمة اللَّه)).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٥٨١/٣ عن قتادة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٧/٣ إلى المصنف
وابن المنذر وأبى الشيخ .

٦٦٠
سورة آل عمران: الآيتان ١٠٣، ١٠٤
كنتم على طرفٍ النارِ، من مات منكم أُوبِق(١) فى النارِ، فبعث اللَّهُ محمدًا عَلـ
فاستَنقَذكم به مِن تلك الحفرةٍ(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال : ثنا حسنُ بنُ
حىّ(٣): ﴿وَكُنْتُمْ عَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. قال: عصبيةٌ .
١٠٣
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
يَغْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿كَذَلِكَ ﴾: كما بيَنَّ لكم ربُّكم فى هذه الآياتِ أيُّها
المؤمنون مِن الأُوسِ والخزرج، مِن غِلٌ اليهودِ الذى يُضْمِرونه لكم، وغشِّهم
لكم، وأمرِه (١) إياكم بما أمَركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحالِ التى
كنتم عليها فى جاهليتكم والتى صِرْتم إليها فى إسلامِكم، مُعَرِّفَكم(٦) فى كلِّ ذلك
مواقعَ نعمِه قِتَلکم وصنائعه لدیکم - فکذلك یبی() سائر حجچِه لکم فی تنزيله،
وعلى لسانِ رسولِهِ عَ لَه، ﴿لَعَلَّكُمْ نَّهْتَدُونَ ﴾ يَغْنِى: لتَهْتَدُوا إلى سبيلِ الرشادِ
وتَسْلُكوها فلا تَضِلُّوا عنها .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِّنكُمْ أُمَّةُ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ
ج
١٠٤
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ﴿ وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّةٌ﴾. يقولُ:
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( وبقى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٢٦/٣ (٣٩٣٠، ٣٩٣١) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٣) فى م: ((يحيى)). وينظر تهذيب الكمال ٦/ ١٧٧.
(٤) فى م: ((علماء)).
(٥) فى ص، ت ١، س: ((أمرهم)).
(٦) فى م: ((يعرفكم)).
(٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لكم)).
م