النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
سورة آل عمران : الآية ٨١
ويُصَدِّقوه وينصُرُوهُ(١) .
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفْضَّل، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشّدىِّ: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَبٍ وَحِكْمَتٍِ﴾ الآية.
قال: لم يَبْعثِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ نبيًّا قطُّ من لَدنْ نوح إلا أخَذ ميثاقَه لَيؤْمِنَنَّ بمحمدٍ
ولَيَنْصُرَنَّه إن خرَج وهو حىٍّ، وإلا أخَذ على قومِه أن يؤمنوا به، ولَينصُرُنَّه إن خرّج
وهم أحياءٌ(٢) .
حدثنى محمدُ بنُّ سنانٍ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ (١) بنُ عبدِ المجيد أبو بكر الحنفىُ،
قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ ، قال: سألتُ الحسنَ عن قولِه: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ
النَّبِنَ لَمَآ ءَاتَّيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الآية كلّها. قال: أخَذ اللَّهُ ميثاقَ
النبيِّينَ لَيبلُغَنَّ آخرَكم أولُكم ولا تَختلفوا (*).
وقال آخرونَ : معنى ذلك أنه أخَذ مِيثاقَ النبيِّينَ وأَمِهم، فاجْتَزاً بذكرِ الأنبياءِ عن
ذكرٍ أُمِها؛ لأنَّ فى ذكرٍ أُخْذِ الميثاقِ على المتبوعِ دلالةً على أخْذهِ على النَُّاعِ؛ لأنَّ
الأُمْمَ تُجَاعُ الأنبياءِ .
ذِكرُ مَن قالَ ذلك
حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمدِ بنِ أیی
محمدٍ ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: ثم ذكَر ما أُخِذَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٤/٢ (٣٧٦١)، من طريق أحمد بن مفضل به .
(٣) فى س: ((الكريم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٣/١٨.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف .

٥٤٢
سورة آل عمران : الآية ٨١
عليهم - يعنى : على أهلِ الكتابِ - وعلى أنبيائهم مِن الميثاقِ بتصْديقه - یعنی :
بتصديقٍ محمدٍ عَ لَّهِ - إذا جاءَهم، وإقرارِهم به على أنفُسِهم، فقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ
اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ ().
حدثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
ثنى محمدُ بنُّ أبى محمدٍ مولَى زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ ، أو عكرمةُ،
عن ابنِ عباسٍ مثلَه(٢) .
٣٣٣/٣
وأؤْلَى هذه الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معنى ذلك الخبرُ عن أخْذِ
اللَّهِ الميثاقَ مِن أنبيائِه، بتصديقِ بعضِهم بعضًا، وأُخْذِ الأنبياءِ على أَمِها وتُتَاعِها
الميثاقَ بنحوِ الذى أخَذ عليها رَبُّها، مِن تَصْدِيقِ / أنبياءِ اللَّهِ ورسلِه بما جاءتها به؛ لأنَّ
الأنبياء عليهم السلامُ بذلك أُرسلَتْ إِلى أَمَمِها ، ولم يَدَّع أحدٌ مِن صدَّق المرسلينَ أنَّ
نبيًّا أُرسِلَ إلى أَمَّةٍ بتكذيبِ أحدٍ مِن أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ وحججِه فی عباده، بل
كلُّها - وإن كذَّب بعضُ الأُمَ بعضَ أنبياءِ اللَّهِ بجحودِها نبؤَّتَه - مُقِرةٌ بأنَّ مَن ثبتَتْ
صحةُ نُبُوَّتِه ، فعليها الدَّيْنونَةُ بتصديقِه ، فذلك ميثاقٌ مُقِرٍّ به جَميعُهم . ولا مَعنى
لقولٍ مَن زعَم أنّ الميثاقَ إنما أُخِذَ على الأمم دونَ الأنبياءِ ؛ لأنّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد أخبر أنه
أخَذ ذلك مِن النَّبينَ، فسواءٌ قال قائلٌ: لَم يأخذْ ذلك منها ربُّها . أو قال : لم يأمرها
ببلاغ ما أُرْسِلتْ. وقد نصَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ أنه أمرَها بتبليغِه؛ لأنهما جميعًا خَبرانٍ مِن
اللَّهِ عنها؛ أحدُهما أنه أخَذ منها، والآخرُ منهما أنه أمرّها ، فإن جازَ الشُّ فى
أحدِهما جازَ فى الآخرِ . وأمَّا ما اسْتَشْهَدَ به الربيعُ بنُ أنسٍ ، على أنَّ المعنىّ بذلك أهلُ
(١) سيرة ابن هشام ٥٥٥/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٤/٢، ٦٩٥ (٣٧٦٤) من طريق سلمة ،
عن محمد بن إسحاق قوله . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٣٨٤/٥ من طريق يونس بن بكير به .

٥٤٣
سورة آل عمران : الآية ٨١
ج
الكتابِ، مِن قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. فإِنَّ ذلك غيرُ شاهدٍ على صحةِ ما
قال؛ لأنَّ الأنبياءَ قد أَمِرَ بعضُها بتصديقٍ بعضٍ، وتصديقُ بعضِها بعضًا نُصْرَةٌ مِن
بعضِها بعضًا .
ثم اختلفوا فى الذين عُنوا بقولِه: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ
ج
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾؛ فقال بعضُهم: الذين عُنوا بذلك هم الأنبياءُ، أُخذتْ
مواثيقُهم أن يُصدِّق بعضُهم بعضًا، وأن ينصرُوه. وقد ذكرنا الروايةَ بذلك عمن
قالَه .
وقال آخرون: هم أهلُ الكتابِ ، أُمروا بتصْديقِ محمدٍ عَ لَّمِ إذا بعثَّه اللَّهُ،
وبنُصرَّتِه ، وأَخِذ ميثاقُهم فى كتبِهم بذلك. وقد ذكرنا الروايةَ بذلك أيضًا عمن
قالَه .
وقال آخرونَ - ممن قال : الذين عُنوا بأُخْذِ اللَّهِ ميثاقَهم منهم فى هذه الآيةِ هم
الأنبياءُ -: قولُه: ﴿ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ مَغْنِىٌّ به أهلُ الكتابِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال : أخبرنا مَعمرٌ ، قال :
أخبرنا ابنُ طاوسٍ ، عن أبيه فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِّئِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن
كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ﴾. قال: أَخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا، ثم
قال: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾. قال:
ج
فهذه الآيةُ لأهلِ الكتابِ، أَخَذ اللَّهُ ميثاقَهم أنْ يؤمنوا بمحمدٍ ويُصدِّقوه (١) .
(١) تفسير عبد الرزاق ١٢٤/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٣/٢، ٦٩٤ (٣٧٥٨، ٣٧٦٢) عن
الحسن بن يحيى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى ابن المنذر مختصرًا .

٥٤٤
سورة آل عمران : الآية ٨١
حدثنی المثنی ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنی ابنُ أبی جعفر ، عن أبيه ، قال : قال
قتادةُ: أَخَذ اللَّهُ على النبيين ميثاقَهم أن يُصدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يُلِّغوا كتابَ اللَّهِ
ورسالته إلى عبادِهِ ، فبلَّغتِ الأنبياءُ كتابَ اللَّهِ ورسالاتِه إلى قومِهم، وأخذوا مواثيقَ
أهلِ الكتابِ فى كتابِهم فيما بلَّغَتْهم رسلُهم أن يؤمنوا بمحمدٍ عَلَّهِ ويُصدِّقوه
(١)
ويَنصُرُوهُ(١).
وأولى الأقوالِ بالصوابِ عندَنا فى تأويلِ هذه الآيةِ أَنَّ جميعَ ذلك خبرٌ مِن اللَّهِ
عزَّ وجلَّ عن أنبيائه، أنه أخَذ ميثاقَهم به، وأَلْزَمَهم دعاءَ أُمَمِها إليه، والإِقِرارَ به؛ لأنَّ
ابتداءَ الآيةِ خبرٌ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ عن أنبيائه أنه أخذ ميثاقَهم ، ثم وصَف الذى أخذ به
ميثاقَهم ، فقال : هو كذا، وهو كذا .
وإنما قلنا: إنَّ ما أخبَرِ اللَّهُ أنه أخَذ به مواثيقَ أنبيائه مِن ذلك، قد أخَذَت الأنبياءُ
مواثيقَ أُمَمِها به ؛ لأَنَّها /أُرسلتْ لِتدعوَ عبادَ اللَّهِ إِلى الدَّيْتُونِةِ بما أُمِرَت بالديْنُونِةِ به فى
أنفُسِها مِن تصديقِ رُسلِ اللَّهِ، على ما قدَّمنا البيانَ قَبْلُ.
٣٣٤/٣
فتأويلُ الآيةِ : واذكروا يا معشرَ أهلِ الكتابِ إِذْ أَخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ، لَهْمَا
آتيتُكُم أيُّها النَّبيونَ من كتابٍ وحكمةٍ ، ثم جاءكم رسولٌ مِن عندِى مُصدِّقٌ لما
معكم، ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ﴾ به - يقولُ: لَتُصدِّقُتَّه - ﴿وَلَتَنْصُرُّنَّهُ﴾ .
وقد قال الشُّدىُّ فى ذلك بما حدثنا به محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ ،
قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ قولَه: ﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ﴾. يقولُ لليهودِ: أخذتُ
ميثاقَ النَّبِينَ بمحمدٍ عَّهِ، وهو الذى ذُكِرَ فى الكتابِ عندَكم (١).
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٣/٢، ٦٩٤ (٣٧٥٩) من طريق أحمد بن المفضل به . وفيه: أخذت
میثاق الناس لمحمد .

٥٤٥
سورة آل عمران : الآية ٨١
فتأويلُ ذلك على قولِ الشّدىِّ الذى ذكرناه: واذْكروا يا معشرَ أهلِ الكتابِ إِذْ
أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ، لما آتيتُكم أيها اليهودُ مِن كتابٍ وحكمةٍ . وهذا الذى قاله
الشّدىُّ، كان تأويلاً لا وجْهَ غيرُهُ(١) لو كان التنزيلُ: ( بما آتيثُكم). ولكنَّ التنزيلَ
باللَّم ﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ﴾. وغيرُ جائٍ فى لغةٍ أحدٍ مِن العربِ أن يقالَ: أَخَذ اللَّهُ
ميثاقَ النبيينَ لما آتيتُكم. بمعنى : بما آتيتُكم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿قَالَ ءَأَفْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ◌َالِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا ﴾.
٠
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإذْ أَخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ بما ذكَر، فقال لهم تعالى
ذِكرُه : أأقرَرْتُم بالميثاقِ الذى واثَقْتُمونى عليه، مِن أنكم مَهمًا أتا كم رسولٌ مِن عندى
مُصدِّقٌ لما معكم، لَتُؤْمِنُنَّ به ولَتَنْصُرْنَّه؟ ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌ﴾ يقولُ:
وأخذْتُ على ما واتَّقْتُمونى عليه من الإيمانِ بالرسلِ التى تأتيكم بتصديقٍ ما معكم مِن
عندِى، والقيامِ بِنُصْرتِهم - ﴿إِصْرِىٌّ﴾. يعنى : عهدِى ووصيَّتَی ، وقَبِلتُم فى ذلك
مِنِّى ورَضِيتُموه .
والأخذُ هو القبولُ فى هذا الموضع والرّضا، مِن قولهم: أَخَذ الوالى عليه
البيعةَ . بمعنى : بايعَه ، وقَبِلَ ولايته، ورَضِىَ بها .
وقد بيَّنا معنى (( الإِصرِ)) باختلافِ المختلفينَ فيه، والصحيحَ مِن القولِ فى
ذلك، فيما مضَى قَبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
ومحذفتِ الفاءُ من قولِه: ﴿ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ﴾. لأنه ابتداءُ كلام، على نحوٍ ما
قد بيًَّّا فى نظائرِه فيما مضَى(١).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((له)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ١٥٨ - ١٦٣ .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٧٦/٢ .
( تفسير الطبرى ٣٥/٥ )

٥٤٦
سورة آل عمران : الآيتان ٨١، ٨٢
وأما قولُه: ﴿قَالُواْ أَقْرَرْنَا﴾. فإنه يعنى به: قال النبيُّون الذين أخَذ اللَّهُ ميثاقَهم
بما ذُكِرَ فى هذه الآيةِ: أَقْرَرْنا بما ألزَمْتَنا مِن الإِيمانِ برسُلِك الذين تُرسِلُهم مُصدِّقين لما
معنا مِن كُتُبِك وبِنُصْرَتِهم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَأْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ
يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: قال اللَّهُ: فاشْهدوا أيها النَّبيونَ بما أخذْتُ به ميثاقكم -
من الإِيمانِ بتصديقِ رُسُلِى التى تأتيكم بتصديقِ ما معكم من الكتاب والحكمةِ ،
ونُصْرتِهم - على أنفُسِكم، وعلى أَتباعِكم مِن الأُم ، إذ أنتم أخذْتم ميثاقَهم على
ذلك، وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم بذلك .
كما حدثنا المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشم، قال :
أخبرنا سَيفُ بنُ عمرَ(١) ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ ، عن عليّ بنِ أبى طالبٍ فى
قولِه: ﴿ قَالَ فَأَشْهَدُواْ﴾. يقولُ: فاشْهدوا على أَمَمِكم بذلك، ﴿ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ
الشََّهِدِينَ ﴾ عليكم وعليهم(١) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
(٨٢)
/ يَعنى بذلك جلّ ثناؤه: فمن أعرَض عن الإيمانِ برُسُلِى الذين أرسلْتُهم
بتصديقِ ما كانَ مع أنبيائى مِن الكُتبِ والحِكمةِ، وعن نُصرِهم ، فَأَدْبِرَ () ولم يُؤْمِنْ
بذلك، ولمْ يَنْصُرْ، ونَكَث عهدَه وميثاقَه، ﴿بَعْدَ ذَلِكَ ﴾. يعنى: بعْدَ العهدِ و
الميثاقِ الذى أخذَه اللَّهُ عليه (٤)، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. يعنى بذلك أنّ
٣٣٥/٣
(١) فى م: ((عمرو)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٢ إلى المصنف.
(٣) فى ص، ت ١: ((فأدبروا)).
(٤) بعده فى ص، ت ١: ( به)).

٥٤٧
سورة آل عمران : الآية ٨٢
المتولِّين عن الإيمانِ بالرسلِ الذين وصَف اللَّهُ(١) أمرَهم ونُصرتَهم، بعدَ العهدِ والميثاقِ
اللذَيْنِ أَخِذَا عليهم بذلك، ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، يعنى بذلك: الخارجون من دينٍ
اللَّهِ وطاعةِ رَبِّهم .
كما حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ هاشم، قال : أخبرنا
سَيْفُ بنُ عمرَ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبى أيوبَ، عن علىّ بن أبى طالبٍ: ﴿فمن
تولَّى﴾ عنك يا محمدُ بعدَ هذا العهدِ مِن جميع الأمم، ﴿فَأُؤْلَئِكَ هُمُ
الْفَسِفُونَ﴾: هم العاصُونَ فى الكفرِ(٢) .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه - قال أبو
جعفرٍ: يَعنى الرازِىَّ -: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ ﴾. يقولُ: بعدَ العهدِ والميثاقِ الذى
أُخِذَ عليهم ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِفُونَ﴾.
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَه.
وهاتان الآيتان وإنْ كان مَخرَجُ الخبرِ فيهما مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ بما أخبرَ أنه أَشْهَدَ
وأخَذ به ميثاقَ مَن أَخَذ ميثاقَه به عن أنبيائِه ورُسلِه ؛ فإنه مقصودٌ به إخبارُ مَن كان
حوالَىْ مُهاجَرٍ رسولِ اللَّهِ مَّهِ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ أيامَ حياتِهِ عَظِلِّ، عَمَّا للهِ عليهم
من العهدِ فى الإيمانِ بنبوَّةِ محمدٍ عَ لَِّ - ومَعنىٌّ تذكيرُهم ما كان اللَّهُ آخذًا على
آبائِهم وأسلافِهم مِن المواثيقِ والعهودِ، وما كانت أنبياءُ اللَّهِ عَرَّفتْهم، وتقدَّمتْ إليهم
فى تصديقه واتباعِه ونُصرتِه على مَن خالَفَه وكذَّبه - وتعريفُهم ما فى كُتبِ اللَّهِ التى
أنزلَها إلى أنبيائه ، التى ابتَعثَهم إليهم، مِن صِفتِه وعلامتِه .
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٢ إلى المصنف.
(٣ - ٣) سقط من النسخ .

٥٤٨
سورة آل عمران : الآية ٨٣
القولُ فى تأويل قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِى
٨٣
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
اختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرأتْه عامَّةُ قَرأةِ الحجازِ من مكةَ والمدينةِ ، وقَرأةِ
الكوفةِ : ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ وَلَّهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمُواتِ والأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا
وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) على وجهِ الخطابِ (١) . وقرَأْ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ
اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا وَإِلَيْهِ
يُرْجَعُونَ﴾، بالياءِ كِلْتَيْهما على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ (١). وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ
البصرةِ : ( أفغيرَ دينِ اللهِ يَبْغون) على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ ، ( وإليه تُرجعون )
بالتاء على وجْهِ المخاطبةِ() .
وأولى ذلك بالصوابٍ قراءةُ مَن قرأ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُون ) على وجْهِ
الخطابِ، ( وإليه تُوْجَعون ) بالتاءِ؛ لأنَّ الآيةَ التى قبلَها خطابٌ لهم، فإتباعُ
الخطابِ نَظِيرَه أولى من صَوْفِ الكلامِ إلى غيرِ نَظِيرِهِ، وإن كانَ الوجْهُ الآخرُ جائزًا؛
٣٣٦/٣ لما قد ذَكونا فيما مضَى قَبلُ، مِن أنّ الحكايةَ يَخرجُ الكلامُ معها أحيانًا /على الخطابِ
كلِّه، وأحيانًا على وجْهِ الخبرِ عن الغائبِ ، وأحيانًا بعضُه على الخطابِ، وبعضُه على
الغَيْبةِ ، فقولُه: (تَبْغُونَ )(٤)، (وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) فى هذه الآيةِ من ذلك.
وتأويلُ الكلامِ(٥): يا معشرَ أهلِ الكتابِ: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ) يقولُ: أَفِغيرَ
(١) هذه قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وأبى بكر عن عاصم وحمزة والكسائى . ينظر السبعة لابن مجاهد
ص ٢١٤.
(٢) هذه قراءة حفص عن عاصم . المصدر السابق .
(٣) هذه قراءة أبى عمرو وحده. المصدر السابق.
(٤) فى ص: ((يبغون)).
(٥) بعده فى ص، س، ت ١: ((أفغير اللَّه)) .

٥٤٩
سورة آل عمران : الآية ٨٣
طاعةِ اللَّهِ تلتمسونَ وتريدونَ. ﴿ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾،
يقولُ : وله خشَع مَن فى السماواتِ والأرضِ، فخضَع له بالعبودةِ ، وأقرّ له پافرادِ
الرُّبوبيةِ، وانقَاد له بإخلاصِ التوحيدِ والألوهةِ. ﴿طَوَعًا وَكَرْهَا﴾. يقولُ:
أَسلَمَ للهِ طائعًا، مَن كان إسلامُه منهم له طائعًا، وذلك كالملائكةِ والأنبياءِ
والمرسلين، فإنهم أسلَموا للهِ طائعينَ، ﴿وَكَرْهَا﴾: مَن كان منهم كارِهًا .
واختلفَ أهلُ التأويلِ فى معنى إسلامِ الكارهِ الإسلامَ وصِفَتِه ؛ فقال بعضُهم:
إسلامُه إقرارُه بأنّ اللَّهَ خالقُه وربُّه، وإنْ أَشرَك معه فى العبادةِ غيرَه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال : ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ (١) :
وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهَا﴾. قال : هو كقوله :
﴿ وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمِ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾(٢) [ الزمر: ٣٨
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
عن أبى العاليةِ فى قولِه: ( وله أسلمَ مَن فى السماواتِ والأرضِ طوعًا وكرهًا وإليه
تُرجعونَ ). قال: كلُّ آدمىٌّ قد (٢) أقرَّ على نفْسِه بأنَّ اللَّهَ ربِّى وأنا عبدُه، فمَنْ أشرَك
فى عبادتِه، فهذا الذى أسلَم كَرهًا، ومَن أخلَص للهِ(٤) العبودةَ، فهو الذى أسلمَ
(١) بعده فى ت ٢: ((عن ابن عباس)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) سقط من: ت ١، س.
(٤) فى ص، م: (( له)) .

٥٥٠
سورة آل عمران : الآية ٨٣
(١)
طوعًا(١).
وقال آخرونَ: بل إسلامُ الكارهِ منهم كان حينَ أُخِذَ منه(٢) الميثاقُ فأقرَّ به .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال : ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن الأعمشِ ، عن مجاهدٍ ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَهُدُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَّعًا وَكَرْهَا﴾ قال :
حينَ أخَذ الميثاقَ (٣) .
وقال آخرون : عنَى يإسلامِ الكارهِ منهم سجودَ ظلِّه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا سَوّارُ(٤) بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن ليثٍ ، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوَّعًا
وَكَرْهًا﴾. قال: الطائعُ: المؤمنُ، وكَرْهًا: ظِلُّ الكافرِ (٥).
حدثنی محمدُ بنُ عَمروٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابن أبى
نجيح عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿طَوَعًا وَكَرْهًا﴾ . قال: سجودُ المؤمنِ طائعًا ،
وسجودُ الكافرِ وهو كارٍةً(٦).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٦/٢، ٦٩٧ (٣٧٧٦) من طريق أبى جعفر به .
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، س.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٢ إلى المصنف.
(٤) فى ت ٢: ((سويد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٨/١٢، ٢٣٩.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٤/٢ إلى أبى الشيخ.
(٦) تفسير مجاهد ص ٢٥٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٧/٢ (٣٧٧٧).

٥٥١
سورة آل عمران : الآية ٨٣
/حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن ٣٣٧/٣
مجاهدٍ: ﴿ وَكَرْهَا﴾. قال: سجودُ المؤمنِ طائعًا، وسجودُ ظِلّ الكافرِ وهو
كارةٌ(١).
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابنِ مُريجٍ ، عن عبدٍ
اللَّهِ بنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ ، قال: سجودُ وجهِه وظِلّه طائعًا .
وقال آخرونَ: بل إسلامُه بقلبِه فى مشيئةِ اللَّهِ واستقادتِه لأمره، وإِنْ أنكَر أُلُوهتَه
بلسانه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُريبٍ ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن(١) عامٍ :
﴿ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ قال: استقاد كلَّهم له(٢) .
وقال آخرونَ: عنَى بذلك: إسلامَ مَن أسلَم مِن الناسِ كَرْهًا، حَذَرَ السَّيفِ على
نفْسِه .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ سنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُّ ، قال : ثنا عبادُ بنُ منصورٍ ،
عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَنْ فِى السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوَعًا
وَكَرْهَا﴾ الآية [٤٢٧/١ظ] كلّها. فقال: أَكْرِهَ أقوامٌ على الإسلامِ، وجاء أقوام
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥٥، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٣/٤ إلى ابن المنذر.
(٢) فى النسخ: ((بن)). وجابر هو الجعفى، وتقدم فى ٢٦٦/٤، ٢٧٥ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٦/٢ (٣٧٧٢) من طريق وكيع به .

٥٥٢
سورة آل عمران : الآية ٨٣
(١)
طائعين(١) .
حدثنى الحسنُ بنُ قَرَعَةَ الباهلىُّ، قال: ثنا رَوْجُ بنُ عطاءٍ، عن مطرِ الورّاقِ فى
قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ( وله أسلمَ مَن فى السماوات والأرضِ طوعًا وكرهًا وإليه
تُوْجَعُونَ). قال: الملائكةُ طَوْعًا ، والأنصارُ طَوْمًا، وبنو سليم وعبدُ القيسِ طوْعًا ،
والناسُ كلُّهم ◌َرْهًا(١).
وقال آخرون : معنى ذلك أنَّ أهلَ الإِيمانِ أسلموا طوعًا، وأَنَّ الكافرَ أسلَم فى
حالِ المعاينةِ حينَ لا يَنْفُعُه "إسلامٌ كَرهًا) .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: (أفغيرَ دينِ اللَّه
تَبْغُونَ ) الآية: فأما المؤمنُ فأسلَم طائعًا، فنفَعه ذلك وقُبِلَ منه، وأما الكافرُ فأسلَم
كارهًا ، حينَ لا يَنْفَعُه ذلك ، ولا يُقْبِلُ منه .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿ وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا وَكَرْهًا﴾.
قال: أما المؤمنُ فأسلَم طائعًا، وأما الكافرُ فأسلَم حينَ رأى بأسَ اللّهِ: ﴿ فَلَمْ يَكُ
يَنفَعُهُمْ إِيمَتُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأْسَنََّ﴾(٣) [غافر:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٢ إلى المصنف .
(٢ - ٢) فى ص، ت ١: ((الإسلام))، وفى ت ٢: ((إسلام)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٢٥/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٧/٢ (٣٧٧٨) عن الحسن بن يحيى
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٨/٢ إلى عبد بن حميد .

٥٥٣
سورة آل عمران : الآيتان ٨٣، ٨٤
وقال آخرون: معنى ذلك أن(١) عبادةَ الخلقِ للهِ عزَّ وجلَّ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن عليٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: / (أفغيرَ دينِ اللَّهِ تَبْغُون وله أسلمَ مَن فى السَّمَاواتِ والأرضِ طوعًا ٣٣٨/٣
وكرهًا). قال: عِبادتُهم لى أجمعين طَوْعًا وكَرْهًا، وهو قولُه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِىِ
السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا﴾ [الرعد: ١٥].
وأما قولُه: ( وإليه تُرجعونَ ). فإنه يعنى: وإليه يا معشرَ مَن يَتَغِى غيرَ الإسلامِ
دِينًا من اليهود والنصارى وسائرِ الناسِ (تُرْجَعون ) (١). يقولُ: إليه تَصِيرُون
بعدَ ثَمَاتِكم، فَمُجازِيكم بأعمالِكم؛ المُحْسِنَ مِنكم بإحسانِهِ، والمُسِىءَ
بإساءته .
وهذا من اللَّهِ عزَّ وجلَّ تحذيرٌ خَلْقَه أن يَرْجِعَ إليه أحدٌ منهم ، فيَصِيرَ إلیه بعدَ
وفاتِه على غيرِ مَّةِ الإسلامِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ قُلْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى
إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَاَلْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى
وَالنَّبِيُونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
(٨٤)
(١) فى م: ((فى)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٦/٢ (٣٧٧٥) من طريق عبد الله بن صالح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٨/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) فى ت ١، ت ٢، س: ((يرجعون)).

٥٥٤
سورة آل عمران : الآية ٨٤
يعنى بذلك جلّ ثناؤه : أفغيرَ دينِ اللَّهِ تَبْغُون يا معشرَ اليهودِ ، وله أسلَم مَن فى
السماواتِ والأرضِ طَوْعًا وكَرْهًا ، وإليه تُوْجَعون ، فإِن ابْتَغَوا غيرَ دينِ اللَّهِ يا محمدُ ،
فقُلْ لهم: آمنًا باللهِ. فَتَرَكَ ذِكْرَ قولِه: فإن قالوا: نعم. وذِكرَ قولِه: فإن ابْتَغَوا غيرَ
دينِ اللَّهِ . لدَلالةِ ما ظهرَ من الكلامِ عليه .
وقولُه: ﴿قُلْ ءَامَنَا بِاللّهِ﴾. يعنى به: قل لهم يا محمدُ: صَدَّقنا باللهِ
أنه ربنا وإلهُنا، لا إلهَ غيرُه، ولا نَعْبُدُ أحدًا سِواه. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾.
يقولُ: وقُلْ: وصَدَّقْنا أيضًا بما أَنزِل علينا من وَحْيِهِ وتنزِيلِه، فأقرَرْنا به. ﴿ وَمَآَ
أَنْزِلَ عَلَّى إِبْرَاهِيمَ﴾. يقولُ: وصَدَّقنا أيضًا بما أُنزِل على إبراهيم خليلِ اللَّهِ،
وعلى ابْنَيْهِ إسماعيلَ وإسحاقَ ، وابنِ ابنِه يعقوبَ، وبما أُنزِل على الأسباطِ ،
وهم ولدُ يعقوبَ الاثنا عشرَ. وقد بيّنّا أسماءَهم بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا
الموضع(٢). ﴿ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾. يقولُ: وصَدَّقنا أيضًا مع ذلك
بالذى أَنزَل اللَّهُ على موسى وعيسى من الكُتُبِ والوَحْي، وبما أُنزِل على النبيِّين
من عندِه .
والذى آتَى اللَّهُ موسى وعيسى - مما أمَرِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ محمدًا بتَصْدِيقِهما فيه
والإِيمانِ به - التوراةُ (١) التى آتاها موسى، والإنجيلُ الذى آتاه عيسى.
لَا نُفَّرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾. يقولُ: لا نُصَدِّقُ بعضَهم ونُكَذِّبُ بعضَهم،
ولا نؤمِنُ ببعضِهم ونكفُرُ ببعضِهم، كما كفَرَت اليهودُ والنصارى ببعض أنبياءِ اللَّهِ ،
(١) فى ت ١: ((أو)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٩٧/٢ - ٥٩٩ .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((والتوراة)).

٥٥٥
سورة آل عمران: الآيتان ٨٤، ٨٥
وصَدَّقَت بعضًا، ولَكِنَّا نؤمنُ بجميعِهم ونُصَدِّقُهم .
﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يعنى: ونحن نَدِينُ للهِ بالإِسلام، لا نَدِينُ غيرَه،
بل نَّأُ إليه من كلِّ دِينٍ سواه، ومن كلِّ مِنَّةٍ غيرِهِ.
ويعنى بقولِه: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: ونحن له مُنْقادون بالطاعةِ ، مُتَذَلِّلون
بالعبودةِ ، مُقِرُّون له بالألوهةِ والربوبيةِ ، وأنه لا إلهَ غيرُه .
وقد ذكّرنا الروايةَ بمعنى ما قلنا فى ذلك فيما مضَى(٢)، وكَرِهنا إعادته .
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَن يَبْتَغْ غَيِّرَ الْإِسْلَِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى ٣٣٩/٣
اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ
٨٥
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ومَن يَطلُبْ دِينًا غيرَ دينِ الإسلامِ لِيدينَ به ، فلن يَقْبَلَ
اللَّهُ منه، ﴿ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ اُلْخَسِرِينَ﴾. يقولُ: من الباخِسين أنفسَهم
حظوظَها (٣) من رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وذُكِر أن أهلَ كلِّ مِلَّةٍ ادَّعَوا أنهم هم المسلمون لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ ، فأمَرهم
اللَّهُ بالحَجّ إن كانوا صادِقِين؛ لأَن مِن سُنَّةِ الإسلامِ الحَجَّ، فامتَنَعوا، فأدْحَضَ اللَّهُ
بذلك حُجَّتَهم .
ذكرُ الخبرِ بذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حُذَيفةَ ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح ، قال :
زعَم عكرمةُ: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ اُلْإِسْلَمِ دِينًا ﴾. فقالت الملَلُ: نحن المسلمون.
(١) سقط من: ت ١، س .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٩٦/٢، ٥٩٧ .
(٣) فى ت١، س: (( حظوظهم)).

٥٥٦
سورة آل عمران : الآية ٨٥
فَأَنزَلِ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ
فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٧]. فَحَجَّ المسلمون وقعَد (١) الكفارُ(٢).
[٤٢٨/١ و] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا القَعْنَيِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى
تَجِيح، عن عِكْرمةَ، قال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَاِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾: قالت
اليهودُ: فنحن مسلمون (٢). فأنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ لنَبِّهِ مَّهِ يَحُجُهم(٤) أَنَّ: ﴿لِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اُلْعَلَمِينَ ﴾(٥).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا سفيانُ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن عِكْرمةَ، قال: لََّ
نزّلت: ﴿ وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ أَلْإِسْلَمِ دِينًا﴾. إلى آخرِ الآيةِ، قالت اليهودُ: فنحن
مُسلمون. قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ لنَبِّهِ مَّهِ: قلْ لهم: إِنَّ ﴿لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ ﴾ من أهلِ المَلَلِ ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ
اُلْعَلَمِينَ﴾(١).
وقال آخرون فى هذه الآيةِ بما حدَّثنا به المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحِ،
قال: ثنى مُعاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ
(١) فى ت ١، ت ٢: ((فقد)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٩/٢ (٣٧٨٨) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٥٧/٢ إلى عبد بن حميد .
(٣) فى م، ت ١: ((المسلمون)).
(٤) فى ص، ت ١، س: ((فحجهم)) .
(٥) أخرجه الشافعى فى الأم ٩٣/٢، وسعيد بن منصور فى سننه (٥٠٦ - تفسير)، والبيهقى ٣٢٤/٤ عن
سفیان به بنحوه .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧١٦/٣ (٣٨٧٥) عن يونس وابن المقرئ به .

٥٥٧
سورة آل عمران : الآيات ٨٥ - ٨٩
وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾. إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]. فأَنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ بعدَ هذا: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ اْإِسْلَِ
دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ
إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوَأْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَ هُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى اُلْقَوْمَ
أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيَّهِمْ لَغْنَةَ اُللَّهِ وَالْمَئِكَةِ وَالنَّاسِ
٨٦
خَلِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنَظَرُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ
٨٧
اُلَّالِمِينَ
أَجْمَعِينَ (
٨٩
تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
اختلف أهلُ التأويلِ فى مَن عُنِى بهذه الآيةِ ، وفى مَن نزَلَت ؛ فقال بعضُهم:
نزَلَت فى الحارثِ بنِ سُوَيدِ الأنصارىِّ، وكان مسلمًا فارتدَّ بعدَ إسلامِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعِ البَصْرِىُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع ، قال : ثنا
داودُ بنُ أبي هندٍ ، عن عِكْرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: كان رجلٌ من الأنصارِ أسلَم ،
ثم ارتدَّ ولَحِقٍ بالشركِ، ثم نَدِم، فأَرسَل إلى قومِه: أرسِلوا إلى رسولِ اللَّهِ مَِِّّ ، هل
لى مِن توبةٍ؟ قال: فنزَلَت: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾، إلى
قولِه: ﴿وَجَآءَ هُمُ الْبَيِّنَتُّ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ
بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فأرسَل إليه قومُه فأسلَم (١) .
(١) تقدم تخريجه فى ٢ / ٤٦.
(٢) أخرجه النسائى (٤٠٧٩)، وفى الكبرى (١١٠٦٥) عن محمد بن عبد اللَّه به، وأخرجه ابن حبان
(٤٤٧٧) من طريق يزيد بن زريع به .

٥٥٨
سورة آل عمران : الآيات ٨٦ - ٨٩
حدَّثنى ابنُ المثنى ، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال : ثنا داودُ ، عن عِكْرمةَ بنحوِه،
ولم يَرفَعْه إلى ابنِ عباسٍ ، إلا أنه قال: فكتب إليه قومُه، فقال: ما كَذَبَنی قومى .
فرجع(١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حكيمُ بنُ جمَيعٍ ، عن علىِّ بنِ مُسْهِرٍ ، عن داودَ بنِ
أبى هندٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ارتدَّ رجلٌ من الأنصارِ. فذكَر
(٢)
نحوه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرَنا جعفرُ بنُّ
سليمانَ ، قال: أخبرَنا محُمَيدٌ الأعرجُ، عن مجاهدٍ ، قال : جاء الحارثُ بنُ سُویدٍ ،
فأسلَم مع النبيِّ عَّهِ، ثم كفَر الحارثُ، فرجع إلى قومِه، فأَنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيه
القرآنَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾. إلى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. قال: فَحَمَّلها إليه رجلٌ من قومِه
فَقَرَأها عليه، فقال الحارثُ: إنك واللهِ ما عَلِمتُ لَصَدوقٌ، وإن رسولَ اللَّهِ عَ لَّل
لأصدقُ مِنك، وإن اللَّهَ عزَّ وجلَّ لأصدقُ الثلاثةِ . قال : فرجَع الحارثُ فأسلَم ،
فَحَسُن إسلامُه(٣).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ:
كَيْفَ يَهْدِى اَللّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ وَشَهِدُوَاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ﴾ . قال:
(١) سقط من: ت ١، س. وينظر الإصابة ٥٧٧/١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٧٠٠/٢ (٣٧٩٥) من طريق على بن مسهر به، وأخرجه أحمد بن
منيع - كما فى الإتحاف بذيل المطالب ٥٤٣/٨ - والحاكم ١٤٢/٢، ٣٦٦/٤، والواحدى فى أسباب النزول
ص ٨٣ من طريق داود به ، وأخرجه الواحدى ص ٨٣ من طريق عكرمة به .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٢٥/١، وأخرجه مسدد، كما فى المطالب العالية (٣٩٢٨) - ومن طريقه الواحدى
فى أسباب النزول ص ٨٣ - عن جعفر به .

٥٥٩
سورة آل عمران : الآيات ٨٦ - ٨٩
أُنزِلَت فى الحارثِ بنِ سُوَيدِ الأنصارىِّ، كَفَر بعدَ إِيمانِهِ، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيه هذه
الآياتِ (١) ، ثم تاب وأسلَم، فتَسَخها اللَّهُ عنه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ
وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمروٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ
وَشَهِدُوَاْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌ وَجَاءَ هُمُ الْبَيِّنَتُّ﴾، قال: رجلٌ من بنى عمرو بنِ عَوفٍ
كفَر بعدَ إِيمانِه(٣) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حُذَيفةَ ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ ، مثلَه .
/حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن ٣٤١/٣
مجاهدٍ ، قال : هو رجلٌ من بنى عمرو من عَوفٍ كفَر بعدَ إِيمانِه (٤).
قال ابنُ جُرَيج: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ ، قال : لَحَقِ بأرضٍ
الرومِ فتَنَصَّر، ثم كتَب إلى قومِه: أرسِلوا، هل لى من تَوْبةٍ؟ قال: فحَسِبتُ أنه آمَن
(٤)
ثم رجع ) .
(١) بعده فى ص، ت ٢: ((﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾))، وبعده فى م، ت ١ ، ت ٣، س:
((إلى ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾)).
ولعله أراد: ((إلى قوله: ﴿أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا
يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾)). والله أعلم.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) عزاه الحافظ فى الإصابة ٥٧٧/١ إلى عبد بن حميد والفريابى من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر.

٥٦٠
سورة آل عمران : الآيات ٨٦ - ٨٩
قال ابنُ جُرَيج: قال عِكْرمةُ: نَزَلَت فى أبى عامرِ الرَّاهِبِ، والحارثِ بنِ
سُويدِ ابنِ [٤٢٨/١ظ] الصَّامتِ، ووَحْوَحِ بنِ الأُسْلتِ ) ، فى اثنى عشَرَ رجلاً
رجَّعوا عن الإسلامِ، ولَحَقِوا بقريشٍ، ثم كتبوا إلى أهلِهم: هل لنا من تَوبةٍ؟
فنزَلَت: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ ﴾ الآيات(٢).
وقال آخرون : عُنِى بهذه الآيةِ أهلُ الكتابِ ، وفيهم نزَلَتْ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی امی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبی ، عن
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ﴾ : فهم
أهلُ الكتابِ ، عَرَّفوا محمدًا عَلَّهِ، ثم كفَروا به (١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ ،
عن الحسنِ فى قوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾ الآية كلّها .
قال: اليهودُ والنصارى(4) .
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ
يقولُ فى قولِه: ﴿ كَيْفَ يَهْدِى اَللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَنِهِمْ﴾ الآية : هم أهلُ
(١) فى ت ١، س: ((الأسلب)). وهو وحوح (عامر) بن الأسلت بن جشم بن وائل، أخو أبى قيس . ينظر
الإصابة ٦/ ٦٠١، وجمهرة أنساب العرب ص ٦٤٥.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٩/٢ (٣٧٩٠) عن محمد بن سعد به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٩/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر .