النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١
سورة آل عمران : الآيتان ٧٧، ٧٨
حدثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ
كان يقولُ: كنا نَرَى ونحن مع رسولِ اللَّهِ عِ لّهِ أَنّ مِن الذنبِ الذى لا يُغْفَرُ يِمِينَ
الصَّبرِ، إذا فَجَر فيها صاحبُها (١).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ
لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ اُلْكِتَبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ
٧٨
مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
يعنى بذلك جَلَّ ثناؤُه : وإن مِن أهلِ الكتابِ ، وهم اليهودُ الذين كانوا حَوَالَىْ
مدينةِ رسولِ اللَّهِ عَ لِ على عهْدِه، من بنى إسرائيل.
والهاءُ والميمُ فى قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾. عائدةٌ على ((أهلِ الكتابِ)) الذين ذكَرَهم
فى قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ يُؤَدِّهٍِ إِلَيْكَ﴾.
وقولُه: ﴿لَغَرِيقًا﴾. يعنى: جماعةٌ، ﴿يَلْوُونَ﴾. يعنى: يُحرِّفون
أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾. يعنى: لِتَظُنُّوا أن الذى يُحرِّفونه
بكلامِهم من كتابِ اللَّهِ وتنزيلِه. يقول اللَّهُ عزَّ وجلَّ: وما ذلك الذى لَوَوْا به ألسنَتَهم
فحَرَّفوه وأحدَثوه مِن كتابِ اللَّهِ، ويَزْعُون أنّ مَا لَوَوْا به ألسِنتَهم من التَّخْرِيفِ
والكذبِ والباطلِ، فأْحَقَوه فى كتابِ اللَّهِ، ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. يقولُ: مما أَنزَله اللَّهُ
على أنبيائه، ﴿ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾. يقولُ: وما ذلكَ الذى لَوَوْا به ألسِنَتَهم
فَأَحْدَثوه ، مما أنزله اللَّهُ إلى أَحدٍ من أنبيائه، ولكنه مما أُحدَثوه مِن قِبَلِ أَنفُسِهم ، افتراءٌ
على اللَّهِ . يقولُ عزّ وجلّ: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . يعنى
بذلك أنهم يتَعمَّدُون قِيلَ الكذبِ على اللَّهِ، والشهادةَ عليه بالباطلِ، والإلحاقَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٢ إلى المصنف.
٥٢٢
سورة آل عمران : الآية ٧٨
بكتابِ اللَّهِ ما ليس منه، طلبًا للرياسةِ والخسيسِ مِن محُطامِ الدنيا .
وبنحوِ ما قلنا فى معنى: ﴿ يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ﴾. قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قالَ ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبی نَجیحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبٍ﴾. قال: يُحرِّفونَهُ(١).
حدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ﴾ حتى بلَغْ: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: هم أعداءُ اللَّهِ اليهودُ ،
حرّفوا كتابَ اللَّهِ ، وابتدَعوا فيه، وزعموا أنه مِن عندِ اللَّهِ(٢) .
/حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه،
عن الربيع مثلَه(٣).
٣٢٤/٣
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ
مِنَ الْكِتَبِ﴾: وهم اليهودُ، كانوا يَزِيدُون فى كتابِ اللَّهِ ما لم يُنْزِلِ اللَّهُ(٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٩/٢ (٣٧٣٤). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٤٦/٢ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٩/٢ عقب الأثر (٣٧٣٤) معلقًا.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٩/٢ (٣٧٣٦) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٩/٢ (٣٧٣٣) عن محمد بن سعد به .
٥٢٣
سورة آل عمران : الآيتان ٧٨ ، ٧٩
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُريج: ﴿ وَإِنَّ
مِنْهُمْ لَغَرِيقًا يَلْوُنَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ ﴾. قال: فريقٌ مِن أَهلِ الكتابِ يَلْؤُون
السنَتَهم، وذلك تَحريفُهم إيّاه عن مَوضِعِهُ(١).
وأصلُ اللَّيِّ الفَتْلُ والقَلْبُ، مِن قولِ القائلِ: لَوَى فلانٌ يَدَ فلانٍ . إذا فَتَلها
وقلَبها . ومنه قولُ الشاعر(١):
* لَوَى يَدَهُ اللَّهُ الذى هُوَ غالبُهْ *
يقالُ منه: لَوَى يدَه ولسانَه، يَلْوِى لِيًّا، وما لَوَى ظهرَ فلانٍ أحدٌ ، إذا لم
يصْرَعْه أحدٌ ، ولم يَفْتِلْ ظهْرَه إنسانٌ . وإنه لأَلْوَى بَعيدُ المستَمَرِّ ، إذا كان شديدَ
الخصومَةِ، صابرًا عليها، لا يُغلَبُ فيها. قال الشاعرُ(١):
لِلَوَّيْثُ أعناقَ الخُصومُ المَلَاوِيا
فلو كان فى لَعْلَى شَدًا(٤) من خُصُومَةٍ
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَّهُ اَللَّهُ الْكِتَبَ وَاُلْحُكْمَ
وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُواْ عِبَادًا لِ مِن دُونِ اُللَّهِ﴾ .
يَعنى بذلك جلّ ثناؤُه : وما ينْبَغِى لأحدٍ من البشرِ . والبشرُ جمعُ بنى آدمَ ، لا
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٢/ ٥٠٨.
(٢) هو فرعان بن الأعرف أبو مُنازل، والبيت فى عيون الأخبار ٨٧/٣، ومعجم الشعراء ص ١٨٩، وشرح
ديوان الحماسة ١٤٤٥/٣.
(٣) هو قيس بن الملوح ( مجنون لیلی)، والبیت فی الأغانى ٣٨/٢، واللسان ( ش د ی، ش ذ ی، ل
وى) .
(٤) هذا الحرف يروى بالدال المهملة، وبالذال المعجمة، والشدا البقية، والشذا من الأذى . وأكثر الناس على
أنه بالدال . اللسان ( ش دى ، ش ذى ) .
(٥) فى اللسان: ((المطى)). وكانت فى أصول الأغانى: ((الخصوم)). وغيرها ناشروه كرواية اللسان.
٥٢٤
سورة آل عمران : الآية ٧٩
واحدَ له مِن لفظِهِ، مثلَ القومِ والخلقِ، وقد يكون اسمًا لواحدٍ. ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ
اُلْكِتَبَ﴾. يقولُ: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ عليه كتابَه، ﴿وَالْحُكْمَ﴾. يعنى: ويُعَلِّمَه فصْلَ
الحكمةِ، ﴿ وَالنُّبُوَّةَ﴾. يقولُ: ويُعْطِيَه النبوَّةَ، ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا
◌ِّىِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. يعنى: ثم يدعوَ الناسَ إلى عبادة نفْسِه دونَ اللَّهِ، وقد آتاه اللَّهُ ما
آتاه مِن الكتابِ والحكْم والنبوّةِ ، ولكنه إذا آتاه اللَّهُ ذلك، فإنما يدْعُوهم إلى العلم
باللهِ ، ويَحدُوهم على معرفةٍ شرائعِ دينِه، وأن يكونوا رؤساءَ فى المعرفةِ بأمرِ اللَّهِ
ونَهيِهِ ، وأَئِمةً فى طاعتِه وعبادَتِه، بكونِهم مُعلِّمى الناسِ الكتابَ، وبكونهم
دارِسيه .
/وقيلَ: إنّ هذه الآيةَ نزلتْ فى قومٍ مِن أهلِ الكتابِ قالوا للنبىِّ عَظ ◌ِلّهِ: أَتَدْعونا
إلى عبادَتِك ؟
٣٢٥/٣
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
أبى محمدٍ ، عن عِكرمةً، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال : قال أبو رافعٍ
القُرَظِىُ حينَ اجتمعت الأخبارُ من اليهودِ والنصارَى من أهلٍ تَجْرانَ ، عندَ رسولِ اللهِ
عَّالِ ودعاهم إلى الإسلام: أتريدُ يا محمدُ أَنْ نعبْدَك كما تَعْبدُ النصارى عيسى ابنَ
مريمَ ؟ فقال رجلٌ من أهلِ نجرانَ نَصرانٌ، يُقالُ له الرّسُ(١): أو ذاكَ تريدُ مِنَّا
يا محمدُ، وإليه تدْعونَا؟ أو كما قال، فقال رسولُ اللَّهِ بِهِ: «مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَعْبُدَ
غيرَ اللَّهِ، أو نأْمُرَ بعبادةٍ غيرِه، ما بذلك بعثَنى، ولا بذلك أمرنى)). أو كما قال.
(١) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((الرئيس))، وفى س: ((الريس))، وبعده فى سيرة ابن هشام: ( ویروى:
الريس، والرئيس)).
والرِّئِيس: رِئِّيس السامرة ، خذلهم اللَّه تعالى، وهو كبيرهم، تبصير المنتبه ٦١٧/٢.
٥٢٥
سورة آل عمران : الآية ٧٩
فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ فى ذلك مِن قولِهم: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ
وَاُلْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾(١).
حدثنا أبو كُريبٍ ، قال : ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال:
ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُّ جبيرٍ، أو عكرمةً،
عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ("أبو رافعٍ) القُرَظِىُ. فذكَر نحوَهُ(٢) .
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ
أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّىِ مِن دُونِ
اللَّهِ ﴾. يقولُ: ما كان يَنْبَغِى لبشرٍ أنْ يؤتيه اللَّهُ الكتابَ والحُكمَ والنبوَّةَ يأَمُرُ عبادَه
أنْ يَتخذُوه ربّا مِن دونِ اللهِ .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
(٤)
مثلَه (٤) .
حدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
كان ناسٌ مِن يهودَ يَتعبَّدونَ الناسَ مِن دونِ ربِّهم، بتخْرِيفِهم كتابَ اللَّهِ عن
موضِعِه، فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَّهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ
وَالنُّهُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُواْ عِبَادًا لِّىِ مِن دُونِ الَّهِ﴾. ثم يأمرَ الناسَ بغيرِ ما
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٥٤، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٣/٢ (٣٧٥٦) من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق ، قال محمد بن أبى محمد : وقال أبو نافع .... فذكره.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وتفسير ابن أبى حاتم - كما مر -: ((أبو نافع)).
(٣) أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة ٣٨٤/٥ من طريق يونس بن بكير به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩١/٢ (٣٧٤٤) من طريق ابن أبى جعفر به.
٥٢٦
سورة آل عمران : الآية ٧٩
أَنزَل اللَّهُ فى كتابِهُ(١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَكِنْ كُنُواْ رَبَّكِيْنَ﴾ .
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: ولكن يقولُ لهم: كونوا ربَّانِيِّين. فترَك القولَ استغناءً
بدلالةِ الكلامِ عليه .
وأما قولُه: ﴿كُونُواْ رَبَّكِّينَ﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ اختلفوا فى تأويله؛ فقال
بعضُهم: معناه : كونوا محكماءَ عُلماءَ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ،
عن أبى رَزِينٍ: ﴿ كُونُواْ رَبِّكِنَ﴾. قال: حُكماءَ عُلماءَ(١).
حدثنا أبو کریب ، قال : ثنا ابنُ یمانٍ ، عن سفيان ، عن منصورٍ ، عن أُبی رَزِینٍ :
كُنُواْ رَبِّكِيِِّنَ﴾. قال: حكماءَ علماءً .
حدّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : ثنا حکامٌ، عن عمرو، عن منصورٍ ، عن أُبی رَزِينٍ
مثلَه .
٣٢٦/٣
/حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينِ: ﴿ وَلَكِن كُنُواْ
رَبَّنِيْنَ﴾: حكماءَ علماءً(١).
:
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا هُشيمٌ، عن عوفٍ ، عن الحسنِ فى قولِه :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩١/٢ (٣٧٤٥) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج.
(٢) تفسير سفيان ص ٧٨ .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٥٠٤ - تفسير ) عن جرير به بلفظ: فقهاء علماء.
٥٢٧
سورة آل عمران : الآية ٧٩
كُنُواْ رَبِّنَ ﴾. قال: كونوا فقهاءَ علماءً (١).
حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿كُنُواْ رَبِّكِنِِّنَ﴾. قال: فقهاءَ(٢).
حدثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ،
قال: أخبرَنى القاسمُ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ وَلَكِنْ كُونُواْ رَبِّكِنِينَ ﴾ قال :
فقهاءَ .
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَكِن كُنُواْ
رَبِّنِيِّنَ﴾. قال: كونوا فقهاءَ علماءً(١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
منصورِ بنِ المعتمرِ، عن أبى رَزِينٍ فى قوله: ﴿ كُونُواْ رَبَّنِيْتِنَ﴾. قال: علماءَ
حكماءَ(٣). قال مَعمرٌ: وقال قتادةٌ(٤) .
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أسباطُ ،
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٢/٢ عقب الأثر (٣٧٤٩) معلقًا .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٤ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٢٥/١ بلفظ: حلماء علماء. وقال ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩١/٢ عقب الأثر
(٣٧٤٧): وروى عن أبى رزين: علماء حلماءِ.
(٤) كذا فى النسخ، وينظر المحرر الوجيز ٤٨٤/٢، وفى البحر المحيط ٥٠٦/٢: والربانى: الحكيم العالم،
قاله قتادة وأبو رزين ... أو العالم الحليم، قاله قتادة وغيره .
٥٢٨
سورة آل عمران : الآية ٧٩
عن الشُّدىِّ فى قولِه: ﴿ كُونُواْ رَبَّنِّينَ﴾: أما الرّبانيون فالحكماءُ
(١)
الفقهاءُ(١).
حدثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب٢٢ ، قال : أخبرنا سفيانُ، عن ابنِ أُبی
◌َجيح، عن مُجاهدٍ ، قال: الربانيونَ الفقهاءُ العلماءُ، وهم فوقَ الأخبارِ (١).
حدثنیمحمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أمی ،
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَكِنْ كُنُواْ رَبِِّنِيْنَ﴾. يقولُ: كونوا
حكماءَ فقهاءَ .
حُدثتُ عن المِنِجابِ ، قال : ثنا بِشرُ بنُ عمارةَ، عن أبى حمزةَ الثُّمالىِّ، عن
يحيى بنِ عقيلٍ فى قوله: ﴿الرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤، ٦٣]. قال: الفقهاءُ
العلماء .
حُدثتُ عن المنجابِ ، قال : ثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنٍ
- (٤)
عباسٍ مثلَه(٤).
حدثنى ابنُ سنانٍ القزازُ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال : ثنا أبو
كُدَيْنةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله :
كُنُواْ رَبَّكِيْتِنَ﴾. قال: كونوا حُكماءَ فقهاءً(٢).
(١) فى ت ٢: ((والفقهاء)).
(٢ - ٢) سقط من ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٤.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٢/٢ (٣٧٤٩) من طريق المنجاب به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩١/٢ (٣٧٤٦) من طريق عطاء به، بلفظ: هم الفقهاء المعلمون .
٥٢٩
سورة آل عمران : الآية ٧٩
حُدثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال : أخبرنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿كُونُواْ رَبَّكِيْنَ ﴾. يقولُ:
كونوا فُقهاءَ علماءً(١).
وقال آخرونَ : بل هم الحكماءُ الأتقياءُ.
ذِكرُ مَن قَالَ ذلك
/حدثنی یحیی بنُ طلحة الیژبوعُّ ، قال : ثنا فُضیلُ بنُ عیاضٍ ، عن عطاءِ بنِ
السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ قولَه: ﴿كُونُواْ رَبِّنِينَ﴾. قال: حُكماءَ أتقياءً (١).
٣٢٧/٣
وقال آخرونَ: بل هم ولاةُ الناسِ وقادتُهم.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى يونسُ بنُ عبدِ الأُعلَى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : سمعتُ ابنَ زيدٍ
يقولُ فى قولِه: ﴿ كُنُواْ رَبَِّنَ﴾. قال: الرَّبانيون الذين يَرُبُّونَ الناسَ، ولاةُ هذا
الأُمْرِ، يَرْبُّونَهم: يُلُونَهم. وقرأ: ﴿لَوْلَا يَنْهَنَّهُمُ الرََِّّيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾ [المائدة: ٦٣]
قال: الربانيون الولاةُ، والأخبارُ العلماءُ(١).
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال عندی بالصواب فى الربّانِین ، أنهم جمعُ ربانئٍّ ،
وأنَّ الرّبانيَّ المنسوبُ إلى الرَّبَّانِ، الذى يَرُبُّ الناسَ، وهو الذى يُصْلِحُ أمورَهم،
ويَرُبُّها ، ويقومُ بها، ومنه قولُ علقمةَ بنِ عَبَدَةَ(٤):
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى ابن أبى حاتم وعبد بن حميد.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٢/٢ عقب الأثر (٣٧٤٩) معلقا .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف.
(٤) تقدم تخريجه فى ١٤٣/١.
( تفسير الطبرى ٣٤/٥ )
٥٣٠
سورة آل عمران : الآية ٧٩
وَقَبْلَكَ رَبَّنْنى - فَضِعْتُ - رُبُوبُ
وكنتَ امْرَأْ أَفْضَتْ إليكَ رِبابَتِی
يعنى بقولِه : ربتنى: وَلَىَّ أمرى والقيامَ به قبلَك مَن يربُّه ويُصلِحُه، فلم
يُصلِحوه ، ولكنهم أضاعونى فَضِعتُ .
يقالُ منه: ربَّ أمرِى فلانٌ ، فهو يَرْبُّه رَبًّا، وهو رَابُه. فإذا أريدَ به المبالغةُ فى
مدْحِه قيل : هو رَبَّانُ. كما يقالُ: هو نَعْسانُ. من قولِهم: نعَس يَنْعُسُ. وأكثرُ ما
يجىءُ من الأسماءِ على ((فَعْلان)) ما كان من الأفعالِ ماضِيه على ((فَعِل)) مثل
قولهم : هو سكرانُ وعطشانُ وريّانُ ، من : سكِر يَسْكَرُ، وعطِش يَعْطَشُ، ورَوِى
يُرْوَى. وقد يجىءُ مما(١) كان ماضِيه على ((فَعَل يَفْعُلُ))، نحوَ ما قلنا من: نَعَس
يَنْعُسُ، و: ربَّ يرُبُّ .
فإذ كان الأمر فى ذلك على ما وصَفْنا ، و کان الربانُ ما ذكرنا ، والربَّانُ هو
المنسوبَ إِلى مَن كان بالصِّفةِ التى وصَفْتُ، وكان العالمُ بالفقهِ(١) والحِكْمةِ مِن
المصْلِحِينُ) أمورَ الناسِ بتعلِيمِه إياهم الخيرَ، ودعائِهم إلى ما فيه مَصلَحتُهم، وكان
كذلك الحكيمُ التقىُ للهِ، والوالى الذى يَلى أمورَ الناسِ، على المنْهاجِ الذى وَلِيَه
المُقْسِطون مِن المصْلِحِين أمورَ الخلقِ بالقيامِ فيهم، بما فيه صلامح عاجِلِهم وآجِلهم،
وعائدةُ النفْعِ عليهم فى دينهم ودنياهم، كانوا جميعًا (" مُستحقينَ أَنَّهم" مِمّن دخلَ
فى قوله عزَّ وجلّ: ﴿ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّكِيْكِنَ﴾ .
(١) فى ص، ت١: ((ما)).
(٢) فى ص، س: (( دون الفقه)).
(٣) بعده فى م: ((يرب)).
(٤ - ٤) فى ص، ت١، س: ((مستحقون أن)).
٥٣١
سورة آل عمران : الآية ٧٩
فالرّبانيون إذنْ هم عمادُ الناسِ فى الفقهِ والعلم وأمورِ الدينِ والدنيا ؛ ولذلك
قال مجاهدٌ: وهم فوقَ الأخبارِ. لأَنَّ الأحبارَ هم العلماءُ، والربانىُ الجامعُ إلى العلمِ
والفقهِ البصرَ بالسياسةِ والتدبيرِ، والقيام بأمورِ الرَّعيةِ، وما يُصلِحُهم فى دنياهم
ودينهم .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ وَبِمَا كُنْتُمْ
٧٩
تَدْرُسُونَ
اختلفتِ القرأةُ فى قراءَةِ ذلك ؛ فتقرَأَه عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ وبعضُ البَصْريين :
( بما كنتم تَعْلَمون). بفتحِ التاءِ وتخفيفِ اللّامِ (١)، بمعنى: بعلْمِكم الكتابَ،
ودراسَتِكم إياه وقراءتكم. واعتلُّوا لاختيارِهم قراءةَ ذلك كذلك، بأنَّ الصوابَ لو
كان التشديدَ فى اللَّمِ وضمَّ التاءِ، لكان الصوابُ فى: ﴿ تَدْرُسُونَ﴾. بضمِّ
التاءِ /وتَشدیدِ الراءِ .
٣٢٨/٣
وقرأَ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾. بضمُّ التَاءِ
من: ﴿ تُعَلِّمُونَ﴾ وتشديدِ اللَّمِ (١) ، بمعنى: بتعليمِكم الناسَ الكتابَ، ودرَاستِكم
إيَّاه . واعْتُلُّوا لاختيارِهم ذلك بأنّ مَن وصَفهم بالتعليم فقد وصَفهم بالعلم ، إذ لا
يُعَلِّمونَ إلا بعدَ عِلْمِهِم بما يُعَلِّمون .
قالوا: ولا مَوصوفَ بأنه يُعَلِّمُ إلَّا وهو موصوفٌ بأنه عالمٌ . قالوا: فأُما
الموصوفُ بأنه عالمٌ ، فغيرُ مَوصوفٍ بأنه مُعلِّمُ غيرِه . قالوا : فأولى القراءتين بالصّوابِ
أَبلَّغُهما فى مدح القومِ ، وذلك وصْفُهم بأنهم كانوا يُعلِّمون الناسَ الكتابَ .
(١) وهى قراءة ابن كثير ونافع وأبى عمرو. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٣.
(٢) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى . المصدر السابق .
٥٣٢
سورة آل عمران : الآية ٧٩
كما حدَّثنى المُثَنِى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابنٍ
عُبَيْنَةَ، عن حُميدِ الأعرج، عن مجاهدٍ أنه قرأ: ( بما كُنْتُم تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبما
كُنْتُمْ تَدْرُسون). مُخفِّقَةٌ بنصبِ التاءِ(١)، وقال ابنُ عُبِينَ: ما عَلَّموه حتى عَلِموه(٢) .
وأوْلَى القراءتَيْنْ بالصوابِ فى ذلك(١) قراءةُ مَن قرأَه بضمّ التاءِ وتشديدِ اللَّام؛
لأَنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ وصَف القومَ بأنهم أهلُ عمادٍ للناسِ فى دينهم ودنياهم، وأهلُ
إصلاحٍ لهم ولأمورهم، وتربيةٍ، يقولُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَكِن كُنُواْ رَبَّكِيْنَ﴾. على
ما بيَّنَّا قَبلُ مِن معنى الربانيّ، ثم أخبر تعالى ذِكرُه عنهم أنهم صاروا أهلَ إصلاح
للناسٍ وتربية لهم، بتعلیمِهم إيّاهم کتابَ ربِّهم .
ودِراستُهم إيَّه تلاوتُه . وقد قيل: دِراستُهم الفقهُ.
وأشبهُ التأويلين بالدراسةِ ما قلنا مِن تلاوةِ الكتابِ؛ لأنه عطفٌ على قولِه :
﴿ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾. والكتابُ هو القرآنُ، فلأنْ تكونَ الدراسةُ مَعنيًّا بها دراسةٌ
القرآنِ ، أَوْلَی مِن أُنْ یکونَ معنيًّا بها دراسةُ الفقهِ الذى لم يجرِ له ذِ کرٌ .
(١) كذا قال المصنف، وقد نص فى المحرر الوجيز ٤٨٦/٢، والبحر المحيط ٥٠٦/٢، أن قراءته بفتح التاء والعين
واللام المشددة ، أى : تتعلمون .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٢/٢ (٣٧٥١) من طريق يحيى بن آدم به، قال: ﴿بما كنتم
تعلمون﴾ : حقيقة ما علموه حتى علموا .
ثم أورد فى الأثر (٣٧٥٣) بسند آخر إلى سفيان بن عيينة، قال: من قرأها ﴿ بما كنتم تعلمون﴾ قال :
يقول : علِموا وعمِلوا ثم علَّموا.
وأورده السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ كالذى عندنا أيضًا سواء، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن
المنذر .
(٣) قال أبو حيان فى البحر المحيط ٥٠٦/٢: وتكلموا فى ترجيح إحدى القراءتين على الأخرى ، وقد تقدم
أنى لا أرى شيئًا من هذه التراجيح؛ لأنها كلها منقولة متواترة قرآنا، فلا ترجيح فى إحدى القراءتين على
الأخرى .
٥٣٣
سورة آل عمران : الآيتان ٧٩، ٨٠
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: قال يحيى بنُ آدمَ: قال أبو بكر (١):
كان عاصمٌ يقرؤُها: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِنَبَ﴾. قال: القرآنَ، ﴿وَبِمَا
كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. قال: الفقهُ(٢).
فمعنى الآية : ولكن يقولُ لهم : كونوا أيها الناسُ سادةَ الناسِ وقادتَهم ، فى أُمْرِ
دينهم ودنياهم، رَبانيِّينَ بتعليمِكم إياهم كتابَ اللَّهِ، وما فيه من حلال وحرامٍ،
وفرضٍ وندبٍ، وسائرِ ما حَواه مِن مَعانى أمور دينهم، وبتلاوتِكم إياه،
ودراستكموه .
القولُ فى تأويل قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُواْ الْكَبِكَةَ وَالنَّبِّئِنَ
٨٠
أَرْبَابًا أَيَأْمُرَّكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ
اختلفتِ القرأةُ في قراءةٍ قولِه: ﴿ وَلَا يَأْمُرَّكُمْ﴾؛ فقرأتْه عامَّةُ قَرأةِ الحجازِ
والمدينةِ: ( ولا يأمُرُكُمْ)(٣). على/ وجهِ الابتداءِ مِن اللَّهِ بالخبرِ عن النبيِّ عَلِ أَنَّه لا
يأْمُرُكم أيها الناسُ أنْ تَتَّخِذُوا الملائكةَ والنبيِّينَ أرْبابًا .
٣٢٩/٣
واستشْهدَ قارئو ذلك كذلك بقراءةٍ ذكَروها عن ابن مسعودٍ(٤) أنه كان
يَقرؤُها(٥): (وَلَنْ يأمُرَكُم). فاستدَلَّوا بدخولٍ ((لنْ)) على انقطاع الكلامِ عما قبلَه،
(١) فى النسخ: ((زكريا)). وتقدم على الصواب فى ٦٢٠/٢ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢١٣ .
(٤) فى س: ((عباس)). وينظر قراءة ابن مسعود فى الكشف عن وجوه القراءات السبع ٣٥٠/١، ٣٥١،
والمحرر الوجيز ٤٨٦/٢، والبحر المحيط ٥٠٧/٢.
(٥) بعده فى ص، ت٢، ت٣: ((وهو))، وبعده فى م، ت١: ((وهى)).
٥٣٤
سورة آل عمران : الآية ٨٠
وابتداءِ خبرٍ مستأنفٍ. قالوا: فلمَّا صيَّ مكانَ ((لَنْ)) فى قراءتِنا: ﴿لَا﴾ وجبتْ
قراءتُه بالرفع .
وقرأَه بعضُ الكوفيين والبَصْربين ﴿ وَلَا يَأْمُرَّكُمْ ﴾ بنصبِ الراءِ ، عطفًا على
قوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾. وكان تأويلُه عندَهم: ما كان لبشرٍ أنْ يُؤْتِيَه اللَّهُ
الكتابَ ثم يقولَ للناسِ ، ولا أن يأْمُرَكم ، بمعنى: ولا كان له أن يَأْمرَ كم أن تتخذوا
الملائكةَ والنبيين أربابًا .
وأولى القراءَتينْ بالصوابٍ فى ذلك: ﴿ وَلَا يَأْمُرَّكُمْ﴾. بالنصبِ على
الاتصالِ بالذى قبلَه، بتأوَّلٍ: ما كان لبشرٍ أن يُؤْتِيَه اللَّهُ الكتابَ والحُكْمَ والنبوةَ ، ثم
يقولَ للناسِ كونوا عبادًا لى مِنْ دُونِ اللَّهِ ، ولا أنْ يأمُرَ كم أن تتخذوا الملائكةَ والنبيِّين
أربابًا . لأَنَّ الآيةَ نزلتْ فى سببٍ(٢) القوم الذين قالوا لرسولِ اللَّهِ مَّهِ: أتريدُ أنْ
نَعْبُدَك؟ فأخْبَرهم اللَّهُ جلَّ ثناؤه أنه ليس لنبيّه مَّهِ أَن يَدْعُوَ الناسَ إلى عبادةِ نفْسِه،
ولا إلى اتخاذِ الملائكة والنبيِّين أربابًا، ولكن الذى له أن يدعوهم إلى أن يكونوا
رَبانيِّينَ .
فأما الذى ادَّعَى مَن قرأ ذلك رفعًا أنه فى قراءةِ عبدِ اللهِ: (ولن يأمرَكم) .
اسْتِشْهادًا لصحةٍ قراءتِه بالرفع، فذلك خبرٌ غيرُ صحيحِ سَنَدُه، وإنما هو خبرٌ رواه
حجاجٌ، عن هارونَ الأعورِ (٣) أنّ ذلك فى قراءةٍ عبدِ اللهِ كذلك ، ولو كان ذلك خبرًا
صحيحًا سَندُه، لم يكنْ فيه لمحتبج حجةٌ ؛ لأنّ ما كان على صحتِهِ مِن القراءةِ مِن
(١) وهى قراءة عاصم وابن عامر وحمزة . السبعة لابن مجاهد ص ٢١٣ .
(٢) فى م: ((سب)).
(٣) فى م: ((لا يجوز)). ورسمه فى باقى النسخ أقرب إلى المثبت. ينظر غاية النهاية ٣٤٨/٢، وتهذيب
الكمال ١١٥/٣٠ ٠
٥٣٥
سورة آل عمران : الآيتان ٨٠، ٨١
=
(١)
الكتابِ الذى قد جاء به المسلمون وراثةً عن نبيِّهم ◌َِّ لا يجوزُ تركُه ، لتأويل على
قراءةٍ أضِيفتْ إلى بعضِ الصحابةِ، بِنقلٍ مَن يجوزُ فى نقلِهِ الخطأَّ والسهؤُ.
فتأويلُ الآيةِ إذن: وما كان للنبيّ أنْ يأمُرَ(١) الناسَ أن يَتخذوا الملائكةَ والنبيينَ
أربابًا - يعنى بذلك: آلهةً يُعبدون مِن دونِ اللَّهِ - كما ليس له أن يقول لهم: كونوا
عبادًا لى مِن دونِ اللَّهِ . ثم قال جلَّ ثناؤه نافِيًا عن نبيّه عَ لِ أَن يأمرَ عبادَه بذلك:
أَيَأْمُّكُمْ بِالْكُفْرِ﴾ أيها الناسُ، نَيْكم، بجُحودٍ وخدانيةِ اللَّهِ، ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمُ
تُسْلِمُونَ﴾. يعنى: بعدَ إذْ أنتم له مُنقادُون بالطاعةِ، مُتذَلِّلونَ له بالعبودةِ. أى: إنَّ
ذلك غیر کائنٍ منه أبدًا .
وقد حدثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ مُریجٍ ،
قال: ولا يأمرُكم النبيُّ عَ لَّهِ أن تتخذوا الملائكةَ والنبيِّين أربابًا (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ
مِنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ ◌َآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ،
وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ .
/ يَعنى بذلك حلِّ ثناؤه: واذْكروا يا أهل الكتابِ إذ أخذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ. ٣٣٠/٣
يعنى : حينَ أخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ. وميثاقُهم: ما وثَّقوا به على أنفُسِهم طاعةَ اللَّهِ
فیما أمرهم ونَهاهم .
وقد بيّنا أصلَ الميثاقِ باختلافٍ أهلِ التأويلٍ فيه بما فيه الكفايةُ(٤).
(١) فى م: (( نحو)).
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت٢، ت ٣، س: (( كما نهى)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٤٣٩/١، ٤٦/٢.
٥٣٦
سورة آل عمران : الآية ٨١
﴿ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾ . فاختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛
فقرَأَتْه عامَّةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ﴾. بفتح اللَّامِ مِن: ﴿لَمَا﴾.
إلا أنَّهم اختلفوا فى قراءةٍ: ﴿ءَاتَيْتُكُمْ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿ءَاتَّيْتُكُمْ﴾. على
التوحيدِ ، وقرَأَه آخرونَ: (آتَيْنَاكم). على الجمعِ(١).
ثم اختلف أهلُ العربيةِ إذا قُرِئ ذلك كذلك؛ فقال بعضُ نَحونِّى البصرةِ :
اللامُ التى مع ((ما)) فى أوَّلِ الكلامِ لامُ الابتداءِ، نحوَ قولِ القائلِ: لَزِيدٌ أَفضلُ مِنك .
لأن ((ما))(٢) اسم، والذى بعدَها صلةٌ لها، واللامُ التى فى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ،
ج
وَلَتَنْصُرُتَّهُ﴾. لامُ القسم، كأنه قال: واللهِ لتُؤْمِنُنَّ به. يُؤْكِّدُ فى أولِ الكلامِ وفى
آخرِه، كما يقالُ: أمَّا(١) واللهِ أن لو جِئْتَنى لكان كذا وكذا. وقد يُسْتَغْنَى عنها،
فوّكَّد فى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ،﴾. باللامِ فى آخرِ الكلامِ، وقد يُستغْنَى عنها، ويُجعلُ
خبرُ: ﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ،﴾ مثلُ: لعبدُ اللَّهِ
واللهِ لِتَأْتِيَنَّه. قال: وإنْ شئتَ جعلتَ خبرَ ((ما)) ﴿مِّنْ كِتَبٍ﴾. يريدُ: لما آتيتكم
كتابٌ وحكمةٌ. وتكون ﴿مِّن ﴾ زائدةً .
وخطَّأ بعضُ نحونِّى الكوفيين ذلك كلّه، وقال: اللامُ التى تدخُلُ فى أوائلِ
الجزاءٍ (* تُجابُ بجواباتِ الأيمانِ، يقالُ: لمن قامَ لآتَيَنَّه. و": لمن قامَ ما أحسنَ. فإذا
وقَع فى جوابِها (( ما ))، و((لا ))، عُلم أن اللامَ ليست بتوكيدٍ للأولى؛ لأنه يُوضُ
مَوضعَها (( ما)) و((لا))، فتكونُ كالأولى، وهى جوابٌ للأولَى. قال: وأمَّا قولُه:
(١) قرأ حمزة وحده بكسر اللام من (لما). وقرأ الباقون بالفتح، وقرأ نافع وحده: (آتيناكم). وقرأ الباقون:
﴿آتيتكم﴾. السبعة لابن مجاهد ص ٢١٤.
(٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ما)).
(٣) فى س: (( لما)).
(٤ - ٤) فى م: ((لا تجاب بما ولا لا، فلا يقال: لمن قام لا تتبعه، ولا)).
٥٣٧
سورة آل عمران : الآية ٨١
﴿لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ﴾. بمعنى إسقاط ﴿مِّن﴾ غلطٌ؛ لأنّ ((مِن))
التى تدخلُ وتخرج لا تقعُ مواقعَ الأسماءِ . قال : ولا تقعُ فى الخبرِ أيضًا ، إنما تقعُ فى
الجَحْدِ والاستفهامِ والجزاءِ .
وأولى الأقوالِ فى تأويل هذه الآيةِ - على قراءةٍ مَن قَرَأ ذلك بفتحِ اللامِ -
بالصَّوابِ: أن يكونَ قولُه: ﴿لَمَا﴾ بمعنى: لمهما. وأن تكونَ ((ما)) حرفَ جزاءٍ
أُدخِلتْ عليها اللامُ، وصُيِّر الفعلُ معها على ((فَعَلَ)) ، ثم أُجيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ ،
فصارت اللامُ الأولى يَمِينًا ، إِذْ تُلُقِّيتْ بجوابٍ اليمينِ .
ء
وقرأَ ذلك آخرونَ: (لِمَ آتَيْتُكُم). بكسرِ اللامِ مِن (( لما))، وذلك قراءةُ جماعةٍ
مِن أهلِ الكوفةِ .
ثم اختلفَ قارئو ذلك كذلك فى تأويله ؛ فقال بعضُهم : معناه إذا قُرئ كذلك :
وإِذْ أخذَ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ للذى آتيتُكم. فـ ((ما)) على هذه القراءةِ بمعنَى ((الذى))
عندهم. وكان تأويلُ الكلام: وإذْ أخذَ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ مِن أجلِ الذى آتاهم مِن
كتابٍ وحِكْمةٍ ، ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ . يعنى: ثُم إنْ جاءكم رسولٌ ، يَعنى
ذِكْرَ محمدٍ فى التوراةِ - ﴿لِتَؤْمِنُنَّ به﴾. أى: لَيكونَنَّ إیمانُكم به للذى عندَ کم فى
التوراةِ مِن ذِكرِه .
وقال آخرون منهم: تأويلُ ذلك إذا قُرئ بكسرِ اللام من ( لِما): وإِذْ أَخَذ اللَّهُ
ميثاقَ النبيينَ للذى آتاهم من الحِكْمةِ. ثم جعَل قوله: ﴿لَتَؤْمِنُنَّ به﴾. من الأخْذِ،
أخْذِ الميثاقِ ، كما يقالُ فى الكلام: أخذتُ ميثاقَك لَتفعلَنَّ. لأنّ أُخْذَ الميثاقِ بمنزلةٍ
الاستِحْلافِ. فكان تأويلُ الكلامِ عندَ قائلِ هذا القولِ: وإذ استَخْلف اللَّهُ التّبينَ
للذى آتاهم مِن كتابٍ وحكمةٍ، متى جاءَهم رسولٌ مُصدِّقٌ لما معهم لَيؤمِنُنَّ به
ولَینصُرنَّه .
٥٣٨
سورة آل عمران : الآية ٨١
وأولى القراءتين فى ذلك بالصوابِ قراءةُ مَن قَرَأ: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ
لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ﴾. /بفتح اللام؛ لأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ أَخَذ ميثاقَ جميع الأنبياءِ بتصْديقٍ
كلِّ رسولٍ له ابتَعثَه إلى خلْقِه، فيما ابتَعثَه به إليهم، كان ممن آتاه كتابًا ، أو ممن لم يؤْتِه
كتابًا ، وذلك أنه غيرُ جائزٍ وصفُ أحدٍ مِن أنبياءِ اللهِ عزَّ وجلَّ ورسُلِه، بأنه كان ممن
أَبِيحَ له التكذيبُ بأحدٍ مِن رسلِه ؛ فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنَّ منهم مَن
أنزل عليه الكتابُ، وأنّ منهم مَن لم يَنْزِلْ عليه الكتابُ، كان بيِّنًا أنَّ قراءةَ مَن قرأ
ذلك: (لِمَ آتَيْتُكُم). بكسرِ اللامِ، بمعنى: من أجلِ الذى آتَيْتُكم من كتابٍ. لا وْهَ
له مفهومٌ إلا على تأويلٍ بعيدٍ ، وانتزاعٍ عميقٍ.
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى من أُخِذَ ميثاقُه بالإيمانِ بمن جاءه مِن رُسلِ اللَّهِ مُصدِّقًا
لما معه؛ فقال بعضُهم: إنما أَخَذ اللَّهُ بذلك ميثاقَ أَهلِ الكتابِ دونَ أنبيائهم .
واستَشْهدوا لصحةٍ قولِهم بذلك بقولِه: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ . قالوا: فإنما
أمَر الذين أُرسلتْ إليهم الرسلُ مِن الأمم بالإيمانِ برسُلِ اللَّهِ ، ونُصْرتِها على مَن خالفَها،
وأما الرسلُ ، فإنه لا وْهَ لأمْرِها بنُصْرةِ أحدٍ ؛ لأنها المحتاجةُ إلى المعونةِ على مَن خالفَها
مِن كفرةٍ بنى آدمَ ، فأما هى، فإنها لا تُعينُ الكفرةَ على كفرِها ولا تَنْصُرُها . قالوا : وإذا
لم يكنْ غيرُها وغيرُ الأمَم الكافرةِ ، فَمن الذى يَنْصُرُّ النبيَّ فيؤْخَذَ ميثاقُه بنُصْرَتِهِ؟
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِِّنَ لَمَآ ءَاتَّيْتُكُم مِّن كِتَبٍ
وَحِكْمَةٍ ﴾. قال: هى خطأ مِن الكاتبِ )، وهى فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (وإذْ أَخَذّ
(١) فى تفسير مجاهد والدر المنثور: ((الكُتَّاب)). قال أبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٥٠٨: وهذا لا یصح عنه؛ =
٣٣١/٣
٥٣٩
سورة آل عمران : الآية ٨١
اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينِ أُوتُوا الكتابَ)(١).
حدثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِّكِنَ﴾. يقولُ: وإذ أخَذَ اللَّهُ ميثاقَ الذين
أُوتُوا الكتابَ . وكذلك كان يقرؤُها الربيعُ: ( وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ ميثَاقَ الذين أوتوا
الكتابَ ) . إنما هى أهلُ الكتابِ . قال: وكذلك كان يقرؤُها أبىُ بنُ كعبٍ .
قال الربيعُ: أَلا تَرى أنه يقولُ: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولُ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ ﴾. يقولُ: لَتُؤْمِنُنَّ بمحمدٍ عَهِ وَتَنصُرنَّه. قال: هم
أهلُ الكتابِ(٢) .
وقال آخرون : بل الذين أُخِذَ ميثاقُهم بذلك الأنبياءُ دونَ أَمِها .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى المثنى وأحمدُ بنُ حازمٍ، قالا: ثنا أبو نُعيم، قال : ثنا سفيانُ، عن
حبيبٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍٍ ، قال: إنما أخَذ اللَّهُ ميثاقَ النبيينَ على
(٣)
قومِهم
= لأن الرواة الثقات نقلوا عنه أنه قرأ النبيين كعبد اللّه بن كثير وغيره، وإن صح ذلك عن غيره فهو خطأ مردود
بإجماع الصحابة على مصحف عثمان .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى عبد بن حميد والفريابى وابن المنذر.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٩٣/٢ (٣٧٥٧)، من طريق أبى نعيم به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤٧/٢ إلى ابن المنذر.
٥٤٠
سورة آل عمران : الآية ٨١
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزّاقِ ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابنِ
طاوسٍ، عن أبيه فى قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَِّنَ﴾: أنْ يُصدِّقَ بعضُهم
(١)
بعضًا(١).
٣٣٢/٣
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسینُ ، قال : ثنی حجاج ، عن ابن جريج ، عن ابنِ
طاوسٍ، عن أبيه/ فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِِّنَ لَمَآ ءَاتَّيْتُكُم مِّنْ كِتَبٍ
وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾ الآية. قال: أخَذ اللَّهُ ميثاقَ الأَوَّلِ
مِن الأنبياءِ ليُصَدِّقُنَّ وَلَيُؤْمِنُنَّ بما جاء به الآخِرُ منهم(١).
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشم ، قال : أخبرنا
سَيْفُ بنُ عمرَ (٢) ، عن أبى رَوْقٍ ، عن أبى أيوبَ ، عن عليّ بن أبى طالبٍ ، قال: لم
يَبْعَثِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ نبيًّا؛ آدمَ فمنْ بعدَه، إلا أُخَذ عليه العهدَ فى محمدٍ ، لئن بُعِثَ
وهو حىٌّ، لَيُؤْمِنَنَّ به ولَينصُرَنَّه، ويأمرُه فيأخذُ العهدَ على قومِه، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ
اللَّهُ مِيثَقَ النَِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ﴾ الآية(٤).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ
مِيثَقَ النَِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّنْ كِتَبٍ﴾ الآية: هذا ميثاقٌ أخَذه اللَّهُ على النبيينَ
أن يُصَدِّقَ بعضُهم بعضًا، وأن يُبلِّغوا كتابَ اللَّهِ ورسالاتِهِ ، فَبَلَّغْتِ الأنبياءُ كتابَ اللَّهِ
ورسالاتِه إلى قومِهم، وأخَذ عليهم فيما بَلَّغَتْهم رسُلُهم أنْ يؤمِنوا بمحمدٍ عَلَه ،
(١) سيأتى تخريجه بتمامه فى ص ٥٤٣ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى م: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٤/١٢.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٧/٢ إلى المصنف.