النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
سورة آل عمران : الآية ٧٣
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾. قال: لا تُؤْمِنوا إلا لمن آمَن بدينِكم (١)؛ من خالَفه، فلا
تُؤْمِنوا به .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ
أَوْ بُعَاتُوَكُمْ عِنْدَ رَّكُمْ﴾ .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى
هُدَى اُللَّهِ﴾. اعتراضٌ(٢) به فى وسطِ الكلامِ، خبرًا(٢) مِن اللَّهِ عن أن البيانَ
بيانُه، والهدَى هداه. قالوا: وسائرُ الكلام بعدَ ذلك [١/ ٤٢١ و] مُتَّصلٌ بالكلام
الأولِ، خبرًا(٣) عن قِيلِ اليهودِ بعضِها لبعضٍ. فمعنى الكلامِ عندَهم: ولا
تُؤْمِنوا إلا لمَن تبِع دينَكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتُم، أو أن
يُحامُوكم عندَ ربِّكم. أىْ: ولا تُؤْمِنوا أن يُحابَكم أحدٌ عندَ ربِّكم. ثم
قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ لنبيِّه ◌ِلّهِ: قل يا محمدُ: إن الفضلَ بيدِ اللَّهِ يُؤْتِيه مَن يَشاءُ، وإن
الهدى هدى اللهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نَجيح،
عن مُجاهدٍ فى قوله: ﴿ أَنْ يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾: حسدًا مِن يهودَ أن تكونَ
(١) بعده فى م: ((لا)).
(٢) فى م: ((اعترض)).
(٣) فى م: ( خبر).

٥٠٢
سورة آل عمران : الآية ٧٣
النبوةُ فى غيرِهم ، وإرادةَ أَن يُتََّعوا (١) على دينِهم (١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ مثله .
وقال آخرون: تأويلُ ذلك: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾: إن
البيانَ بيانُ اللَّهِ. ﴿أَن يُؤْثَ أَحَدٌ﴾، قالوا: ومعناه: لا يُؤْتَى أحدٌ مِن الأمم ﴿مِثْلَ
ـوة
مَا أُوتِيتُمْ﴾، كما قال: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ﴾ [النساء: ١٧٦] . بمعنى:
ـّ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾
لا تَضِلُّون. وكقوله: ﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِنَ
[ الشعراء: ٢٠٠، ٢٠١]. بمعنى: ألا يؤمنوا. ﴿مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتَ
أنت يا محمدُ وأُمَّتُك مِن الإسلام والهدَى، ﴿أَوْ (١) بُعَجُوُاْ عِنْدَ رَيَّكُمْ﴾. قالوا:
ومعنى ﴿أَوْ﴾: إلا. أىْ: إلا أن يُحاجُوكم . يعنى: إلا أن يُجادِلو كم عندَ ربِّكم،
عندَ(٤) ما فعَل بهم ربُّكم(٥).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُّ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُدىِّ: قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ لمحمدٍ عَ لَه: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْنَ أَحَدٌ مِّثْلَ
مَآَ أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ: مثلَ ما أُوتِيتُم يا أمةَ محمدٍ. ﴿أَوَ بُمَآتُوكُنْ عِندَ رَيَّكُمْ﴾،
(١) فى س: ((ينقلبوا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨١/٢ (٣٦٩٧).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أن)).
(٤) سقط من: ت٢، وفى س: ((بمعنى)).
(٥) فى س: (( وبكم)).

٥٠٣
سورة آل عمران : الآية ٧٣
يقولُ(١) اليهودُ: فَعَل اللَّهُ بنا (١) كذا وكذا مِن الكرامةِ، حتى أَنْزَل علينا المنَّ والسَّلْوَى.
فإن الذى أعْطَيْتُكم(١) أفضلُ، فقولوا: ﴿إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اُللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾
.(٤)
الآية (٤).
فعلى هذا التأويلِ جميعُ هذا الكلامِ مِن اللَّهِ "نبيّه محمدًا) عَ اقِ أن يقولَه
/ لليهودِ، وهو مُتلاصِقٌ(١) بعضُه ببعض لا اعْتراضَ فيه. والهُدَى الثانى ردٌّ على ٣١٥/٣
الهُدَى الأولِ، و﴿أَنْ﴾ فى موضعِ رفعٍ على أنه خبرٌ عن الهدَى .
وقال آخرون: بل هذا أمرٌ مِنِ اللَّهِ نبيّه أن يقولَه لليهودِ. وقالوا: تأويلُه: ﴿قُلْ﴾
يا محمدُ : ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اَللَّهِ أَن يُؤْنَ أَحَدٌ﴾ مِن الناسِ ﴿مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ﴾.
يقولُ : مثلَ الذى أُوتِيتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ مِن كتابِ اللَّهِ ، ومثلَ نبيِّكم ، لا
تَحْسُدوا المؤمنين على ما أعْطَيْتُهم مثلَ الذى أعْطَيْتُكم مِن فضلى ، فإن الفضلَ بیدی
أُوتِيه مَن أشاءُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى
هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْنَّ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيٌُ﴾. يقولُ: لَّ أَنْزَل اللَّهُ كتابًا مثلَ كتاِكم،
وبعَثْ نبيًّا مثلَ نبيَّكم، حسَدْتُموهم على ذلك، ﴿قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ الآية(١).
(١) فى م، س: ((تقول)).
(٢) فى س: ((بكم)) .
(٣) فى س: ((أعطيكم)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم مفرقا فى تفسيره ٦٨١/٢ (٣٦٩٦)، ٦٨٢/٢ (٣٦٩٨) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٥ - ٥) فى م: ((لنبيه محمد)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((مثل)).
(٧) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٢/٢ عقب الأثر (٣٧٠٠) معلقا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٢ إلى المصنف.

٥٠٤
سورة آل عمران : الآية ٧٣
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
مثلَهُ(١).
وقال آخرون: بل (١) تأويلُ ذلك: ﴿قُلٌ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ
يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ﴾ أنتم يا معشرَ اليهودِ مِن كتابِ اللَّهِ . قالوا: وهذا آخِرُ
القولِ الذى أمَر اللَّهُ به نبيَّنا محمدًا عَظله أن يقولَه لليهودِ مِن هذه الآيةِ . قالوا: وقولُه:
﴿أَوَ بُعَجُوكُمْ﴾ . مردودٌ على قولِه: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ .
وتأويلُ الكلامِ على قولِ أهلِ هذه المقالةِ : ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبع دينكم فتَتْرُكوا
الحقَّ، أن يُحامُّوكم به عندَ ربِّكم مَن اتََّعْتم دينَه، فأَحْبَرُوه (٣) أنه مُحِقٌّ، وأنكم
تَجِدون نعتَه فى(٤) كتابِكم. فيَكونُ حينئذٍ قولُه: ﴿أَوْ (٥) بُعَآتُوكُمْ﴾. مردودًا على
جوابٍ نهي(١) متروكٍ على قولٍ هؤلاء.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُجريجٍ قولَه :
﴿ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الَّهِ أَنْ يُؤْنَ أَحَدٌ مِثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾. يقولُ : هذا الأمرُ الذى أنتم
عليه، ﴿أَنْ يُؤْثَ أَحَدٌ مِثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ بُعَبُوكُمْ عِندَ رَيِّكُمْ﴾ . قال : قال بعضُهم
لبعضٍ: لا تُخْبِروهم بما بيَنَّ اللّهُ لكم فى كتابِهِ ليُحامجوكم. قال: ليُخاصِمو كم به
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٢/٢ (٣٧٠٠) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((فاختر تموه)).
(٤) فى س: ((من)).
(٥) فى ص، ت ١: ((أن)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((النهى)).

٥٠٥
سورة آل عمران : الآية ٧٣
عندَ ربِّكم، ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اُللَّهِ﴾.
" قال أبو جعفر: وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يكونَ قوله: ﴿قُلْ إِنَّ
اَلْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ مُغْتَرِضًا) به، وسائرُ الكلام مُتَّسِقًا) على سياقٍ واحدٍ.
فيكونُ تأويلُه حينئذٍ : ولا تُؤْمِنوا إلا لمن تبع(٤) دينكم، ولا تُؤْمِنوا أن يُؤْتَى أحدٌ
مثلَ ما أُوتِيتُم. بمعنى: لا يُؤْتَى أحدٌ مثلَ (٥) ما أَوتِيتُم، ﴿أَقَ (١) بُمَكْتُوكُنْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾
بمعنى: أو أن يُحاسَجَكم(١) عندَ ربِّكم أحدٌ بإيمانِكم؛ لأنكم أَكْرَمُ على اللَّهِ منهم، بما
فضَّلکم به عليهم .
فيكونُ الكلامُ كلُّه خبرًا عن قولِ الطائفةِ التى قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقَالَتْ
طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِالَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ ﴾ . سوى
قولِه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. ثم يكونُ الكلامُ(٨) مُبتدَأ بتكذيِهم فى
قولهم(١): ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للقائلين ما قالوا، مِن الطائفةِ التى وصَفْتُ لك قولَها
لتُبَّاعِها مِن اليهودِ: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾. إن التوفيقَ توفيقُ اللَّهِ) / والبيانَ
بيانُه، وإن الفضلَ بيدِه يُؤْتِيه مَن يَشاءُ، لا ما تمَّتُموه أنتم يا معشرَ اليهودِ.
٣١٦/٣
(١ - ١) سقط من النسخ، واستظهرناه من عادة المصنف فى تفسيره، ويؤيده ما سيأتى.
(٢) فى م: ((معترض)).
(٣) فى م: (( متسق)).
(٤) فى م: ((اتبع)) .
(٥) فى م: ((بمثل)) .
(٦) فى ص، ت ٢، ت٣: ((أن)).
(٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( يحاجوكم)).
(٨) بعده فى س: ((متنه)).
(٩) فى س: ((قوله)).

٥٠٦
سورة آل عمران : الآية ٧٣
وإنما احْتَوْنا ذلك مِن سائرِ الأقوالِ التى ذكرناها؛ لأنه أصحُها [٤٢١/١ ظ]
معنًى، وأحسنُها استقامةً على معنى كلام العربِ ، وأشدُّها اتساقًا على نَظْم الكلام
وسياقِه، وماعدا ذلك مِن القولِ فانتزاعٌ يَبْعُدُ مِن الصحةِ، على اسْتِكراهٍ شديدٍ
للكلام .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اَللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ
عَلِيمٌ
٧٣
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء اليهودِ الذين وصَفْتُ(١)
قولَهم لأوليائِهم: ﴿إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾. إن(١) التوفيقَ للإيمانِ والهدايةَ للإسلامِ
بيدِ اللَّهِ ، وإليه دونَكم ودونَ سائرٍ خلقِه، ﴿يُؤْتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ ، من خلقِه، يعنى :
يُعْطِيهِ مَن أراد مِن عبادِه. تَكْذيبًا مِن اللهِ عزَّ وجلَّ لهم فى قولِهم لتُبَاعِهم: لا يُؤْنَى
أحدّ(٣) مثلَ ما أُوتِيتم. فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ لنبيِّهِ عَمِ: قَلْ لهم: ليس ذلك إليكم، إنما
هو إلى اللَّهِ الذى بيدِه الأشياءُ كلُّها، وإليه الفضلُ وبيدِهِ، يُعْطِيه مَن يَشاءُ. ﴿ وَاللَّهُ
وَسِعُ عَلِيمٌ﴾. يعنى: واللَّهُ ذو سَعَةٍ بفضلِه على مَن يَشاءُ أن يَتَفَضَّلَ عليه.
﴿عَلِيمٌ﴾ : ذو علم بمَن هو منهم للفضلِ أهلٌ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبَرَنا ابنُ المبارَكِ قراءةٌ ، عن
ابنِ جريج فى قوله: ﴿قُلْ إِنَّ اُلْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾. قال:
(٤)
الإسلامُ ().
(١) بعده فى س: ((لك)).
(٢) فى س: ((أى)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٣/٢ إلى المصنف .

٥٠٧
سورة آل عمران : الآية ٧٤
القولُ فى تأويل قوله: ﴿يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
(٧٤
اٌلْعَظِيمِ !
يعنى بقولِه: ﴿يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾: ((يفتعِل))، مِن قولِ القائلِ:
خصَصْتُ فلانًا بكذا ، أخُصُّه به .
وأما (( رحمتُه)) فى هذا الموضعِ، فالإسلامُ والقرآنُ، مع النبوةِ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نّجيع،
عن مجاهدٍ: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾. قال: النبوةُ، يختصُّ (١) بها مَن يَشاءُ) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ: ﴿يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾. قال: يختصُّ بالنبوةِ مَن يشاءُ(٣).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبَرَنا ابنُ المبارَكِ قراءةً ، عن ابن جريجٍ :
يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾. قال: القرآنُ والإِسلامُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابنٍ جريجِ مثلَه .
﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اُلْعَظِيمِ ﴾. يقولُ: ذو فضلٍ يتفضَّلُ به على مَن أَحَبَّ
وشاء مِن خلْقِهِ. ثم وصَف فضلَه بالعِظَم(٤)، فقال: فضلُه عظيمٌ؛ لأنه غيرُ
(١) فى م: ((يخص)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٢/٢ (٣٧٠٢).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٢/٢ عقب الأثر (٣٧٠٢) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) فى ت ١، س: (( بالعظيم)) .

٥٠٨
سورة آل عمران : الآيتان ٧٤، ٧٥
مُشْبهِهُ(١) فى عِظَم موقعِه - ثمّنْ أَفْضَلَهُ(٢) عليه(٣) - إفضالُ خلقِه ، ولا يُقارِبُه فى
جَلالةِ خَطَرِه ولا يُدانِیه .
٣١٧/٣
/القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنَطَارٍ
يُؤَدِّهِةِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآَيِمَاْ ﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ عزَّ وجل أن مِن أهلِ الكتابِ - وهم اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ -
أهلَ أمانةٍ يُؤَدُّونها ولا يَخُونُونها ، ومنهم الخائنُ أمانتَه، الفاجرُ فى يمينه، المُسْتَحِلُّ.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إخبارِ اللَّهِ عز وجل بذلك نبيَّه عَّهِ، وقد علِمْتَ أن
الناسَ لم يَزالُوا كذلك، منهم المُؤدِّى أمانتَه والخائنُها؟
قيل : إنما أراد جلَّ وعزَّ بإخبارِه المؤمنين خبرَهم - على ما بيَّنه فى كتابه بهذه
الآياتِ - تحذيرَهم أن يَأْتَمِنوهم على أموالهم، وتَخْوِيفَهم الاغْتِرارَ بهم؛ لاسْتِخْلالِ
كثيرٍ منهم أموالَ المؤمنين .
فتأويلُ الكلام : ومِن أهل الكتابِ الذى إِن تَأْمَنْه يا محمدُ على عظيمٍ مِن المالِ
كثيرٍ يُؤَدِّه إليك، ولا يَخُنْك فيه، ومنهم الذى إن تَأْمَنْه على دينارٍ يَخُنْك فيه ، فلا
يُؤَدِّه إليك إلا أن تُلِتَّ عليه بالتَّقاضِى والمطالبةِ.
والباءُ فى قوله: ﴿ بِدِينَارٍ﴾. و((علَى)) يَتَعاقَبان فى هذا الموضِع، هذا كما
يقالُ : مرَرْتُ به، ومرَرْتُ عليه .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿إِلَّا مَا دُعْتَ عَلَيْهِ قََّبِمَا﴾؛ فقال
بعضُهم : إلا ما دُمْتَ له مُتَقَاضِيًا .
(١) فى م: ((مشبه)).
(٢) فى ت ١: ((فضله)).
(٣) بعده فى ص، ت ٢، ت ٣: ((من)).

٥٠٩
سورة آل عمران : الآية ٧٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ
عَلَيْهِ قَائِمًاً﴾ : إلا ما طلَبْتَه وَاتَّبَعْتَهُ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا﴾. قال: تَقْتَضِيه إياه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مُجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَبِمَاً﴾. قال: مُواكِظًا(٢).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال : ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مُجاهدٍ مثلَه .
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ(٤) قائمًا على رأسِهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل ، قال : ثنا أشباطُ ، عن
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٣/٢ عقب الأثر (٣٧٠٨) معلقًا .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٢٣/١.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((مواكصا))، وفى م ، وتفسير مجاهد ، ومطبوعة الدر المنثور:
((مواظبا))، والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم ، ونسخة مخطوطة من الدر المنثور، وهو صواب ما فى النسخ
الأولى عندنا، وواكظ وواظب بمعنى ، ينظر النهاية ٢٢٠/٥، والتاج ( وك ظ ) ، ونص أن قول مجاهد:
مواكظا .
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٢٥٤، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ( تحقيق حكمت بشير ياسين)
٣٤٧/٢ (٨٠٤)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((عليه)).

٥١٠
سورة آل عمران : الآية ٧٥
السدىِّ قوله: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. يقولُ: يَعْتَرِفُ بأمانتِه ما دُمْتَ قائمًا
على رأسِه، فإذا قُمْتَ ثم جئتَ تَطْلُه، كافَرَكُ(١) الذى يُؤَدِّى والذى يَجْحَدُ(١).
٣١٨/٣
وأولى القَولَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال : معنى ذلك: إلا ما دُمْتَ عليه قائمًا
بالمطالبةِ والاقْتِضاءِ. مِن / قولهم: قام فلانٌ بحقى على فلانٍ (١) حتى اسْتَخْرجَه لى .
أىْ: عمِل فى تخليصِه، وسعَى فى استخراجِه منه حتى اسْتَخْرَجَه؛ لأن اللَّهَ عز
وجل إنما وصَفَهم باستحلالِهِم أموالَ الأَمّين، وأن منهم مَن لا يَقْضِى ما عليه إلا
بالاقْتِضاءِ الشديدِ والمُطالَبةِ ، وليس القيامُ على رأسِ الذى عليه الدَّيْنُ بُمُوجبٍ له النُّقْلَةَ
عما هو عليه مِن اسْتِحلالِ ما هو له مُسْتَحِلٌّ، ولكن قد يَكونُ - مع استحلالِه
الذَّهابَ بما عليه لربِّ الحقِّ - إِلى اسْتِخْراجِه السبيلُ بالاقتضاءِ والمحاكمةِ والمخَاصَمةِ،
فذلك الاقْتِضاءُ هو قيامُ ربِّ المالِ باسْتِخراجٍ حقُّه ممَّن هو عليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيَسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾ .
يعنى بذلك جل ثناؤُه أن مَن اسْتَحَلَّ الخِيانةَ مِن اليهودِ ، وجحودَ حقوقٍ
العربيّ التى هى له عليه، فلم يُؤَدِّ ما ائْتَمَنَه العربىُّ عليه إليه إلا ما دام له مُتَقاضِيًا
مُطالِبًا، مِن أجلِ أنه يقولُ: لا حَرَجَ علينا فيما أصَبْنا مِن أموالِ العربِ ولا إِثْمَ ؛ لأنهم
على غيرِ الحقِّ، وأنهم مُشْرِكون .
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم نحوَ قولِنا فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ
(١) كافره حقّه: جحده . اللسان ( ك. ف. ر).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٣/٢ (٣٧٠٩) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٣) بعده فى س: (( إلى سنة)).

٥١١
سورة آل عمران : الآ ية ٧٥
لَيَسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَّيِّعَنَ سَبِيلٌ﴾ الآية. قالت اليهودُ: ليس علينا فيما أصَبْنا مِن أموالٍ
(١)
العربِ سبيلٌ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أْبَرَنا مَعْمٌ، عن
قَتادةَ فى قوله: ﴿ لَيَسَ عَلَيَّنَا فِ الْأُمَّيَِّنَ سَبِيلٌ﴾. قال: ليس علينا فى المشركين
سبيلٌ. يَعْنون مَن ليس مِن أهلِ الكتابِ(١) .
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُواْ لَيَسَ عَلَيَّنَا فِىِ الْأُمَّتِّعَنَ سَبِيلٌ﴾. قال: يُقالُ له: ما بالُك لا تُؤَدِّى أمانتَك ؟
فيقولُ: ليس علينا حرَجٌ فى أموالِ العربِ ، قد أحَلَّها اللَّهُ لنا (٣) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يَعقوبُ القُمِّىُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: لمّ
نزَلَت: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَنْ إِن تَأْمَنْهُ
بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِةٍ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمَأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِ الْأُمِئَنَ
سَبِيلٌ﴾. قال: قال النبىُ عَلَّهِ: ((كذَب أعداءُ اللَّهِ ، ما مِن شىءٍ كان فى الجاهليةِ
إلا وهو تحتَ قدَميَّ، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّةٌ إلى البَرّ والفاجرِ)) (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ ، عن يعقوبَ
القُمِّىِّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لما قالت اليهودُ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٣، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٥/٢ (٣٧١٥) عن الحسن بن يحيى
به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٤/٢ (٣٧١٣) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٤/٢ (٣٧١٢) من طريق يعقوب القمى به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر .

٥١٢
سورة آل عمران : الآية ٧٥
اُلْأُمَّيَِّنَ سَبِيلٌ﴾: يَعْنون أخْذَ أموالِهم، قال رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ. ثم ذكر نحوَه،
إلا أنه قال: ((إلا وهو تحتَ قدَمَيَّ هاتين، إلا الأمانةُ، فإنها مُؤَدَّةٌ )). ولم يَزِدْ على
ذلك .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى ، عن
٣١٩/٣ أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيَسْ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمِيِّئَنَ سَبِيلٌ﴾: وذلك أن
أهلَ الكتابِ كانوا يقولون: ليس علينا جناح فيما أصَبْنا مِن هؤلاء؛ لأنهم أُمَُّون .
فذلك قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ اْأُمَِّنَ سَبِيلٌ﴾. إلى آخرِ الآيةِ .
وقال آخَرون فى ذلك ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى
حجاجٌ، عن ابنِ مُريجٍ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمَّيْنَ سَبِيلٌ﴾. قال :
بايَع اليهودَ رجالٌ مِن المسلمين فى الجاهليةِ ، فلما أسلموا تَقاضَوهم ثمنَ بُيُوعِهم،
فقالوا : ليس لكم علينا أمانةٌ ، ولا قضاءًلكم عندنا ؛ لأنكم تر کتم دینکم الذی کنتم
عليه . قال: وادَّعَوا أنهم وجدوا ذلك فى كتابِهم، فقال اللَّهُ عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ
(١
عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن
صَعْصَعةً، قال : قلتُ لابنِ عباسٍ: "إنا نغزُو أَهلَ الكتابِ ، فنُصيبَ من ثمارِهم؟
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٤/٢ (٣٧١٤) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٤٤/٢ إلى ابن المنذر.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أنأتمن))، وفى س: ((إِناقن))، وفى الأموال وتفسير ابن أبى حاتم:
((إنا نسير فى أرض)). وصواب ما فى النسخ الأخرى: إنا نمر بأهل الكتاب. لما أخرجه أبو عبيد فى الأموال
(٤١٤) من طريق آخر ، عن ابن عباس: إنا نمر بأهل الذمة ...

٥١٣
سورة آل عمران : الآية ٧٥
قال: وتقولون كما قال أهلُ الكتابِ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِ الْأُمِنْنَ سَبِيلٌ﴾(١)!
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن أبى
إسحاقَ الهمدانيٌّ، عن صعصعةً ، أن رجلاً سأل ابنَ عباسٍ ، فقال : إنا نُصيبُ فى
العُزْفِ(٢) أو العَذْقِ - الشُّ مِن الحسنِ - مِن أموالِ أهلِ الذِّمَّةِ الدَّجاجةَ والشاةَ .
فقال ابنُ عباسٍ : فتقولون ماذا؟ قال : نقولُ : ليس علينا بذلك بأسّ. قال : هذا كما
قال أهلُ الكتابِ: ﴿لَيْسُ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمِنْنَ سَبِيلٌ﴾. إنهم إذا أدَّوا الجزيةَ لم ◌َحِلَّ لكم
أموالُهم إلا بطِيبٍ أنفسِهم(٢) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
يعنى بذلك جل ثناؤه أن القائلين منهم : ليس علينا فى أموالِ الأمّين مِن العربِ
و
حَرَجٌ أن نَخْتانَهم إياه . يقولون - بقِيلِهم: إن اللَّهَ جلّ ثناؤه أُحَلِّ لنا ذلك ، فلا حرج
علينا فى خيانتِهم إياه ، وتركِ قضائِهم - الكذبَ على اللَّهِ، عامِدِينَ الإِثْمَ بقیلٍ
الكذبِ على اللَّهِ ، أنه أحلَّ ذلك لهم، وذلك قولُه عز وجل: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ .
كما حدَّثنا محمدٌ ، قال: ثنا أحمدُ ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: فيقولُ
على اللَّهِ الكذبَ وهو يَعْلَمُ - يعنى الذى يقولُ منهم - إذا قيل له : ما لَك لا تُؤَدِّى
(١) أخرجه أبو عبيد فى الأموال ص ١٩٧ (٤١٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٤/٢ (٣٧١١) من طريق
سفيان الثورى به .
(٢) فى ت ٣: ((العرب))، وفى تفسير عبد الرزاق، والدر المنثور: ((الغزو)). والعُزفُ: ضرب من النخل فى
كلام أهل البحرين، تسمى البُرْشُوم. التاج (ع رف). ويدل على صواب ما فى النسخ أنه قال: أو العذق .
والعذق النخلة ، وقيل : النخلة بحملها .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٢٣/١، وأخرجه ابن زنجويه فى الأموال (٦٢٤)، والبيهقى ١٩٨/٩ من طريق أبى
إسحاق به . ووقع عند البيهقى زيد بن صعصعة . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٢ إلى ابن المنذر .
( تفسير الطبرى ٣٣/٥ )

٥١٤
سورة آل عمران : الآيتان ٧٥ ، ٧٦
أمانتَك؟ - : ليس علينا حرَجٌ فى أموالِ العربِ، قد أحَلَّها اللَّهُ لنا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ:
وَيَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ اَلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: يعنى ادِّعاءَهم أنهم وجدوا فى
كتابِهِم قولَهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمِنَ سَبِيلٌ﴾ (١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ بَلَى مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُتَّقِينَ
٦/
٣٢٠/٣
وهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ (٢عمَّا لمن٣) أَذَّى أمانتَه إلى مَن اثْتَمَنه عليها؛
أتِّقاءَ اللَّهِ ومُراقبتَه، عندَهُ(٤) ، فقال/ جل ثناؤه: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاءِ الكاذبون
على اللّهِ مِن اليهودِ ، مِن أنه ليس عليهم فى أموالِ الأُميين حرَجٌ ولا إِثمّ . ثم قال :
﴿بَلَى﴾. ولكن ﴿ مَنْ أَوْنَ بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى﴾ يعنى: ولكن الذى أَوْفَى بعهدِه.
وذلك وصيتُه إيَّهم التى أوصاهم بها فى التوراةِ، مِن الإيمانِ بمحمدٍ عَ لَه وما جاءَهم
به . والهاءُ فى قوله: ﴿ مَنْ أَوْنَى بِعَهْدِهِ،﴾. عائدةٌ على اسم ((اللَّهِ)) فى قولِه:
وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾. يقولُ: بلى مَن أَوْفَى بعهدِ اللهِ الذى عاهده فى
كتابِهِ، فَآمَنَ بمحمدٍ عَ لَه وصدَّقَ به وبما جاءَ به مِن اللَّهِ، مِن أداءِ الأمانةِ إلى مَن
اقْتَمَنه عليها ، وغيرِ ذلك مِن أمرِ اللَّهِ ونهيه، ﴿وَتَّقَى﴾. يقولُ: واتَّقَى ما نهاه اللَّهُ
عنه من الكفرِ به، وسائرِ مَعاصيه التى حرَّمها عليه، فاجْتَنَب ذلك؛ مُراقبةً
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٨٥/٢ (٣٧١٦) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥١٢ .
(٣ - ٣) فى م: ((عمن)).
(٤) فى م: ((وعيده)). وسياق الكلام: ((وهذا إخبار من اللَّه عز وجل عما عنده لمن أدى أمانته إلى من ائتمنه
عليها ؛ اتقاء اللَّه ومراقبته)).

٥١٥
سورة آل عمران : الآيتان ٧٦، ٧٧
وعيدِ اللَّهِ ، وخوفَ عقابِهِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. يعنى: فإن اللَّهَ يُحِبُّ الذين
يَتَّقونه ، فيخافون عقابه ، ويَحْذَرون عذابه ، فیَجْتَنِبون ما نهاهم عنه وحرَّمه عليهم ،
ويُطِيعونه فيما أُمَرَهم به .
وقد رُوِى عن ابنِ عباس أنه كان يقولُ : هو اتِّقاءُ الشركِ .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحِ، قال : ثنا معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى﴾. يقولُ: اتَّقَى الشرْكَ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُتَّقِينَ﴾. يقولُ: الذين يَتَّقُون الشوكَ(١).
وقد بيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ فى ذلك ، والصوابَ مِن القولِ فيه بالأدلةِ الدالةِ
عليه فيما مضَى مِن كتابِنا، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه(٢) .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَكَ
لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمُ
VV
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يعنى بذلك جل ثناؤه : إن الذين يَسْتَبْدِلون بتركِهم عهدَ اللَّهِ الذى عهد
إليهم، ووصيته التى أَوْصاهم بها فى الكتبِ التى أَنْزَلها اللَّهُ إلى أنبيائه، باتِّاعِ محمد
وتصديقِه، والإقرارِ به ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، وبأيمانِهم الكاذبة التى يَسْتَحِلُّون
بها ما حرَّم اللَّهُ عليهم مِن أموالِ الناسِ التى ائْتُمِنوا عليها، ﴿ثَمَنَا﴾ . يعنى : عِوَضًا
وبَدَلًا، (﴿قَلِيلًا﴾. يقولُ): خَسيسًا مِن عَرَضِ الدنيا وحُطامِها، ﴿أُوْلَئِكَ لَا
خَلَقَ لَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ﴾. يقولُ: فإن الذين يَفْعَلون ذلك لا حظّ لهم فى خَيْراتِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢ / ٤٤، إلى المصنف.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٣٧/١، ٢٣٨، ٣٨٦.
(٣ - ٣) سقط من: م .

٥١٦
سورة آل عمران : الآية ٧٧
الآخرةِ، ولا نَصيبَ لهم مِن نعيم الجنةِ ، وما أَعَدَّ اللَّهُ لأهلِها فيها دونَ غيرِها .
وقد بيَّنَّا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيما مضى فى معنى ((الخَلاقِ))، ودلّلْنا على
أَوْلَى أقوالِهم فى ذلك بالصوابِ بما فيه الكفايةُ(١).
وأما قولُه: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾. فإنه يعنى: ولا يُكَلِّمُهم اللَّهُ بما يَشُرُّهم،
﴿ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ﴾ يقولُ: ولا يَعْطِفُ عليهم بخيرٍ؛ مَقْنَا مِن اللَّهِ لهم(٢). كقولٍ
القائلِ لآخرَ: انْظُرْ إِلىَّ نظَرَ اللَّهُ إليك. بمعنى: تعَطَّفْ علىَّ تعطَّ اللَّهُ عليك بخيرٍ
ورحمةٍ . وكما يقالُ للرجلِ: لا سمِعَ اللَّهُ لك دعاءَك. يُرادُ: لا اسْتَجاب اللَّهُ لك.
واللهُ لا يَخْفَى عليه خافيةٌ، وكما قال الشاعرُ(٣):
٣٢١/٣
يَكونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أَقولُ
/دعَوْتُ اللَّهَ حتى خِفْتُ أَلَّا
وقوله : ﴿ وَلَا يُزَكِيهِمْ﴾ . یعنی : ولا يُطَهِّرُهم مِن دَنَس ذنوبهم و کفرِهم،
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾ . يعنى: ولهم عذابٌ مُوجِعٌ .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه ◌ُنْزِلَت هذه الآيةُ، ومَن ◌ُنِى
بها؟ فقال بعضُهم: نزَلَت فى أخبارٍ مِن أخبارِ اليهودِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
عكرمةَ، قال: نزَّلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَئِنِهِمْ ثَمَنَّاً
لا
قَلِيلًا﴾ فى أبى رافع، وكنانةَ بنِ أبى الحُقَيْقِ، وكعبِ بنِ الأُشْرفِ، وحُتَىٍّ
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٦٥/٢ - ٣٦٧.
(٢) أى لا ينظر إليهم نظر رحمة . فالنظر هنا على حقيقته ، صفة للَّه جل وعز كما يليق به سبحانه .
(٣) هو شمير - ويقال : سمير - بن الحارث الضبى، والبيت فى النوادر ص ١٢٤، والأضداد ص ١٣٧.

٥١٧
سورة آل عمران : الآية ٧٧
ابنِ أَخْطَبَ(١).
وقال آخرون : بل نزَلَت فى الأشعثِ بنِ قيسٍ وخَصْمٍ له .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ،
عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ لَّهِ: ((مَن حلَف على
يمين هو فيها فاجرٌ لِيَقْتَطِعَ بها مالَ امرئ مسلمٍ، لقِىَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ)).
فقال الأشعثُ بنُ قيسٍ: فىّ واللهِ كان ذلك، كان بينى وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ
أرضٌ، فَجَحَدنى، فقدَّمْتُه إلى النبيِّ عَظَهِ، فقال لى رسولُ اللَّهِ مَ له: ((ألك
بَيِّنَةٌ؟ )) قلتُ: لا. فقال لليهودىِّ: ((احْلِفْ)). قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إذنْ
يَحْلِفَ فيَذْهَبَ مالى. فَأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ
وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ الآية(٢) .
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال : ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أُخْبَرَنا جَریرُ بنُ
حازم، عن عدىٍّ بنِ عدىٍّ، عن رَجاءِ بنِ حَيْوةَ والعُرْسِ (١) ، أنهما حدَّثَاه ، عن أبيه
عدىِّ بنِ عَمِيرَةً(٤)، قال: كان بينَ امرئ القيسِ(٥) ورجلٍ مِن حَضْرَموتَ
خُصومةٌ ، فَارْتَفَعا إلى النبيِّ عَّه، فقال للحضرميِّ: ((بيِّنتَك وإلاّ فيمينُه)). قال:
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٢ إلى المصنف، وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٨٢ .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٥٠٣)، وأحمد ٨١/٦ (٣٥٩٧)، ١٤٠/٧ (٤٠٤٩)، والبخارى
(٢٤١٦، ٢٤١٧، ٢٦٦٦، ٢٦٦٧)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٣٢٤٣)، والترمذى (١٢٦٩)،
وابن ماجه (٢٣٢٣)، وأبو يعلى (٥١٩٧)، وابن منده (٥٦٦) من طريق أبى معاوية به .
(٣) هو العُرْسُ بن عَميرةً أخو عدى بن عَميرةَ. وينظر الإصابة ٢٦٩/٥، ٢٧١.
(٤) فى ص، س، ت ١، ت ٢، ت ٣: (عمير)).
(٥) هو امرؤ القيس بن عابس بن المنذر، كان على كردوس يوم اليرموك. ينظر الإصابة ١١٢/١، ١١٣.
٠٠٠

٥١٨
سورة آل عمران : الآية ٧٧
يا رسولَ اللَّهِ، إن حلَفَ ذهَبَ بأرضى. فقال رسولُ اللَّهِ يَ له: «مَن حلَف على يمين
كاذبةٍ لِيَقْتَطِعَ بها حقَّ أخيهِ ، لِقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ)). فقال امرُؤُ القيس : يا
رسولَ اللَّهِ ، فما ◌ِن تَرَكَها وهو يَعْلَمُ أنها حقٌّ؟ قال: ((الجنةُ)) . قال: فإنى أَشْهِدُك
أنى قد ترَكْثُها . قال جَرِيرٌ: فكنتُ مع أيوبَ السَّخْتِيانيّ حينَ سمِعْنا هذا الحديثَ مِن
عدىٍّ ، فقال أيوبُ: إن عديًّا قال فى حديثِ العُرْسِ بنِ عَمِيرةَ: فنزَلَت هذه الآيةُ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال جَرِيرٌ: ولم
لا
أحفظْ یومئذٍ من عدیٍ(
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
قال: قال آخرون: إن الأشعثَ بنَ قيسِ اخْتَصَم هو ورجلٌ إلى رسولِ اللهِ
عَلِّ فى أرضٍ كانت فى يدِه لذلك الرجلِ، أَخَذَها لتَعزِّزِهِ فى الجاهليةِ ، فقال
النبىُّ عَ له: ((أَقِمْ بينتَك)). قال الرجلُ: ليس يَشْهَدُ لى أحدٌ على الأشعثِ. قال:
((فلك يَمِينُهُ)). فقام الأشعثُ لِيَحْلِف٢َ)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل هذه الآيةَ، فنكَل
الأشعثُ، وقال: إنى أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم أن خَصْمِى صادقٌ . فردَّ إليه أرضَه ،
وزاده مِن أرضِ نفسِه زيادةً كثيرةً ؛ مَخافَةً أَن يَتْقَی فی یدِه شىءٌ مِن حقِّه، فهی
لعَقِبِ ذلك الرجلِ بعدَه (٣).
(١) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (٦٥٧)، وأحمد ٢٥٧/٢٩ (١٧٧١٨)، والنسائى فى الكبرى (٥٩٩٦)،
من طريق يزيد بن هارون به. وأخرجه أحمد ٢٥٤/٢٩ (١٧٧١٦)، والطبرانى فى الكبير ١٠٨/١٧
(٢٦٥)، والبيهقى ٢٥٤/١٠، وفى الشعب (٤٨٤٠) من طريق جرير بن حازم به .
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فقام الأشعث فحلف))، وفى الدر: ((فقال الأشعث:
نحلف )) .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٤/٢ إلى المصنف، إلى قوله: زيادة كثيرة.

٥١٩
سورة آل عمران : الآية ٧٧
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللهِ ،
قال: مَن حَلَف على يمينِ يَسْتَحِقُّ بها مالاً، هو فيها فاجرٌ، لقِى اللَّهَ، وهو
عليه غَضْبانُ. ثم أَنْزَل اللَّهُ تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
لا
وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا ﴾ الآية، ثم إن الأشعثَ بنَ قيسٍ خرَج إلينا فقال: ما
حدَّثكم أبو عبد الرحمنِ؟ فحدَّثْناه بما قال: فقال: صدَق، لَفيَّ أَنْزِلَت؛
كانت بينى وبين رجلٍ خُصومةٌ فى بئرٍ، فاخْتَصَمْنا إلى النبيِّ عَ له، فقال النبيُّ
عَمِ: ((شاهِداك أو يمينُه)). فقلت: إذن يَخْلِفَ ولا يُبالِىَ. فقال النبيُّ عَ له:
((مَن حلَف على يمينِ يَسْتَحِقُّ بها مالاً هو فيها فاجرٌ، لقِى اللَّهَ وهو عليه
غضبانُ )). ثم أَنْزَل اللَّهُ عز وجل تصديقَ ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(١).
وقال آخَرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنَّى، قال : ثنا عبدُ الوهَّابِ ، قال :
أَخْبَرَنى داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عامٍ ، أن رجلًا أقام سِلْعتَه أولَ النهارِ، فلما كان
آخرُه جاء رجلٌ يُساوِمُه، فحلَف لقد منَعَها أولَ النهارِ مِن كذا) ، ولولا المساءُ
ما باعَها به. فأنْزَل اللَّهُ عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا
(٣)
قَلِيلاً ﴾(٢).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن
(١) أخرجه البخارى (٢٥١٥، ٢٦٦٩)، ومسلم (١٣٨/٢٢١)، والنسائى فى الكبرى (٥٩٩٣) من
طريق جرير به ، كما أخرجه أحمد ٢١١/٥ (الميمنية)، والبخارى (٦٦٥٩، ٧١٨٣) من طريق منصور به .
(٢) بعده فى م، ت ١: ((وكذا)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٤٤، ٤٥ إلى المصنف.

٥٢٠
سورة آل عمران : الآية ٧٧
(١)
مجاهدٍ نحوه
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
لا
بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ الآية إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أَنْزَلَهم اللَّهُ
بمنزلةِ السَّحَرةِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن عمرانَ بنَ مُصَينٍ
كان يقولُ: مَن حلَف على يمين فاجرةٍ يَقْتَطِعُ بها مالَ أخيه ، فَلْيَتَبَوَّأُ مقعدَه مِن النارِ.
فقال له قائلٌ: شىءٌ سمِعْتَه مِن رسولِ اللَّهِ مَظَلِ؟ قال لهم : إنكم لَتَجِدون ذلك . ثم
لا
قرأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾ الآية.
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَشْروقىُّ ، قال : ثنا حسينُ بنُ علىٍّ ، عن زائدةَ ،
عن هشام، قال: قال محمدٌ ، عن١٢ عمرانَ بنِ حُصينٍ: مَن حلَف على يمينِ
مَصْبورةٍ(٣) ، فَلْيَتَبَوَّأْ بوجهِه مقعدَه مِن النارِ. ثم قرأ هذه الآيةَ كلَّها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
(٤
لا
يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا ابنُ المباركِ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ قال: /إن اليمينَ الفاجِرةَ مِن الكبائرِ. ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ
(٥
لا
وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا
٣٢٣/٣
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٥/٢ إلى المصنف.
(٢) فى النسخ: ((بن)).
(٣) اليمين المصبورة ، أو يمين الصبر: هى التى يلزم بها صاحبها ويحبس عليها، وكانت لازمة له من جهة
الحكم . ينظر النهاية ٣/ ٨.
(٤) أخرجه أحمد ٤ /٤٣٦، ٤٤١ (اليمنية)، وأبو داود (٣٢٤٢)، والبزار (٣٦١١)، والطبرانى ١٨٨/١٨
(٤٤٦)، والحاكم ٢٩٤/٤ من طريق هشام به مرفوعًا. وأخرجه الطبرانى ١٨٧/١٨ (٤٤٥) من طريق محمد
ابن سيرين به .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٢٤/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٦/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.