النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سورة آل عمران : الآية ٥٩
السُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُمْ مِن تُرَابٍ﴾: لمَّ بُعِث
رسولُ اللهِ عَهِ، وسمِع به أهلُ نجْرَانَ، أتاه منهم أربعةُ نفرٍ مِن خِيارِهم؛ منهم
العاقبُ، والسيدُ، ومَاسَرْجِسُ، وماريحزُ(١) ، فسألوه ما يقولُ / فى عيسى؟ فقال:
((هو عبدُ اللَّهِ ورُوحُه وكلمته)). قالوا هم: لا، ولكنه هو اللَّهُ، نزَل مِن مُلْكِه، فدخَل
فى جوفٍ مَرْيَمَ ، ثم خرَج منها ، فأرانا قدرتَه وأمْرَه، فهل رأيتَ قطّ إنسانًا خُلِقٍ مِن غيرِ
أبٍ؟ فَأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ
قَالَ لَمُ كُنْ فَيَكُونُ﴾(١).
٢٩٦/٣
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اَلَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَفَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ
قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قال: نزَلَت فى العاقبِ والسيدِ مِن أهلِ نَجْرَانَ، وهما
(٣)
نَصْرَانِيَان(٣).
قال ابنُ مُجرَيْجٍ: بلَغَنا أن نصارَى أهلِ نَجْرانَ قدِم وفدُهم على النبيِّ عَ لِّ،
فيهم السيدُ والعاقبُ، وهما يومَئذٍ سيدا أهلِ تَجْرَانَ ، فقالوا: يا محمدُ ، فيم تَشْتُمُ
صاحبنا؟ قال: ((مَن صاحبُكما؟)). قالا: عيسى ابنُ مريمَ ، تَزْعُمُ أنه عبدٌ. قال
رسولُ اللهِ يَهِ: ((أجلْ، إنه عبدُ اللَّهِ وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه")).
فغضِبوا وقالوا : إن كنتَ صادقًا، فأرِنا عبدًا يُحْبِى المؤْتَى، ويُثِرِئُ الأَكْمَةَ، ويَخْلُقُ
(١) فى ت ١، س: ((مار بحر))، وفى م: ((ماريجز)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٢ إلى المصنف .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٢ إلى المصنف .
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ٢.

٤٦٢
سورة آل عمران : الآية ٥٩
مِن الطّينِ كهيئةِ الطيرِ، فيَتْفُخُ فيه - الآيَةَ - لكنه اللَّهُ. فسكَت حتى أتاه جبريلُ ،
فقال: يا محمدُ: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اُلْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَمَّ﴾ [المائدة: ١٧، ٧٢] الآية. فقال رسولُ اللّهِ عَهِ: ((يا جبريلُ، إنهم
سأَلونى أن أُخْبِرَهم بمَثَلِ عيسى )). قال جبريلُ: مَثَلُ عيسى كمثلِ آدمَ خلَقه
من ترابٍ، [٤١٦/١ و] ثم قال له: كُنْ. فيكونُ. فلمَّا أَصْبَحوا عادوا، فقرَأ
عليهم الآياتِ(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق ، عن محمدِ بنِ جعفر بنٍ
الزبيرِ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ﴾ فاسمَعْ ﴿ كَمَثَلِ ءَدَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ
قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿ اُلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَلَا تَكُ مِّنَ اُلْهُمْتَِنَ﴾ . فإن قالوا : خُلِق عيسى
مِن غيرِ ذكَرٍ . فقد خلَقْتُ آدمَ مِن ترابٍ بتلك القُدْرةِ ، مِن غيرٍ أنثى ولا ذكَرٍ ، فكان
كما كان عيسى لحمًا ودمًا وشعَرًا وبَشَرًا، فليس خَلْقُ عيسى مِن غيرِ ذكَرٍ بأعجَبَ
(٢)
مِن هذا (٢).
حدَّثْنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾. قال: أَتَّى
تَجْرانيَّان إلى رسولِ اللَّهِ ◌َّهِ فقالا له: هل عِلِمْتَ أن أحدًا وُلِد مِن غيرِ ذكرٍ فيكونَ
عيسى كذلك؟ قال: فأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ
خَلَقَهُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، أكان لآدمَ أَبِّ أَو أمٌّ! كما خلَقْتُ هذا فى
(١) عزاه السيوطى فى الدرالمنثور ٣٧/٢، ٣٨ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) سيرة ابن هشام ١ / ٥٨٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٥/٢ (٣٦٠٧) من طريق سلمة ، عن ابن
إسحاق قوله .

٤٦٣
سورة آل عمران : الآيتان ٥٩، ٦٠
بطنِ هذه .
فإن قال قائلٌ: فكيفَ قال: ﴿ كَمَثَلِ ءَدَمٌ خَلَقَهُ﴾. و((آدم)) معرفةٌ ،
والمَعَارِفُ لا تُوصَلُ ؟
قيل: إن قوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾. غيرُ صلةٍ لآدمَ، وإنما هو بيانٌ عن أمرِهِ،
على وجهِ التفسيرِ عن المَثَلِ الذى ضرَبه، وكيف كان .
وأما قولُه: ﴿ثُمَّ قَالَ لَمُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. فإنما قال: ﴿فَيَكُونُ﴾. وقد ابْتَدَأ
الخبرَ عن خَلْقِ آدمَ ، وذلك خبرٌ عن أمرٍ قد تقَضَّى ، وقد أُخْرَج الخبرَ عنه مُخْرَجَ الخبرِ
عمَّا قد مضَى، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿خَلَقَهُ / مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. لأنه ٢٩٧/٣
بمعنى الإعلام مِن اللَّهِ نبيّه أن تَكْوينَه الأشياءَ بقولِه: ﴿كُنْ﴾. ثم قال :
﴿ فَيَكُونُ﴾. خبرًا مُتَدَأَ، وقد تَنَاهَى الخبرُ عن أمرٍ آدمَ عندَ قولِه: ﴿كُنْ﴾.
فتأويلُ الكلام إذنْ : إن مثلَ عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ خلَقه من ترابٍ ثم قال
له : كنْ. واعْلَمْ يا محمدُ أنَّ ما قال له ربُّك: كنْ. فهو كائنٌ.
فلما كان فى قوله: ﴿ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾. دلالةٌ
على أن الكلامَ يُرادُ به إعلامُ نبىِّ اللَّهِ مَِّيهِ وسائرِ خلقِه أنه كائنٌ ما كوَّنه انتِداءً مِن غيرِ
أصلٍ ولا أولٍ ولا عُنْصُرٍ، اسْتُغْنِى بِدَلالةِ الكلامِ على المعنى، وقيل: ﴿فَيَكُونُ﴾.
فعطَف بالمستقبلِ على الماضِى، على ذلك المعنى .
وقد قال بعضُ أهلِ العربيةِ: ﴿فَيَكُونُ﴾ رُفِعَ على الابتداءِ، ومعناه: كُنْ
فكان ، فكأنه قال : فإذا هو كائنٌ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ الْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتَّيِنَ
٦٠

٤٦٤
سورة آل عمران : الآية ٦٠
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: الذى أَنْبَتُك به مِن خبرٍ عيسى، وأنَّ مَثَلَّه كمثَلِ آدمَ
خلقه مِن ترابٍ ، ثم قال له ربُّه: ﴿كُنْ﴾. هو ﴿ اَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ يقولُ: هو الخبرُ
الذى هو مِن عندِ ربِّك، ﴿فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتِينَ﴾ یعنی : فلا تَكُنْ مِن الشاكين فى أن
ذلك كذلك .
كما حدَّثنا بشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ
فَلاَ تَكُنُ مِنَ اُلْمُمْتَرِينَ﴾ يعنى: فلا تكنْ فى شكَّ مِن عيسى أنه كمثَلِ آدمَ عبدُ اللَّهِ
ورسولُه، وكلمةُ اللَّهِ ورُوحُه(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع قولَه : ﴿اَلْحَقُّ مِن رَّيِّكَ فَلاَ تَكُ مِّنَ الْمُمْتَِنَ﴾. يقولُ: فلا تكنْ فى شكِّ مما
قصَصْنا عليك أن عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه، وكلمةٌ منه ورُوحٌ، وأن مَثَلَه عندَ اللَّهِ
كمثَلِ آدمَ خلَقه مِن ترابٍ، ثم قال له: ﴿ كُنْ ﴾ فیکونُ .
حدّثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بنِ
الزبيرِ: ﴿الْحَقُ مِن رَّبِّكَ﴾: ما جاءَك مِن الخبرِ عن عيسى. ﴿فَلَا تَكُنُ مِّنَ
اٌلْمُعْتَرِينَ﴾، أى: قد جاءَك الحقُّ مِن ربِّك فلا تَخْتَرٍ فيه(٢) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَلَا تَكُ
مِّنَ اُلْمُمْتَرِنَ﴾. قال: والمُمْتَرُون الشاّون .
والميزيةُ والشكُّ والرَّيْبُ واحدٌ سواءٌ، كهيئةٍ ما تقولُ: أغطِنی، وناوِلْنی،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٨/٢ إلى المصنف.
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٦/٢ (٣٦١٠، ٣٦١٢) من طريق
عبد الله بن إدريس وسلمة ، عن ابن إسحاق قوله .

٤٦٥
سورة آل عمران : الآيتان ٦٠، ٦١
وهَلُمَّ . فهذا مختلِفٌ فى الكلامِ، وهو واحدٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ
تَعَالَوْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ
٦١
فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اَللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ فَمَنْ حَجَّكَ فِيهِ﴾: فمَن جادَلَك يا محمدُ فى
المسيحِ عيسى ابنٍ مريمَ .
والهاءُ / فى قوله: ﴿فِيهٍ﴾ عائدةٌ على ذكرٍ ((عيسى))، وجائزٌ أَن تَكونَ ٢٩٨/٣
عائدةً على ((الحقِّ)) الذى قال تعالى ذكرُه: ﴿اُلْحَقُ مِن رَّبِّكَ﴾ .
ويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: مِن بعدِ ما جاءَك مِن العلمِ
الذى قد بيَنْتُه لك فى عيسى أنه عبدُ اللَّهِ، ﴿فَقُلْ تَعَالَواْ﴾: هَلُمُوا، فَلْتَدْعُ ﴿أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ يقولُ: ثم نَلْتَعِنْ.
يقالُ فى الكلام: ما له؟ بهَلَه اللَّهُ! أىْ: لعَنه اللّهُ. وما له؟ عليه بُهْلةُ اللَّهِ! يُرِيدُ
اللعنَ . وقال لَبِيدٌ ، وذكّر قومًا هلكوا، فقال(١):
* نظَر الدهرُ إلیھم فائتَھَلْ.
#
يعنى : دعا عليهم بالهلاكِ .
﴿ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾ منا ومنكم فى أنهُ(١) عيسى.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ فَمَنْ
-
(١) شرح ديوان لبيد ص ١٩٧، وعجز البيت: فى قروم سادة من قومه
(٢) فى م: ((آية)).
( تفسير الطبرى ٣٠/٥ )

٤٦٦
سورة آل عمران : الآية ٦١
◌َّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أى فى عيسى [١٦/١ ٤ ظ] أنه عبدُ اللَّهِ
ورسولُهُ، مِن كلمةِ اللَّهِ ورُوحِه، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ إلى قولِه:
﴿عَلَى الْكَذِينَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ
ابنِ الزبيرِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ : أى: مِن بعدِ ما
قصَصْتُ عليك مِن خبرِه، وكيفَ كان أمرُه، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ﴾
الآية(٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿فَمَنْ
حَجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. يقولُ: مَن حاجَّك فى عيسى مِن بعدِ ما
جاءَك فيه مِن العلمِ (١) .
حدَّثنا يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ
فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِينَ﴾. قال: منا ومنكم .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: وثنى ابنُ لَهيعةً ، عن سليمانَ بنِ
زيادِ الحَضْرميِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ جَزْءِ الزُّبَيدىِّ، أنه سمع النبيَّ عَ لَه
يقولُ: ((ليت بينى وبينَ أهلِ نجرانَ حجابًا، فَلا أراهم ولا يَرَوْنى)). مِن شدةِ ما
كانوا يُمارُون النبىَّ مَ(4).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٦/٢ (٣٦١٣) من طريق شيبان عن قتادة نحوه .
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٦/٢ (٣٦١٤) من طريق ابن إدريس عن
ابن إسحاق قوله .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٦/٢ عقب الأثر (٣٦١٣) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) أخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٣٠١ والبزار (٣٧٨٦) من طريق ابن لهيعة به .

٤٦٧
سورة آل عمران : الآيتان ٦٢، ٦٣
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ وَإِنَ
٣
اللَّهَ لَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ فَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيٌ بِالْمُفْسِدِينَ
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: إن هذا الذى أَنْبَتُك به يا محمدُ مِن أمرٍ عيسى،
فقصَصْتُه عليك مِن أنبائِه، وأنه عبدِى ورسُولى، وكلِمتى أَلْقَيْتُها إلى مريمَ،
ورُوحٌ منى، لَهو القَصَصُ والنبأُ الحقُّ، فاعْلَمْ ذلك، واعْلَمْ أنه ليس للخَلْقِ معبودٌ
يَشْتَوْجِبُ عليهم العبادةَ بمُلْكِه إياهم، إلا معبودُك الذى تَعْبُدُه، وهو اللَّهُ العزيزُ
الحكيمُ .
ويعنى بقولِه: ﴿الْعَزِيزُ﴾: العزيزُ فى انتقامِه مَمَّن عصاه، وخالَف أُمْرَه،
وادَّعَى معه إلهًا غيرَه، أو عبَدَ ربَّا سواه، ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ فى تدبيرِهِ، لا يَدْخُلُ ما دَبَّرَه
وَهَنٌّ ، ولا يَلْحَقُه خَلَلٌ .
﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾. يعنى: فإن أَذْبَر / هؤلاء الذين حامجوك فى عيسى عما جاءَك
مِن الحقِّ مِن عندِ ربِّك، فى عيسى وغيرِهِ مِن سائرٍ ما آتاك اللَّهُ مِن الهُدَى والبَيانِ،
فَأَعْرَضوا عنه، ولم يَقْبَلوه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾. يقولُ: فإن اللَّهَ ذو علم
بالذين يَعْصُون ربَّهم، ويَعْمَلون فى أرضِه وبلادِه بما نهاهم عنه، وذلك هو
إفسادُهم. يقولُ تعالى ذِكرُه: فهو عالمٌ بهم وبأعمالِهم، يُخْصِيها عليهم
ويَحْفَظُها، حتى يُجازِيَهم عليها جَزاءَهم .
وبنحوِ ما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزبيرِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ اَلْحَقُّ﴾: أَىْ : إن هذا الذى جئتُ به مِن الخبرِ عن
٢٩٩/٣

٤٦٨
سورة آل عمران : الآيتان ٦٣،٦٢
عيسى، ﴿ لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ مِن أمِه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ نجريج: ﴿إِنَّ
هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقِّ﴾: إن هذا الذى قلنا فى عيسى ﴿ لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقِّ﴾(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِنَّ هَذَا
لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقِّ﴾. قال : إن هذا القصصَ الحقُّ فى عيسى، ما يَنْبَغى لعيسى أن
يَتَعَدَّى هذا ولا يُجاوزَهُ(١)؛ أن يَتَعَدَّى أن يكونَ كلمةَ اللَّهِ أَلْقاها إلى مريمَ ، ورُوحًا منه،
وعبدَ اللَّهِ ورسولَهُ(٤).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال: ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقِّ﴾: إن هذا الذى قلنا فى عيسى
هو الحقُّ، ﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ ﴾ الآية(٥).
فلمَّا فصَل جل ثناؤه بينَ نبيِّه محمدٍ مِّمِ وبينَ الوفدِ مِن نصارَى نَجْرَانَ
بالقضاءِ الفاصلٍ والحُكْمِ العادلِ، " وأمرَه) - إن هم تؤَلّوا عما دعاهم إليه مِن
الإِقْرارِ بوَخْدانيةِ اللَّهِ ، وأنه لا ولدَ له ولا صاحبةَ، وأن عيسى عبدُه ورسولُه ، وَأَبَوْا إِلا
الجَدَلَ(٢) والخُصومةَ - أن يَدْعُوَهم إلى المُاعَنةِ، ففعَل ذلك رسولُ اللَّهِ صَعِ، فلمَّا
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٣.
(٢) المحرر الوجيز ٤٥٣/٢ بنحوه.
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((يتجاوزه)).
(٤) المحرر الوجيز ٢/ ٤٥٣.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٨/٢ (٣٦٢٤) عن محمد بن سعد .
(٦ - ٦) كذا فى النسخ، والصواب: أمره. بحذف الواو.
(٧) فى س: ((الجدال)).

٤٦٩
سورة آل عمران : الآيتان ٦٣،٦٢
فَعَل ذلك رسولُ اللّهِ وَ لِ انْخَزَلوا(١) فامْتَتَعُوا مِن المُلَاعَنةِ، ودعَوْا إلى المصالحَةِ.
كالذى حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةً، عن عامٍ، قال :
فَأَمِرِ - يعنى النبيَّ مَمِ - بُلا عنتِهم - يعنى بُلاعنةِ أهلِ نَجْرَانَ - بقولِه: ﴿فَمَنْ
حَجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية. فَتَوَاعَدوا أن يُلاعِنوه، وواعدوه
الغدَ ، فانْطَلَقوا إلى السيدِ والعاقبِ، و(٢ كانا أعقلَهم) فتابَعاهم، فانْطَلَقوا إلى رجلٍ
منهم عاقلٍ، فذكروا له ما فارَقوا عليه رسولَ اللَّهِ عَّهِ، فقال: ما صنَعْتُم! وندَّمَهم،
وقال لهم : إن كان نبيًّا ، ثم دعا علیکم ، لا يُغْضِبُه اللَّهُ فیکم أبدًا ، ولئن كان مَلِكًا ،
فظهَر عليكم لا يَسْتَثْقِيكم (١) أبدًا. قالوا: فكيف لنا وقد واعَدَنا؟ فقال لهم: إذا
غدَوْتُم إليه، فعرَض عليكم الذى فارَقْتُموه عليه، فقولوا: نَعوذُ باللَّهِ . فإن دعاكم
أيضًا، فقولوا(4): نَعوذُ باللَّهِ. ولعلَّه أن يُغْفِيَكم مِن ذلك. فلما غدَوْا، غدا النبيُّ عَ له
مُخْتَضِنًا حسَنًا، آخِذًا بيدِ الحسينِ، وفاطمةُ تَمْشِى خلفَه، فدعاهم إلى الذى فارَقُوه
عليه بالأمس ، [٤١٧/١ ر] فقالوا: نَعوذُ باللَّهِ . ثم دعاهم ، فقالوا: نَعوذُ باللَّهِ . مِرارًا،
قال: ((فإن أيَيْتُم فأسْلِمُوا، ولكم ما للمُسْلِمين، وعلَيْكم ما علَى المسلِمين كما قال
اللَّهُ عزَّ وجلَّ، فإن أتَيْثُم فأعْطُوا الجزيةَ عن يدٍ وأنتم صاغرون كما قال اللَّهُ عزَّ /
وجلَّ)). قالوا: ما تَخْلِكُ إلا أنفسَنا. قال: ((فإن أبَيْتُم فإنى أَنْبِذُ إليكم على سواءٍ كما
قال اللَّهُ عزّ وجلَّ)). قالوا: مالنا طاقةٌ بحربِ العربِ، ولكن نُؤَدِّى الجزيةَ . قال :
فجعَل عليهم فى كلِّ سنةٍ ألفَىْ(٥) حُلَّةٍ؛ ألفًا فى رجبٍ، وألفًا فى صَفَرٍ. فقال
٣٠٠/٣
(١) فى س: ((انجذبوا)).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كان أعقلهما))، وفى س: ((كانا أعقلهما)).
(٣) فى ص، ت ١، س: ((يسبقنكم)).
(٤) بعده فى م: (( له)) .
(٥) فى س: ((ألف ألف)).

٤٧٠
سورة آل عمران : الآيتان ٦٣،٦٢
النبىُّ عَّهِ: ((لَقَد أتانىَ البَشِيرُ بهَلَكَةِ أهلِ نَجْرَانَ، حتى الطيرُ على الشجرِ - أو
العَصافيرُ على الشِجرِ - لو ثُمُّوا على الملاعنةِ)) (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، قال: فقلتُ للمغيرةِ: إن الناسَ يَرْؤُون فى
حديثٍ أَهلِ نَجْرَانَ أن عليًا كان معهم(١) . فقال: أما الشعبىُّ فلم يَذْكُرُه، فلا أَدْرِى
لشُوءِ رأي بنى أميةً فى علىّ ، أو لم يَكُنْ فى الحديثِ .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزبيرِ: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ إلى قولِه: ﴿ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا
مُسْلِمُونَ﴾: فدعاهم إلى النَّصَفِ(٢)، وقطَع عنهم الحُجّةَ، فلما أتَى رسولَ
اللَّهِ وَمِ الخبرُ مِن اللَّهِ عنه ، والفصلُ مِن القَضاءِ بينَه وبينَهم، وأمَره بما أُمَرِه به مِن
ملاعنتِهم، ("إن ردُّوا" عليه، دعاهم إلى ذلك ، فقالوا: يا أبا القاسم ، دَعْنا نَنْظُرْ فى
أمرِنا ، ثم تَأْتِيك بما(*) نُرِيدُ أن نَفْعَلَ فيما دعَوْتَنا إليه . فانْصَرَفوا عنه ، ثم خلَوْا بالعاقبِ،
وكان ذا رأيهم ، فقالوا: يا عبدَ المسيح، ما تَرَى؟ قال: واللَّهِ يا معشرَ النصارى، لقد
عَرَقْتُم أن محمدًا لنَبِىٌّ مرسَلٌ ، ولقد جاءَكم بالفصلِ مِن خبرِ صاحبِكم ، ولقد علِمْتُم
ما لاعَن قومٌ نبيًّا قطّ ، فبقِى كبيرُهم، ولا نبَت صغيرُهم، وإنه للاستئصالُ منكم إن
فعَلْتُم ، فإن كنتم قد أَبَيْثُم إلا إِلْفَ دينِكم، والإقامةَ على ما أنتم عليه مِن القولِ فى
صاحبِكم، فوادِعوا الرجلَ، ثم انْصَرِفوا إلى بلادِ كم حتى يُرِيَكُم زَمَنٌ رَأْيَه. فأَتَوْا
رسولَ اللَّهِ عَّهِ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألا تُلاعِنَك، وأن نَتْوِكَك على
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٥٩، ٤٦٠.
(٢) أى: كان مع النبى معَّمٍ وفاطمة والحسن والحسين، كما سيأتى.
(٣) النصف، الاسم من الإنصاف، وهو أن تعطيه من الحق كالذى تستحقه لنفسك. التاج (ن ص ف).
(٤ - ٤) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((أوردوا))، وفى ت ١، س: ((إذ ردوا)).
(٥) فى ص، ت ٢: ((فما)).

٤٧١
سورة آل عمران : الآيتان ٦٣،٦٢
دينِك، ونَرْجِعَ على دينِنا ، ولكن ابْعَثْ معنا رجلًا مِن أصحابِك تَرْضاه لنا ، يَحْكُمُ
بينَنا فى أشياءَ قد اخْتَلَفْنا فيها مِن أموالِنا، فإنكم عندَنا رِضَى (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا عيسى بنُ فَوْقَدٍ ، عن أبى الجارودِ ، عن زيدِ بنِ علىٍّ
فى قولِه: ﴿ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ﴾ الآية. قال: كان النبىُّ عَ لَّه وعلىٍّ
وفاطمةُ والحسنُ والحسينُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ فَمَنْ حَجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية، فَأَخَذ - يعنى
النبىَّ ◌َّهِ - بيدِ الحسن والحسينِ وفاطمةَ، وقال لعلىٍّ: ((اْبَعْنا)). فخرَج معهم،
فلم يَخْرُجُ يومَئذٍ النصارى، وقالوا: إنا نَخافُ أن يكونَ هذا هو النبيَُّ ، وليس
دعوةُ النبيِّ كغيرِها. فتخَلَّفوا عنه يومَئذٍ، فقال النبىُّ عَلَه: ((لو خرَجوا لَاخْتَرَقوا)).
فصالحوه على صلح، على أن له عليهم ثمانين ألفًا، فما عجِزَت الدَّراهمُ ففى
العُروضِ ؛ الحُلَّةُ بأربعين، وعلى أن له عليهم ثلاثًا وثلاثين درعًا، وثلاثًا وثلاثين
بعيرًا، وأربعةً وثلاثين فرسًا غازيةً كلَّ سنةٍ ، وأن رسولَ اللَّهِ ع ◌َه ضامنٌ لها حتى
نُؤَدِّیھا إلیھم .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ
اللَّهِ ◌ِّ ◌ِلِ دعا وفدًا مِن وفدٍ تَجْرانَ مِن النصارى، وهم الذين حامجوه فى عيسى،
فنكصوا عن ذلك، وخافوا. / وذُكِر لنا أن نبيَّ اللّهِ عَ لَّمِ كان يقولُ: ((والذى نفسُ ٣٠١/٣
محمدٍ بيدِه ، إن كان العذابُ لقد تَدَلَّى على أهلِ تَجْرَانَ ، ولو فعلوا لَاسْتُؤْصِلوا عن
(١) سيرة ابن هشام ٥٨٣/١، ٥٨٤.
(٢) بعده فى النسخ: ((صلى اللَّه عليه وسلم))، وليس فى تفسير ابن أبى حاتم، والنصارى أيضا لا تقوله .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٧/٢ (٣٦١٨) من طريق أحمد بن المفضل به مختصرًا .

٤٧٢
سورة آل عمران : الآيتان ٦٣،٦٢
جَديدٍ(١) الأرضِ))(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿ فَمَنْ حَجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَ نَا
وَأَبْنَاءَ كُمْ﴾. قال: بلَغَنا أن النبيُّ مِ لّهِ خرَجِ ليُداعِىّ(١) أهلَ نَجْرَانَ، فلمَّا رأوه خرَج،
هابوا وفرِقوا، فرجعوا. قال معمرٌ: قال قتادةُ: لمَّ أراد النبىُ عَلَّهِ () أن يُباهِلَّ أَهلَ نَجْرَانَ
أَخَذ بيدِ حسنٍ وحسينٍ، وقال لفاطمةَ: ((اتْبَعِينا)). فلما رأى ذلك أعداءُ اللَّهِ رجعوا (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا معمرٌ، عن عبد
الكريم الجَزَرىِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو خرَج الذين يُاهِلون
النبيَّ عَلِ لَرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا(٩).
حدَّثنا أبو كُرِيِبٍ، قال: ثنازكريا بنُ(٧) عَدِيٍّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرو ، عن
عبدِ الكريم، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ مثلَه(٨).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، قال :
قال رسولُ اللَّهِ مَّلَّهِ: ((والذى نفسى بيدِه، لو لاعَنُونى ما حال الحولُ وبحَضْرتِهم
منهم أحدٌ إلا أهْلَك اللَّهُ [٤١٧/١ ظ] الكاذبين)).
(١) جدید الأرض : وجهها . اللسان (ج د د).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٩/٢ إلى المصنف.
(٣) فى م: ((ليلاعن)).
(٤ - ٤) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير عبد الرزاق .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٢.
(٦) تفسير عبد الرزاق ١٢٣/١، ومن طريقه البخارى (٤٩٥٨) مختصرًا، والترمذى (٣٣٤٨)، والنسائى
فى الكبرى (١١٦٨٥)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٨/٢ (٣٦٢٠) من طريق الحسن بن يحيى به.
(٧) فى النسخ: ((عن))، وسيأتى على الصواب فى ٥٩١/١٠، ٥٦١/١١.
(٨) أخرجه البزار (٢١٨٩ - كشف) من طريق زكريا بن عدى به ، وأخرجه أحمد ٩٩/٤ (٢٢٢٦)، =

٤٧٣
سورة آل عمران : الآيتان ٦٣، ٦٤
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : ثنا ابنُ زيدٍ ، قال : قيل لرسولٍ
اللَّهِ مَّهِ: لو لاعَنْتَ القومَ، بَمَن كنتَ تَأْتى حينَ قلتَ: ﴿ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ﴾؟
قال: ((حسنٌّ وحسينٌ)).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُ، قال: ثنا المنذرُ بنُ ثعلبةً،
قال: ثنا عِلْباءُ بنُ أحمرَ اليَشْكُرِىُّ، قال: لمَّا نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا
وَأَبْنَ كُمْ وَنِسَاءَنَا وَذِسَاءَكُمْ﴾ الآية. قال(٢): أرْسَل رسولُ اللَّهِ وَهِ إلى علىّ
وفاطمةً وابتَئِهما" الحسن والحسين، ودعا اليهودَ لُلاعنهم، فقال شابٌّ مِن الیھودِ :
ويُحَكم، أليس عهدُ كم بالأمسِ ( إخوانكم الذين مُسِخوا قِرَدةً وخَنازيرَ! لا تُلاعِنوا.
(٥)
فانْتَهوا(٥) .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةِ سَلْمٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَّكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ
اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
٦٤
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لأَهلِ الكتابِ ، وهم أهلُ التوراةِ
والإنجيلِ: ﴿تَعَالَوْاْ﴾: هَلْمُوا ﴿ إِلَى / كَلِمَةٍ سَوَلَعٍ﴾. يعنى: إلى كلمةٍ عَدْلٍ ٣٠٢/٣
= والنسائى (١١٠٦١ - كبرى)، وأبو يعلى (٢٦٠٤) من طريق عبيد الله به، وأخرجه أحمد ٩٨/٤
(٢٢٢٥) من طريق عبد الكريم به .
(١ - ١) فى ص، ت ١: ((أبو كريب)).
(٢) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، س.
(٣ - ٣) فى س: ((فاطمة وابنها)).
(٤) بعده فى س: ((من)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٣٩، ٤٠ إلى المصنف.

٤٧٤
سورة آل عمران : الآية ٦٤
بيننا وبينكم . والكلمةُ العَدْلُ هى أن نُوَحِّدَ(١) اللَّهَ فلا نَعْبُدَ(٢) غيرَه، ونَيْرًا(٣) مِن كلِّ
معبودٍ سواه، فلا نُشْرِكَ (٤) به شيئًا .
وقولُه: ﴿ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا﴾. يقولُ: ولا يَدِينُ بعضُنا لبعضٍ
بالطاعةِ فيما أمَر به مِن مَعاصِى اللَّهِ، ويُعَظِّمُه بالسجودِ له، كما يَسْجُدُ لربِّه، ﴿فَإِن
تَوَلَّوْاْ﴾. يقولُ: فإِن أَعْرَضوا عما دعَوْتَهم إليه مِن الكلمةِ السواءِ التى أَمَرْتُك
بدعائِهم إليها، فلم يُجِيبوك إليها، ﴿فَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون(٥) للمُتَوَلِّين عن ذلك:
أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ .
واخْتَلَف أهلُ التأويل فى مَن نزَلَت فيه هذه الآيةُ ؛ فقال بعضُهم: نزَلَت فى يهودِ
بنى إسرائيلَ الذين كانوا حوالَئ مدينةِ رسولِ اللَّهِ عَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ
اللَّهِ ◌ِمِ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى الكلمةِ السَّواءِ، وهم الذين حاُوا فى إبراهيمَ ().
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَ لِ دعا اليهودَ إلى الكلمةِ السَّواءِ.
(١) فى ص، ت ١: ((يوحد))، وفى س: ((توحد)).
(٢) فى ص، ت ١: ((يعبد)).
(٣) فى ص: ((تتبرأ))، وفى ت ١: ((يبرأ)). وفى س: ((تبرأ)).
(٤) فى ت ١: ((يشرك))، وفى س: ((تشرك)).
(٥) بعده فى س: ((فقولوا)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٢ إلى المصنف .
(٧) فى ص، م، ت ٢، ت٣: ((كلمة)).

٤٧٥
سورة آل عمران : الآية ٦٤
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيْجٍ، قال :
بلَغَنا أن النبيَّ عَّهِ دعا يهودَ أهلِ المدينةِ إلى ذلك، فأبَوْا عليه ، فجاهَدَهم. قال :
دعاهم إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية(١).
وقال آخرون : بل نَزَلَت فى الوفدِ مِن نصارَى نَجْرَانَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزبيرِ: ﴿قُلْ يَّأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية إلى قولِه:
﴿فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قال: فدعاهم إلى النَّصَفِ، وقطَع عنهم
الحُجَّةَ. يعنى وفدَ نَجْرَانَ(٢).
حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: ثم دعاهم
رسولُ اللَّهِ عَلَّهِ - يعنى الوفدَ مِن نصارَى نَجْرَانَ - فقال: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ
إِلَى كَلِمَةٍ سَوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية(٣).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: ثنا ابنُ زيدٍ ، قال : قال - يعنى
جلّ ثناؤُه -: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقُّ ﴾ فى عيسى - على ما قد بيَّناه فيما
مضَى(٤) - قال: فأبوا - يعنى الوفدَ مِن نَجْرَانَ - فقال: ادْعُهم إلى أَيْسَرَ مِن هذا، قُلْ:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٩/٢ (٣٦٢٨) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج بنحوه .
(٢) سيرة ابن هشام ٥٨٣/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧٠/٢ (٣٦٣١) من طريق سلمة عن ابن
إسحاق قوله .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٢ إلى المصنف.
(٤) ينظر الأثر المتقدم فى ص ٤٦٢، ٤٦٣.

٤٧٦
سورة آل عمران : الآية ٦٤
يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْعٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. فقَرَأْ حتى بلَغ ﴿أَرْبَابًا
مِّن دُونِ اللّهِ﴾، فَأَبَوْا أن يَقْبَلوا هذا ولا الآخَرَ.
٣٠٣/٣
وإنما قلنا: عنَى بقولِه: ﴿ يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ أهلَ الكتابَيْن؛ لأنهما جميعًا مِن
أهلِ الكتابِ، ولم يَخْصُصْ جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿ يَأَهْلَ الْكِنَبِ﴾ بعضًا دونَ
بعضٍ، فليس بأن يَكونَ مُوَجّهًا ذلك إلى أنه / مقصودٌ به أهلُ التوراةِ بأولى منه بأن
يَكونَ مُوَجَّهًا إلى أنه مقصودٌ به أهلُ الإنْجيلِ، ولا أهلُ الإنجيلِ بأولى أن يكونوا
مَقْصودين به دونَ غيرِهم مِن أهلِ التوراةِ . وإذ لم يَكُنْ أَحدُ الفريقين بذلك بأولى مِن
الآخَرِ ؛ لأنه لا دَلالةَ على أنه المخصوصُ بذلك من الآخرِ ، ولا أثرَ صحيحٌ، فالواجبُ
أن يكونَ كلُّ كتابيٌّ معنيًّا به؛ لأن إفراد العبادةِ للَّهِ وحدَه، وإخلاصَ التوحيدِ له،
واجبٌ على كلِّ مأمورٍ مَنْهىٍّ(١) مِن خَلْقِ اللَّهِ، واسمُ(٢) أهلِ الكتابِ يلَمُ(٣) أهلَ
التوراةِ وأهلَ الإنجيلِ، فكان معلومًا بذلك أنه ◌ُنِى به الفريقان جميعًا .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿تَعَالَوْا﴾. فإِنه: أقْبِلوا وهَلُوا. وإنما هو ((تَفاعَلوا))، مِن
العلوِّ، فكأن القائلَ لصاحبِه: تعالَ إلىَّ. قائلٌ(٤): تَفاعَل. مِن العُلُوٌّ، كما يقالُ:
تَدانَ منى . من الدُّنُوِّ، وتَقارَبْ منى . مِن القربِ .
وقولُه: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ﴾ فإنها الكلمةُ العَدْلُ. والسواءُ مِن نعتِ
((الكلمةِ)).
وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ إتباع ﴿سَوَلَمْ﴾ فى الإعرابِ ((الكلمة))،
(١) بعده فى س: ((عنه)).
(٢) سقط من: م، وفى ص، ت ١، ت ٣، س: ((أنتم))، وهو غير واضح فى ت٢ والصواب ما أثبتنا .
(٣) فى م: ((يعم)) .
(٤) فى م: ((فإنه))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإنك)).

٤٧٧
سورة آل عمران : الآية ٦٤
وهو اسمٌ لا صفةٌ؛ فقال بعضُ نحوبى البصرةِ: جُرّ ﴿سَوَآٍَ﴾؛ لأنها مِن صفةٍ
الكلمةِ ، وهى العدلُ، وأراد مُشْتَويةً . قال: ولو أراد استواءً كان النصبُ ، وإن شاء
أن يَجْعَلَها على الاستواءِ ويَجُوَّ جاز، ويَجْعَلَه مِن صفةِ الكلمةِ ، مثلَ الخَلْقِ؛ لأن
الخلق هو المخلوقُ، والخلقُ قد يكونُ صفةً واسمًا ، ويَجْعَلُ الاستواءَ مثلَ المُسْتَوِى،
قال عزَّ وجلَّ: [٤١٨/١ و] ﴿الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءَ الْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ﴾
[الحج: ٢٥]. لأن السَّواءَ للآخِرِ، وهو اسمٌ ليس بصفةٍ، فيُجْرَى على الأولِ ، وذلك
إذا أراد به الاسْتِواءَ، فإن أراد به مُسْتَوِيًّا جاز أن يُجْرَى على الأُولِ. والرفعُ فى ذا
المعنى جيّدٌ؛ لأنها لا تُغَيِّرُ عن حالِها ، ولا تُثَنَّى، ولا تُجْمَعُ، ولا تُؤَنَّثُ، فَأَشْبَهَت
الأسماء التى هى مثلُ عَدْلٍ ورضِى ومُنُبٍ ، وما أشْبَهَ . ذلك ، وقالوا - (أن نجعلَهم
كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءٌ محياهم ومماتُهم) (٢١ -: فالسواءُ للمَحيا،
والمماتُ بهذا(٢) المبتدأُ .
وإن شئْتَ أَجْرَيْتَه على الأُولِ ، وجعَلْتَه صفةٌ مُقَدَّمةً ، كأنها مِن سببِ الأولِ،
فجَرَت عليه، وذلك إذا جعَلْتَه فى معنى مُسْتَوٍ. والرفعُ وجهُ الكلامِ كما فسَّرْتُ
لك.
وقال بعضُ نحوبى الكوفةِ: ﴿سَوَلَمْ﴾: مصدرٌ وُضِعِ مَوْضِعَ الفعلِ(٣) ، يعنى
موضعَ مُتَساويةٍ ومتساوٍ ؛ فمرةً يَأتى على الفعلِ ، ومرةً على المصدرِ ، وقد يقالُ فى
﴿سَوَآَ﴾ بمعنى عَدْلٍ: سِوَى وسُوَى. كما قال جل ثناؤه: ﴿ مَكَانًا سُوَّى﴾ [طه:
٥٨]. وسُوىّ يُرادُ به عدْلٌ ونَصَفٌ بينَنا وبينَك. وقد رُوِى عن ابن مسعودٍ أنه كان
(١) تأتى هذه القراءة عند تفسير الآية ٢١ من سورة الجاثية .
(٢) فى س: ((فهذا)).
(٣) يعنى بالفعل هنا الوصف المشتق مثل فاعل ومفعول. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٢.

٤٧٨
سورة آل عمران : الآية ٦٤
يَقْرَأُ ذلك: (إلى كلمةٍ عَدْلٍ بينَنا وبينَكم)(١).
وبمثلِ الذى قلْنا فى تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُ﴾ (" وأن٢)
السواءَ هو العدلُ ، قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ
تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلٍَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾: عَدْل بينَنا وبينَكم، ﴿ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا
اللّهُ ﴾ الآية(٣).
حدَّثنى المثنى : قال : ثنا إسحاقُ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿قُلْ / يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ
إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا﴾. بمثلِه(٤).
٣٠٤/٣
وقال آخرون: هو قولُ لا إلهَ إلا اللَّهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيعِ ،
قال: قال أبو العاليةِ: كلمةُ السواء لا إلهَ إلا اللَّهُ(٥).
(١) هذا قول الفراء فى معانى القرآن ٢٢٠/١ ونسب هذه القراءة إلى ابن مسعود. وينظر المحرر الوجيز
٤٥٤/٢.
(٢ - ٢) فى م: ((بأن))، وفى ت ١، س: ((فإن)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) فى ص، ت ١: ((الآية)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧٠/٢ (٣٦٣٢) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٩/٢ (٣٦٢٩) من طريق ابن أبى جعفر به .

٤٧٩
سورة آل عمران : الآية ٦٤
وأما قولُه: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾. فإن ((أن)) فى موضع خفضٍ، على
معنى : تعالَوا إلى ألَّ نَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ.
وقد بيَّنا معنى ((العبادةِ)) فى كلام العربِ فيما مضى، ودللنا على الصحيح مِن
معانيه بما أغنى عن إعادته(١).
وأما قولُه: ﴿ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا﴾. فإن اتخاذَ بعضِهم بعضًا(٢) ما
كان بطاعةِ الأتباع الرؤساءَ فيما أمَروهم به مِن مَعاصِى اللَّهِ ، وتَرْكِهم ما نَهَوْهم عنه
مِن طاعةِ اللَّهِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿اَتَّخَذُوَأْ أَخْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن
دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَاْ إِلَهًا
وَحِدًا﴾﴾ [التوبة: ٣١].
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ
مجرَيْجِ: ﴿ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾، يقولُ : لايُطِعْ بعضُنا بعضًا
فى معصيةِ اللَّهِ ، ويقالُ : إنّ تلك الربوبيةَ أَن يُطِيعَ الناسُ سادتَهم وقادتَهم فى غيرِ
عبادةٍ ، وإنْ لم يُصَلُوا لهم (٣) .
وقال آخَرون : اتخاذُ بعضِهم بعضًا أربابًا سجودُ بعضِهم لبعضٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ ، عن الحكمِ بنِ
(١) ينظر ما تقدم فى ١٥٩/١، ١٦٠.
(٢) بعده فى م: ((هو)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤٠/٢ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧٠/٢ (٣٦٣٤)
من طريق ابن ثور عن ابن جريج مقتصرًا على آخره . .
(٤) فى س: ((عمرو)).

٤٨٠
سورة آل عمران : الآيتان ٦٤، ٦٥
أبانٍ، عن عكرمةً فى قوله: ﴿ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾. قال:
سجودُ بعضِهم لبعضٍ(١).
وأما قولُه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ . فإنه يعنى: فإن
توَلَّى الذين تَدْعُونهم إلى الكلمةِ السواءِ عنها وكفَروا، فقولوا أنتم أيُّها المؤمنون لهم :
اشْهَدوا علينا بأنّا بما توَلَّيْثُم عنه؛ مِن توحيدِ اللَّهِ، وإخلاصِ العُبودةِ له، وأنه الإلهُ
الذى لاشَريكَ له ، ﴿ مُسْلِمُونَ﴾ ، يعنى: خاضِعون للَّهِ به، مُتَذَلِّلون له بالإقرارِ
بذلك، بقلوبنا وألسنتِنا .
وقد بيَّنا معنَى ((الإسلام)) فيما مضى، ودلَّلْنا عليه بما أغْنَى عن إعادتِه(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِىّ إِنَهِيمَ وَمَآ أُنْزِلَتِ
٦٥
التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِةٍ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ﴾: يا أهلَ التوراةِ
والإنجيلِ. ﴿لِمَ تُحَآَجُونَ﴾: لم تُجَادِلون ﴿فِيَّ إِبْرَهِيمَ﴾، وتُخاصِمون فيه؟
يغْنى : فى إبراهيم خليلِ الرحمنِ صلواتُ اللَّهِ عليه .
٣٠٥/٣
وكان / حِجاجُهم فيه ادِّعاءَ كلِّ فريقٍ مِن أهلٍ هذين الكتابين أنه كان منهم ،
وأنه كان يَدِينُ دينَ أهلِ نِخْلِتِهِ(٣) ، فعابَهم اللَّهُ عزَّ وجلَّ بادعائِهم ذلك، ودلَّ على
مُناقضتِهم ودَعْواهم، فقال: وكيف تَدَّعون أنه كان على ملَّتِكم ودينكم،
و(٤) دينُكم إما يهوديةٌ [٤١٨/١ ظ] أو نصرانيةٌ، واليهودىُّ منكم يَزْعُمُ أن دينَه إقامةٌ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٧٠/٢ (٣٦٣٥) من طريق حفص بن عمر به.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٣٢/٢ .
(٣) فى س: ((ملته)).
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أما))، وبعده فى س: ((ما)).