النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة آل عمران : الآية ٥٢
إلا رغيفٌ واحدٌ . قال: لا بأسَ. فانْطَلَقا حتى مرًّا على كَثْزِ قد حفَرَتْه السِّباعُ
والدوابُ، فقال اليهودىُّ: يا عيسى، لِمَن(١) هذا المالُ؟ قال عيسى: دَعْه، فإن له
أهلًا يَهلِكون عليه. فجعَلَت نفسُ اليهودىِّ تَطَلَّعُ إلى المالِ، ويَكْرَهِ أَن يَعْصِىَ
عيسى، فانْطَلَق مع عيسى، ومرّ بالمالِ أربعةُ نفرٍ. فلمَّا رأَوْه اجْتَمَعوا عليه، فقال
اثنان لصاحِبَيْهما: انْطَلِقا فابتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نَحْمِلُ عليها هذا المالَ.
فَانْطَلَق الرجلان فابتاعا دوابَّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدُهما لصاحبِه : هل لك أن
نَجْعَلَ لصاحبَيْنا فى طعامِهما سُمًّا، فإذا أكَلا ماتا، فكان المالُ بينى وبينَك؟ فقال
الآخَرُ: نعم. ففعَلا، وقال الآخَران: إذا ما أَتَيَّانا بالطعام ، فلْيَقُمْ كلُّ واحدٍ إلى
صاحبِهِ فَيَقْتُله، فيكونَ الطعامُ والدوابُ بينى وبينَك. فلما جاءا بطعامِهما قاما
فقتَلاهما، ثم قعَدا على الطعامِ، فأكلا منه فماتا، وأُعْلِم ذلك عيسى، فقال
لليهودىِّ: أُخْرِجْه حتى نَقْتَسِمَه. فأخْرَجه، فقسَمه عيسى بينَ ثلاثةٍ، فقال
اليهودىُّ: يا عيسى، اتَّقِ اللهَ ولا تَظْلِمْنى، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثةُ؟ قال له
عيسى : هذا لى، وهذا لك، وهذا الثلُثُ لصاحبِ الرغيفِ. قال اليهودىُّ: فإن
أَخْبَرْتُك بصاحبِ الرَّغيفِ تُعْطِينى هذا المالَ ؟ فقال عيسى : نعم . قال : أنا هو. قال
عيسى : خُذْ حظى وحظَّك وحظَّ صاحبِ الرغيفِ، فهو حظّك مِن الدنيا
والآخرةِ. فلمَّا حمَله مشَى به شيئًا، فخُسِف به، وانْطَلَق عيسى ابن مريمَ، فمرَّ
بالحَوارِيِّين وهم يَصْطادون السمكَ، فقال: ما تَصْنَعون؟ فقالوا: نَصْطادُ السمكَ.
فقال: أفلا تَمْشون حتى نَصْطادَ الناسَ؟ قالوا: ومَن أنت ؟ قال : أنا عيسى ابنُ مريمَ .
فَآمَنوا به ، وانْطَلَقوا معه، فذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ
اُلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
(١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، س.

٤٤٢
سورة آل عمران : الآية ٥٢
حدّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكر الحنفىُ ، عن عبادِ بنِ منصورٍ ، عن
الحسنِ فى قولِه: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسَ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللّهِ:
الآية. قال: اسْتَنْصَر فنصَره الحَوارِيون، وظهَر عليهم() .
وقال آخرون: كان سبب اسْتِنْصارِ عيسى مَن اسْتَنْصَر؛ لأَن مَن اسْتَنْصَر
الحَوارِيين عليه كانوا أرادوا قتلَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجْ، عن ابنِ مُجُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ اُلْكُفْرَ﴾ قال: كفروا وأرادُوا قتلَه، فذلك حينَ
اسْتَنْصَر قومَه، قال: ﴿ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾(١).
والأنصارُ جمعُ نَصِيرٍ ، كما الأَشْرافُ جمعُ شَريفٍ ، والأشهادُ جمعُ شَهيدٍ .
/ وأما ((الحَوارتُّون))، فإن أهلَ [٤١٣/١ ظ] التأويلِ اخْتَلَفوا فى السببِ الذى مِن
أجلِه سُمُوا حَوارِيِّين؛ فقال بعضُهم: سُمُّوا بذلك لبياضٍ ثيابِهم .
٢٨٧/٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عُبيدٍ المحارِبِىُّ، قال: مما روَى أبى ، قال: ثنا قيسُ بنُ الرَّبِيعِ ،
عن مَيْسرةَ ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال: إنما سُمُوا الحواربين
(٣) :
لبیاضٍ ثيابهم (٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٩/٢ (٣٥٦٧) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٩/٢ (٣٥٦٤) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج قوله . وعزاه
السيوطى أيضا فى الدر المنثور ٣٥/٢ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٩/٢ (٣٥٦٨) من طريق ميسرة به من قول ابن عباس .

٤٤٣
سورة آل عمران : الآية ٥٢
وقال آخَرون: سُمُّوا بذلك لأنهم كانوا قَصَّارِين يُبَيِّضون الثيابَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن أبى أَرْطاةَ، قال: الحواريُّون الغسَّالون الذين يَحوِرُون الثيابَ؛ يَغْسِلونها (١).
وقال آخرون: هم خاصةُ الأنبياءِ وصَفْوتُهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن رَوْحِ بنِ القاسم ، أن قتادةً
ذكَر رجلاً مِن أصحابِ النبيِّ عَ لَه، فقال: كان مِن الحواريِّين. فقيل له: مَن
الحَوارِيُّون؟ قال: الذين تصْلُحُ لهم الخلافةُ(٢).
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ "بنِ الحارث٣ِ) قال: ثنا بِشرُ بنُ(٤) عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ،
عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [المائدة: ١١٢]. قال: أصْفِياءُ
الأنبياءِ (٥).
وأشبهُ الأقوالِ التى ذكَرْنا فى مَعنى الحواريِّين قولُ مَن قال: سُمُوا بذلك
البياضٍ ثيابِهم، ولأنهم كانوا غسّالين .
وذلك أن الحَوَرَ عندَ العربِ شدةُ البياضِ، ولذلك سُمِّىَ الحُوَّارَى مِن
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥٣ من طريق ورقاء ، عن ابن أبى أرطاة .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٩/٢ (٣٥٧٠) من طريق ابن علية به مختصرًا .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((قال ثنا الحسين)). وهو إسناد دائر لا ذكر للحسين فيه.
(٤) فى م، ت ١، س: ((عن)) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٠/٢ (٣٥٧٢) من طريق المنجاب به .

٤٤٤
سورة آل عمران : الآية ٥٢
الطعامِ : مُوَّارَى ؛ لشدةِ بياضِه، ومنه قيل للرجلِ الشديدِ البياضِ مُقْلةِ العينَيْن:
أحورُ. وللمرأةِ : حوراءُ .
وقد يجوز أن یکونَ حواریُّو عیسی کانوا شُمُوا بالذی ذکرْنا مِن تبییضِھم
الثيابَ، وأنهم كانوا قَصَّارِين، فعُرِفوا بصحبةٍ عيسى، واخْتيارِهِ إِيَّهم لنفسِه
أصحابًا وأنصارًا، فجرَى ذلك الاسمُ لهم، واسْتُعْمِل حتى صار كلّ خاصةٍ للرجلِ
مِن أصحابِهِ وأنصارِهِ حَوَارِيَّه، ولذلك قال النبىُّ ◌ِّهِ: ((لكلِّ(١) نبيِّ حَوارِىٌّ،
وخَوارِئَّ الزبيرُ)) (٢). يعنى خاصتَه، وقد تُسَمِّى العربُ النساءَ اللَّواتى مَساكثُهن
القرَى والأمصارُ ((حَوَارِيّاتٍ))، وإنما سُمِّينَ بذلك لغلبةِ البياضِ عليهن، ومن ذلك
قولُ أبى جَلْدَةَ الْيَشْكُرِىِّ(٣):
ولا تَبْكِنا إلا الكلابُ النَّوابِحُ
فقلْ للحَوارِيَّاتِ (٤) يَتْكِين غیرَنا
ويغْنى بقولِه: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾: قال هؤلاء الذين صفتُهم ما ذكَرْنا مِن
٢٨٨/٣ تبِْيضِهم الثيابَ: ﴿ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾: / صدَّقْنا باللهِ، واشْهَد أنت يا عيسى بأننا
مسلمون .
وهذا خبرٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ أن الإسلامَ دينُه الذى ابْتَعَث به عيسى والأنبياءَ
قبلَه ، لا النصرانيةَ ولا اليهوديةَ، وتَبْرِئَةٌ مِن اللهِ لعيسى مَمَّن انْتَحَل النصرانيةَ، ودان
بها، كما برَّأ إبراهيمَ مِن سائرِ الأديانِ غيرِ الإسلامِ، وذلك احْتِجاجٌ مِن اللّهِ تعالَى
ذكرُه لنبيِّه عَِّ على وفدٍ نَجْرْانَ .
(١) فى ص، ت ٢، س: ((إن لكل)) وهو لفظ بعض الروايات.
(٢) أخرجه أحمد ٢٠٠/٢٢، ٢٠١ (١٤٢٩٧)، والبخارى (٢٨٤٧، ٣٧١٩، ٤١١٣، ٧٢٦١)،
ومسلم (٢٤١٥) من حديث جابر.
(٣) البيت فى الوحشيات ص ٢٩، والمؤتلف والمختلف للآمدى ص ١٠٧، ولسان العرب (ح ور).
(٤) فى الوحشيات، والمؤتلف والمختلف: ((لنساء المِصر)).

٤٤٥
سورة آل عمران: الآيتان ٥٢ ، ٥٣
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا سَلمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدٍ
ابنِ جعفرِ بنِ الزبيرِ: ﴿فَلَمَّ أَحَسَ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ والعُدْوانَ ﴿ قَالَ مَنْ
أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِبُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اَللَّهِ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾ وهذا قولُهم الذى
أصابُوا به الفضلَ مِن ربِّهم، ﴿ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لا كما يقولُ هؤلاء
الذين يُحاجُّونك فيه - يعنى وفدَ نصارَى نَجْانَ(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
٥٣
الشَّهِدِينَ
وهذا خبرٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ عن الحَوارِّين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَا ﴾ أى:
صدَّقْنا ﴿بِمَآ أَنْزَلْتَ﴾ يعنى: بما أنْزِلتَ على نبيِّك عيسى مِن كتابِك، ﴿ وَأَتَّبَعْنَا
الرَّسُولَ﴾ يعنى بذلك: صِرْنا أتباعَ عيسى، على دينك الذى ابْتَعَثْتَه به، وأعوانه
على الحقِّ الذى أَرْسَلْتَه به إلى عبادِك .
وقولُه: ﴿فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ يقولُ: فَأَثْبِتْ أسماءَنا مع أسماء الذين
شهِدُوا بالحقِّ، وأَقَرُوا لك بالتوحيدِ، وصدَّقوا رُسُلَك، واتَّبعوا أمرَك ونهيَك،
فاجْعَلْنا فى عِدادِهم ومعهم ، فيما تُكْرِمُهم به مِن كَرامتِك، وأُحِلَّنَا مَحَلَّهم ، ولا
تَجْعُلْنا مَّن كَفَر بك، وصدَّ عن سبيلِك، وخالَف أمرَك ونهيَك.
يُعَرِّفُ خلقَه جلَّ ثناؤه بذلك سبيلَ الذين رضِىَّ أقوالَهم وأفعالَهم، ليَحْتَذوا
طریقهم ، ویتَّبِعُوا مِنْها جهم ، فیصِلوا إلى مثلِ الذى وصلوا إليه مِن درجاتِ کرامتِه ،
ويُكَذِّبُ بذلك الذين انْتَحَلوا مِن المِلَلِ غيرَ الحَيفيَّةِ المسلمةِ ، فى دَعْواهم على أنبياءٍ
اللهِ ، أنهم كانوا على غيرِها ، ويَحْتَجُ به على الوفدِ الذين حامُوا رسولَ اللهِ صَ لّهِ مِن
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٥٨، ٦٦٠ (٣٥٦٣، ٣٥٧٤،
٣٥٧٥) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق قوله .

٤٤٦
سورة آل عمران : الآيتان ٥٣، ٥٤
أهل ◌َجْرانَ ، بأنَّ قِيلَ مَن رضِىَ اللهُ عنه مِن أتباع عيسى، كان خلافَ قِيلِهم،
ومِنْهاجھم غیرُ مِنْهاجِھم .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزبيرِ: ﴿ رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنَزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأَكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ﴾. أى: هكذا كان قولُهم وإيمانُهم(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
٥٤
یغنی بذلك جلَّ ثناؤه: ومكر الذين كفروا مِن بنى إسرائيلَ. وهم الذين ذكر
اللّهُ أن عيسى أحَسَّ منهم الكفرَ.
وكان مكرُهم الذى وصَفَهم اللَّهُ به مُواطَأَةَ بعضِهم بعضًا على الفَتْكِ بعيسى
وقتلِه، وذلك أن عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه بعدَ إِخْراج قومِه إيَّه وأمَّه مِن بينِ
أظهُرِهم، عاد إليهم، فيما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ،
قال : ثنا أشْباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ثم إن عيسى [٤١٤/١ و] سار بهم، يغنى بالحَوارِيِّين/
الذين كانوا يَصْطادون السمكَ، فَآمَنوا به واتََّعوه إذ دعاهم، حتى أَتَى بنى إسرائيلَ
ليلًا فصاح فيهم، فذلك قوله: ﴿ فَامَنَت ◌َطَآئِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَّهِيلَ وَكَفَرَتَ طَِّفَةٌ
الآية [ الصف : ١٤] .
٢٨٩/٣
وأما مكرُ اللهِ بهم ، فإنه - فيما ذكَر الشُّدِّئُّ - إلقاؤُه شَبَهَ عیسی علی بعضٍ
أَتْباعِه، حتى قتله الماكِرون بعيسى، وهم يَحْسَبونه عيسى، وقد رفَع اللهُ عزَّ وجلَّ
عيسى قبلَ ذلك .
(١) سيرة ابن هشام ٥٨٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٠/٢ (٣٥٧٦) من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق قوله .

٤٤٧
سورة آل عمران : الآيتان ٥٤، ٥٥
كما حدَّثنى محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ الْمُفَضَّلِ، قال: ثنا
أشْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: ثم إن بنى إسرائيلَ حصَروا عيسى وتسعةً عشَرَ رجلًا مِن
الحَوارِيِّين فى بيتٍ، فقال عيسى لأصحابِه : مَن يَأْخُذُ صُورتِى فِيُقْتَلَ وله الجنةُ؟
فأخَذها رجلٌ منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماءِ، فذلك قوله: ﴿وَمَكَرُواْ
وَمَكَرَ اَللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾. فلمَّا خرَج الحَوَارِيُّون أَبْصَروهم تسعةً عشرَ،
فأخْبَروهم أن عيسى قد صُعِد به إلى السماءِ، فجعَلوا يَعُدُّون القومَ، فَيَجِدُونهم
يَنْقُصون رجلًا مِن العِدَّةِ ، ويَرَوْن صورةَ عيسى فيهم ، فشكّوا فيه ، وعلى ذلك قتَلوا
الرجلَ ، وهم يُرَوْنَ أنه عيسى، وصلَبوه، فذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا
صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧].
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ مغنى مَكْرِ اللَّهِ بهم اسْتِدْراجَه إياهم؛ ليَتْلُغَ الكتابُ
أجلَه، كما قد بيَّنا ذلك فى قولِ اللّهِ: ﴿اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥].
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِنّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومكر اللهُ بالقومِ الذين حاولوا قتلَ عيسى مع كفرِهم
باللهِ، وتكذيبِهم عيسى فيما أتاهم به مِن عندِ ربِّهم ، إذ قال اللّهُ جل ثناؤه: إنى
مُتَوَّفِيك. فـ﴿ إِذ﴾ صلةٌ مِن قوله: ﴿ وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ يعنى: ومكَرِ اللّهُ بهم حينَ
قال اللَّهُ لعيسى: إنى مُتوفِيك ورافِعُك إلى فتوَقَّه ورفَعه إليه .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنَى ((الوفاةِ)) التى ذكرها اللَّهُ عزَّ وجلَّ فى هذه
الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: هى وفاةُ نومٍ. وكان معنَى الكلام على مَذْهِبِهم: إنى مُنِيمُك
(١) ينظر ما تقدم فى ٣١٢/١ - ٣١٨.

٤٤٨
سورة آل عمران : الآية ٥٥
ورافعُك فى نومِك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيعِ فى قوله: ﴿إِنِّ مُتَوَفِيكَ﴾. قال: يعنى وفاةَ الَنَام؛ رفَعه اللَّهُ فى مَنامِه . قال
الحسنُ: قال رسولُ اللَّهِ سَمِ لليهودِ: ((إن عيسَى لم يَمُتْ، وإنه راجِعٌ إليكم قبلَ يومٍ
(١)
القيامةِ»(١).
وقال آخرون : معنى ذلك: إنى قابضُك مِن الأرضِ فرافِعُك إلىَّ. قالوا : ومعنَى
الوفاةِ القبضُ. / كما يُقالُ: تَوقَّيْتُ مِن فلانٍ ما لىَ عليه . بمعنى: قبَضْتُه واسْتَوْفَيُه.
قالوا: فمعنَى قولِه: ﴿إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ ﴾. أى: قابضُك مِن الأرضِ حيًّا
إلى جِوارِى، وَآخِذُك إلى ما عندِى بغيرِ موتٍ، ورافعُك مِن بينِ المشركين وأهلِ
الکفر بك .
٢٩٠/٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةً، عن ابنِ شَؤْذَبٍ ، عن مَطَرٍ
الوَرَّاقِ فى قولِ اللَّهِ : ﴿إِنِّ مُتَوَفِيكَ﴾. قال: مُتَوفِّك مِن الدنيا ، وليس بوفاةِ
(٢)
موتٍ(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبَرَنا مَعمرٌ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (بتحقيق حكمت بشير ياسين) ٢٩٦/٢ (٦٤٢) من طريق عبد الله بن
أبى جعفر به، عن الحسن قوله. وينظر تفسير ابن كثير ٣٨/٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ( بتحقيق حكمت بشير ياسين) ٢٩٦/٢ (٦٤١) ، وأبو نعيم
فى الحلية ١٣٠/٦ من طريق ضمرة به .

٤٤٩
سورة آل عمران : الآية ٥٥
الحسنِ فى قوله: ﴿إِنِّ مُتَوَفِّيكَ﴾. قال: مُتَوَّفِيك مِن الأرض (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه :
﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: فَرَفْعُه إِياه
إليه تَوَفِيه إياه، وتَطْهيرُه مِن الذين كفروا(٢) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، أن
كعبّ الأخبارِ قال: ما كان اللَّهُ عزَّ وجلَّ لِيُمِيتَ عيسى ابن مريمَ، إنما بعثه اللَّهُ داعيًا
ومُبَشِّرًا يَدْعو إليه وحدَه، فلما رأَى عيسى قلَّةَ مَن اتَّبَعه، وكثرةَ مَن كذَّبه، شكا
ذلك إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فأوْحَى اللَّهُ إليه: ﴿ إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾ . وليس مَن
رفَعْتُه عندى ميّتا ، وإنى سأَبْعَثُك على الأعورِ الدجالِ ، فَتَقْتُلُه، ثم تَعِيشُ بعدَ ذلك
أربعًا وعشرين سنةً ، ثم أَمِيتُك مِيتَةَ الحىّ. قال كعبُ الأحبارِ: وذلك يُصَدِّقُ
حديثَ رسولِ اللَّهِ عِ لْحِ حيثُ قال: ((كيف تَهْلِكُ أمةٌ أَنا فى أوَّلِها، وعيسى فى
آخرِها؟))(٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزبيرِ: ﴿ يَعِيسَىّ إِّ مُتَوَفِيكَ﴾. أىْ: قابضُك.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ إِنِ
(١) تفسير عبد الرزاق ١٢٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦١/٢ (٣٥٨٢) عن الحسن بن يحيى
به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٢/٢ (٣٥٨٦) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج ببعضه .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦/٢ إلى المصنف، والمرفوع أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٩٤/٥،
٣٩٥ من حديث ابن عباس.
( تفسير الطبرى ٢٩/٥ )

٤٥٠
سورة آل عمران : الآية ٥٥
مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾. قال: ﴿ مُتَوَفِيكَ﴾ قابضُك. قال: و﴿ مُتَوَفِيكَ﴾
و﴿وَرَافِعُكَ﴾ واحدٌ . قال: ولم يَمُتْ بعدُ حتى يَقْتُلَ الدجالَ، وسيموتُ. وقرَأ قولَ
اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾. قال: رفَعه اللَّهُ إليه قبلَ أن
يكونَ كَهْلً. قال: ويَنْزِلُ كَهْلًا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ، فی
قولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿ يَعِيسَىّ إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَ﴾ الآية كلّها. قال: رفَعه
اللَّهُ إليه، فهو عندَه فى السماءِ (١) .
وقال آخرون : معنى ذلك : إِنِّى مُتَوَفِيك وفاةَ موتٍ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىِّ ، عن
ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنِّ مُتَوَفِيكَ﴾. يقولُ: إنى ◌ُمِيتُكَ(٣).
٢٩١/٣
/حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ
ابنِ مُنَبِّهِ اليَمانيّ أنه قال: توَفَّى اللَّهُ عيسى ابن مريمَ ثلاثَ ساعاتٍ [٤١٤/١ ظ] مِن
النهارِ، حتى رفَعه إليه (٤) .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إِسحاقَ ، قال: والنصارَى يَزْعُمون
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٢/ ٤٧٨، والقرطبى فى تفسيره ٤/ ١٠٠.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦١/٢ (٣٥٨٤) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦١/٢ (٣٥٨٠) من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٦/٢ إلى ابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦١/٢ (٣٥٨١) من طريق سلمة به.

٤٥١
سورة آل عمران : الآية ٥٥
أنه توَفَّه سبعَ ساعاتٍ مِن النهارِ ، ثم أحياه اللَّهُ(١).
وقال آخرون: معنى ذلك: إذْ قال اللَّهُ: يا عيسى إنى رافعُك إِلىَّ ومُطَهِّرُك مِن
الذين كفَروا، ومُتَوَّفِيك بعدَ إِنْزالى إياك إلى الدنيا. وقالوا(٢): هذا مِن المُقَدَّمِ الذى
معناه التأخيرُ، والمُؤَخَّرِ الذى معناه التقديمُ .
قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندَنا قولُ مَن قال : معنى ذلك :
إنى قابضُك مِن الأرضِ ورافعُك إلىّ. لتَواتُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللهِ مَ لَّمِ أنه قال:
((يَنْزِلُ عيسى ابنُ مريمَ، فَيَقْتُلُ الدجالَ، ثم يَمْكُتُ فى الأرضِ - مدةً
ذكَرَها، ("اخْتَلَف الرواةُ) فى مَبْلَغِها - ثم يَمِوتُ، فيُصَلَّى عليه المسلمون
ويَدْفِنونه» .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ
الزهرىِّ، عن حَنْظلةَ بنِ علىِّ الأَسْلَميُّ، عن أبى هريرةَ قال: سمِعْتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَّه
يقولُ : ((لَيُهِْطَنَّ اللَّهُ عيسى ابن مريمَ حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا، يَكْسِرُ الصَّليبَ،
ويَقْتُلُ الخِْزِيرَ، ويَضَعُ الجزيةَ، ويُفِيضُ المالَ حتى لا يَجِدَ مَن يَأْخُذُه، وَلَيَسْلُكَنَّ
الرَّوْحاءَ حاتَجًا أو معتمرًا، أو لَيْتَنِّيَنَّ(٤) بهما جميعًا)) (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ ، عن
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٨/٢.
(٢) فى م: ((قال)).
(٣ - ٣) فى م: ((اختلفت الرواية)).
(٤) فى م: ((يدين)). وينظر مصادر التخريج الآتية .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٨٤٢)، والحميدى (١٠٠٥)، وأحمد ٢١٧/١٢، ١٠٩/١٣، ٢٨٠،
٢٨١، ٣٨٧/١٦، ٥٧١ (٧٢٧٣، ٧٩٠٣، ٧٦٨١، ١٠٦٦١، ١٠٩٧٤)، ومسلم (١٢٥٢)، وابن
حبان (٦٨٢٠)، والبيهقى ٢/٥، والبغوى (٤٢٧٨) من طريق الزهرى به ..

٤٥٢
سورة آل عمران : الآية ٥٥
قتادةَ، عن عبد الرحمنِ بنِ آدمَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِهِ :
((الأنبياءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أَمَّهاتُهم شَتَّى، ودينُهم واحدٌ، وأنا أَوْلَى الناسِ بعيسى
ابنِ مريمَ؛ لم يَكُنْ بينى وبينَه نبيٌّ، وإنه خَليفتى على أمَّتى، وإنه نازلٌ، فإذا
رأيْتُموه فاغْرِفوه ، فإنه رجلٌ مَربوعُ الخَلْقِ إلى الحُمْرَةِ والتَياضِ، سَبْطُ الشعَرِ كأن
شعَرَه يَقْطُرُ، وإن لم يُصِبْهِ بَلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتين(١) ، يَدُقُّ الصليبَ، ويَقْتُلُ الخِيْزِيرَ،
ويَفِيضُ المالُ، ويُقاتِلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهْلِكَ اللَّهُ فى زمانِهِ المِلَلَ كلَّها،
ويُهْلِكُ اللَّهُ فى زمانِهِ مَسيحَ الضَّلالةِ الكذَّبَ الدجالَ، وَتَقَعُ فى الأرضِ الأَمَنَةُ،
حتى تَوْتَعَ الأسودُ مع الإبلِ ، والنَّمِرُ مع البقرِ ، والذئابُ مع الغنَمِ، وتَلْعَبَ الغِلمانُ
بالحَّاتِ، لا يَضُرُ بعضُهم بعضًا، فيَثْبُتُ فى الأرضِ أربعين سنةً ، ثم يُتَوَنَّى، ويُصَلِّى
المسلمون عليه ويَدْفِئُونه))(٢).
قال أبو جعفرٍ: ومعلوم أنه لو كان قد أماته اللَّهُ عزَّ وجلَّ لم يَكُنْ بالذى ◌ُمِيتُهُ مِيتَةً
أُخرَى، فَيَجْمَعَ عليهِ مِيَتَيْن؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ إنما أُخْبَرِ عبادَه أنه يَخْلُقُهم ثم يُمِيتُهم،
ثم يُحْيِيهم، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿ اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ
يُحْبِيَكُمْ هَلْ مِن شُرَّكَائِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَىْءٌ﴾ [الروم: ٤٠].
/ فتأويلُ الآيةِ إذن: قال اللَّهُ لعيسى: يا عيسى إنى قابِضُك مِن الأرضِ،
ورافعُك إلىّ، ومُطَهِّرُك من الذين كفَروا فجحَدوا نبؤَّتَك .
٢٩٢/٣
وهذا الخبرُ وإن كان مخرجُه مخرجَ خبرٍ ، فإن فيه مِن اللهِ عزّ وجلَّ احتجاجًا
على الذين حالجوا رسولَ اللَّهِ مَّمِ فى عيسى مِن وفدٍ نَجْرَانَ، بأن عيسى لم يُقْتَلْ ولم
(١) الممصرة من الثياب: التى فيها صفرة خفيفة. النهاية ٣٣٦/٤.
(٢) أخرجه أحمد ١٥٣/١٥، ١٥٤ (٩٢٧٠)، وأبو داود (٤٣٢٤)، وابن حبان (٦٨٢١)، والحاكم
٥٩٥/٢ من طريق قتادة به، وسيأتى من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة به فى ٦٧٤/٧ .

٤٥٣
سورة آل عمران : الآية ٥٥
يُصْلَبْ، كما زعموا، وأنهم واليهودَ - الذين أَقَرُّوا بذلك، واذَّعَوْا على عيسى -
کَذَبٌ فی دعواهم وزعمِهم .
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزبيرِ : ثم أُخْبَرَهم - يعنى الوفدَ مِن نَجْرانَ - وردًّ عليهم فيما أخبروا هم
واليهودُ(١) بصلبِه، كيف رفَعه وطهَّره منهم، فقال: ﴿ إِذْ قَالَ اَللَّهُ يَعِيسَى إِ
مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَّ﴾﴾(٣).
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. فإنه يعنى: مُتَظِّفُك فمُخَلِّصُك ممّن
كَفَر بك وجحَد ما جئتَهم به مِن الحقِّ، مِن اليهودِ وسائرِ المِلَلِ غيرِها .
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرٍ بنِ الزبيرِ: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: إذ همُّوا منك بما
(٤)
همُّوا(4) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُّ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: طهَّره مِن اليهودِ والنصارى
والمجوسِ، ومِن كفارٍ قومِه(٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَا إِلَى
(١) سقط من: ص، ت ٢، س.
(٢) فى ص، ت ٢: (( لليهود)) .
(٣) سيرة ابن هشام فى ١/ ٥٨٢.
(٤) سيرة ابن هشام ١ / ٥٨٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٢/٢ (٣٥٨٥) من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق قوله .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٢/٢ (٣٥٨٧) من طريق أبى بكر الحنفى به .

٤٥٤
سورة آل عمران : الآية ٥٥
يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وجاعلُ الذين اتَّبَعوك على مِنْهاجِك ومِلَّتِك مِن
الإسلام وفِطْرتِه، فوقَ الذين جحَدوا نبؤَّتَك، وخالَفوا بسبيلهم جميعَ أهلِ
المللِ، فكذَّبوا بما جئتَ به، وصدُّوا عن الإقرارِ به، فمُصَيِّرُهم فوقَهم ظاهِرِين
علیھم .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يَزِيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه :
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: هم أهلُ الإسلامِ
الذين اتَّبَعوه على فطْرتِه وملتِه وسُنَّتِهِ، فلا يزَالون ظاهِرِين على مَن ناوَأهم إلى يومٍ
(١)
القيامةِ () .
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾. ثم ذكر
(٢)
نحوه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ:
وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ مجريجٍ:
وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، قال: ناصرُ مَنِ اتَّبَعك
على الإسلامِ، على الذين كفروا إلى يومِ القيامةِ .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٢ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٦٢، ٦٦٣ (٣٥٨٩، ٣٥٩٢) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٢/٢ (٣٥٨٨) من طريق ابن ثور، عن ابن جريج بنحوه .

٤٥٥
سورة آل عمران : الآية ٥٥
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ(١)، قال: ثنا أشباطُ، عن
السدىِّ: ﴿وَجَاعِلُ / الَّذِينَ [١٥/١ ٤ ٥] أَتَّعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَئِمَةِ﴾ :
أما ﴿ الَّذِينَ أَبُوكَ﴾، فيُقالُ: هم المؤمنون. ( ويقال: بل) هم الرُّومُ(٣).
٢٩٣/٣
حدَّثنى محمدُ بنُ سِناٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُ، عن عبادٍ ، عن الحسنِ :
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُّوَاْ إِلَى يَوْمِ اُلْقِيَامَةِ﴾ قال: جعَل الذين اتَّبَعوه
فوقَ الذين كفَروا إلى يوم القيامةِ. قال : المسلمون مِن فوقِهم، وجعَلهم أعلى ممّن
ترَك الإسلامَ إلى يومِ القيامةِ" .
وقال آخَرون: معنَى ذلك : وجاعلُ الذين اتَّبَعوك مِن النصارى فوقَ اليهودِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ :
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. قال: الذين كفَروا مِن بنى إسرائيلَ،
وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ قال: الذين آمنوا به مِن بنى إسرائيلَ وغيرِهم ﴿فَوْقَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ النصارى فوقَ اليهودِ إلى يومِ القيامةِ. قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ مِن النصارى
إلا وهم فوقَ يهودَ فى شرقٍ ولا غربٍ، هم فى البلدانِ كلِّها مُسْتَذَلُّون(٥) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِمَا كُنْتُمْ فِيهِ
(١) فى ص: ((الفضل)).
(٢ - ٢) فى م: ((وليس)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٢/٢ (٣٥٩٠) من طريق أحمد بن المفضل به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٣/٢ (٣٥٩٣) من طريق آخر عن الحسن بنحوه.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٢ إلى المصنف.

٤٥٦
سورة آل عمران : الآيات ٥٥ - ٥٧
٥٥
تَخْتَلِفُونَ
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ إِلَ﴾: ثم إلى اللَّهِ أيُّها المختلِفون فی عیسی
◌ْمَرْجِعُكُمْ﴾. يعنى: مَصيرُكم يومَ القيامةِ. ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ :
فَأَقْضِى حينئذٍ بينَ جميعِكم فى أمرٍ عيسى بالحقِّ ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ مِن
أمره .
وهذا مِن الكلامِ الذى صُرِف مِن الخبرِ عن الغائبِ إلى المخاطَبةِ، وذلك أنَّ
قولَه: ﴿ثُمَّ إِلَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ . إنما قُصِد به الخبرُ عن مُتَّبِعِى عيسى والكافِرِين به.
وتأويلُ الكلام: وجاعلُ الذين اتََّعوك فوقَ الذين كفَروا إلى يومِ القيامةِ ، ثم
إِلىَّ مَرْجِعُ الفريقَيْن ؛ الذين اتَّبَعوك والذين كفروا بك، فأَحْكُمُ بينَهم فيما كانوا فيه
يَخْتَلِفون. ولكن ردَّ الكلامَ إلى الخطابِ لسبوقٍ (١) القولِ، على سبيلٍ ما ذكَرْنا مِنَ
الكلامِ الذى يَخْرُجُ على وجهِ الحكايةِ، كما قال: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ
وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج ◌َنِبَةٍ﴾ [ يونس:
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِ الدُّنْيَا
وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَلِحَتِ
وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ
٥٦
فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمُّ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ
يغنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: فأما الذين جحدوا نبؤَّتَك يا
عيسى، وخالَفوا مِلَّتَك، وكذَّبوا بما جئتَهم به مِن الحقِّ، وقالوا فيك الباطلَ،
وأضافوك إلى غيرِ الذى يَنْتَغِى أن يُضِيفوك إليه، مِن اليهودِ والنصارَى، وسائر
أصنافِ الأَذْيانِ، فإنى أُعَذِّبُهم عذابًا شديدًا، أمَّا فى الدنيا فبالقتلِ والسّباءِ والذّلَّةِ
(١) فى م، ت ١: ((لسوق)).

٤٥٧
سورة آل عمران : الآيتان ٥٦، ٥٧
والْمَسْكَنةِ ، وأما فى الآخِرةِ فبنارِ جهنمَ خالدين فيها أبدًا. ﴿وَمَا لَهُم مِّن
نَّصِرِينَ﴾. يقولُ: وما لهم مِن عذابِ اللَّهِ مانعٌ، ولا عن أليم عقابِه لهم دافعٌ، بقوةٍ
ولا شَفاعةٍ؛ لأنه العزيزُ ذو الانتقامِ .
٢٩٤/٣
/ وأما قولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّمَلِحَتِ ﴾ . فإنه یعنی تعالى
ذكرُه: وأما الذين آمنوا بك يا عيسى - يقولُ: صدَّقوك - فَأَقَرُّوا بنبوَّتِك وبما جئتَهم
به مِن الحقِّ مِن عندِى، ودانُوا بالإسلامِ الذى بعَثْتُك به، وعمِلوا بما فَرَضْتُ مِن
فَرائضِى على لسانِك، وشرَعْتُ مِن شَرائعى، وسنَنْتُ مِن سُننى.
كما حدَّثنى المثنّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ ،
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَمِلُواْ الصَلِحَتِ﴾. يقولُ: أَدَّوْا فَرائضِى (١).
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ يقولُ: فيُعْطِيهم جزاءَ أعمالِهم الصالحةِ كامِلًا ، لا
يُتْخَسون منه شيئًا ولا يُنْقَصُونه .
وأما قولُه: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾. فإنه يعْنى: واللهُ لا يُحِبُّ مَن ظلَم غيرَه
حقًّا له، أو وضَع شيئًا فى غيرِ موضعِه .
فنفَى جلَّ ثناؤه عن نفسِه بذلك أن يَظْلِمَ عبادَه، فيُجازِىَ المسى ءَ ثمّن كفَر جزاءً
المحسنين مَمَّن آمَن به، أو يُجازِىَ المحسِنَ ممّن آمَن به واتَّبَع أمرَه، وانْتَهى عما نهاه عنه
فأطاعَه، جزاءَ الُسِيئين ممّن كفَربه، وكذَّب رسلَه، وخالف أمره ونهيه ، فقال : إنى
لا أُحِبُّ الظالمينَ، فكيف أَظْلِمُ خَلْقى ؟
وهذا القولُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه وإن كان خرَج مَخرِجَ الخبرِ، فإنه (١) وعيدٌ منه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٢ إلى المصنف.
(٢) فى م: (( كأنه)).

٥٨غ
سورة آل عمران : الآيتان ٥٧، ٥٨
للكافرين به وبرسلِه، ووعدٌ منه للمؤمنينَ به وبرسلِه ؛ لأنه أَعْلَمَ الفريقين جميعًا أنه لا
يَبْخَسُ هذا المؤمنَ حقُّه ولا يَظْلِمُ كرامته فيضَعَها فى من كفَر به وخالَف أمرَه ونهيَه ،
فيكونَ لها بوضعِها فى غيرِ أهلِها ظالماً .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾
٠
يغنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذه الأَنْباءُ التى أَنْبَأ بها نبيّه عن عيسى وأمّه
مريمَ ، وأمّها حَنَّةَ ، وزكريا وابنِه يحتى، وما قصَّ مِن أمرِ الحَوَارِيِّين واليهودِ مِن بنى
إسرائيلَ - نتلوها عليك يا محمدُ . يقولُ: نَقْرَؤُها عليك يا محمدُ ، على لسانٍ
جبريلَ بوحْيناها إليك. ﴿مِنَ الْآَيَتِ﴾. يقولُ: مِن العِبَرِ والحُجَجِ على مَن
حاجَّك مِن وفدٍ نَصارَى نَجْرَانَ ويهودِ بنى إسرائيلَ، الذين كذَّبوك وكذَّبوا ما
جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندِى. ﴿ وَالذِّكْرِ﴾. يعنى: والقرآنِ ﴿اَلْحَكِيمِ﴾.
٥
[٤١٥/١ ظ] يعنى ذا الحِكمةِ الفاصلةِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وبينَك وبينَ ناسبِى المسيحِ
إلى غيرِ نسَبِه .
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرٍ بِنِ الزبيرِ: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوُهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ﴾ : القاطعِ
الفاصلِ الحقِّ، الذى لم يَخْلِطْه الباطلُ ، من الخبرِ عن عيسى، وعما اخْتَلَفوا فيه مِن
أمرِهِ ، فلا تَقْتَلَنَّ خبرًا غيرَهُ(١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جوَثِيرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوُهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَتِ وَالذِّكْرِ اَلْحَكِيمِ﴾ قال: القرآنُ(٢).
(١) سيرة ابن هشام ١ / ٥٨٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٥/٢ (٣٦٠٥) من طريق سلمة ، عن ابن
إسحاق قوله .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٢ إلى المصنف.

٤٥٩
سورة آل عمران : الآيتان ٥٨، ٥٩
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ وَالذِّكْرِ ﴾. يقولُ: القرآنُ الحكيمُ الذى قد كمَل فى
(١)
حكمته(١).
٢٩٥/٣
/ القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمْ
٥٩
خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
يغنى جلَّ ثناؤه : إِن شَبَهَ عيسى فى خَلْقِى إياه مِن غیرٍ فَعْلٍ - فأخْبِرْ به يا محمدُ
الوفدَ مِن نصارَى نَجْرانَ - عندِى كشَبَهِ آدمَ ، الذى خلَقْتُه مِن ترابٍ ، ثم قلتُ له :
كنْ. فكان، مِن غيرٍ فَعْلٍ، ولا ذكَرٍ ، ولا أُنثى. يقولُ: فليس خَلْقی عیسی مِن
أمّه، مِن غيرِ فحلٍ ، بأعْجَبَ مِن خَلْقِى آدمَ مِن غيرٍ ذكَرٍ ولا أُنثى، فكان لحمًا ،
يقولُ: وأَمْرى إِذ أمَرْتُه أن يكونَ فكان، فكذلك خَلْقِى عيسى ، أمَرْتُه أن يكونَ
فكان .
وذكَر أهلُ التأويل أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ أَنْزَل هذه الآيةَ احْتِجاجًا لنبيِّه ◌ِ لِّ على
الوفدِ مِن نصارَى نَجْرانَ الذين حاجُوه فی عیسی .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ(١)، عن مُغيرةَ، عن عامرٍ، قال: كان أهلُ
تَجْرَانَ أعظمَ قومٍ مِن النصارَى فى عيسى قولًا، فكانوا يُجادِلون النبيَّ عَلِّ، فَأَنْزَل اللَّهُ
عزَّ وجلَّ هذه الآيةَ فى سورةِ آلٍ عِمْرانَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ
خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ إلى قولِه: ﴿ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَىَ
(١) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٤٤٧، وأبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٤٧٦.
(٢) فى س: ((جويبر)). وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٥٤٠.

٤٦٠
سورة آل عمران : الآية ٥٩
الْكَذِينَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تَُّابٍ
ثُمَّ قَالَ لَُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وذلك أن رَهْطًا مِن أَهلِ تَجْرَانَ، قَدِموا على محمدٍ عَلَهِ،
وكان فيهمُّ السيدُ والعاقِبُ، فقالوا لمحمدٍ: ما شأنُك تَذْكُرُ صاحبنا؟ فقال: ((مَن
هو؟)). قالوا: عيسى، تَزْعُمُ أنه عبدُ اللَّهِ. فقال محمدٌ: ((أجلْ، إنه عبدُ اللَّهِ)).
قالوا له : فهل رأيْتَ مَثَلَ عيسى، أو أَنْبِئْتَ به؟ ثم خرَجُوا مِن عندِه، فجاءه جبريلُ
عليه السلامُ بأمرِ ربِّنا السميع العليم، فقال: قلْ لهم إذا أتَوْك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى
عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ مَادَمٌ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى
عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمّ خَلَفَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ذُكِر لنا أن سيّدَیْ
أهلِ نَجْرَانَ وَأَسْقُقَّيْهم السيدَ والعاقبَ، لِقِيا نبيَّ اللَّهِ عَلَّمِ فسألاه عن عيسى؟ فقالا:
كلُّ آدمىٌّ له أبٌّ، فما شأنُ عيسى لا أَبَ له؟ فأَنْزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فيه هذه الآيةَ:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
(٣)
فَيَكُونُ﴾(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢ / ٩٨، ٥٤٩/١٤ من طريق جرير به مختصرًا، وأخرجه سعيد بن منصور فى
سننه (٥٠٠ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٧/٢ (٣٦١٦) من طريق مغيرة به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٩/٢ إلى عبد بن حميد وأبى نعيم.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٦٥/٢ (٣٦٠٦) عن محمد بن سعد به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧/٢ إلى المصنف.