النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ سورة آل عمران : الآية ٤٩ إذا شفاه منه، فهو يُثِئُه إبراءً، وبرَأ المريضُ فهو يَبْرأُ بَرْءًا. وقد يقالُ أيضًا: بَرِئَ المريضُ فهو يَثْرَأُ، لغتانٍ معروفتانِ . واختلف أهلُ التأويلِ فى معنَى الأَكْمَهِ؛ فقال بعضُهم: هو الذى لا يُصِرُ بالليلِ ويُنْصِرُ بالنهارِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَأُبْزِئُ الْأَكْمَهَ﴾. قال: الأكمهُ الذى يُنْصِرُ بالنهارِ ولا يُبْصِرُ بالليلِ، فهو يَتَكَمَّهُ(١) . حدثنى المثنَّى ، قال : ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه . وقال آخرون: هو الأعمى الذى ولَدتْه أمُّه كذلك . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، قال: كُنا نُحَدَّثُ أن الأكمة الذى وُلِد وهو أعمَى، مضمومَ(٢) العينين(١). حدَّثنى المُتِى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن قتادةَ (١) تفسير مجاهد ص ٢٥٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٥/٢ (٣٥٤٤) من طريق أبى عاصم به ، وأخرجه الفريابى - كما فى التعليق ٣٥/٤- من طريق ابن أبى نجيح به . (٢) كذا فى النسخ، ولعلها: ((مغموم)). وكل مغطى فإن العرب تسميه مغمومًا. ينظر ما تقدم فى ١ / ٦٩٨. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٥/٢ عقب أثر (٣٥٤٢) معلقا بنحوه . ٤٢٢ سورة آل عمران : الآية ٤٩ فى قوله: ﴿ وَأُنْزِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ قال: كُنا نُحدَّثُ أن الأكمة الذى وُلِد وهو أعمَى ، مضمومَ العينينِ . حُدِّثتُ عن المِنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: الأكمهُ الذى يُولَد وهو أعمَى (٢). / وقال آخرون: بل هو الأعمَى . ٢٧٧/٣ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: وَأُنْزِئُ الْأَكْمَهَ﴾: هو الأعمَّى(٢) . حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجْ، عن ابنِ جُرَيج، قال : قال ابنُ عباسٍ : الأعمَى(٤) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَأُبْرِثُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأكْمَهُ الأعمَى (٥). حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ ، عن عبّادِ بنِ منصورٍ ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿ وَأُبْرِكُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمَى(١). (١) فى النسخ: ((عن))، وهو إسناد دائر، وينظر ما تقدم فى ١٢١/١. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٥/٢ (٣٥٤٢) من طريق المنجاب به . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٥/٢ عقب الأثر (٣٥٤٢) من طريق عمرو به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٥/٢ (٦٥٤٢، ٦٥٤٣) من طريقين ، عن ابن عباس. (٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢١. (٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٥/٢ عقب الأثر (٣٥٤٢) معلقا . ٤٢٣ سورة آل عمران : الآية ٤٩ وقال آخرون : هو الأعمشُ . ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بنِ أَبَانٍ، عن عِكْرمةَ فى قولِه: ﴿ وَأُتْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قال: الأعمشُ(١). والمعروفُ عندَ العربِ مِن معنَى الكَمَهِ العمَى ، يُقالُ منه : گمِھت عینُه، فھی تَكَمَهُ كمَهًا، وكمَّهْتُها(٢) أنا، إذا أعميتَها، كما قال سويدُ بنُ أبى كاهلٍ(٣) : (٤كمَّهَتْ عَيْنَهُ) حتى ابيضَّتا فهْو يَلْحَى نَفْسَهُ لَّا نَزَعُ ومنه قولُ رؤيةً(٥) : هَرَّحْثُ (١) فارْتَدَّ ارْتِدادَ الأكمَهِ فى غائلاتٍ(٧) الحائِ(٨) المُتَفْتِهِ(٩) وإنما أخبر اللّهُ عزَّ وجلَّ عن عيسى صلواتُ اللهِ عليه أنه يَقُولُ ذلك لبنى إسرائيلَ؛ احتجاجًا منه بهذه العِبَرِ والآياتِ عليهم فى نبوَّتِه، وذلك أن الكَمَةَ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٥/٢ (٣٥٤٥)، وابن الأنبارى فى الأضداد ص ٣٧٨ من طريق حفص بن عمر به . (٢) فى م: ((أكميتها)). (٣) الأضداد لابن الأنبارى ص ٣٧٨، والمفضليات ص ٢٠٠، وشرح اختيار المفضل ٢/ ٩١٠، واللسان ( ك م هـ) . (٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٣: ((كمِهتْ عيناه)). (٥) ديوانه ص ١٦٦. (٦) هرجت : صِحت به . (٧) فى س، ت ١، ت ٣: ((عاملات)). والغائلات : المهلكات الدواهى. (٨) فى الديوان: ((الخائب)). (٩) المتهته : المتردد فى الباطل . ٤٢٤ سورة آل عمران : الآية ٤٩ والبَرَصَ لا علاجَ لهما فيَقْدرَ على إبرائِه ذو طبِّ بعلاج (١) ، فكان ذلك مِن أدلتِه على صِدقٍ قيلِه : إنه للّهِ رسولٌ؛ لأنه مِن المعجزاتِ ، مع سائرِ الآياتِ التى / أعطاه اللّهُ إياها دلالةٌ علی نبوّتِه . ٢٧٨/٣ فأمَّا ما قال عكرمةُ ، مِن أن الكَمَهَ العَمَشُ ، وما قاله مجاهدٌ مِن أنه سوءُ البصرِ بالليلِ ، فلا معنَى لهما ؛ لأن اللّهَ لا يَحْتَجُ على خلقِه بحجةٍ تَكُونُ لهم السبيلُ إلى معارضتِهِ فيها ، ولو كان مما احْتَجَّ به عيسى على بنى إسرائيلَ فى نبوّتِه أنه يُثِرِئُ الأَعْمَشَ ، أو الذى يبصِرُ بالنهارِ ولا يبصرُ بالليلِ، لَقَدّروا على معارضتِهِ بأن [٤١١/١ و] يَقُولوا: وما فى هذا لك مِن الحُجةِ، وفينا خَلْقٌ ممن يُعَالِجُ ذلك وليسوا للّهِ أَنبياءً ولا رسلًا؟ ففى ذلك دلالةٌ بَيِّنَةٌ على صحة ما قلنا مِن أن الأكمَةَ هو الأعمَى الذى لا يُنْصِرُ شيئًا، لا ليلًا ولا نهارًا، وهو بما قال قتادةُ مِن أنه المولودُ كذلك أشبهُ؛ لأن عِلاجَ مثلِ ذلك لا يدَّعيه أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللّهُ مثلَ الذى أعطَى عيسى، وكذلك علاجُ الأبرصِ. القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأُحِىِ الْمَوْقَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾ . وكان إحياءُ عيسى الموتَى بدعاءِ اللّهِ، يَدْعُو لهم، فيَسْتَجيبُ له. كما حدَّثنى محمدُ بنُ سَهلِ بنِ عَشْكَرٍ ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ، قال : ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهِ يقولُ: لمّ صار عيسى ابنَ اثْتَتَىْ عَشْرَةَ سنةً، أَوْحَى اللّهُ إلى أَّه وهى بأرضٍ مصرَ، وكانت هرَبت مِن قومِها حينَ ولَدته إلى أرضِ مصرَ: أن اطلُعِى به إلى الشامِ . ففعَلت الذى أُمِرت به ، فلم (١) فى س: ((يعالج)). ٤٢٥ سورة آل عمران : الآية ٤٩ تَزَلْ بالشامِ حتى كان ابنَ ثلاثين سنةً ، وكانت نبؤَّتُه ثلاثَ سنينَ، ثم رفَعه اللّهُ إليه . قال: وزعَم وَهْبٌ أنه ربما اجتمَع على عيسى مِن المرضَى فى الجماعةِ الواحدةِ خمسون ألفًا ، مَن أطاق منهم أن يَتْلُغَه بلَغه، ومَن لم يُطِقْ منهم ذلك أتاه عيسى يَمْشِى إليه ، وإنما كان يُداوِيهم بالدعاءِ إلى اللّهِ(١) . وأما قولُه: ﴿وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ﴾. فإنه يَعْنى: وأُخبِرُكم بما تَأْكلون ممّا لم أُعايته وأشاهدْه معكم (٢) فى وقتٍ أكلِكُمُوه، ﴿ وَمَا تَذَّخِرُونَ﴾ . یغنی بذلك : وما تَرْفَعونه فتُخَبِّئُونه ولا تَأْكُلُونه. يُعْلِمُهم أن مِن حَُّتِه أيضًا على نبوّتِه - مع المعجزاتِ التى أعلَمهم أنه يأتى بها حُجّةٌ على نُبُوَّتِه وصدقِه فى خبّرِه أن اللّهَ أرسلَه إليهم؛ مِن خلقِ الطيرِ مِن الطينِ، وإبراءِ الأَكْمَهِ والأبرصِ، وإحياء الموتَى بإذنِ اللّهِ ، التى لا يُطِيقُها أحدٌ مِن البشرِ إلا مَن أعطاه اللّهُ ذلك؛ عَلَمًا له على صدقِهِ ، وَآيَةً له على حقيقةِ قولِه، مِن أنبيائه ورسلِه ، ومَن أحبَّ مِن خلقِه - إنباءَه عن الغيبِ الذى لا سبيلَ لأحدٍ مِن البشرِ الذين سبيلُهم سبيلُه ، عليه . فإن قال قائلٌ: وما كان فى قولِه لهم: ﴿ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَذَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ مِن الحجةِ له على صدقِه، وقد رأينا المتَنَجّمةَ والمُكهنةَ تخبر بذلك كثيرًا فتصيبُ ؟ قيل: إن المُنَجِّمَ والمُكَهِّنَ معلومٌ منهما عندَ مَن يُخْبرانِهِ(٢) بذلك أنهما يُنَبِّئانِ . به عن استخراج له ببعضِ الأسبابِ المؤدية إلى علمِه، ولم يَكُنْ ذلك كذلك مِن عيسى صلواتُ اللهِ عليه، ومِن سائرٍ أنبياءِ اللّهِ ورسُلِه، وإنما كان عیسی يُخْبِرُ به عن (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٩٨/١ . (٢) فى س: (( منکم)). (٣) فى النسخ: ((يخبره)). والسياق يقتضى ما أثبت. ٤٢٦ سورة آل عمران : الآية ٤٩ غيرِ استخراجٍ ولا طلبٍ لمعرفتِه باحتيالٍ ، ولكن ابتدَاءً بإعلامِ اللّهِ إياه، مِن غيرٍ أصلٍ تقدَّم ذلك احْتَذَاه، أو بنَى عليه أو فزع إليه، كما يَفْزَمُ المتنجِّمُ إلى حسابِهِ، والمتكهِّنُ إلى رَئِيِّه، فذلك هو الفصلُ بينَ عِلم الأنبياءِ بالغيوبِ وإخبارِهم عنها، وبينَ علمٍ سائرِ المتكذِّبةِ على اللّهِ، أو المدَّعيةِ علمَ(١) ذلك. ٢٧٩/٣ / كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: لما بلَغ عيسى تسعَ سنينَ أو عَشْرًا أو نحو ذلك، أدْخَلَتْه أمُّه الكُتَّابَ، فيما يَزْعُمون ، فكان عندَ رجلٍ مِن المُكْتِينَ يُعَلِّمُه كما يُعَلِّمُ الغِلمانَ، فلا يَذْهَبُ يُعَلِّمُه شيئًا مما يُعَلِّمُه الغلمانَ إِلا بَدَره إلى علمِهِ قبلَ أن يُعَلِّمَه إياه، فيَقُولُ: ألا تَعْجَبون لابنِ هذه الأرملةِ ، ما أَذْهبُ أُعَلِّمُه شيئًا إِلا وَجَدتُه أعلمَ به متّى(٣) . حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن الشُّدِّىِّ: لمّا كَبِر عيسى أسلَمته أمُّه يَتَعَلَّمُ الثَّوْراةَ ، فكان يَلْعَبُ مع الغِلمانِ، غِلمانِ القريةِ التى كان فيها ، فيُحَدِّثُ الغلمانَ بما يَصْنَعُ آباؤهم(٣) . حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيٌ، قال : أخبرنا إسماعيلُ بنُ سالم، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِىِ يُوتِكُمْ﴾ قال : کان عیسی ابنُ مريمَ إِذْ کان فى الكتّابِ يُخبرهم بما يأكلون فی بیوتِهم وما يَدَّخِرون . حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ سالم، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: ﴿ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((على)). (٢) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٤٣٣. ٤٢٧ سورة آل عمران : الآية ٤٩ تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال : إنّ عيسى ابن مريمَ كان يَقولُ للغلام فى الكُتّابِ : يا فلانُ، إِنْ أَهْلُك قد خبَّئوا لك كذا وكذا مِن الطعام، فتُطْعِمُنى (١) منه؟(١) فهكذا فِعْلُ الأنبياءِ وحُجَجُها ، إنما تَأْتِى بما أتتْ به مِن الحُجَج بما قد يُوصَلُ إليه ببعضِ الحِيَّلِ، على غيرِ الوجهِ الذى يَأْتى به غيرُها ، بل مِن الوجهِ الذى يَعْلَمُ الخَلْقُ أنه لا يُوصَلُ إليه مِن ذلك الوجهِ بحيلةٍ إلا مِن قِبَلِ اللهِ . وبنحوِ ما قلنا فى تأويلِ قوله: ﴿وَأَنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُوتِكُمْ﴾. قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال : بما أكَلْتم البارحةَ، وما خِبَأْتُم منه. عيسى ابن مريمَ يَقُولُه(٢) . حدَّثنى المُثَنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه . حدَّثنا [٤١١/١] القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ مجرَيج، قال: قال عطاءُ بنُ أبى رباح، يعنى قوله: ﴿وَأَنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُونَ وَمَا (١) أخرجه سعيد بن منصور (٤٩٩ - تفسير) عن هشيم به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٦/٢ (٣٥٥٠) من طريق إسماعيل به . (٢) تفسير مجاهد ص ٢٥٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٦/٢ (٣٥٤٦، ٣٥٤٩). ٤٢٨ سورة آل عمران : الآية ٤٩ تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ قال: الطعامُ والشىءُ يَدَّخِرونه فى بيوتِهم، غَيْبًا عَلَّمه اللّهُ (١) إياه (١) . حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ فى قوله: ﴿وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُيُوتِكُمْ﴾ قال: ﴿ مَا تَأْكُونَ﴾: ما أكَلتم البارحةَ مِن طعامٍ وما خبّأتم منه . ٢٨٠/٣ حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ، قال : كان - يَعْنى عيسى ابن مريمَ - يُحَدِّثُ الغِلمانَ وهو معهم فى الكُتّابِ بما يَصْنَغُ آباؤهم ، وبما يَرْفَعون لهم، وبما يَأْكُلون، / ويَقُولُ للغلام: انْطَلِقْ فقد رفَع لك أهلُك كذا وكذا ، وهم يَأْكُلون كذا وكذا . فيَتْطَلِقُ الصبىُّ، فيَتْكِى على أهلِه حتى يُعْطُوه ذلك الشىءَ، فيَقُولون له : مَن أخبرك بهذا؟ فيقُولُ: عيسى. فذلك قولُ اللّهِ عَزَّ وجلّ: ﴿وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُيُوتِكُمْ﴾ فحبَسوا صبيانَهم عنه، وقالوا: لا تَلْعَبوا مع هذا الساحرِ. فجمَعوهم فى بيتٍ، فجاء عيسى يَطْلُبُهم، فقالوا : ليس هم هلهنا . فقال: ما فى هذا البيتِ ؟ فقالوا: خنازيرُ. قال عيسى : كذلك يَكُونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازيرُ، فذلك قوله: ﴿ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمُّ﴾ [المائدة: ٧٨]. حدَّثنى محمدُ بنُ سِناٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ، عن عبّادٍ ، عن الحسنِ فى قولِهِ: ﴿ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾. قال: ما تُخَبِّئُون، مخافةً الذى يُمسِكُ (٣أن ٣) يُخْلِفَهِ " . (١) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٤٣٣/٢. (٢) ذكره الثعلبى فى قصص الأنبياء ص ٣٤٩، والبغوى فى تفسيره ص ٤٠، ٤١. (٣ - ٣) فى م: ((أن لا يخلفه شىء)). ٤٢٩ سورة آل عمران : الآية ٤٩ وقال آخرون: إنما عنَى بقولِه: ﴿وَأَنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ : ما تَأْكُلُون مِن المائدةِ التى تَنْزِلُ عليكم، وما تَدَّخِرون منها . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثْنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه : ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَذَّخِرُونَ فِى يُوتِكُمْ﴾: فكان القومُ لمّا سأَلُوا المائدةَ ، فكانت خِوانًا (١) يُنْزِلُ عليه أينما كانوا ثمرًا مِن ثمارِ الجنةِ، فأمَر القومَ أَلَا يَخُونُوا فيه ولا يُخَبِّئوا ولا يَدَّخِروا لغدٍ . بلاءٌ ابتلاهم اللّهُ به، فكانوا إذا فعَلوا مِن ذلك شيئًا أنبأًهم به عيسى ابنُ مريمَ ، فقال: ﴿وَأُنَبِتُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَذَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ قال : أَنْتَّقُكم بما تَأْكُلون مِن المائدةِ وما تَدَّخِرون منها. قال: وكان أخَذ عليهم فى المائدةِ حينَ نزَلت ، أن يَأْكُلوا ولا يَدَّخِروا. فادَّخَروا وخانوا، فجُعِلوا خنازيرَ حينَ ادَّخَروا وخانوا، فذلك قوله: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُ, عَذَابًا لَّآَ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. قال ابنُ يحيى : قال عبدُ الرزاقِ: قال معمرٌ، عن قتادةَ، عن خِلاسٍ بنِ عمرٍو، عن عمارِ بنِ ياسرٍ . وأصلُ ﴿ تَدَّخِرُونَ﴾ مِن الفعلِ (تَفْتَعِلون))، مِن قولِ القائلِ: ذخَرت (١) فى م: ((جرابا)). (٢) بعده فى م: ((ذلك)). والأثر فى تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢١، ١٢٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٦/٢ (٣٥٤٧، ٣٥٤٨) عن الحسن به، وأخرجه الترمذى (٣٠٦١) من طريق قتادة عن خلاس بن عمرو، عن عمار بن ياسر عن النبى معَ لتله بنحوه . ٤٣٠ سورة آل عمران : الآيتان ٤٩ ، ٥٠ الشىءَ. بالذال، فأنا أُذْخَرُه، ثم قيل: يَدَّخِرُ. كما قيل: يَذَّكِرُ. مِن. ذَكَوْتُ الشىءَ. يُرادُ به يَذْتَخِرُ، فلما اجتمَعت الذالُ والتاءُ وهما مُتَقارِبتا المخرج، ثَقُل إظهارُهما على اللسانِ ، فأَدْغِمت إحداهما فى الأخرى، وصُيِّرَتا دالا مشدّدةٌ، صيّروها عَدْلًا بين الذالِ والتاءِ، ومِن العربِ مَن يُغَلِّبُ الذالَ على التاءِ، فَيُدْغِمُ التاءَ فى الذالٍ ، فَيَقُولُ: وما تَذَّخِرون، وهو مُذَّخَرٌ لك، وهو مُذَّكِرٌ. واللغةُ التى بها وُ القراءةُ الأولى، وذلك إدغامُ الذالِ فى التاءِ ، وإبدالُهما دالًا مشددةً، لا يَجُوزُ القراءةُ بغيرِها؛ لتظاهرِ النقلِ مِن القرأةِ بها، وهى اللغةُ الجُودَى، كما قال زُهيرٌ(١) : عَفْوًا وَيُظْلَمُ أحيانا فَيَطَّلِمُ / "إن الكريمَ " الذى يُعْطِيكَ نائلَهُ. ٢٨١/٣ يُروى بالظاءِ، يريدُ: فيَفْتَعِلُ . مِن الظلم، ويُروى بالطاءِ أيضًا . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ٤٩ يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إنَّ فى خَلْقَى مِن الطينِ الطيرَ بإذنِ اللهِ ، وفى إبرائى الأكْمَةَ والأبرصَ، وإحيائى الموتى، وإنبائى إيّاكم بما تَأْكُلون وما تَدَّخرون فى بيوتِكم ، ابتداءً مِن غيرِ حسابٍ وتَنْجِيمٍ ، ولا كهانةٍ وعرافةٍ - لعبرةً لكم ومتفَكّرًا تتفكّرون فى ذلك، فتَعْتَبِرون به أنى محقٌّ فى قولى لكم : إنى رسولٌ مِن ربّكم إليكم. وتَعْلَمون به أنى فيما أَدْعُوكم إليه مِن أمرِ اللّهِ ونهيِهِ صادقٌ. ﴿إِن كُم مُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: إن كنتم مُصَدِّقين حُجَجَ اللّهِ وآياتِه، مُقرِّين بتوحيدِه، ونبيِّه موسى والتوراةِ التى جاءَكم بها . القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيَْ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ (١) شرح ديوانه ص ١٥٢. (٢ - ٢) فى الديوان: ((هو الجواد)). ٤٣١ سورة آل عمران : الآية ٥٠ بَعْضَ اُلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه : وبأنى قد جثْتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم ، وجثْتُكم مصدِّقًا لِما بينَ يَدَىَّ مِن التوراةِ . ولذلك نصَب ﴿ مُصَدِّقًّا﴾ على الحالِ مِن ﴿جِئْتُكُ﴾ . والذى يَدُلُّ على أنه نُصِب على قولِه: ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾ دونَ العطفِ على قولِه : ﴿وَجِيهًا﴾ قولُه: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ﴾ ولو كان عطْفًا على قولِه : ﴿َوَجِيهًا﴾، لكان الكلامُ: ومصدِّقًا لما بينَ يديْه مِن الثَّوْرةِ، ولِيُحِلَّ لكم بعضَ الذى حُرِّم عليكم . وإنما قيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيَْ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ﴾. لأن عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه كان مؤمنًا بالتوراةِ مقِرًّا بها ، وأنها مِن عندِ اللَّهِ ، وكذلك الأنبياءُ، كلُّهم يُصَدِّقون بكلِّ ما كان قبلَهم من كتبِ اللَّهِ ورسلِه، [٤١٢/١ و] وإن اختلَف بعضُ شرائع أحكامِهم ؛ لمخالفةِ اللهِ بينهم فى ذلك، مع أنَّ عيسى كان - فيما بلَغَنا - عاملًا بالتوراةِ لم يخالفْ شيئًا مِن أحكامِها، إلا ما حقَّف اللَّهُ عن أهلِها فى الإنجيلِ مّا كان مشدَّدًا عليهم فيها . كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الكريم، قال : ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعقِلٍ، أنه سمِعٍ وَهْبَ بنَ مُنِّهِ يقولُ : إن عيسى كان على شريعةٍ موسى ، صلَّى اللَّهُ عليهما وسلَّم، وكان يَشْبِتُ ويَسْتَقبِلُ بيتَ المقدسِ ، فقال لبنى إسرائيلَ : إنى لم أَدْعُكم إلى خلافٍ حرفٍ مما فى التوراةِ ، إلا لأحِلٌّ لكم بعضَ الذى حُرِّم عليكم، وأَضَعَ عنكم مِن الآصارِ(١) . حدَّثنى بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَمُصَدِّقًّاً لِّمَا بَيْنَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥/٢ إلى المصنف. ٤٣٢ سورة آل عمران : الآية ٥٠ . يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيَكُمْ﴾: كان الذى جاء به عيسى أَلْيَنَ مما جاء به موسى ، وكان قد حُرِّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبلِ والثّروبُ (١)، وأشياءُ مِن الطيرِ والحِيتانِ(١). حدَّثنى المُثَنِى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبِيعِ فى قولِهِ: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كان الذى جاء به عيسى ألينَ مما جاء به موسى. قال: وكان محُرِّم عليهم فيما جاء به موسى مِن التوراةِ لحومُ الإِبلِ والتّروبُ، فأخَلَّها لهم على ء لسانٍ عيسى - وحُرِّمَت عليهم الشحومُ، وأُحِلَّت لهم فيما جاء به عيسى - وفى أشياءَ مِن السمكِ، وفى أشياءَ مِن الطيرِ، مما لا صِيصِيَةً(١) له، وفى أشياءَ حرَّمها عليهم ، وشدَّدها عليهم ، فجاءَهم عيسى بالتَّخفيفِ منه فى الإنجيل ، فكان الذى جاء به عيسى ألْينَ مِن الذى جاء به موسى صلواتُ اللهِ عليه(٤) . حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حَجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيج قولَه: ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ اَلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: لحومُ الإبلِ والشحومُ، لَمّ يُعِث عيسى أَحَلَّها لهم، ويُعِث إلى اليهودِ فاخْتَلَفوا وتفَّقوا (*). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿ وَمُصَدِّقًّا لِمَا بَيَْ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَةِ﴾. أىْ: لِما سبَقَنى منها، (١) الثُّروب: جمع الثَّرب، وهو شحم رقيق يُغَشِّى الكَرِش والأمعاء، وقيل: هو الشحم المبسوط على الأمعاء والمصارين . تاج العروس (ث رب). (٢) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٤٣٥/٢. (٣) فى ت ٢، س: ((صيصة)). والصِّيصِيَة: شوكة الديك التى فى رجليه. تاج العروس (ص ی ص). (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٥٧، ٦٥٨ (٣٥٥٧) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به. (٥) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٤٣٥/٢. ٤٣٣ سورة آل عمران : الآيتان ٥٠، ٥١ ﴿ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. أى: أَخْبِرُكم أنه كان حرامًا عليكم فترَكْتُموه، ثم أُحِلُه لكم تَخْفيفًا عنكم، فتُصِيبون يُسْرَه، وتَخْرُجون مِن تِبَاعَتِه(١). حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفىُّ ، عن عبَادٍ ، عن الحسن : ﴿ وَلِأُحِلَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال: كان محُرِّم عليهم أشياءُ، فجاءهم عيسى ليُحِلُّ لهم الذى حُرِّم عليهم ، يَبْتَغِى بذلك شُكْرَهم(٢) . القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِنْ زَّبِّكُمِّ﴾ . يعنى بذلك: وجئتُكم بحُجَّةٍ وعِبْرةٍ مِن ربِّكم، تَعْلَمون بها حقيقةَ ما أقولُ لكم . كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم ، عن عيسى، عن ابنٍ أبى تَجيح، عن مجاهدٍ : ﴿وَجِئْتُكُم بِنَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قال : ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلِّها، وما أعطاه رُّه(٣) . حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ ، قال : ثنا شِبلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن مُجاهدٍ : ﴿ وَجِئْتُكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾: ما بيَّن لهم عيسى مِن الأشياءِ كلِّها . ويعنى بقوله: ﴿مِّنْ زَّبِّكُمٌّ﴾ : مِن عندِ ربِّكم . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ ٥٠ (١) التبعة والتباعة. ما فيه إثم يُتبع به. يقال: ما عليه من اللَّه فى هذا تبعة ولا تباعة. ينظر تاج العروس (ت ب ع). والأثر فى سيرة ابن هشام ٥٨١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٧/٢ (٣٥٥٥) من طريق سلمة عن ابن إسحاق قوله . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٧/٢ (٣٥٥٦) من طريق أبى بكر الحنفى به . (٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٨/٢ (٣٥٥٨). ( تفسير الطبرى ٢٨/٥ ) ٤٣٤ سورة آل عمران : الآيتان ٥٠، ٥١ ٥١ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ٢٨٣/٣ يعنى بذلك: وجئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم تَعْلَمون بها يقينًا صدقى فيما أقولُ ، فاتَّقُوا اللّهَ يا معشرَ بنى إسرائيلَ فيما أمَرَّكم به ونهاكم عنه فی کتابِه الذى أُنْزَله علی موسى، فأَوْفُوا بعهدِه الذى عاهَدْتُمُوه فيه، وأطِيعونى/ فيما دعَوْتُكم إليه مِن تَصْدِیقی فیما أرْسَلَنى به إليكم ربى وربّكم ، فاعْبُدوه ، فإنه بذلك أَرْسَلَنى إليكم ، وبإخلال بعضٍ ما كان مُحَرَّمًا عليكم فى كتابِكم، وذلك هو الطريقُ القَويمُ، والهَدْىُ المتينُ الذى لا اْوِجاجَ فيه . كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلمةُ ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ﴾: تَبَرِّيًا مِن جعفرِ بنِ الزبيرِ: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (@) الذى يَقولون فيه - يعنى : ما يَقولُ فيه النصارى - واخْتِجاجًا لربِّه عليهم. فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أى: هذا الذى قد حمَلْتُكم عليه وجئتُكم به (١) . واخْتَلَفَ القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ﴾ ؛ فقرأَتْه عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبٍِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ﴾ بكسرٍ ألفِ ﴿إِنَّ﴾. على ابتداءِ الخبرِ . وقرَأَه بعضُهم: (أنَّ اللّهَ رَبِّى وَرَبُّكُم). بفتح ألفٍ (أنَّ)(١) ، بتأويلٍ: وجئتكم بآيةٍ مِن ربِّكم أن اللّهَ ربى وربُّكم. على ردِّ ((أن)) على ((الآيةِ))، والإبدال منها . (١) سيرة ابن هشام ٥٨١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٨/٢ (٣٥٦٠، ٣٥٦٢)، من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق قوله . (٢) قال ابن خالويه فى مختصر الشواذ ص ٢٧: بالفتح، الأخفش عن بعض القراء. وينظر المحرر الوجيز لابن عطية ٢ / ٤٣٦، والبحر المحيط ٢/ ٤٦٩. ٤٣٥ سورة آل عمران : الآيتان ٥١، ٥٢ والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا ما عليه قَرأَةُ الأمصارِ، وذلك كسرُ ألفٍ ﴿إِنَّ﴾ . على الابتداءِ؛ لإجماع الحُبَّةِ مِن القرأةِ على صحةِ ذلك، وما اجْتَمَعَت عليه فحُجَّةٌ ، وما انْفَرَد به المنفَرِدُ عنها فرأَىٌ، ولا يُعْتَرَضُ بالرأيِ على الحُجَّةِ . وهذه الآيةُ، وإن كان ظاهرُها خبرًا، ففيه الحجةُ البالغةُ مِن اللّهِ الرسولِه محمدٍ عَّهِ، على الوفدِ الذين حامجوه مِن أهلِ تَجْرَانَ، بإخبارِ اللهِ عزَّ وجلَّ عن أن عيسى كان بريئًا مما نسَبه إليه مَن نسَبه إلى غيرِ الذى وصَف به نفسَه، مِن أنه للّهِ عبدٌ كسائرٍ عبيدِه مِن أهلِ الأرضِ، إلا ما كان اللهُ جلَّ ثناؤُه [٤١٢/١ظ] خصَّه به مِن النبوةِ والحُجَج التى آتاه دليلًا على صدقِه - كما آتَى(١) سائرَ المرسَلين غيرِهِ مِن الأعلامِ والأدلةِ على صدقِهم - " وحُجَّةً على نبوته) . القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَفَّآ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٥٢ يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: فلمَّا وجَد عیسی منهم الكفرَ . و ((الإِحساسُ)) هو الوجودُ، ومنه قولُ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ [ مريم: ٩٨]. فأما ((الحسُ)) بغيرِ ألفٍ، فهو: الإفناءُ والقتلُ، ومنه قولُه: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ،﴾ [آل عمران: ١٥٢]. و((الحَسُّ)) أيضًا: العطفُ والرّقةُ. ومنه قولُ (١) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((أن)). (٢ - ٢) فى م: ((الحجة على نبوتهم)). ٤٣٦ سورة آل عمران : الآية ٥٢ الكُمَيْتِ(١) : هل مَن بكَى الدارَ رَاج أن تَحِسَّ له أو يُتْكِىَ الدارَ ماءُ العَبْرَةِ الْخَضِلُ يعنى بقولِه : أن تَحَسَّ له : أن تَرِقَّ له . ٢٨٤/٣ فتأويلُ الكلام : فلمَّا وجَد عيسى مِن بنى إسرائيلَ الذين أرْسَله اللّهُ إليهم ، جحودًا لنبوتِه، وتكذيبًا / لقولِه، وصدًّا عمّا دعاهم إليه مِن أمرِ اللهِ ، قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللّهِ ﴾ يعنى بذلك: قال عيسى: مَن أَعْوانى على المكذِّبين بحجةِ اللهِ، والمُؤَلِّين عن دينِهِ، والجاحدِين نبوةً نبيِّه ، إلى اللهِ عزَّ وجلَّ؟ ويعنى بقوله: ﴿ إِلَى اللهِ ﴾: مع اللهِ. وإنما حَسُن أن يُقالَ: ﴿إِلَى اللهِ ﴾. بمعنى: مع اللهِ؛ لأن مِن شأنِ العربِ إِذا ضمُوا الشىءَ إلى غيرِهِ ، ثم أرادوا الخبرَ عنهما بضمِ أحدِهما مع الآخرِ إذا ضُمَّ إليه ، جعَلوا مكانَ (( مع)) ((إلى)) أحيانًا، وأحيانًا تُخْبِرُ عنهما بـ((مع))، فتقولُ: الذَّوْرُ(٣) إلى الذودِ إبلٌ. بمعنى: إذا ضمَمْتَ الذَّوْدَ إِلى الذودِ صارت إبلًا. فأما إذا كان الشىءُ مع الشىءٍ لم يَقُولوه بـ((إلى))، ولم يَجْعَلوا مكانَ (( مع)) ((إلى))، غيرُ جائزٍ أن يُقالَ : قدِم فلانٌ وإليه مالٌ . بمعنى: ومعه مالٌ . وبمثلٍ ما قلْنا فى تأويلٍ قوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾ قال جماعةٌ (١) شعر الكميت بن زيد الأسدى ١٢/٢. (٢) الخضل: کل شیء نَدٍ یترشّش من نداه فهو خضل، وقد خضل الثوب دمعُه : ◌َلَّه. اللسان (خ ض ل). (٣) الدَّوْد: ثلاثة أبعرة إلى التسعة. وقيل: إلى العشرة. وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة. وقيل: من ثلاث إلى العشرين وفويق ذلك. وقيل: ما بين الثلاث إلى الثلاثين أو مابين الثنتين إلى التسع. تاج العروس (ذ و د). ٤٣٧ سورة آل عمران : الآية ٥٢ مِن أهلِ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن الشُّدِّىِّ قولَه: ﴿ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ ﴾ يقولُ: مع اللّهِ(١). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ مجرَيْجِ: ﴿ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللهِ﴾ يقولُ: مع اللهِ(١). وأما سببُ استِنْصارِ عيسى عليه السلامُ مَن اسْتَنْصَرَ مِن الحَوارِيِّين، فإنَّ بینَ أهلِ العلم فيه اختلافًا؛ فقال بعضُهم: كان سبب ذلك ما حدَّثنی به موسى ابنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسْباطُ، عن الشّدِّىِّ: لمّ بعَث اللهُ عيسى ، فأمَرّه بالدعوةِ، نفَتْه بنو إسرائيلَ وأُخْرَجوه، فخرَج هو وأمُّه يَسِيحون فى الأرضِ، فنزَل فى قريةٍ على رجلٍ، فضافَهم وأحْسَن إليهم، وكان لتلك المدينةِ ملكٌ جبارٌ مُعْتَدٍ، فجاء ذلك الرجلُ يومًا وقد وقَع عليه هَمِّ وحُزْنٌ، فدخَل منزلَه ومَرْتَمُ عندَ امرأتِه، فقالت مريمُ لها: ما شأنُ زوجِك؟ أراه حَزينًا ! قالت : لا تَشْأَلَى. قالت : أَخْبِرينى لعل اللهَ يُفَرِّجُ كُوْبتَه. قالت: فإن لنا مَلِكًا يَجْعَلُ على كلِّ رجلٍ منا يومًّا يُطْعِمُه هو وجنودَه، ويَسْقِيهم مِن الخمرِ ، فإن لم يَفْعَلْ عاقَبَه، وإنه قد بلغت نَوبتُهُ اليومَ الذى يُرِيدُ أن يَصْنَعَ له فيه، وليس لذلك عندَنا سَعَةٌ . قالت: فقولى له: لا يَهْتَمُ، فإنى آمُرُ ابنى فيَدْعُو له فيُكْفَى ذلك. قالت مريم لعيسى فى ذلك، قال عيسى: يا أُمَّهْ، إنى إن فعَلْتُ كان فى ذلك شَرٌّ. قالت : فلا تُبالٍ ، فإنه قد أُحْسَن إلينا وأَكْرَمَنا. قال عيسى: فقولى له : إذا اقْتَرَب ذلك، (١) ينظر المحرر الوجيز ٤٣٧/٢. ٤٣٨ سورة آل عمران : الآية ٥٢ فامْلَةٌ قُدورَك وخَوابِيَكُ(١) ماءً، ثم أعْلِمْنى(٢). فلمَّا مَلَأهن أَعْلَمه، فدعا اللّهَ، فتحَوَّل ما فى القدورِ لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما فى الخَوابى خمرًا، لم يَرَ الناسُ مثلَه قطُّ ، وآتاه طعامًا٢ ، فلمَّا جاء المَلِكُ أكّل، فلما شرب الخمرَ سأَل : مِن أين هذا الخمر؟ قال له: هى مِن أرضٍ كذا وكذا. قال المَلِكُ : فإن خمرى أُوتَى بها مِن تلك الأرضِ، فليس هى مثلَ هذه. قال: هى مِن أرضٍ أُخرى. فلما خلَّط على المَلَكِ، اشْتَدَّ عليه، قال: فأنا أُخْبِرُك، عندى غلامٌ لا يَسْأَلُ اللهَ شيئًا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله، فجعَل الماءَ خمرًا. قال الملكُ، وكان له ابنٌ يُرِيدُ أن يَسْتَخْلِفَه، فمات قبلَ ذلك بأيام، وكان أحبَّ الخلقِ إليه، فقال: إن رجلًا دعا اللّهَ حتى / جعَل الماءَ خمرًا، لَيُسْتَجابَنَّ له حتى يُحْيِىَ ابنى. فدعا عيسى فكلَّمه، فسأله أن يَدْعُوَ اللهَ فيُخْبِىَ ابنَه، فقال عيسى: لا تَفْعَلْ، فإنه إن عاش كان شًا . فقال الملكُ: لا أُبالى أليس أراه؟ فلا أُبالى ما كان. فقال عيسى عليه السلامُ: فإن أحْبَيْتُه تَتْرُكونى أنا وأمى نَذْهَبُ أينَما شِئْنا؟ قال الملكُ: نعم. فدعا اللهَ، فعاش الغلامُ. فلمَّا رآه أهلُ مَمْلكتِه قد عاش، تَنادَوْا بالسّلاح. وقالوا : أكَلَنا هذا، حتى إذا دنا موتُه يريدُ أن يَسْتَخْلِفَ ابنَه، فَيَأْكُلَنا كما أكَلَنا أبوه! فاقْتَتَلوا . وذهَب عيسى وأمُّه، وصحِبهما يَهودٌّ، وكان مع اليهودىِّ رَغيفان، ومع عيسى رغيفٌ، فقال له عيسى : شارِكْنى. فقال اليهودىُّ: نعم. فلما رأَى أنه ٢٨٥/٣ (١) الخوابى، جمع خابية، وهى الجرّة الكبيرة، تركوا همزتها كما تركوا همزة البَريَّة، والذّرية تخفيفا لكثرة الاستعمال. تاج العروس (خ ب أ). (٢) بعده فى ص، م، ت ١، س: ((قال)). (٣ - ٣) سقط من: ت ١، س. ٤٣٩ سورة آل عمران : الآية ٥٢ ليس مع عيسى إلا رغيفٌ نَدِم. فلمَّا ناما جعَل اليهودىُّ يرِيدُ أن يَأْكُلَ الرغيفَ ، فلما أكَل لُقْمةً قال له عيسى: ما تَصْنَعُ؟ فيقولُ: لا شىءَ . فيَطْرَحُها ، حتى فرَغْ مِن الرغيفِ كلِّه. فلما أصْبَحا قال له عيسى: هَلُمَّ طعامَك. فجاء برغيفٍ ، فقال له عيسى : أين الرغيفُ الآخرُ؟ قال: ما كان معى إلا واحدٌ . فسكت عنه عيسى . فانْطَلَقوا، فمرُوا براعى غنم ، فنادَى عيسى: يا صاحبَ الغنم، [٤١٣/١ و] أُجْزِرْنا شاةً مِن غنمِك. قال : نعم، أَرْسِلْ صاحبَك يَأْخُذْها. فأرْسَل عيسى اليهودىَّ، فجاء بالشاةِ ، فذبَحوها وشوَوْها، ثم قال لليهودىِّ: كلْ ولا تَكْسِرْ عظمًا . فأكَلا، فلما شبِعوا قذَف عيسى العظامَ فى الجلدِ ، ثم ضرَبها بعصاه، وقال : قومى بإذنِ اللهِ. فقامت الشاةُ تَثْغُو(١) ، فقال: يا صاحبَ الغنم، خُذْ شاتَك. فقال له الراعى : مَن أنت؟ قال: أنا عيسى ابنُ مريمَ. قال: أنت الساحر! وفرّ منه . قال عيسى لليهودىِّ: بالذى أحيا هذه الشاةَ بعدَ ما أكَلْناها، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فمرُوا بصاحبٍ بقرٍ، فنادَى عيسى، فقال: يا صاحبَ البقرِ، أَجْزِرْنا مِن بقرِك هذه عِجْلًا. قال: ابْعَثْ صاحبَك يَأْخُذْه. قال: انْطَلِقْ يا يهودىُّ فجِئْ به. فانْطَلَق فجاء به . فذبحه وشوَاه ، وصاحبُ البقرِ يَنْظُرُ، فقال له عيسى: كُلْ ولا تَكْسِرْ عظمًا. فلمَّا فَرَغوا قَذَّف العِظامَ فى الجلدِ ، ثم ضرَبه بعصاه، وقال : قُمْ بإذنِ اللهِ . فقام وله خُوارٌ. قال: خُذْ عجلَك. قال: ومَن أنت؟ قال: أنا عيسى. قال: أنت السَّخَّارُ! ثم فرَّ منه . قال اليهودىُّ: يا عيسى أُخْيَيْتَه بعدَ ما أكَلْناه ! قال عيسى : فبالذى أُحْيَا الشاةَ بعدَ ما أكَلْناها، والعجلَ بعدَ ما أكَلْناه، كم كان معك رغيفًا؟ فحلَف (١) الثُّغاء: صوت الشاء والمعز وما شاكلها، وقد ثَغا يثغو وثَغَت تَنْغو ثُغاء: أى صاحت. اللسان (ث غ و). ٤٤٠ سورة آل عمران : الآية ٥٢ باللّهِ ما كان معه إلا رغيفٌ واحدٌ. فَانْطَلَقا حتى نزَلا قريةٌ، فنزَل اليهودىُّ أعلاها، وعيسى فى أسفلِها، وأُخَذ اليهودىُّ عصا مثلَ عصا عيسى (١)، وقال: أنا الآن أُحْيِى الموتى. وكان مَلِكُ تلك المدينةِ مريضًا شديدَ المرضِ، فانْطَلَق اليهودىُّ يُنادِى: مَن يَبْتَغِى طبيبًا. حتى أتى مَلِكَ تلك القريةِ، فَأُخْبِرِ بوَجَعِه، فقال: أدْخِلونى عليه، فأنا أُبْرِثُه، وإن رأَيتُموه قد مات فأنا أُعْبِيه. فقيل له : إن وجَعَ الملكِ قد أعْيا الأطِباءَ قبلَك، ليس مِن طبيبٍ يُداوِيه ولا يُفِىءُ(١) دواؤه شيئًا إلا أُمر به فصُلِب. قال: أَدْخِلونى عليه، فإنى سأثرُه. فأُذْخِل عليه، فأخَذ برِجْلِ المَلِكِ، فضرَبه بعصاه حتى مات، فجعَل يَضْرِبُه بعصاهُ وهو ميتٌ، ويقولُ : قُمْ بإذنِ اللّهِ . فأُخِذ ليُصْلَبَ، فبلَغ عيسى، فَأَقْبَل إليه، وقد رُفِع على الخشبةِ، فقال: أرْئْتُم إن أَخْتَيْتُ لكم صاحبَكم أتَتْوُكون لى صاحبى؟ قالوا: نعم. فأخْيا اللهُ المَلِكَ لعيسى، فقام وأُنْزِل اليهودىُّ، فقال اليهودىُّ(٣): يا عيسى، أنت أعْظَمُ الناسِ علىَّ مِنَّةٌ، واللهِ لا أُفارِقُك أبدًا (٤). : قال عيسى - فيما حدَّثنا / به محمدُ بنُ الحسينِ بنِ موسى ، قال : ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ قال: ثنا أسْباطُ، عن الشُّدِّىِّ - لليهودىِّ: أَنْشُدُك بالذى أحْيَا الشاةَ والعِجلَ بعدَ ما أكَلْناهما، وأخْيَا هذا بعدَ ما مات، وأَنْزَلَك مِن الجِذْعِ بعدَ ما رُفِعْتَ (١) عليه لتُصْلَبَ ، كم كان معك رغيفًا؟ قال : فحلَف بهذا كلِّه، ما كان معه ٢٨٦/٣ (١) فى س: ((موسى)). (٢) فى مصدر التخريج: ((يغنى)). وأصل الفَىء: الرجوع، وقيده بعضهم بالرجوع إلى حالة حسنة. تاج العروس (ف ی أ) . (٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٣، س . (٤) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٣٩٦/٤٧، ٣٩٧ من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط ، عن السدى ، عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس . (٥) فى ص، ت ٢: ((رفعك)).