النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة آل عمران : الآية ٤٤
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]. ثم جمع جمیعَ ذلك تعالی ذکرُه
بقولِه ﴿ ذَلِكَ﴾. فقال: هذه الأنباءُ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. أى: مِن أخبارِ الغيبِ.
ويعنى بـ ((الغيبِ ))، أنها مِن خفيّ أخبارِ القومِ التى لم تَطَّلِعْ أنت يا محمدُ عليها ولا
قومُك، ولم يَعْلَمْها إلا قليلٌ مِن أحبارِ أهلِ الكتابَين ورُهبانِهم.
ثم أخْبَر تعالى ذكرُه نبيّه محمدًا عَ لِ أنه أَوْحَى ذلك إليه حُجَّةٌ على نبؤَّتِه،
وتحقيقًا لصدقِه، وقطعًا منه به عذرَ مُْكِرِى رسالتِه مِن كفَّارٍ أهل الكتابَين الذين
يعلمون أن محمدًا لم يَصِلْ إلى علم هذه الأنباءِ معَ خفائِها ، ولم يُدْرِكْ معرفتها معَ
خمولِها (١) عندَ أهلِها، إلا بإعلام اللهِ ذلك إيَّه، إذ كان معلومًا عندَهم أن
محمدًا بَائِهِ أُمِّيٌ لا يَكْتُبُ فيقْرَأَ الكتبَ ، فَيَصِلَ إلى علم ذلك مِن قِبَلِ الكتبِ ، ولا
صاحَب أهلَ الكتبِ فيأخُذَ علمَه مِن قِبَلِهم .
وأمّا (( الغیبُ )) فمصدرٌ مِن قول القائل : غاب فلانٌ عن کذا ، فهو يَغِيبُ عنه
غَيْبًا وغَيْبَةً .
وأمَّا قولُه: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾. فإن تأويلَه: نُنَزَّلُه إليك .
وأصلُ الإيحاءِ إلقاءُ المُوحِى إلى المُوحَى إليه، وذلك قد يكونُ بكتابٍ،
وإشارةٍ وإيماءٍ، وبإلهامٍ، وبرسالةٍ، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى.
النَّحْلِ﴾ [ النحل: ٦٨] بمعنى: ألقَى ذلك إليها فألهمها. وكما قال: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ
إِلَى الْحَوَارِدْكِنَ﴾ [المائدة: ١١١] بمعنى: ألقيتُ إليهم عِلمَ ذلك إلهامًا، وكما قال
(٢)
الراجزُ(٢) :
(١) فى س: ((شمولها)).
(٢) هو العجاج، والرجز فى ديوانه ص ٢٦٦.
( تفسير الطبرى ٢٦/٥ )

٤٠٢
سورة آل عمران : الآية ٤٤
أَوْحَى (١) لها القَرارَ فَاسْتَقَرَّتِ
/ بمعنى: ألقَى إليها ذلك أمرًا. وكما قال جلّ ثناؤه: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن
سَبِّحُواْ بَكْرَةٌ وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] بمعنى: فألقى ذلك إليهم إيماءً(١).
٢٦٧/٣
والأصلُ فيه ما وصَفتُ مِن إلقاءِ ذلك إليهم، وقد يكونُ إلقاؤه ذلك إليهم
إيماءً، ويكونُ بكتابٍ ، ومِن ذلك قولُه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ﴾
[ الأنعام: ١٢١]: يُلْقُون إليهم ذلك وسوسةً. وقولُه: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَكُمْ
◌ِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]: أَلْقِى إلىّ بمجىءٍ جبريل عليه السلامُ به إلىَّ مِن عندِ اللهِ
عزّ وجلّ .
وأمَّا الوحى، فهو الواقعُ مِن المُوحِى إلى المُوحَى إليه، ولذلك سمَّت العربُ
الخَطَّ والكتابَ وحيًا؛ لأنه واقعٌ فيما كُتِب ثابتٌ فيه، كما قال كعبُ بنُ زُهيرٍ () :
أَتَّى العُجْمَ والآفاقَ منه قصائدٌ
يَقِينَ بَقَاءَ الوَحْىِ فى الحَجَرِ الأَصَمّ
يعنى به الكتابَ الثابتَ فى الحَجَرِ. وقد يقالُ فى الكتابِ خاصَّةٌ إذا كتبه
الكاتبُ : ((وَحَى))، بغيرِ ألفٍ، ومنه قولُ رُؤْبَةً(٤):
كأنه بَعْدَ رِياحِ تَذْهَمُهْ
ومُؤْثَعِنَّاتِ الدُّمجونِ(٥) تَئِمُهُ(٦)
(١) فى الديوان: (( وحى)).
(٢) فى النسخ: (( أيضًا)). والمثبت هو الصواب.
(٣) ديوانه ص ٦٤.
(٤) ديوانه ص ١٤٩.
(٥) مرتعنات الدجون: المطر الكثير الدائم. اللسان (ر ث ع ن، د ج ن).
(٦) الوَثْم: الضرب . اللسان (و ث م).

٤٠٣
سورة آل عمران : الآية ٤٤
إنجيلُ أحبارٍ(١) وَحَى مُنَمِمُهُ(٢)
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
يعنى جل ثناؤه بقوله : ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾: وما كنتَ يا محمدُ عندَهم
فَتَعْلَمَ ما نُعَلِّمُكَه مِن أخبارِهم التى لم تَشْهَدْها ، ولكنك إنما تُعَلَّمُ ذلك فتُدْرِكُ معرفته
بتعریفِناگه .
ومعنى قوله: ﴿ لَدَيْهِمْ﴾: عندهم .
ومعنى قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾: حينَ يُلْقون أقلامَهم .
وأمَّا (( أقلامُهم)) فسهامُهم التى اسْتَهَم بها المستهِمون مِن بنى إسرائيلَ على
كَفَالةِ مريمَ، على ما قد بيًّّا قبلُ فى قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٧].
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا هشامٌ، عن(٤) عمرٍو، عن(٥) سعيدٍ،
عن قتادةَ فى قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾. يعنى محمدًا [٤٠٨/١ظ]ِ عَه١.
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبى
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾: زكريا وأصحابُه اسْتَهَموا بأقلامِهم
(١) فى ص، س: ((توراة)).
(٢) التَّمْنَمَة: خطوط متقاربة قصار شبه ما تُنَعْنِم الريح دُقاق التراب، وكتاب مُنَمْنَم: مُنَفَّش. اللسان (ن م م).
(٣) تقدم فى ص ٣٤٥، ٣٤٦.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بن)). وسيأتى على الصواب فى ٣١٨/٥، ١٨١/٩، ٨٠/١١.
(٥) فى س: ((بن)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/٢ إلى المصنف.

٤٠٤
سورة آل عمران : الآية ٤٤
على مريمَ حينَ دخَلت عليهم(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
٢٦٨/٣
حدَّثنا بِشرٌّ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمَا كُنْتَ
لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ / أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يَخْتَصِمُونَ﴾: كانت مريمُ ابنةَ إمامِهم وسيِّدِهم، فتشاعَ عليها بنو إسرائيلَ ، فاقْتَرعوا
فيها بسهامِهم أيُّهم يَكْفُلُها، فقرَعهم زكريا، وكان زوجَ أختِها، فكفَلها زكريا،
يقولُ : ضمَّها إليه(١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾. قال: تساهَموا على مريمَ أَيُّهم يَكْفُلُها،
فقرَعهم زكريا(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ
مَرْيَمٌ ﴾: وإن مريمَ لمَّا وُضِعت فى المسجدِ، اقْتَرع عليها أهلُ المُصَلَّى وهم يكتُبون
الوحىّ، فاقْتَرعوا بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُها، فقال اللهُ عز وجل لمحمدٍ عَلَّهِ: ﴿ وَمَا
كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ
يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤).
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥٢، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق (ص ٣٤٨، ٣٤٩ - تراجم النساء).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٠/٢ (٣٥١٠) من طريق شيبان ، عن قتادة .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١ / ١٢١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٩/٢ (٣٥٠٢) عن الحسن بن یحیی به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٩/٢ (٣٥٠١) عن محمد بن سعد به .

٤٠٥
سورة آل عمران : الآية ٤٤
محُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخبَرَنا عُبَيْدٌ ، قال: سمِعتُ
الضّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ : اقْتَرعوا
بأقلامِهم أيُّهم يَكْفُلُ مريمَ ، فقرَعهم زكريا .
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَنَفِىُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ فى
قولِه: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ﴾. قال: حيثُ اقترَعوا على مريمَ ،
وكان غيبًا عن محمدٍ عَ لِ حين أخبرَه اللهُ.
وإنما قيل: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾. لأن إلقاءَ المستهمين أقلامَهم على مريمَ إنما
كان لِيَنْظُروا أيُّهم أوْلَى بكفالتِها وأحقُّ. ففى قولِه عز وجل: ﴿ إِذْ يُلْقُونَ
أَقْلَمَهُمْ﴾. دلالةٌ على محذوفٍ مِن الكلامِ، وهو: لِينظُروا أيُّهم يَكْفُلُ، ولِيَتَبِيّنوا
ذلك ويَعْلَموه .
فإن ظنَّ ظانٌّ أن الواجبَ فى ﴿أَيُّهُمْ﴾ النصبُ ، إذ كان ذلك معناه ، فقد ظنَّ
خطأً ، وذلك أن النظرَ والتبيّنَ والعلمَ مع ((أىّ)) يَقْتَضِى استفهامًا واستخبارًا، وحظُّ
((أى)) فى الاستخبارِ الابتداءُ، وبُطولُ عمَلِ المسألةِ والاستخبارِ عنه . وذلك أن معنى
قولِ القائل: لأُنْظُرَنَّ أَيُّهم قام: لأَسْتَخْبِرَنَّ الناسَ أَيُّهم قام. وكذلك قولُهم:
لأَعْلَمَنَّ.
وقد دَلَّلْنا فيما مضى قبلُ أن معنى ((يَكْفُلُ)): يَضُمُ، بما أَغْنَى عن إعادتِه فى هذا
(١)
الموضعِ().
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٣٤٥ وما بعدها.
٤٤٦

٤٠٦
سورة آل عمران : الآيتان ٤٤، ٤٥
يعنى بذلك جل ثناؤُه: وما كنتَ يا محمدُ عندَ قومٍ مريمَ إذ يَخْتَصِمون فيها
أيّهم أحقُّ بها وأَوْلَى. وذلك مِن اللهِ عزّ وجلّ وإن كان خطابًا لنبِّه عَلِ، فتوبيخٌ منه
عزّ وجلّ للمكذِّبين به مِن أهلِ الكتابَين. يقولُ: كيفَ يَشُكُّ أهلُ الكفرِ بك منهم
وأنت تُنِْئُهم هذه الأنباءَ ولم تَشْهَدْهم(١) ، ولم تكنْ معَهم يومَ فعَلوا هذه الأمورَ،
ولستَ ممّن قرأ الكتبَ فعلِم نبأَهم ، ولا جالَس أهلَها فسمِع خبرَهم.
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبَيْرِ: ﴿ وَمَا كُنتَ ا لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أى: ما كنتَ معَهم إذ
يختصِمون فيها. يُخْبِرُه بخفىّ ما كتَموا منه مِن العلم عندَهم ؛ لتحقيقِ نبوَّتِه ،
والحُتَّةِ عليهم لما يأتيهم به مما أخفَوْا منه(٢).
٢٦٩/٣
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ
أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلَبِكَةُ﴾: وما كنتَ لديهم إذ
يَخْتَصِمون، وما كنتَ لديهم أيضًا إذ قالت الملائكةُ: يا مريمُ إِنَّ اللهَ يُشِّرُك.
والتبشيرُ: إخبارُ المرءِ بما يَسُرُّه من خيرٍ .
وقولُه: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ . يعنى: برسالةٍ مِن اللهِ وخبرٍ مِن عندِه. وهو مِن قولٍ
القائلِ: ألقى فلانٌ إلىَّ كلمةُ سرَّنى بها. بمعنى : أخبرَنى خبرًا فرِحتُ به. كما قال
جل ثناؤه: ﴿وَكَلِمَتُهُ: أَلَقَنَهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [ النساء: ١٧١] يعنى: بُشْرَى اللهِ مريمَ
بعيسى ألقاها إليها .
(١) فى م: ((تشهدها)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٨١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٠/٢ (٣٥١١) من طريق سلمة ، عن ابن
إسحاق قوله .

:
٤٠٧
سورة آل عمران : الآية ٤٥
فتأويلُ الكلام : وما كنتَ يا محمدُ عندَ القومِ إذ قالت الملائكةُ لمريمَ: يا مريمُ إن
اللهَ يُبَشِّرُكِ بُيُشْرَى مِن عندِه، هى ولدٌ لكِ اسمُه المسيح عيسى ابنُ مريمَ.
وقد قال قومٌ - وهو قولُ قتادةَ -: إن الكلمةَ التى قال اللهُ عزّ وجلّ: ﴿بِكَلِمَةٍ
مِنْهُ﴾. هو قولُه: ((كُنْ)).
حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ قال: قولُه: ((كنْ))(١).
فسمَّاه اللهُ عزَّ وجلَّ كلمتَه لأنه كان عن كلمتِه، كما يقالُ لما قدَّر اللهُ مِن
شىءٍ : هذا قدرُ اللهِ وقضاؤُه. يعنى به: هذا عن قدرِ اللهِ وقضائه حدَث. وكما قال
جلّ ثناؤه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ مَفْعُولًا ﴾ [النساء: ٤٧، والأحزاب: ٣٧] يعنى به: ما أَمَر
اللهُ به ، وهو المأمورُ الذى كان عن أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
وقال آخَرون: بل هى اسمٌ لعيسى ، سمَّاه اللهُ بها كما سمّى سائرَ خلقِه بما شاء
مِن الأسماءِ.
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه قال : الكلمةُ هی عیسى .
حدَّثنا ابنُ وَكِبِعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن
ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ .
قال: عيسى هو الكلمةُ مِن اللهِ(٢) .
وأقربُ الوجوهِ إلى الصوابِ عندى القولُ [٠٩/١، و] الأوّلُ، وهو أن الملائكةَ
بشّرت مريمَ بعيسى عن اللهِ عز وجلّ برسالتِه وكلمتِه التى أَمَرها أن تُلْقِيَها إليها ، أن
(١) تفسير عبد الرزاق ١٧٧/١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥١/٢ (٣٥١٤) من طريق سماك به نحوه .

٤٠٨
سورة آل عمران : الآية ٤٥
اللهَ خالقٌ منها وَلدًا مِن غيرِ بَعْلٍ ولا فَحْلٍ؛ ولذلك قال عز وجل: ﴿أَسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ .
فذكَّر، ولم يقلْ: اسمُها . فيُؤَنِّثَ، و((الكلمةُ)) مونئةٌ؛ لأن الكلمةَ غيرُ مقصودٍ بها
قصدُ الاسم الذى هو بمعنى ((فلانٍ)) ، وإنما هى بمعنى البِشارةِ ، فَذُكِّرت كنايتُها كما
تُذَكَّرْ كنايةُ ((الذُّرِّيَّةِ)) و((الدابَةِ)) و((الألقابِ))، على ما قد بيَنَّاه قبلُ فيما
(١)
مضَى(١).
/ فتأويلُ ذلك كما قلنا آنفًا مِن أن معنى ذلك: إن اللهَ يُبَشِّرُكِ بُشْرَى. ثم بينَّ
عن البُشرى أنها ولدٌ اسمه المسيح .
٢٧٠/٣
وقد زعم بعضُ نحونِّى البصرةِ أنه إنما ذكّر فقال: ﴿أَسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ . وقد
قال: ﴿ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ . والكلمةُ عندَه هى عيسى؛ لأنه فى المعنى كذلك ، كما قال
جلّ ثناؤه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسُ بَحَسْرَى﴾ [الزمر: ٥٦] ثم قال: ﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتَكَ
ءَايَتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر: ٥٩] وكما يقالُ: ذو النُّدَيَّةِ (٢). لأن يدَه كانت قصيرةٌ
قريبةً من ثَديَتِه، فجعَلها كأن اسمَها ثَدْيَّةٌ ، ولولا ذلك لم تَدْخُلِ الهاءُ فى التصغيرِ .
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ نحوَ قولٍ مَن ذكرنا مِن نحوِّى البصرة ، فى أن الهاءَ
مِن ذِكرِ ((الكلمةِ))، وخالفه فى المعنى الذى مِن أجلِه ذُكِّر قولُه: ﴿أَسْمُهُ﴾.
و (الكلمةُ) متقدمةٌ قبلَه، فزعم أنه إنما قيل: ﴿أَسْمُهُ﴾. وقد قُدِّمت ((الكلمةُ))،
ولم يقلِ: ((اسمُها)). لأن مِن شأنِ العربِ أن تَفْعَلَ ذلك فيما كان مِن النُّعوتِ
والألقابِ والأسماءِ التى لم تُوضَعْ لتعريفِ المُسَمَّى به؛ كفلان وفلانٍ ، وذلك مثلُ
الذُّرِّيَّةِ والخليفةِ والدابَّةِ ، ولذلك جاز عندَه أن يقالَ: ذريةً طيبةً، وذُرِّيَّةً طيبًا. ولم
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٣٢/١، ٣٣٣، وفى ص ٣٦٣، ٣٦٤ من هذا الجزء.
(٢) فى س: ((اليدين)). وينظر مسند الطيالسى (١٦٠)، وسنن أبى داود السجستانى (٤٧٧٠). قال ابن
الأثير فى النهاية ١/ ٢٠٨: ويُروى ذو الهُدَيَّة بالياء بدل الثاء، تصغير اليد، وهى مؤنثة .
f

٤٠٩
سورة آل عمران : الآية ٤٥
يَجُزْ أَن يقالَ: طلحةُ أقبلَت ، ومغيرةُ قامت .
وأنكر بعضُهم اعتلالَ مَن اعتَلَّ فى ذلك بذى النُّدَيَّةِ، وقالوا: إنّما أُدخِلت
الهاءُ فى ذى النُّدَيَّةِ لأنه أُريد بذلكَ القطعةُ من الثَّدْيِ، كما قيل: كنَّا فى لحمةٍ
ونَبیذةٍ . يُرادُ به القطعةُ منه .
وهذا القولُ نحوُ قولِنا الذى قلناه فى ذلك .
وأمَّا قولُه: ﴿ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ﴾. فإنه جل ثناؤه أنبأ عبادَه عن
نِسبةِ عيسى ، وأنه ابنُ أُمِّه مريمَ ، ونفى بذلك عنه ما أضاف إليه المُلْحِدون فى اللهِ جل
ثناؤُه مِن النصارى، مِن إضافتِهِم بُنُوَّتَه إلى اللهِ عزّ وجلّ، وما قَرَفت (١) أَّه به المُفْتَرِيةُ
عليها مِن اليهودِ .
كما حدَّثنی به ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ أُسْمُهُ
اُلْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أى: هكذا كان أمرُه،
لا ما يقولون فيه(٢) .
وأمَّا ((المسيح))، فإنه فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إلى فعيلٍ. وإنما هو ممسوحٌ،
يعنى : مسَحه اللهُ فطهَّره مِن الذنوبِ. ولذلك قال إبراهيمُ: المسيح الصدِّيقُ.
وقال آخرون : مُسِح بالبركةِ .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَهُ(١).
(١) فى م: ((قذقت))، وفى س: ((فرقت)). وقرفت: اتهمت ورمت. تاج العروس (ق رف).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٨٠/١ .
(٣) تفسير سفيان ص ٧٧، ٧٨ - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٥٩/٤٧ - وأخرجه ابن أبى حاتم
فى تفسيره ٦٥١/٢ (٣٥١٦)، وابن عساكر ٣٥٩/٤٧ من طريق وكيع به .

٤١٠
سورة آل عمران : الآية ٤٥
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ
مثله .
حدَّثنا ابنُ البَرْقِيّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، قال: قال سعيدٌ: إنما سُمِّى
المسيحَ لأنه مُسِح بالبركةٍ(١).
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَجِيهًا فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ
٤٥
يعنى بقولِه: ﴿وَجِيهًا﴾ : ذا وجهٍ ومنزلةٍ عاليةٍ عندَ اللهِ وشرف وكرامةٍ . ومنه
يقالُ للرجلِ الذى يَشْرِفُ وتُعَظِّمُه الملوكُ والناسُ: وجية . يقالُ منه: ما كان فلانٌ
وجيهًا، ولقد وَجُهَ وَجاهةً ، وإن له لوَجهًا عندَ السلطانِ وجَاهًا ووجاهةً. و((الجاهُ))
مقلوبٌ ، قُلِبت واؤُه مِن أوَّلِه إلى موضع العينِ منه، فقيل: جاه . وإنما هو /وجةٌ،
((وفَعَلَ)) مِن الجاهِ: جاهَ يَجُوهُ، مسموعٌ مِن العربِ: أخافُ أن يَجُوهَنى بأكثرَ مِن
هذا . بمعنَى : أَن يَسْتَقْبِلَنى فى وجهِی بأعظمَ منه .
٢٧١/٣
وأمَّا نصبُ ((الوَجيهِ)) فعلَى القطع مِن ((عيسى))؛ لأن ((عيسى)) معرفةٌ،
و((وجيه)) نَكِرةٌ، وهو مِن نعتِه، ولو كان مخفوضًا على الرَّدِّ على ((الكلمةِ)) كان
جائزًا .
وبما (٢) قلنا مِن أَنّ تأويلَ ذلك: وجيهًا فى الدنيا والآخرةِ عندَ اللّهِ. قال - فيما
بلَغنا- محمدُ بنُ جعفرٍ .
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزُّبيرِ: ﴿وَجِيهًا﴾ قال: وجيهًا فى الدنيا والآخرةِ عندَ اللّهِ(٣) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٢ إلى المصنف.
(٢) فى م: (( كما)).
(٣) سيرة ابن هشام ٥٨٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥١/٢ (٣٥١٩) من طريق سلمة، عن =

٤١١
سورة آل عمران : الآيتان ٤٥، ٤٦
وأمَّا قولُه: ﴿ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. فإنه يَعنى أنه ممّن يُقَرِّبُه اللّهُ يومَ القيامةِ، فيُشْكِنُه
فی جواره ويُذْنِیه منه .
كما حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ ،
عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. يقولُ: مِن المُقُرَّبين عندَ اللّهِ يومَ
(١)
القيامةِ (١).
حُدِّثت عن عمَّارٍ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع
قولَه: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَِّينَ﴾. يقولُ: مِن المُقُرّبين عندَ اللّهِ يومَ القيامةِ(٢).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه، عن الربيعِ
مثله .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ
٤٦
الصَّالِحِينَ
أمَّا قولُه: [٤٠٩/١ ظ] ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِ اَلْمَهْدِ﴾. فإِنّ معناه أن اللّهَ يُبَشِّرُكِ
بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريمَ، وجيهًا عندَ اللّهِ، ومُكَلِّمًا الناسَ فى المهدِ .
فـ ﴿ يُكَلِّمُ﴾ وإن كان مرفوعًا؛ لأنه فى صورةِ ((يَفْعَل)) بالسلامةِ من العواملِ
فيه ، فإنه فى موضعٍ نصبٍ ، وهو نظيرُ قولِ الشاعر (١):
= ابن إسحاق قوله .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٢/٢ عقب الأثر (٣٥٢٠) معلقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٢/٢ (٣٥٢٠) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) البيت فى معانى القرآن للفراء ٢١٣/١، وأمالى ابن الشجرى ١٦٧/٢، ولسان العرب (ك هـ ل،
ع ش ی)، وخزانة الأدب ١٤٠/٥ - ١٤٣.

٤١٢
سورة آل عمران : الآية ٤٦
يَقْصِدُ فى أَسْؤُقِها وجَائِرٍ
بِتُّ أَعَشِّيها بعَضْبٍ (١) باتِرٍ
وأمّا ((المَهْدُ )) فإنه يَعنى به مَضْجَعَ الصبىِّ فی رَضاعِه .
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاج، عن ابنٍ مُرَيْجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ﴾ قال: مَضْجَعُ الصَّبِىِّ فى
(٢)
رَضَاعِه
٠
وأمَّا قولُه: ﴿وَكَهْلًا﴾. فإنه: ومُحْتَنِكًا فوقَ الغُلُومةِ ودونَ الشيخوخةِ ،
يقالُ منه: رجُلٌ كَهْلٌ، وامرأةٌ كَهْلَةٌ . كما قال الراجزُ(٣):
٢٧٢/٣
/ولا أعودُ بعدَها كَرِیًا
أُمارسُ الكَهْلَةَ وَالصَّبِيًّا
وإنما عَنِى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾: ويُكَلِّمُ
الناسَ طفلًا فى المهدِ - دلالةً على براءةٍ أمِّه مما ( قرَفها به) المُفْتَرون عليها، وحجةً له
على نُبُوَّتِه - وبالغًا كبيرًا بعدَ احتِناكِه، بوحي اللّهِ الذى يُوحيه إليه، وأمرِهِ ونهيِهِ،
وما يُنزلُ(٥) عليه مِن كتابِهِ، وإنما أخبر اللّهُ عزَّ وجلَّ عبادَه بذلك مِن أمرِ المسيحِ، وأنه
كذلك كان، وإن كان الغالبُ مِن أمرِ الناسِ أنهم يَتَكَلَّمون كُهولاً وشيوخًا ،
احتجاجًا به على القائلينَ فيه - مِن أهلِ الكفرِ باللّهِ مِن النصارى - الباطلَ، وأنه
(١) العَضْب: السيف. تاج العروس (ع ض ب).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٢ إلى المصنف، وابن المنذر.
(٣) هو عذافر الكندى، والرجز فى أمالى القالى ٢١٥/٢، وسمط اللآلى ٨٣٦/٢، واللسان (ك هـ ل، أم م،
ك رى ) .
(٤ - ٤) فى س: ((رمى بها))، وفى م: ((قذفها به)).
(٥) فى م: ((تقول))، وفى س: ((يعول)).

٤١٣
سورة آل عمران : الآية ٤٦
كان فى معاناةٍ(١) أشياءَ، مولودًا طفلًا ثم كهْلًا، يَتَقَلَّبُ فى الأحداثِ، ويَتَغَيَّرُ
بمرورِ الأزمنةِ عليه والأيامِ ، مِن صِغَرٍ إلى كبرٍ ، ومِن حالٍ إلى حالٍ ، وأنه لو كان كما
قال الملحِدون فيه، كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه، فكذَّب بذلك ما قاله الوفدُ مِن أهلِ
تَجرانَ، الذين حاجُوا رسولَ اللّهِ عَمِ فيه، واحتَجَّ به عليهم لنبيّه محمدٍ عَلَه،
وأعلمَهم أنه كان كسائرٍ بنى آدمَ ، إلا ما خصَّه اللّهُ به مِن الكرامةِ التى أبانَهُ(١) بها
منهم .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
جعفرٍ بِنِ الزبيرِ: ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ ﴾:
يُخْبِرُهم بحالاتِه التى يَتَقَلَّبُ بها فى عُمُرِهِ، كَتَقَلُّبِ بنى آدمَ فى أعمارِهم
صِغارًا وكبارًا، إلا أنّ اللّهَ خصَّه بالكلام فى مهدِه آيةً لنُبُوَّتِه، وتعريفًا للعبادِ مواقعَ
(٣)
قدرتِه(٢).
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَيُكَلِّمُ اُلنَّاسَ فِى
اُلْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الْضَلِحِينَ﴾ يقولُ: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا (٤).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِىِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ قال: يُكَلِّمُهم صغيرًا وكبيرًا(٥).
(١) فى ص، ت ٢، س: ((معاينة)).
(٢) فى س: ((أنابه)) .
(٣) سيرة ابن هشام ٥٨٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٣/٢ (٣٥٢٧) من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق قوله .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ٢٥، إلى المصنف، وعبد بن حميد.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٢/٢ عقب الأثر (٣٥٢٣) من طريق أبى جعفر به.

٤١٤
سورة آل عمران : الاية ٤٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ قال: الكَهْلُ الحليمُ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
قال: كلَّمهم صغيرًا وكبيرًا وكهلًا. وقال ابنُ جريج، وقال مجاهدٌ : الكَهْلُ
الحليمُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُ ، عن عبّادٍ ، عن الحسنِ فى
قوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ قال: كلَّمهم فى الْمَهْدِ صَبِئًا،
وكلَّمهم كبيرًا (٢) ..
وقال آخرون: معنَى قولِه: ﴿وَكَهْلًا﴾: أنه سيُكَلِّمُهم إذا ظهَر.
ذكرُ مَن قال ذلك
٢٧٣/٣
حدّ ثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : سمِعتُه ، يعنى ابن زيدٍ ، يقولُ فى
قولِهِ: ﴿ وَيُكَلِّمُ / النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾. قال: قد كلَّمهم عيسى فى المَهْدِ،
وسيُكَلِّمُهم إذا قتَل الدجالَ ، وهو يومَئذٍ كَهْلٌ(٢).
ونصَب ﴿وَكَهْلًا﴾ عطفًا على موضعٍ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ﴾.
وأما قولُه: ﴿ وَمِنَ الصَلِحِينَ﴾. فإنه يَعْنى: مِن ◌ِدادِهم وأوليائِهم ؛ لأن أهلَ
الصلاحِ بعضُهم مِن بعضٍ فى الدِّينِ والفَضْلِ .
(١) أخرجه الفريابى - كما فى التغليق ٣٥/٤-، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٢/٢ (٣٥٢٥) من طريق ابن
أبی نجیح به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٢/٢ (٣٥٢٣) من طريق أبى بكر الحنفى .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٢ إلى المصنف.

٤١٥
سورة آل عمران : الآيتان ٤٧، ٤٨
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قَالَتْ رَبٍ أَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ
كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(
(٤٧
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: قالت مريمُ - إذْ قالت لها الملائكةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ -: ﴿رَبِّ أَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ ﴾ مِن أَىِّ وَجْهٍ يَكُونُ لى وَلَدٌ؟
أَمِن قِبَل زوج أَتَزَوَُّه وبَعْلِ أَنكِحُه؟ أو تَتَدِئُ فىَّ خَلْقَه مِن غيرِ بَعْلٍ ولا فَخْلٍ ، ومن
غيرٍ أن يمسَّنى بَشرٌ؟ فقال اللّهُ لها: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ . يعنى : هكذا
يَخْلُقُ اللّهُ منكِ ولدًا لك مِن غيرِ أن يَمَسَّكِ بَشرٌ، فَيَجْعَلُهُ آيَةً للناسِ وعِبرةً ، فإنه يَخْلُقُ
ما يَشاءُ ، ويَصْنَعُ ما يُريدُ ، فيُعْطِى الولَدَ مَن يَشاءُ مِن غيرٍ فَحْلٍ ومِن فَحْلٍ ، ويَحْرِمُ ذلك
مَن يَشَاءُ مِن النساءِ وإن كانت ذاتَ بَعْلٍ ؛ لأنه لا يَتَعَذَّرُ عليه خَلْقُ شىءٍ أراد خَلْقَه ، إنما
هو أن يَأْمُرَ إذا أراد شيئًا ما أراد، فيَقُولَ له: كُنْ. فيَكُونَ ما شاءِ مما يَشاءُ وكيفَ شاء.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا سَلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبَيرِ: ﴿ قَالَتْ رَبٍّ أَنَّى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ
يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾: يَصْنَعُ ما أراد، ويَخْلُقُ ما يَشاءُ، مِن بشرٍ أو غيرِ بشرٍ)، ﴿ إِذَا
قَضَّ أَمْرًا [١٠/١ ٤ و] فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ(١)﴾ مما يَشاءُ، وكيف يَشاءُ، فَيَكُونُ ما أراد(٢) .
٤٨
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ
اختلَفت القرأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ الحِجازِ والمدينةِ وبعضُ قرأَةٍ
الكوفيِّين: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بالياءِ، ردًّا على قولِه: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
(١) بعده فى النسخ: ((أى)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) بعده فى النسخ: ((فيكون)).
(٣) سيرة ابن هشام ٥٨٠/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٣/٢ (٣٥٢٩، ٣٥٣٠) من طريق سلمة
عن ابن إسحاق .
(٤) وهى قراءة نافع وعاصم . السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٦ .

٤١٦
سورة آل عمران : الآية ٤٨
﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ﴾ فَأَلْحَقُوا الخبرَ فى قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ بنظيرِ الخبرِ فى قولِه :
يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾. وقولِه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وقرَأَ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيّين وبعضُ البصريِّين: (وَنُعَلِّمُهُ) بالنونِ (١) ، عطفًا به
على قوله: ﴿ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ كأنه قال: ذلك مِن أنباء الغيبِ نوحِيه إليك، ونُعَلِّمُه
الكتابَ. وقالوا: ما بعدَ ﴿ نُوحِيهِ﴾ فى صِلتِه إلى قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ثم عطَف
بقوله: ( ونُعَلِّمُه) عليه .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أنهما قراءتان مختلفتان غيرُ مختلفتَى
المعانى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فهو / مصيبٌ الصوابَ فى ذلك؛ لاتفاقِ مَعْنَتِي
القراءتين فى أنه خبرٌ عن اللّهِ بأنه يُعَلِّمُ عيسى الكتابَ وما ذكَر أنه يُعلِّمُه .
٢
وهذا ابتداءُ خبرٍ مِن اللّهِ عزَّ وجلّ لمريمَ ما هو فاعلٌ بالولدِ الذى بشَّرها به
مِن الكرامةِ ورِفعةِ المنزلةِ والفضيلةِ ، فقال: كذلكِ اللّهُ يَخْلُقُ منكِ ولدًا مِن غيرِ
فَحلٍ ولا بَعلٍ فِيُعَلِّمُه الكتابَ، وهو الخطُّ الذى يخطُّه بيدِه، والحكمةَ، وهى
السنةُ التى نوِيها إليه فى غيرِ كتابٍ، والتوراةَ، وهى التوراةُ التى أَنْزِلت على
موسى، كانت فيهم مِن عهدٍ موسى، والإنجيلَ ، إنجيلُ عيسى ولم يكنْ قَبَلَه،
ولكنَّ اللّهَ أخبَر مريمَ قبلَ خلقٍ عيسى أنه مُوحيه إليه، وإنما أخبَرَها بذلك، فسمّاه
لها؛ لأنها قد كانت علِمت فيما نزَل مِن الكتبِ أن اللّهَ باعثٌ نبيًّا يُوحِى إليه
كتابًا اسمُه الإنجيلُ، فأخبرها اللّهُ عزَّ وجلَّ أن ذلك النبىَّ عَلَّمِ الذى سمِعتْ
بصفتِهِ الذى وعَد أنبياءَه مِن قَبلُ أنه مُنزّلٌ عليه الكتابَ الذى سُمِّى إنجيلًا ، هو الولدُ
الذى وهبّه لها وبشَّرها به .
(١) وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى. المصدر السابق.

٤١٧
سورة آل عمران : الآية ٤٨
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ ، قال: قال ابنُ مجرَيج :
﴿ وَيُعَلِّمُهُ اُلْكِنَبَ ﴾. قال : بيدِهُ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ
وَاُلْحِكْمَةَ﴾ قال: الحكمةُ السنةُ(٢).
حدَّثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَاُلْإِنِيلَ﴾. قال: الحكمةُ
السنةُ، ﴿ وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ﴾. قال: كان عيسى يَقْرأُ التوراةَ والإنجيلَ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ :
وَيُعَلِّمُهُ اُلْكِنَبَ وَاُلْحِكْمَةَ﴾ . قال: الحكمةُ السنةُ .
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ
بن الزُّبيرِ، قال: أخبرها - يعنى أخبَر اللّهُ مريمَ - ما يُريدُ به، فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ
اَلْكِنَبَ وَاُلْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَّةَ﴾ التى كانت فيهم مِن عهدِ موسى،
وَاُلْإِنِيلَ﴾، كتابًا آخرَ أَحدَثْه إليه لم يَكُنْ عندَهم علمُه إلا ذِكْرُه أنه كائنٌ
مِن الأنبياءِ قبلَهُ(٤).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥/٢ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٤/٢ عقب الأثر (٣٥٣٣) معلقا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٤/٢ (٣٥٣٦) من طريق ابن أبى جعفر به مختصرا .
(٤) سيرة ابن هشام ٥٨١/١، وفيه: بعده . مكان: قبله .
( تفسير الطبرى ٢٧/٥ )

٤١٨
سورة آل عمران : الآية ٤٩
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنِى قَدْ جِثْتُكُمْ بِشَايَةٍ مِّن
رَبِّكُمْ﴾
مے
/ يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَسُولًا﴾: ( وَجْعَلُه رسولًا) إلى بنى إسرائيلَ.
فتُرِك ذكرُ ((ونجعَلُه))؛ لدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال الشاعرُ():
٢٧٥/٣
مُتَقَلِّدًا سيفًا ورُمْحًا
ورأيت زوجَكِ فى الوَغَی
وقولُه: ﴿ أَنِّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ . بمعنى : ونَجعَلُه رسولا إلی بنی
إسرائيلَ بأنه (" نبِى وبشيرى ونذيرى"، وحجَّتِى على صدقِى فى ذلك ﴿أَنِّ قَدْ
جِثْتُّكُم بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. يعنى : بعلامةٍ مِن ربّكم تُحقِّقُ قولی ، وتُصَدِّقُ خبری
أنی رسولٌ مِن ربّکم إلیکم .
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبَيرِ: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِيّ إِسْرَوِيلَ أَنِ قَدْ جِئْتُكُمْ بِثَايَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾.
أى: يُحَقِّقُ بها نبوَّتِى، وأنى رسولٌ منه إليكم(٥).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أَنِّ أَغْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ فَأَنْفُخُ
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ورسولاً إلى بنى إسرائيلَ أنى قد جئتُكم بآيةٍ مِن ربِّكم،
ثم بيَّن عن الآيةِ ما هى، فقال: ﴿أَنِّ أَغْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَّئَةِ الطَّيْرِ﴾ .
(١ - ١) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) تقدم فى ١٤٠/١.
(٣ - ٣) فى م: ((نبی وبشير ونذير)).
(٤) فى النسخ: ((على)). والصواب ما أثبت .
.
(٥) سيرة ابن هشام ٥٨١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٤/٢ (٣٥٣٨، ٣٥٣٩) من طريق
سلمة عن ابن إسحاق قوله .

٤١٩
سورة آل عمران : الآية ٤٩
فتأويلُ الكلام: ورسولاً إلى بنى إسرائيلَ بأنى قد جثْتُكم بآيةٍ مِن ربّكم بأن
أُخْلُقَ لكم مِن الطين كهيئةِ الطيرِ .
والطيرُ جمعُ طائرٍ .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأه بعضُ أهلِ الحجازِ: ( كهيئةِ الطائرِ
فَأَنْفُخُ فيه فِيَكُونُ طائرًا). على التوحيدِ(١).
وقرّأه آخرون: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُنُ طَيْرًا﴾ ، على الجماع
(٢)
فيهما (٢).
وأعجبُ القراءاتِ إِلىَّ فى ذلك قراءةُ مَن قَرَأْ: ﴿ كَهَئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ
فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ . على الجماع فيهما جميعًا؛ لأن ذلك كان مِن صفةٍ عيسى أنه يَفْعَلُ
ذلك بإذنِ اللّهِ ، وأنه الموافقُ لخطِّ المصحفِ. واتّباعُ خطّ المصحفِ مع صحةِ المعنى
واستفاضةِ القراءةِ به ، أعجبُ إلىَّ مِن خلافِ المُصحفِ .
وكان خلقُ عيسى [٤١٠/١ظ] ما كان يَخْلُقُ مِن الطيرِ كما حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ،
قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ ، أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جلَس يومًا مع
غِلمانٍ مِن الكُتّابِ ، فأخَذ طيًا، ثم قال: أَجْعَلُ لكم مِن هذا الطين طائرًا؟ قالوا :
وتَستطيعُ ذلك ؟! قال: نعم بإذن ربى. ثم هَّأَه حتى إذا جعَله فى هيئةِ الطائرِ نفَخ
فيه ، ثم قال: كن طائرًا بإذنِ اللّهِ. فخرَجِ يَطِيرُ بينَ كفَّتِهِ ، فخرَج الغلمانُ بذلك مِن
أمرِه، فذكَروه لمعلِّمِهم، فأفشَوه فى الناسِ، وتَرَعْرَعَ، فهمَّت به بنو إسرائيلَ ، فلمّا
خافت أمُّه عليه، محُمَيٍِّ على محُميٍِّ لها، ثم خرجت به هاربةٌ (٣) .
(١) وهى قراءة نافع . السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٦ .
(٢) فى النسخ: ((كليهما)). والصواب ما أثبت .
وبالجماع فيهما قرأ باقى السابعة غير نافع . المصدر السابق .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٢ إلى المصنف.

٤٢٠
سورة آل عمران : الآية ٤٩
وذُكِر أنه لمّا أراد أن يَخْلُقَ الطيرَ من الطينِ سألهم : أىُّ الطيرِ أشدُّ خلقًا؟ فقيل
له : الخُفّاشُ .
٢٧٦/٣
/ كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
قال: قوله: ﴿أَنِّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الْطِينِ كَهَيِّئَةِ الطَّيْرِ﴾. قال: أىُّ الطيرِ أشدُّ
خلقًا؟ قالوا : الخُفاشُ، إنما هو لحم. قال: ففعَل(١).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ وقد قيل: ﴿أَنِّ أَغْلُقُ
لَكُمْ مِنَ الْطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾؟
قيل : لأن معنى الكلام: فَأَنْفُخُ فى الطيرِ. ولو كان ذلك: فأنْفُخُ فيها . كان
صحيحًا جائزًا، كما قال فى المائدةِ: ﴿فَتَنْفُغُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠]. يريدُ:
فَتَنْفُخُ فى الهيئةِ .
وقد ذُكِر أن ذلك فى إحدى القراءتين: (فأنّفُخُها) بغير ((فى))(١) . وقد تَفْعَلُ
العربُ مثلَ ذلك، فتقولُ: رُبَّ ليلةٍ قد بتُّها ، وبتُّ فيها. قال الشاعرُ(١):
ما شُقَّ جَيْبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ ولا بكَتْكَ جِيادٌ عندَ أَسْلابٍ
بمعنَى: ولا قامت عليك. وكما قال آخَرُ:
حُلْوُ العُصارةِ حتى يُنْفَخَ الصُّوَرُ
إحدَى بَنِى عَيِّذِ اللّهِ(٤) اسْتَمَرَّ بها
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَأَبِىُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَفَ﴾ .
يَعنى بقوله: ﴿ وَأَبْرِىءُ﴾: وَأَشْفِى. يُقالُ منه: أبْرَأْ اللّهُ المريضَ(° من مرضِهْ).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢/٢ إلى المصنف.
(٢) ينظر معانى القرآن للفراء ٢١٤/١. وقال أبو حيان فى البحر المحيط ٤٦٦/٢: هى قراءة شاذة نقلها الفراء.
(٣) ينظر معانى القرآن للفراء ٢١٤/١، والأغانى ٢٨٧/١٨.
(٤) بنو عيّذ اللَّه: حى من اليمن. تاج العروس (ع وذ).
(٥ - ٥) زيادة يستقيم بها السياق .