النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة آل عمران: الآيتان ٣٩، ٤٠
﴿ وَحَصُورًا﴾. قال: الحَصورُ الذى لا يُريدُ النساءَ .
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنَانٍ ، قال: ثنا أبو بكر الحنفى، عن عبَّادٍ ، عن الحسنِ :
﴿ وَحَصُورًا﴾. قال: الذى(١) لا يَقْرَبُ النساءَ (١).
وأمَّا قولُه: ﴿ وَنَبِيًا مِنَ الضَّالِحِينَ﴾. فإنه يعنى: رسولًا لربِّه إلى قومِه،
يُنِْئُهم عنه بأمرِهِ ونهِهِ، وحلالِه وحرامِه، ويُلِّغُهم عنه ما أَرْسَله به إليهم .
ويَعنى بقولِه: ﴿ مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾: مِن أنبيائِه الصالحين .
وقد دلَّلْنا فيما مضى على معنى ((النبوّةِ)) وما أصلُها، بشواهدِ ذلك والأدلةِ
الدالَّةِ على الصحيحِ مِن القولِ فيه بما أَغْنَى عن إعادته(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ
وَأَمْرَأَتِى عَافِرٌ﴾ .
يعنى أن زكريًّا قال إذ نادته الملائكةُ ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ -: ﴿أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمُ وَقَدْ بَلَغَنِىَ
اُلْكِبَرُ﴾. يعنى: مَن بلَغ مِن السِّنِّ ما بلَغتُ لم يُولَدْ له، ﴿ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾
والعاقرُ مِن النساءِ التى لا تَلِدُ . يقالُ منه: امرأةٌ عاقرٌ ، ورجلٌ عاقرٌ. كما قال عامرُ ابنُ
(٤)
الطُّفَيْلِ(٤):
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.
(٢) ينظر التبيان ٢/ ٤٥٢.
وقال القاضى فى الشفا ١١٦/١ : اعلم أن ثناء الله على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان
هَيُوبا ، أولا ذكَّر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا نليق بالأنبياء،
وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب ، أى: لا يأتيها، كأنه حصر عنها ... وينظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣١.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٠/٢، ٣١.
(٤) مجاز القرآن ١ / ٩٢.

٣٨٢
سورة آل عمران : الآية ٤٠
جبَانًا فما عُذْرِى لَدَى كلِّ مَحْضَرٍ
[٤٠٦/١ و] لَبِئْسَ الفتَى إن كنتُ أعورَ عاقرًا
وأمَّا ((الكِبَرُ)) فمصدرُ: كبِر فلانٌ فهو يَكْبَرُ كِبَرًا .
وقيل: ﴿بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ﴾. وقد قال فى موضع آخرَ: ﴿قَدْ بَلَغْتُ مِنَ
اُلْكِبَرِ﴾ [مريم: ٨]؛ لأنّ ما بلَغك فقد بلَغْتَه، وإنما معناه : قد كَبِرْتُ. وهو كقولٍ
القائلِ : قد بلَغنِى الجَهدُ . بمعنَى: إنی فی جَهْدٍ .
فإن قال قائلٌ: وكيف قال زكريا، وهو نبىُ اللهِ: ﴿رَبٍّ أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَقَدْ
صلے
بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ﴾. وقد بشَّرَتْه الملائكةُ بما بشَّرَتْه به عن أمرِ اللهِ إِيَّاها
به ؟ أشَكَّ فى صدقِهم ؟ فذلك ما لا يجوزُ أن يُوصَفَ به أهلُ الإيمانِ باللهِ ، فکیف
الأنبياء والمرسلون ؟ أم كان ذلك منه استنكارًا لقدرةٍ ربِّه، فذلك أعظمُ فى البَلِيَّةِ؟
قيل: كان ذلك منه مَّهِ على غيرِ ما ظَننتَ، بل كان قِيلُه ما قال مِن ذلك كما
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ: لمَّا سمِع النداءَ -
يغنى زكريا لمّ سمِع نداءَ الملائكةِ بالبِشارةِ [٣٩٠/١ظ] بيحتَى - جاءه الشيطانُ فقال
له : يا زكريا، إن الصوتَ الذى سمِعتَ ليس هو مِن اللهِ، إنما هو مِن الشيطانِ يَسْخَرُ
بك ، ولو كان مِن اللهِ أوحاه إليك كما يُوحِى إليك فى غيرِهِ مِن / الأمرِ. فشكَّ
مكانَه وقال: ﴿ أَّ يَكُونُ لِى ◌ُلَمٌ﴾ ذَكَرٌ؟ يقولُ: مِن أينَ ﴿وَقَدْ بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ
(١) ؟
وَأَمْرَأَتِى عَاقِرٌ ﴾
٢٥٨/٣
حدّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسینُ، قال: ثنی حجاج، عن أبی بکرٍ، عن
عِكْرمةَ، قال: فأتاه الشيطانُ، فأراد أن يُكَدِّرَ(١) عليه نعمةَ ربِّه، فقال: هل تَدرِى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٤/٢ (٣٤٧٣) من طريق عمرو به .
(٢) فى ت ٢، ت ٣: ((يكذب)).

٣٨٣
سورة آل عمران : الآية ٤٠
مَن ناداك ؟ قال: نعم، نادَتْنى (١) ملائكةُ ربِّى. قال: بل ذلك الشيطانُ، لو كان
هذا(٢) مِن رَبِّك لأخفاه إليك كما أخفيتَ نداءَك. فقال: ﴿ رَبِّ أُجْعَل ◌ِّ
ءَايَةٌ﴾(٣).
فكان قولُه ما قال مِن ذلك ، ومراجعتُه ربّه فيما راجَعَ فیه بقوله : ﴿ أَّ يَكُونُ لِ
عُلَمٌ ﴾. للوسوسةِ التى خالطَت قلبَه مِن الشيطانِ ، حتى خَيَّلت إليه أن النداءَ الذى
سمِعه كان نداءً مِن غيرِ الملائكةِ فقال: ﴿ رَبِّ أَّ يَكُونُ لِ عُلَمٌ﴾. مُسْتَثْبتًا فى
أمرِهِ ، لِيَتَقَرَّرَ عندَه بآيةٍ ، يُرِيه اللهُ فى ذلك أنه بشارةٌ مِن اللهِ على ألسنٍ ملائکتِهِ،
ولذلك قال: ﴿ رَبِّ أَجْعَل لَّيَّ ءَايَةٌ﴾ .
وقد يجوزُ أن يكونَ قِيلُه ذلك مسألةً منه ربَّه: مِن أَىِّ وجهٍ يكونُ الولدُ الذى
بُشِّر به ، أمِن زوجتِه؟ فهى عاقرٌ، أم مِن غيرِها مِن النساءِ ؟ فیکونُ ذلك علی غیرِ
الوجهِ الذى قاله عكرمةُ والشّدِّىُّ ومَن قال مثلَ قولِهما .
٤٠
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ
يغنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ كَذَلِكَ اللَّهُ﴾: أىْ هو : ما وصَف به نفسَه أنه
هَيِّنٌّ عليه أن يَخْلُقَ ولدًا مِن الكبيرِ الذى قد يئس من الولدِ ، ومِن العاقِ التى لا يُرْجَى
مِن مثلِها الولادةُ، كما خلَقك يا زكريا مِن قبلِ خلقِ الولدِ منك ولم تكُ شيئًا؛ لأنه
اللهُ الذى لا يَتَعَذَّرُ عليه خلقُ شىءٍ أراده، ولا يمتنعُ عليه فعلُ شيءٍ شاءه؛ لأن قدرتَه
القدرةُ التى لا يُشْبِهُها قدرةٌ .
كما حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ، قال:
(١) فى م، ت ١، س: (( نادانى)).
(٢) فى س: (( نداء)) .
(٣) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٤٠٨، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/٢ إلى المصنف.

٣٨٤
سورة آل عمران : الآيتان ٤٠، ٤١
كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾
[مريم: ٩] .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ قَالَ رَبِّ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ﴾ .
يغنى بذلك جلّ ثناؤه - خبرًا عن زكريا - : قال زكريا : ربِّ إن كان هذا النداءُ
الذى نُودِيتُه، والصوتُ الذى سمِعتُه صوتَ ملائكتِك، وبشارةً منك لى ، فاجعلْ لی
ءَايَّةٌ﴾ ، يقولُ: علامةٌ أن ذلك كذلك؛ لِيَزُولَ عنّى ما قد وَسْوَس إلىَّ الشيطانُ
فألقاه فى قلبى ، مِن أن ذلك صوتُ غيرِ الملائكةِ، وبشارةٌ مِن (٢عندٍ غيرِك٢).
كما حدَّثْنى موسى، قال: ثنا عَمرّو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ قَالَ
رَبِّ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ﴾ قال: قال(١) - يغنى زكريا - : ياربِّ، فإن كان هذا الصوتُ
منك فاجعلْ لى آيةٌ(٤).
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى ((الآيةِ)) وأنها العلامةُ، بما أَعْنَى عن إعادته (٢).
/ وقد اختلف أهلُ العربيةِ فى سببٍ تركِ العربِ همزَها ، ومِن شأنِها همزُ كلِّ ياءٍ
جاءت بعدَ ألفٍ ساكنةٍ؛ فقال بعضُهم: تُرِك همزُها لأنها كانت ((أَيَّةً))، فثقُل عليهم
التشديدُ ، فَأَبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديدِ، كما قالوا: أَيَما فلانٌ فأخزاه اللهُ.
٢٥٩/٣
وقال آخَرون منهم: بل هى ((فاعلةٌ)) منقوصةٌ. فسُئِلوا، فقيل لهم: فما بالُ
العربِ تُصَغِّرُها ((أُيَيَّةً))، ولم يقولوا: ((أُوَيَّةً)) ؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل فى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٤/٢ (٣٤٧٣) من طريق عمرو به .
(٢ - ٢) فى س: ((عندك)).
(٣) سقط من : س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٥/٢ (٣٤٧٥) من طريق عمرو به .
(٥) ينظر ما تقدم فى ١٠٤/١.

٣٨٥
سورة آل عمران : الآية ٤١
فاطمةَ: هذه فُطَيمةُ. فقيل لهم: فإنهم إنما (١) يُصَغِّرون ((فاعلةٌ)) على ((فُعَيْلةٍ)) ، إذا
كان اسمًا فى معنَى فلانٍ وفلانةَ، فأمَّا فى غيرِ ذلك، فليس مِن تصغيرِهم ((فاعلة))
على ((فُعَيْلَةٍ)) .
وقال آخرون: إنه ((فَعْلَةٌ))، صُيِّرت ياؤها الأولى ألِفًا كما فُعِل بـ ((حاجةٍ)) و
((قامةٍ)). فقيل لهم: إنما تَفْعَلُ العربُ ذلك فى أولادِ الثلاثةِ(١).
وقال مَن أَنْكَر ذلك مِن قِيلِهم: لو كان كما قالوا لقِيل فى نواةٍ: (( نايَةٌ)). وفى
حياةٍ: (( حايَةٌ)) .
القولُ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ إِلَّ رَمْزًا﴾ .
فعاقَبَه(٢) اللهُ عز وجل - فيما ذُكِر لنا - بمسألتِه الآيةَ، بعدَ مشافهةِ الملائكةِ إِيَّاه
بالبِشارةِ ، فجعَل آيتَه على تَحَقِيقٍ (٢) ما سمِع مِن البشارةِ مِن الملائكةِ بيحيى أنه مِن عندِ
اللهِ ، آيةً مِن نفسِه، جمَع تعالى ذكرُه بها العلامةَ التى سألها ربَّه، على ما يُبَيِّنُ له
حقيقةَ البِشارةِ أنها مِن عندِ اللهِ، وتمحيصًا له من هَفْوتِهِ، [٤٠٦/١ ظ] وخطأً قِيلِه
ومسألتِه .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ رَبِّ أَجْعَل ◌ِّيَّ
(١) سقط من: م.
(٢) أولاد الثلاثة وبنات الثلاثة: الاسم الثلاثى. وينظر الكتاب لسيبويه ٣/ ٤٢٦، وشرح المفصل لابن يعيش
١٢٢/٥، واللسان (أى ١).
(٣) فى س: (( فعاتبه)) .
(٤) فى م ، ت ٢، ت ٣، س: (( تخصيص).
( تفسير الطبرى ٢٥/٥ )

٣٨٦
سورة آل عمران : الآية ٤١
ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلََّّ رَمْزًّا﴾: إنما تُوقِب بذلك لأن
الملائكةَ شَافَهَتْهُ مُشافهةً بذلك فبشَّرته بيحبى ، فسأل الآيةَ بعدَ كلام الملائكةِ إِيَّاه ،
فَأُخذ عليه بلسانِهِ ، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلامِ إلا ما أوما وأشار، فقال اللهُ تعالى
ذِكرُه كما تَسْمَعون: ﴿ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَنَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَهْزًّا﴾ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: شافَهَتْه الملائكةُ، فقال : ﴿ رَبِّ
اجْعَل لِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾. يقولُ: إلا
إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقِب بها ، إذ سأل الآيةَ معَ مشافهةِ الملائكةِ إِيَّاه بما بشَّرتْه
(١)
به (١).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الرَّبِيعِ فى قوله: ﴿ رَبِّ أَجْعَل لِّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أنه عُوقِب لأن الملائكةَ شافَهَتْه مُشافهةٌ
فبشَّرَتْه بيحيى ، فسأل الآيةَ بعدُ فأُخِذ بلسانِهِ(٢).
حُدِّثتُ عن عَمّارٍ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الرَّبِيعِ، قال: ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أنه عُوقِب لأن الملائكةَ شافَھَتْه فبشّرَتْه بیحیی ،
٢٦٠/٣ قالت: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَ﴾. / فسأل بعدَ كلام الملائكةِ إِيَّه الآيةَ، فأُخِذ
عليه لسانُه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلامِ ﴿ إِلَّا رَمْزًا﴾ يقولُ: يُومِئُ إيماءً.
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢٠، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٥/٢ (٣٤٧٨) عن الحسن به، وتقدم
أوله فى ص ٣٦٩ .
(٢) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٤١٠.

٣٨٧
سورة آل عمران : الآية ٤١
حدَّثنى أبو عُبيدِ الوَصَّائِىُّ(١) ، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ
عَمٍو، عن بُبِيرٍ بنٍ نُفَيْرِ فى قوله: ﴿ قَالَ رَتٍّ اجْعَل لَّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا
تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: رَبَا لسانُه فى فيهِ حتى ملأه، ثم أَطْلَقه
اللهُ بعدَ ثلاثٍ(٢).
وإنما اخْتَارت القَرَأَةُ النصبَ فى قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِمَ النَّاسَ﴾. لأن معنى
الكلامِ: قال: آيتُك ألا تُكَلِّمَ الناسَ فيما يُشْتَقْبَلُ ثلاثةَ أيامٍ. فكانت ((أن)) هى التى
تَصْحَبُ الاستقبالَ(٤) دونَ التى تَصْحَبُ الأسماءَ، فتَنْصِبُها ، ولو كان المعنى فيه :
آَيْتُك أنك لا تُكَلِّمُ الناسَ ثلاثةَ أيامٍ . أى: أنك على هذه الحالِ ثلاثةَ أيام - كان وجهُ
الكلامِ الرفعَ؛ لأن ((أن)) كانت تكونُ(٥) حينئذٍ بمعنى الثقيلةِ خُفِّفت، ولكن لم يكنْ
ذلك جائزًا؛ لما وصَفتُ من أن ذلك بالمعنى الآخرِ .
وأمَّا الرمزُ ، فإن الأغلبَ مِن معانيه عندَ العربِ الإيماءُ بالشفتَينِ، وقد يُسْتَعْمَلُ
فى الإيماءِ بالحاجِبَينِ والعينَينِ أحيانًا ، وذلك غيرُ كثيرٍ فيهم، وقد يُقالُ للخَفِيِّ من
الكلامِ الذى هو مثلُ الهَمْسِ بخفضِ الصوتِ: الرمزُ. ومنه قولُ جُؤَيَّةَ بنِ عائدٍ(١) :
(١) فى ص: ((الوضافى))، وفى م: ((الرصافى))، وفى ت ١، س: ((الوصافى)). وتقدم فى ص ٢٩١.
(٢ - ٢) فى م: ((جويبر بن نصير)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٦/٢ (٣٤٨٢) معلقا عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير
ابن نفير، وستأتى رواية صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن، عن أبيه فى تفسير الآية (٧٤) من سورة الفرقان ،
وتفسير الآية (١٠) من سورة الأحقاف.
(٤) فى س: ((الأفعال)). ويقصد بالاستقبال أفعال المضارعة إشارة إلى الدلالة الزمانية. مصطلحات النحو
الكوفى ص ٧٤ .
(٥) سقط من : س .
(٦) فى م، ت ١: ((عابد)). وينظر بغية الوعاة ١/ ٤٩٠. والبيت فى التبيان للطوسى ٢٤٥٥/٢، والمحرر
الوجيز ٢ / ٤١١.

٣٨٨
سورة آل عمران : الآية ٤١
وكان تَكَلُّمُ (١) الأبطالَ رَمْزًا وَهَمْهَمَةٌ(٢) لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ"
يُقالُ منه: رمَز فلانٌ فهو يَرْمُزُ، وتَرْمِزُ رَمْزًا، ويَتَرَمَّزُ تَرَمُّزًا . ويُقالُ : ضرّبه ضربةً
فارْتَمَ منها. أى: اضْطَرب للموتِ ، قال الشاعرُ(٤):
: خَرَرْتُ مِنها لقَفاىَ أَرْتَمِزْ *
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى المعنى الذى عنَى اللهُ عز وجل به فى إخبارِه عن
زكريا مِن قولِه: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾. وأىِّ معانى
الرمزِ عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: آيتُك ألَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيامٍ إلا
تحريكًا بالشفتين، مِن غيرِ أن تَوْمُزَ بلسانكِ الكلامَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ ، عن النّضْرِ بنِ عربىٌّ ، عن مجاهدٍ فی
قوله: ﴿ إِلَّ رَمْزًا﴾. قال: تحريكُ الشفتين (٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾. قال: إيماؤه بشفتَيْه(٦).
/ حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
٢٦١/٣
(١) فى م: (( يكلم)).
(٢) فى مصدرى التخريج: ((وغمغمة)).
(٣) فى مصدرى التخريج: ((الهرير)). والهدير: تردد صوت البعير فى حنجرته، والهرير: صوت الكلب،
وهو دون النباح من قلة صيره على البرد . اللسان (هـ در، هـ رر).
(٤) هو صائد الضَّبِّ، وهذا عجز بيت صدره: ثم اعتمدت فجبَدتُ جَبْذةً. والبيت فى اللسان (ق ن ز)،
وعجزه فى اللسان ( ر م ز).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٦/٢ (٣٤٨٠) من طريق النضر بن عربى به نحوه.
(٦) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٥٢/١٩ من طريق ابن أبى نجيح به .

٣٨٩
سورة آل عمران : الآية ٤١
مجاهدٍ مثله .
وقال آخرون: بل عنَى اللهُ بذلك الإيماءَ والإِشارةَ .
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطٍ، عن الضخَّاكِ: ﴿إِلَّا
رَمْزًّا﴾. قال: الإشارةُ(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفَرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال : أخبرَنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمزُ أن
يُشِيرَ بِيدِه أو رأسِه ولا يَتَكَلَّمَ(٢) .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمزُ: أن أُخِذ بلسانِهِ، فجعَل يُكَلِّمُ
الناسَ بیده .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال:
والرمزُ الإشارةُ .
حدَّثنی يونسُ، قال : أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ رَبِّ
اجْعَل لِّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾ الآية. قال:
جعَل آيتَه ألا يُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا ، إلا أنه يَذْكُرُ اللهَ، والرمزُ الإِشارةُ ، يُشِيرُ
إليهم .
(١) تفسير سفيان ص ٧٧، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٥٢/١٩ من طريق سلمة بن
نبيط به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/٢ إلى المصنف .

٣٩٠
سورة آل عمران : الآية ٤١
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ إِلَّا رَمْزَّ ﴾: إلا إيماءً(١).
حُدِّثتُ عن عمَّارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٢).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿إِلَّا
رَمْزًا﴾. يقولُ: إشارةً(٣).
[٤٠٧/١ و] حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ ،
قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إلا إشارةٌ(٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ (٥) سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ فى
قولِه: ﴿قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَمْزًا﴾. قال: أُمْسِكَ
بلسانِه ، فجعَل يُومِىُ بيدِه إلى قومِه أن سبِّحوا بُكرةً وعَشِيًا (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِّ وَالْإِبْطَرِ
٤١
يعنى بذلك: قال الله جل ثناؤه لزكريا: يا زكريا ، آيتُك ألَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ
أيامٍ إلا رمزًا بغيرٍ خَرَسٍ، ولا عاهةٍ، ولا مرضٍ، واذكرْ ربَّك كثيرًا، فإنك لا تُمْتَعُ
ذكرَه، ولا يُحَالُ بينكَ(٧) وبينَ تسبيحِه وغيرِ ذلك مِن ذكرِه .
(١) تقدم تخريجه فى ص ٣٨٦ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٦/٢ عقب الأثر (٣٤٨١) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٦/٢ عقب الأثر (٣٤٨١) من طريق عمرو به.
(٤) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٤١١.
(٥) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((عمر بن)).
(٦) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٤١١.
(٧) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((وبينه) .

٣٩١
سورة آل عمران : الآية ٤١
وقد حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن أبى مَعْشَرٍ ، عن
محمدِ بنِ كعبٍ ، قال: لو كان اللهُ رَخَّص لأحدٍ فى تركِ الذِّكرِ، لرخّص لزكريا
حيثُ قال: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّ رَهْزًّا وَأَذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾
(١)
ء
أيضًا
/ وأمَّا قولُه: ﴿ وَسَبِّحْ بِلْعَشِ﴾. فإنه يعنى: عظّمْ ربَّك بعبادتِه بالعشىِّ، ٢٦٢/٣
والعشئُ : مِن حينِ تَزولُ الشمسُ إلى أن تَغِيبَ ، كما قال الشاعرُ :
فلا الظُّلَّ مِن بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ ولا الفَىْءَ مِن بردِ العشىِّ تَذُوقُ
فالفىءُ إنما تَبْتَدِئُ أَوْبَتُه من عندِ زوالِ الشمسِ، وتَتَنَاهَى بَغِيبِها .
وأمَّا الإِبکارُ، فإنه مصدرٌ مِن قولِ القائل : أُبْگر فلانٌ فى حاجةٍ ، فھو یُێکِرُ
إبكارًا . وذلك إذا خرَج فيها من بينِ مطلَعِ الفجرِ إلى وقتِ الضحى ، فذلك إبكارٌ .
يقالُ فيه : أبْكَر(٣) فلانٌ، وبكَر يَبْكُرُ بُكُورًا، فمِن الإبكارِ قولُ عمرَ بنِ أبى ربيعةً(٤):
أَمِنْ آلِ نُعْم أنتَ غادٍ فمُبْكِرُ "
ومِن البُكُورِ قولُ جريٍ(٥) :
ألا بكَرَتْ سلمى فجدَّ بُكورُها وشقَّ العصا بعدَ اجتماعٍ أميرُها
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢١٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٦/٢ (٣٤٨٤)، وابن عساكر فى
تاريخ دمشق ٥٢/١٩ من طريق أبی معشر به .
(٢) هو حميد بن ثور الهلالى، والبيت فى ديوانه ص ٤٠.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بكر)).
(٤) شرح ديوانه ص ٩٢، وهو صدر بيت عجزه :
((غَدَاةَ غدٍ أم رائحٌ فَمُهَجِّر))
(٥) ديوانه ٢ / ٨٩٠.

٣٩٢
سورة آل عمران : الآيتان ٤١، ٤٢
ويقال من ذلك : بگر النخلُ یَتگرُ بُکورًا ، واتگر ◌ُێکِرُ إِبکارًا ، والبا کورُ مِن
الفواكهِ : أوَّلُها إدراكًا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبِّحْ بِلْعَشِّ وَالْإِبْكَرِ﴾. قال: الإبكارُ أَوَّلُ الفجرِ،
والعشئُّ ميلُ الشمسِ حتى تَغِيبَ(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبِى تَجيجٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ الْمَبِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَتِكِ وَطَهَّرَكِ
٤٢
وَاصْطَفَكِ عَلَى نِسَآِ الْعَلَمِينَ
يعنى بذلك جل ثناؤه : واللهُ سميعٌ عليم إذ قالت امرأة عمران ربِّ إنى نذرتُ
لك ما فى بطنى مُحرّرًا ، وإذ قالت الملائكةُ يا مريمُ إِنَّ اللهَ اصطفاكٍ.
ومعنى قوله: ﴿ أَصْطَفَتكِ﴾: اخْتَاركِ واجْتَباكِ لطاعتِه وما خصَّكِ به مِن
كرامته .
وقولُه: ﴿ وَطَهَّرَكِ ﴾. يعنى: طهّر دِينَك مِن الرِّيَبِ والأدناس التى فى أديانِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٦/٢، ٦٤٧ (٣٤٨٦، ٣٤٨٧)، من طريق ابن أبى نجيح به،
وأخرجه ابن عسا کر فی تاریخه ٥٢/١٩ من طریق أبی یحیی ، عن مجاهد ، وهو فی تفسیر مجاهد ص ٢٥٢
مقتصرًا على تفسير العشى .

٣٩٣
سورة آل عمران : الآية ٤٢
نساءٍ بنى آدمَ ، ﴿ وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾ يعنى: اختاركِ على نساء العالمين
فى زمانِك بطاعتِك إياه ، ففضِّلكِ عليهم .
/ كما رُوِى عن رسولِ اللهِ عَ له أنه قال: ((خيرُ نسائِها مريمُ بنتُ عمرانَ، ٢٦٣/٣
وخيرُ نسائها خديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ)) يعنى بقولِه: ((خيرُ نسائِها)): خيرُ نساءِ أهلِ
الجنة .
حدَّثنى بذلك الحسينُ بنُ علىِّ الصُّدَائِيُّ، قال: ثنا مُحاضِرُ بنُّ المُوَرِّع، قال : ثنا
هشامُ بنُ عُروةَ ، عن أبيه ، عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، قال: سمِعتُ عليًّا بالعراقِ يقولُ:
سمِعتُ رسولَ اللهِ عَلَّهِ يقولُ: ((خيرُ نسائِها مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نسائِها
(١)
خديجةٌ))(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ ، قال : ثنى المتْذِرُ بنُ عبدِ اللهِ الحزامُ ،
عن هشامٍ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرِ بنِ أبى طالبٍ ، أن رسولَ
اللهِ مَ ◌ّهِ قال: ((خيرُ نساءِ الجنةِ مريمُ بنتُ عِمرانَ، وخيرُ نساءِ الجنةِ خديجةُ بنتُ
(٢)
خويلدٍ))(٢).
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَإِذْ قَالَتِ
الْمَلَئِكَةُ يَعَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾:
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ( ص ٣٨٣ - تراجم النساء ) من طريق محاضر بن المورع به ،
وأخرجه عبد الرزاق (١٤٠٠٦)، وابن أبى شيبة ١٣٤/١٢، وأحمد ٧٠/٢، ٢٥٣، ٣٣٨، ٣٨٧ (٦٤٠،
٩٣٨، ١١٠٩، ١٢١٢)، والبخارى (٣٤٣٢، ٣٨١٥)، ومسلم (٢٤٣٠)، والترمذى (٣٨٧٧)،
والبزار (٤٦٧، ٤٦٨)، وأبو يعلى (٥٢٢)، والبغوى (٣٩٥٤)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق (ص ٣٧٠-
٣٧٣ - تراجم النساء) من طريق هشام بن عروة به .
(٢) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه (ص ٣٧٣ - تراجم النساء) من طريق يونس ، به ، وفيه : المنذر بن عبيد ،
وفيه : عن جعفر عبد الله بن جعفر ، عن على .

٣٩٤
سورة آل عمران : الآية ٤٢
ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ وَِّّمِ كان يقولُ: «حَسْبُكَ(١) بمريمَ بنْتِ عمرانَ، وامرأةٍ
فرعونَ، وخديجةً بنتِ خُوَيْلِدٍ، وفاطمةً بنتِ محمدٍ مِن نساءِ العالمِين))(٢).
قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ عَلِ كان يقولُ: ((خيرُ نساءٍ ركِبْنَ الإبلَ
صوالحُ نساءٍ قريشٍ؛ أحْنَاهُ على ولدٍ فى صِغَرِهِ، وأرْعَاه على زوجٍ فى ذاتِ
يدِهِ))(١). قال قتادةُ: وذُكِر لنا أنه كان يقولُ: ((لو علمتُ أن مريمَ ركِبت
الإِبلَ ما فضَّلتُ عليها أحدًا)).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَآءِ
الْعَلَمِينَ﴾. قال: كان أبو هريرةَ يُحَدِّثُ أن النبيَّ عَ لِّه قال: ((خيرُ نساءٍ ركِبْنَ
الإبلَ صالِحُ(٢) نساء قريشٍ؛ أخْنَاه على ولدٍ ، وأرْعَاه لِزَوْج فى ذاتِ يدِهِ)) . قال أبو
هريرةَ : ولم تَوْكَبْ مريمُ بعيرًا قط (٥).
[٤٠٧/١ ظ] خُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَتِ
اٌلْمَلَئِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾
قال: كان ثابتٌ البُنانىُ يُحَدِّثُ عن أنس بن مالكِ أن رسولَ الله ◌ُ لهِ قال: « خیرُ
(١) بعده فى س: ((من نساء الدنيا)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (٢٠٩١٩)، والترمذى (٣٨٧٨)، وأحمد ١٣٥/٣ (١٢٤١٤) موصولًا
من حديث أنس .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٤/١٢، وابن أبى عاصم فى السنة (١٥٣٣)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق
(ص ٣٨١ - تراجم النساء) موصولًا من حديث أبى هريرة .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((صلح)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٢٠/١، والبخارى (٣٤٣٤)، ومسلم (٢٥٢٧/٢٠١)، وابن أبى حاتم فى تفسيره
٦٧٤/٢ (٣٤٨٨) من طريق الزهرى ، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة مرفوعا .

٣٩٥
سورة آل عمران : الآية ٤٢
نساءِ العالَمِينَ أربعٌ، مريمُ بنتُ عمرانَ، وآسيةُ بنتُ مُزَاحِم امرأةٌ فرعونَ ، وخديجةُ
بنتُ خُوَيْلِدٍ ، وفاطمةُ بنتُ محمدٍ ))(١).
حدَّثنى الُثَنَّى ، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانِىُّ، قال: ثنا شُعبةُ ، قال: ثنا عمرُو بنُ
مُرَّةَ ، قال : سمِعتُ مُرَّةَ الهَمْدَانيَّ يُحَدِّثُ عن أبى موسى الأشعرىِّ، قال: قال
رسولُ اللهِ مَ ◌ّهِ: ((كمَل مِن الرجالِ كثيرٌ، ولم يَكْمُلْ مِن النساءِ إلا مريمُ ، وَآسِيَةُ
امرأةُ فرعونَ، وخديجةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ ، وفاطمةُ بنتُ محمدٍ ))(٢) .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسودِ المِصرىّ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةً، عن عُمارَةَ
ابنِ غَزِيَّةً، عن محمدٍ / بنِ "عبدِ اللهِ بنِ عَمرو بن عثمانَ، أن فاطمةَ بنتَ حسين
ابن علىٍّ حدَّثتْه، أن فاطمةَ بنتَ رسولِ اللهِ مَ ◌ّهِ قالت: دخَل رسولُ اللهِ عَِّلَّمِ يومًا ٢٦٤/٣
وأنا عندَ عائشةَ، فناجانى فبكيتُ، ثم ناجانى فضحِكتُ، فسألتنى عائشةُ عن
ذلك، فقلتُ: لقد عجِلتِ، أَخْبِرُكِ بسرٌّ رسولِ اللهِ عَلِ؟! فترَكَتْنى، فلمَّا تُؤُفِّى
رسولُ اللهِ ◌َِّمِ، سألتها عائشةُ، فقالت: نعم، ناجانى فقال: ((جبريلُ كان
يُعارِضُ القُرآنَ كلَّ عامٍ مَرةً ، وإنه قد عارض القرآنَ مرتين، وإنه ليس مِن نبيِّ إلا عُمِّر
نصفَ عُمْرِ الذى كان قبله ، وإن عيسى أخى كان عمرُه عشرين ومائةً سنةٍ ، وهذه
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ( ص ٣٧٨ - تراجم النساء ) من طريق أبى جعفر به ، وأخرجه
الخطيب فى تاريخ بغداد ٤٠٤/٩، وابن عساكر ص ٣٧٧، ٣٧٨ من طريق أبى جعفر عن محمد بن سعيد
عن ثابت به .
(٢) أخرجه البخارى (٣٤٣٣، ٣٧٦٩) من طريق آدم به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٢٨/١٢، وأحمد ٣٩٤/٤،
٤٠٩ (الميمنية)، والبخارى (٣٤١١، ٥٤١٨)، ومسلم (٢٤٣١)، وابن ماجه (٣٢٨٠)، والترمذى
(١٨٣٤)، والطحاوى فى المشكل (١٥٠)، وابن حبان (٧١١٤)، والطبرانى ٢٣ / (١٠٦)، والبغوى
(٣٩٦٢) من طريق شعبة به .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((عبد الرحمن)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٥١٦/٢٥.

٣٩٦
سورة آل عمران : الآية ٤٢
لى ◌ِتُّون ، وأحْسَبُنى ميًّا فى عامى هذا، وإنه لم تُؤْزَاً امرأةٌ من نساءِ العالمين بمثلِ ما
رُزِقْتِ ، ولا تكونى دونَ امرأةٍ صبرًا)). قالت: فبكيتُ، ثم قال: ((أْتِ سيدةُ نساءٍ
أهلِ الجنةِ إلا مريمَ البَقُولَ )). فتُؤُنِّى عامَه ذلك(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسودِ ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةً، عن عَمرِو بنِ
الحارثِ، أن أبا زيادٍ الحِمْيَرِىَّ حدَّثه أنه سمِع عمارَ بنَ سعدٍ يقولُ: قال رسولُ
اللهِ عَّهِ: ((فُضِّلت خديجةُ على نساءٍ أَمَّتِى، كما فُضِّلت مريمُ على نساءِ
(٢)
العالمين ))
وبمثلِ الذى قلنا فى معنى قوله: ﴿ وَطَهَّرَكِ﴾ - أنه: وطهَّرَ دِينَكِ مِن الدَّنَسِ
والرِّيَبِ - قال مجاهدٌ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبی نَجیح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَئِكِ وَطَهَّرَكِ﴾ قال: جعَلك طيبةً إيمانًا(١).
حدَّثنَى الْمُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِيلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى الحَجَّاج، عن ابنِ مجرَيجٍ:
وَأَصْطَفَتِكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَلَمِينَ﴾ قال: ذلك للعالمين يومَئذٍ (٤).
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٩٦٥، ٢٩٧٠)، والدولابى فى الذرية الطاهرة (١٩٤)،
والطحاوى فى المشكل (١٤٦، ١٩٣٧)، والطبرانى ٤١٧/٢٢، ٤١٨ (١٠٣١)، والبيهقى فى الدلائل ٧/
١٦٥، والخطيب فى الكفاية ٣٣١/١، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤٨١/٤٧ من طريق ابن غزية به .
(٢) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٤١٦/٢ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/٢ إلى المصنف.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٥٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٧/٢ (٣٤٨٩).
(٤) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٤١٥/٢، والقرطبى فى تفسيره ٨٢/٤.

٣٩٧
سورة آل عمران : الآيتان ٤٣،٤٢
وكانت الملائكةُ - فيما ذكر ابنُ إسحاقَ - تقولُ ذلك لمريمَ شِفاهًا .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سَلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، قال: كانت مريم
حَبيسًا فى الكنيسةِ ، ومعها فى الكنيسةِ غلامٌ اسمُه يوسفُ ، وقد كان أمّه وأبوه
[٣٩٢/١ و] جعَلاه نذيرًا حَبيسًا، فكانا فى الكنيسةِ جميعًا، وكانت مريم إذا نفِد ماؤها
وماءُ يوسفَ، أَخَذا قُلتيْهما، فانطلقا إلى المفازةِ التى فيها الماءُ الذى يَسْتَغْذِبان منه ،
فيملآن قُلَّتيهما، ثم يرِعان(١) إلى الكنيسةِ ، والملائكةُ فى ذلك مقبلةٌ على مريمَ :
﴿ يَكَّرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنْكِ وَطَهَّرَكِ وَأَصْطَفَتَكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَلَمِينَ﴾. فإذا سمِع
ذلك زكريا، قال : إن لابنةٍ عمرانَ الشَّأَنًا (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُنِى لِرَبَّكِ وَأَسْجُدِى وَأَزَكَعِى مَعَ
الزَّكِعِينَ (
(٤٣
يعنى جل ثناؤه بقولِه - خبرًا عن قِيلِ ملائكتِه لمريمَ -: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُقِ لِرَبِّكِ﴾:
أُخْلِصی الطاعةً لربِّك وحدَه .
وقد دلَّلْنا على معنى ((القُنوتِ)) بشواهدِه فيما مضى قبلُ، والاختلافُ بينَ
أهلِ التأويلِ فيه فى هذا الموضعِ نحوُ اختلافِهم فيه هنالك(٢) .
وسَنَذْكُرُ قولَ بعضِهم أيضًا فى هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اقْنُِّ﴾:
أطيلى الركودَ (٤).
(١) بعده فى ص، ت ٢: (( بها)).
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٥٩٣/١ مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣/٢، ٢٤ إلى المصنف.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٤٦١/٢، ٤٦٤.
(٤) فى س، ت ٢: ((الركوع)).

٣٩٨
سورة آل عمران : الآية ٤٣
٢٦٥/٣
/ ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ : ﴿يَمَرْيَمُ أُقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾ قال: أطِيلى الركودَ. يعنى القنوتَ(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿آَقْنُِّى
لِرَبِّكِ﴾ قال: قال مجاهدٌ: أطِيلى الركودَ فى الصلاةِ . يعنى القنوتَ.
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن لَيثٍ ، عن
مجاهدٍ ، قال: لمّ قيل لها: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾. قامت حتى ورِم كعباها (١).
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثناعبدُ اللهِ بنُ إدریسَ، عن لیث ، عن
مجاهدٍ ، قال: لمّا قيل لها: ﴿ يَمَرْيَمُ أَقْنُّتِى لِرَبِّكِ﴾ قامت حتى ورِمت قدماها (١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا الثورىُّ،
عن ابنِ أبى ليلى، عن مجاهدٍ: ﴿أَقْنُِّى لِرَبِكِ﴾. قال: أطيلى الركودَ(٤).
حُدِّثتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبِيعِ: ﴿يَمَرْيَمُ
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ( ص ٣٦٩ - تراجم النساء) من طريق ابن أبى نجيج به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٨/٢ (٣٤٩٤) من طريق ابن إدريس به . وأخرجه ابن أبى الدنيا فى
التهجد وقيام الليل (٢١٨) من طريق ابن إدريس ، عن أبيه، عن مجاهد .
(٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق (ص ٣٦٨ - تراجم النساء) من طريق ابن إدريس به نحوه .
(٤) تفسير سفيان ص ٧٧، وتفسير عبد الرزاق ١٢٠/١، ومن طريق سفيان ابن عساكر فى تاريخ دمشق
(ص ٣٦٨ - تراجم النساء) وعندهم : عن ابن أبى ليلى ، عن الحكم ، عن مجاهد ، وأخرجه أبو نعيم فى
الحلية ٢٩٨/٣ من طريق سفيان به بدون ذكر الحكم .

٣٩٩
سورة آل عمران : الآية ٤٣
أَقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾ قال: القنوتُ الركودُ، يقولُ: قومى لربِّك فى الصلاةِ. يقولُ:
ارْكُدى لربِّك، أى: انتصِبى [٤٠٨/١ و] له فى الصلاةِ، ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ
الزَّكِينَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيانَ، عن لَيثٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾ قال: كانت تصلِّى حتى تَرِمَ قدماها (١).
حدَّثنى ابنُ البَرْقِيّ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا الأوْزَاعِىُّ: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى
١٠
لِرَبِّكِ﴾ قال: كانت تقومُ حتى يَسِيلَ القَيحُ مِن قدَميها(٢).
وقال آخرون : معناه : أخْلِصی لربِّك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحِمَّانىُ، قال : ثنا ابنُ المباركِ، عن شَريكِ ، عن سالمٍ،
عن سعيدٍ: ﴿ يَمَرْيَمُ أَقْنُنِى لِرَبَّكِ﴾ قال: أخْلِصى لربِّك (٤) .
وقال آخرون : معناه : أطيعی ربَّك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
(١) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٤١٧/٢ بنحوه .
(٢) تفسير الثورى ص ٧٧، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ( ص ٣٦٨ - تراجم النساء) .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٨/٢ (٣٤٩٦، ٣٤٩٧) من طريق الوليد ، عن الأوزاعى
بنحوه .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤/٢ إلى المصنف .

٤٠٠
سورة آل عمران : الآيتان ، ٤٣، ٤٤
قتادةَ فى قولِه: ﴿ اقْنُّتِى لِرَبَّكِ﴾ قال: أطيعى ربَّك(١).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَقْنُتِى
لِرَبَّكِ﴾ : أطیعی ربَّكِ .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ حَربٍ ، قال: ثنا ابنُ
٢٦٦/٣ لَهِيعَةَ، عن درَّاج، عن / أبى الهَيْثَمِ، عن أبى سعيدِ الخُدْرىِّ، عن النبيِّ عَ لْمٍ قال:
((كُلُّ حرفٍ يُذْكَرُ فيه القنوتُ مِن القرآنِ، فهو طاعةٌ للهِ))(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سِناٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُّ ، عن عبَّادِ بنِ منصورٍ ، عن
الحسنِ فى قولِه: ﴿ يَمَرْيَمُ أَقْنُتِى لِرَبِّكِ﴾. قال: يقولُ: اعتدى ربَّك (٢).
قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّا أيضًا معنى ((الركوع)) و((السجودِ)) بالأدِلَّةِ الدالَّةِ على
صحتِه، وأنهما بمعنى الخشوعِ للهِ، والخضوعِ له بالطاعةِ والعبودةٍ(٤).
فتأويلُ الآيةِ إذن : يا مريمُ أخلِصى عبادةَ ربِّك لوجهِه خالصًا، واخشَعى
لطاعتِه وعبادتِه، مع مَن خشَع له مِن خلْقِه، شكرًا له على ما أكرمكِ به مِن
الاصطفاءِ والتطهيرِ مِن الأدناسِ ، والتفضيلِ على نساءٍ عالَمِ دهرِك.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ﴾ .
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾: الأخبارَ التى أَخْبَر بها عبادَه عن امرأةٍ
عمرانَ وابْنتِها مريمَ ، وزكريا وابنِه يحيى، وسائرِ ما قصَّ فى الآياتِ مِن قوله :
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٢١.
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٨٢/٤ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٨/٢ (٣٤٩٥) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٦١٣/١، ٧١٤، ٧١٥.