النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة آل عمران : الآية ٣٦
أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ عَلِ قال: ((كلُّ بنى آدمَ يَمَسُّه الشيطانُ يومَ وَلَدَتْه ◌ُّه ، إلا
(١)
مريمَ وابْتَها))(١) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى عمرٌو(١)، أن أبا يُونسَ
حدَّثه، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ عَلِ مثلَه.
حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا مَعْمرٌ، عن
الزهرىِّ، عن ابنِ المُسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ عَ لّهِ: ((ما مِن
مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلا يَمَسُّه الشيطانُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِن مَسَّةِ الشيطانِ، إلا مريمَ وابنَها)).
ثم يقولُ أبو هريرةَ : اقرءوا إن شئتُم: ﴿ وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ
الرَّحِيمِ﴾(٢).
حدَّثْنى المثنى، قال: ثنا الحِمَّانِىُّ، قال: ثنا قَيْسٌ، عن الأعمشِ، عن أبى
صالحٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((ما مِن مولودٍ يُولَدُ إلا
وقد عَصَرِه الشيطانُ / عَصْرَةً أُو عَصْرَتَيْنْ، إلا عيسى ابنَ مريمَ ومريمَ)). ٢٤٠/٣
ثم قَرَأْ رسولُ اللهِ عَلَّهِ: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ
(٤)
الرَّحِيمِ﴾(١).
(١) أخرجه مسلم (٢٣٦٦)، وابن حبان (٦٢٣٤)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣١/١٤
(مخطوط) من طريق ابن وهب به.
(٢) فى النسخ: ((عمران)). وتقدم فى الإسناد قبله، وينظر ما تقدم فى ٤٠٦/٢، ٥٥٥ .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١١٩/١، ومن طريق أحمد (٧٧٠٩)، والبخارى (٤٥٤٨)، ومسلم ١٤٦/
(٢٣٦٦)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٨/٢ (٣٤٣٢)، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٥/١١، وأحمد
(٧١٨٢)، ومسلم ١٤٦/(٢٣٦٦)، وابن حبان (٦٢٣٥) من طريق معمر به .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٧/٢ عن المصنف .

٣٤٢
سورة آل عمران : الآية ٣٦
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا هارونُ بنُ المُغيرةِ، عن عمرو بنٍ أبى قيسٍ، عن
سِماكٍ، عن عِكرمةً، عن ابنِ عباس، قال: ما وُلِدَ مولودٌ إلا وقد اسْتَهَلّ، غيرَ المَسيح
ابنِ مِريمَ ، لم يُسَلَّطْ عليه الشيطانُ ولم يَنْهَزْه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، [٤٠١/١ظ] قال: أخبرنا
المُنْذِرُ بنُ النَّعمانِ الأَفْطَسُ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهِ يقولُ: لما وُلِدَ عيسى،
أتت الشياطينُ إبليسَ، فقالوا: أَصْبَحتِ الأصنامُ قد نُكِسَتْ رءوسُها. فقال:
هذا فى حادثٍ حدَث. فقال: مكانَكم. فطار حتى جاء خافِقَي الأرضِ، فلم
يَجِدْ شيئًا، ثم جاء البحارَ، فلم يَجِدْ شيئًا، ثم طار أيضًا، فوجَد عيسى قد
وُلِدَ عندَ مِذْوَدِ (٢) حمارٍ، وإذا الملائكةُ قد حَقَّت حولَه، فرجَع إليهم فقال: إن
نبيًّا قد وُلِدَ البارحةَ، ما حَمَلَت أَنْثَى قَطُّ ولا وَضَعت إلا أنا بحَضْرتِها إلا
هذه، فَأْيَسُوا أن تُعْبَدَ الأصنامُ بعدَ هذه الليلةِ، ولكن اثْتوا بنى آدمَ مِن قَبَلٍ
الخِقَّةِ والعَجْلةِ(٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا
بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾: وذُكِرَ لنا أن نبيَّ اللـهِ سَمِ كان يقولُ:
(( كلُّ بنى آدمَ طعَن الشيطانُ فى جَنْبِهِ، إلا عيسى ابن مريمَ وأَمَّه، جُعِلَ بينَهما
وبينَه حِجابٌ، فأصابت الطَّعْنَةُ الحِجابَ، ولم يَنْفُذْ إليهما شىءٌ)). وذُكِرَ لنا
(١) ذكره السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٢ وعزاه إلى المصنف .
(٢) المذود : معلف الدابة .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١١٩/١ عن المنذر بن النعمان به، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣١/١٤
( مخطوط)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٢ إلى ابن المنذر.

٣٤٣
سورة آل عمران : الآية ٣٦
أنهما كانا لا يُصِيبان الذنوبَ كما يُصِيبُها سائرُ بنى آدمَ. وذُكِرَ لنا أن عيسى
كان يَمَشِى على البحرِ كما يَمِشِى على البرّ، مما أعطاه اللهُ تعالى مِن اليقينِ
والإخلاصِ)) .
حدَّثنى المُنى، قال: حدثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن
أبيه، عن الربيع: ﴿ وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال:
إن نبيَّ اللهِ عَ ◌ّ قال: ((كلَّ آدمِيٍّ طعَن الشيطانُ فى جَنْبِهِ، غيرَ عيسى وأَمِّه،
كانا لا يُصِيبان الذُّنُوبَ كما يُصِيبُها بَنُو آدمَ)). قال: ((وقال عيسى ◌َّ فيما
يُثْنِى على ربِّه: وأعاذَنى وأَمِّى مِن الشيطانِ الرجيم، فلم يكنْ له علينا
(٢)
سبيلٌ))(٢).
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ ، قال: ثنا شُعيبُ بنُ الليثِ ، قال : ثنا الليثُ، عن
جعفرِ بنِ ربيعةً، عن عبد الرحمنِ بنِ هُرمزَ أنه قال : قال أبو هريرةَ : قال رسولُ
اللهِ عَّهِ: ((كلُّ بنى آدمَ يَطْعُنُ الشيطانُ فى جَنْبِهِ حينَ تَلِدُهُ أُمُّه، إلا عيسَى ابنَ مريمَ،
ذهَب يَطْعُنُ فطعَن فى الحجابِ))(٣).
حدَّثنا الربيعُ، قال : ثنا شُعَيبٌ ، قال : أخبرنا الليثُ، عن جعفرٍ بن ربيعةً، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ هُرْمُزَ أنه قال : قال أبو هريرةَ : أرأيتَ هذه الصَّرخةَ التى يَصْرُخُها
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٩/٢ إلى المصنف وابن المنذر. وأخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/
٦٣٨ (٣٤٣٦) من طريق شيبان ، عن قتادة .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢/ ١٩، ٢٠ إلى المصنف.
(٣) أخرجه الحميدى (١٠٤٢)، وأحمد ٤٥١/١٦ (١٠٧٧٣)، والبغوى فى تفسيره ٣٠/٢ من طريق
عبد الرحمن بن هرمز به .

٣٤٤
سورة آل عمران: الآيتان ٣٦، ٣٧
الصبىُ حين تَلِدُه ◌ُثُّه ؟ فإنها منها .
حدَّثنى أحمدُ بنُ الفرَج، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليدِ ، قال: ثنا الزّيَيدىُّ، عن
الزُّهرىِّ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ أن رسولَ اللهِ صَ لِّ قال: (( ما مِن بنى آدمَ
مَوْلُودٌ إلا ◌َمَشُهِ الشَّيطانُ حِينَ يُولَّدُ يَسْتَهِلُ صارخًا)) (١).
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَتًا حَسَنً﴾ .
٢٤١/٣
يعنى بذلك ("أن الله٢) جلَّ ثناؤه تَقَتَّل مَريمَ مِن أُمُّها حَتَّةَ؛ تَحريرَها(٣) إياها
للكنيسةِ وخِدْمتَها وخِدْمةَ ربِّها ، بقَبولِ حَسنٍ .
والقَبولُ ، مصدرٌ: مِن قَبِلَها ربُّها . فأخْرَج المصدرَ على غيرِ لفظِ الفِعلِ. ولو
كان على لفظِه لكان: فَتَقَبَّلها ربُّها تَقَبُّلاً حَسَنًا. وقد تَفْعلُ العربُ ذلك كثيرًا؛ أن
يَأْتوا بالمصادرِ على أصولِ الأفعالِ ، وإن اخْتَلَفَتْ أَلْفاظُها فى الأفعالِ بالزيادةِ ، وذلك
كقولهم: تَكَلَّم فلانٌ كلامًا. ولو أُخرِج المصدرُ على الفعلِ لَقيلَ: تَكلَّم فلانٌ
تكَلُّمًا. ومنه قولُه: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا﴾. ولم يَقلْ: إنْباتًا حَسَنًا ..
وذُكِرَ عن أبى عمرو بن العلاءِ(٤) ، أنه قال : لم نَسْمَعِ العربَ تَضُمُّ القافَ فى
((قَبُولٍ ))، وكان القِياسُ الضمّ؛ لأنه مَصْدرٌ مثلُ الدُّخُولِ والخُرُوجِ. قال: ولم
أسْمَعْ بحرفٍ آخرَ فى كلامِ العربِ يُشْبِهُه .
حُدِّثْتُ بذلك عن أبى عبيدٍ ، قال: أخبرنى اليَزِيدىُّ، عن أبى عمرٍو.
(١) أخرجه أبو يعلى (٥٩٧١)، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ١٤ / ٣١،٣٠ (مخطوط)، من طريق الزهرى به
نحوه، وذكره الحافظ فى الفتح ٤٦٩/٦ عن الزبيدى به، ووقع فى الفتح ((السدى)) بدل ((الزبيدى)).
(٢ - ٢) سقط من: م، س.
(٣) فى ص، م: ((بتحريرها)).
(٤) ينظر اللسان (ق ب ل) .

٣٤٥
سورة آل عمران : الآية ٣٧
وأما قولُه: ﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ . فإن معناه : وأنْبتها ربُّها فى غِذائِه ورزقِه
نباتًا حَسَنًا حتى تَمَّتْ فَكَمَلَتِ امرأةً بالغةً تامةٌ .
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ،
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. قال: تَقَبَّل مِن أَمِّها ما أرادت
بها للكنيسةِ، وأَجَرَها فيها، ﴿ وَأَثْبَتَهَا﴾ قال: نَبتت فى غذاءِ اللهِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ .
اختلفت القَرأَةُ فى قراءةٍ قولِه : ﴿ وَكَفَّلَهَا﴾؛ فقرَأَتْه عامةُ قَرأَةِ أهلِ الحجازِ
والمدينةِ والبصرةِ: (وكفَلها) مُخَفَّفَةَ الفاءِ(١)، بمعنى: ضَمَّها زكريا إليه . اعتبارًا
بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٤].
وقرَأَ ذلك عامةُ قَرأَةِ الكوفيين: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيَّأْ﴾(٢). بمعنى: وكَفَّلها اللهُ
زكريا .
وأوْلَى القراءتين بالصوابِ فى ذلك عندى قراءةُ مَن قرأ: ﴿ وَكَفَّلَهَا﴾. مُشَدَّدةَ
الفاءِ (٤) ، بمعنى: وكَفَّلَها اللهُ زكريا. بمعنى: وضمّها اللهُ إليه. لأن زكريا أيضًا
ضَمَّها إليه بإيجابِ اللهِ له ضَمَّها إليه، بالقُرْعَةِ التى أُخْرَجها اللهُ له، والآيةِ التى
أَظْهَرها لخصومِه فيها ، فجعَله بها أَوْلَى منهم ، إذ قرَع فيها مَن شاخَّه(٥) فيها. وذلك
أنه بلَغنا أن زكريا وخُصُومَه فى مريمَ إذ تَنازَعوا فيها، أيُّهم تكونُ عندَه ، تساهَموا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ إلى المصنف وابن المنذر.
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر. ينظر حجة القراءت ص ١٦١.
(٣) وهى قراءة عاصم وحمزة والكسائى . المصدر السابق.
(٤) كلتا القراءتين صواب .
(٥) قَرَع أصحابه: إذا كانت له القُرعة دونهم.

٣٤٦
سورة آل عمران : الآية ٣٧
بِقِدَاحِهِم ، فرَمَوْا(١) بها فى نهرِ الأُزْدُنِّ، فقال بعضُ أهلِ العلم: ارْتَزَّ(٢) قِدْخُ زكريا،
فقام فلم يَجْرِ به الماءُ، وجرى [٤٠٢/١و] بقداح الآخرين الماءُ، فجعل اللهُ ذلك لز كريا
عَلَمَا (٢) أنه أحقُّ المتنازِعين فيها بها (٣) .
/وقال آخرون : بل صعد ) قِدْخُز کریا فى النهر ، وانْحَدَرت قِداح الآخرین مع
جِرْيَةِ الماءِ و(٢) ذَهَبت، فكان ذلك له علَمًا مِن اللهِ فى أنه أَوْلَى القومِ بها .
٢٤٢/٣
وأُّ الأَمْرَيْن كان مِن ذلك ، فلا شكّ أن ذلك كان قضاءً مِن اللهِ بها لز كريا على
خصومِه بأنه أولاهم بها . وإذا كان ذلك كذلك ، فإنما ضَمَّها زكريا إلى نفسِه بضَمِّ اللهِ
إياها إليه ، بقضائه له بها على خُصومِه عندَ تَشاحِّهم فيها ، واخْتِصامِهم فى أَوْلاهم
بها .
وإذا كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن أوْلَى القِراءَتَين بالصوابِ ما اخْتَرْنا مِن
تَشْديدٍ ﴿ كَفَّلَهَا﴾.
وأما ما اعْتَلَّ به القارئون ذلك بتَخْفيفِ الفاءِ مِن قولِ اللهِ: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ
مَرْيَمٌ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وأن ذلك مُوجِبٌ صِحَّةَ اختيارِهم التَّخفيفَ فى قولِه :
وَكَفَّلَهَا﴾، فحُجةٌ دالةٌ على ضَعْفِ اخْتيالٍ (١) المحتجّ بها، وذلك أنه غيرُ مُمْتَنِعِ ذو
= وشاحه فيها: مثل قولهم: تشاًا على الأمر. أى تنازعاه. وفلان يُشامحُ على فلان. أى يضنُّ به. تاج
العروس ( ش ح ح ، ق رع).
(١) فى م، ت١: ((رموا)).
(٢) فى م: ((رتب)). وارتَزٌ: من رزَّ الشىءَ فى الأرض وفى الحائط يَرْزُّه رَزًّا فارتزٌ: أثبته فثَبَت . وأما رتب فمن
: رتب الشىء ، أى : ثبت فلم يتحرك . اللسان (ر ت ب، رزز).
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٤) فى ص: ((صاعد)). ولعل صوابها : اصاعد .
(٥) فى ص كلمة غير واضحة، وفى ت ١، ت ٢: ((هى).
(٦) فى م: ((اختيار)).

٣٤٧
سورة آل عمران : الآية ٣٧
عقلٍ مِن أن يقولَ قائلٌ: كفَّل فلانٌ فلانًا فَكَفَله فلانٌ . فكذلك القولُ فى ذلك: أَلْقَى
القومُ أقلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مريمَ بتَكفيلِ اللهِ إياه بقضائِه الذى يَقْضِى بينَهم فيها ، عندَ
إلقائهم الأقلامَ .
وكذلك اخْتَلَفتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ﴿ زَكِيَّا﴾؛ فقَرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ بالمدٍّ ،
وقَرأَتْه عامةُ قَرأةِ الكوفةِ بالقَصْرِ(١). وهما لُغَتان مَعْروفتان وقراءتان مُسْتَفِيضتان فى
قرأةِ المسلمين، وليس فى القراءةِ بإحداهما خِلافٌ لمعنى القراءةِ الأخْرَى، فبأيَتِهما
قرَأ القارئُ فهو مُصِيبٌ .
غيرَ أن الصوابَ عندَنا إذا مُدَّ((زكريا))، أن يُنْصَبَ بغيرِ تَنْوينٍ؛ لأنه اسمٌ مِن
أسماءِ العَجَم لا يُجْرَى(٢)، ولأن قِراءَتَنا فى ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ بالتشديدِ وتَتْقيلِ الفاءِ، فـ
((زكرياءُ)) مَنصوبٌ بالفعلِ الواقعِ عليه .
وفى ((زكريا )) لغةٌ ثالثةٌ لا تَجُوزُ القراءةُ بها ؛ لخلافِها مصاحفَ المسلمين، وهو
((زَكَرِىٌّ))، بحذفِ المَدَّةِ والياءِ الساكنةِ، تُشَبَّهُه العربُ بالمنسوبِ من الأسماءِ،
فتُنَوِّنُه وتُّجْرِيه فى أنواع الإعرابِ مَجارِىَ ياءِ النِّسبةِ .
فتأويلُ الكلام: وضَمَّها اللهُ إِلى زكريا . مِن قولِ الشاعرِ :
* فَهْوَ لِضُلَّالِ الهَوَامُ(٤) كافِلُ *
(١) قرأ حفص وحمزة والكسائى وخلف بالقصر من غير همز فى جميع القرآن، ووافقهم الحسن والأعمش،
والباقون بالهمز والمد. إتحاف فضلاء البشر ص ١٠٤.
(٢) لا يجرى. أى: لا يصرف. مصطلحات النحو الكوفى ص ٩٨.
(٣) مجاز القرآن ١٤/٢.
(٤) هوامى الإبل: ضوالُّها. وقال أبو عبيدة: الهوامى: الإبل المهملة بلا راع، وقد هَمَت تَهْمى فهى هاميةٌ؛
إذا ذهبت على وجهها . وكل ذاهب وجار من حيوان أو ماء فهو هام. النهاية ٢٧٦/٥، واللسان (هـ م ی).

٣٤٨
سورة آل عمران : الآية ٣٧
يرادُ به(١) : لما ضَلَّ مِن مُتَفَرَّقِ النَّعَم ومُنْتَشِرِهِ ضامّ إلى نفسِه وجامِعٌ .
وقد ژوی :
فَهْوَ لِضُلَّالِ الهَوافِىِ(٢) كَافِلُ »
بمعنى أنه لما نَدَّ فهرَب مِن النَّعَم ضَامٌّ. مِن قولِهِم: هَفَا الظُّلِيمُ . إذا أُسْرَع
الطيرانَ .
يقالُ منه للرجل : ما لك تَكْفُلُ كلَّ ضالَّةٍ؟ يعنى به : تَضُُّها إليك وتَأْخُذُها .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ الطَّفاوِىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ رَبيعةً ، عن النَّضْرِ
ابنِ عربىٌّ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمٌ﴾ [آل
عمران: ٤٤]. قال: أَلْقَوا أقلامَهم، فجَرَت بها الجِزْيَةُ، إلا قلمَ زكريا اصَّاعَدَ ،
فَكَفَلها زكريا(٤) .
حدَّثنى المُثُنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيع قولَه: / ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ قال: ضَمَّها إليه. قال: أَلْقَوا أقلامَهم، يقولُ:
عِصِيَّهم. قال: فَأَلْقَوْها تلقاءَ جِزْيَةِ الماءِ ، فاسْتَقْبَلَت عصا زكريا جِرْيَةَ الماءِ، فَقَرَعَهم ).
٢٤٣/٣
(١) فى م: ((أنه )).
(٢) الهوافى: الإبل الضوال، واحدتها هافية، من: هَفَا الشىءُ يهفو. إذا ذهب. وهفا الطائر، إذا طار.
والريح، إذا هبت . اللسان (هـ ف و).
(٣) فى النسخ: ((صاعدا)). ولا يستقيم المعنى إلا بما أثبتناه، وينظر ما تقدم فى ص ٣٤٦.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٩/٢ (٣٥٠٣)، من طريق النضر به نحوه.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٩/٢، ٦٥٠ (٣٤٣٩، ٣٥٠٧) من طريق ابن أبى جعفر به .

٣٤٩
سورة آل عمران : الآية ٣٧
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ: قال اللهُ عَزَّ
وجلَّ: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ فانْطَلَقَتْ بها أمُّها فى
خِرَقِها - يعنى أمَّ مريمَ بمريمَ - حينَ وَلَدَتْها إلى المحرابِ - وقال بعضُهم: انْطَلَقتْ
حين بَلَغتْ إلى المحرابِ - وكان الذين يَكتُّبون التوراةَ إذا جاءوا إليهم بإنسانٍ
يُحَرِّرونه(١) ، اقْتَرعوا عليه أَيُّهم يَأْخُذُه فِيُعَلِّمُه. وكان زكريا أفْضَلَهم يومئذٍ ، و كان
نِّيَّهم(٢)، وكانت خالةٌ(٢) مرتمَ تحتَه، فلما أَتَوا بها اقْتَرعوا عليها ، وقال لهم زكريا :
أنا أحَقُّكم بها تَحَتِى أُخْتُها(٤) . فأبَوْا، فخَرَجوا إلى نهرِ الأَزْدُنِّ ، فألقَوْا أفلامَهم التى
يَكْتُبُون بها أَيُّهم يَقومُ قَلَمُه فِيَكْفُلُها . فجرَتِ الأقلامُ وقام قلمُ زكريا على قُرْنَتِه (٥)،
كأنه فى طينٍ ، فأخَذ الجاريةَ ، وذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾ . فجعَلَها
زكريا معه فى بيته، وهو المحرابُ(٦).
حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا
يقولُ : ضَمَّها إليه .
(١) وفى ص: ((يجرنونه))، وفى م، ت ٢: ((يجربونه))، وفى ت ١: ((يحرمونه)). والمثبت من تاريخ
دمشق .
(٢) فى م، ت ٢، وسنن البيهقى: (( بينهم)).
(٣) فى تفسير ابن أبى حاتم وسنن البيهقى وتاريخ دمشق: ((أخت)). قال ابن كثير فى البداية والنهاية ٢٪
٤٢١: وكان زكريا نبيهم فى ذلك الزمان، قد أراد أن يستبد بها دونهم - يعنى: بمريم - من أجل أن زوجته
أختُها أو خالتُها، على القولين. وينظر ص ٣٣٢ .
(٤) فى م: ((خالتها )).
(٥) القُرْنة: حدُّ السيف والنصل. المحيط (ق رن). والمقصود بها هنا حد القلم.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٩/٢ (٣٤٤٠، ٣٤٤٢) من طريق عمرو بن حماد به، من قوله :
کان ز کریا ...
وأخرجه البيهقى ١٠/ ٢٨٦، ٢٨٧، وابن عساكر فى تاريخه (ص ٣٤٨ - تراجم النساء) من طريق
عمرو ابن حماد ، عن أسباط، عن السدى ، بإسناده المعروف ، من قوله: كان الذين يكتبون ... فأخذ الجارية .

٣٥٠
سورة آل عمران : الآية ٣٧
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ
أبى نَجِيح، عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا﴾. قال: سَهَمَهُمْ"
بقلمِه(٢) ...
حدَّثنى المُنى ، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن
مُجاهدٍ نحوه .
حدَّثنى المُثُنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
قتادةَ ، قال: كانت مريمُ ابنةَ سَيِّدِهم وإمامِهم. قال: فتَشاعَ عليها أحبارُهم ،
فاقْتَرعوا فيها بسهامِهم أيُّهم يَكْفُّلُها . قال قتادةُ : وكان زكريا زوجَ أختِها فكَفَلَها ،
وكانت عندَه وحَضَنَها (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
القاسم بن أبى بَزَّةً ، أنه أخبره عن عكرمةً ، وأبى بكرٍ، عن عِكْرمةً، قال: ثم خَرَجت
بها - يعنى أمّ مريمَ بمريمَ - فى خِرَقِها تَحْمِلُها إلى بنى الكاهنِ بن هارون ، أُخِی موسی
ابنِ عمرانَ . قال: وهم يومَئذٍ يَلُون مِن بيتِ المَقَدسِ ما يَلى الحَجَبَةُ مِن الكعبةِ،
فقالت لهم: دونكم هذه النذيرةَ ، فإنى حَرَّرْتُها، وهى ابنتى، ولا يَدْخُلُ الكنيسةَ
حائضٌ، وأنا لا أَرُدُّها إلى بيتى. فقالوا: هذه [٤٠٢/١ ظ] ابنةُ إمامِنا. وكان ◌ِمرانُ
(١) سهَم فلانًا سهمًا: قَرَعه فى المساهمة. يقال: ساهَمَه فسَهَمَه: باراه ولاعبه فغَلَبه. الوسيط (س هم).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٥١ - ومن طريق البيهقى ٢٨٧/١٠، وابن عساکر فی تاريخ دمشق (ص ٣٤٨،
٣٤٩ - تراجم النساء)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٩/٢ (٣٤٣٨) من طريق ابن أبى نجيح به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ إلى ابن أبى إياس وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرج آخره عبد الرزاق فى تفسيره ١٢١/١ عن معمر، عن قتادة، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/
٦٥٠ (٣٥١٠) من طريق شيبان ، عن قتادة دون آخره، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ إلى عبد بن
حميد . وفيه : زوج خالتها .

٣٥١
سورة آل عمران : الآية ٣٧
يَؤُّهم فى الصلاةِ، وصاحبَ قُرْبانِهم(١) . فقال زكريا: ادْفَعوها إلىّ، فإن خالتَها
عندى. قالوا: لا تَطِيبُ أنفسنا، هى ابنةُ إمامِنا. فذلك حينَ اقْتَرَعوا،
فاقْتَرَعوا بأقلامِهم عليها - بالأقلام التى يَكْتُبون بها التوراةَ - فقَرَعهم زکریا
(٢)
فَكَفَلَها(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ نجريجٍ، قال :
أخبرنی یَعْلَی بنُ مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : جعلها ز کریا معه
فى مِحرابِهِ. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾. قال حَجاجٌ: قال ابنُ جُرِيجٍ :
الكاهنُ فى كلامِهِم العَالِمُ (١).
/ حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا سَلَمةُ ، عن ابنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ
الزبيرِ: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾: بعدَ أبيها وأمِّها ، يُذكِّرُها باليُّتْم ، ثم قَصَّ خبرَها وخبرَ
(٤)
زكريا(٤) .
٢٤٤/٣
حدَّثنا المُنَّى، قال : ثنا الحِمَّانِىُّ، قال : ثنا شَرِيكَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ
جُبَيرِ قولَه: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيًّا﴾. قال: كانت عندَه .
حدَّثنى علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُزَيجٍ، عن يَعْلى بنٍ
مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ قولَه: ﴿ وَكَفَّلَهَا زَكِيًّا ﴾، قال: جعلها زكريا
معه فى مِحْرابِه .
(١) مكانها بياض بقدر كلمتين فى ص، ت ١، ت ٢.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٣٣٨ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ إلى المصنف دون قول ابن جريج.
(٤) سيرة ابن هشام ١ /٥٧٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٩/٢ (٣٤٤١) من طريق سلمة عن ابن
إسحاق قوله .

٣٥٢
سورة آل عمران : الآية ٣٧
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكر الحنفىُّ ، عن عَبَّادٍ ، عن الحسنِ فى قوله :
فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾: وتَقارَعها القومُ ، فقرَع زكريا ،
فَكَفَلَها زكريا(١) .
وقال آخرون : بل كان زكريا بعدَ ولادةٍ حَنَّةَ ابنتها مريمَ، كَفَلها بغيرِ اقْتِراعٍ ولا
اسْتِهامٍ عليها، ولا مُنازَعةِ أحدٍ إياه فيها ، وإنما كَفَلها لأن أُمَّها ماتَت بعدَ موتٍ أبيها
وهى طِفْلَةٌ، وعندَ زكريا خالتُها أيشائعُ(١) ابنةُ فاقوذَ. وقد قيل: إن اسمَ أمّ يحيى خالةٍ
عيسى : أشْيَغُ .
-حدَّثنا بذلك القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ
مجرَيج، قال: أخبرنى وَهْبُ بنُ سليمانَ، عن شُعيبِ الجَبَِّيِّ(٢)، أن اسمَ أمّ
(٤)
یحیی : أُشْیَعُ) .
فضَمَّها إلى خالتِها أمّ يحيى، فكانت إليهم ومعهم ، حتى إذا بلَغَتْ أُدْخَلوها
الكنيسةَ ، لتَذْرِ أمِّها التى نَذَرَتْ فيها .
قالوا : والاقترابُ فيها بالأقلام إنما كان بعدَ ذلك بمدةٍ طويلةٍ ؛ لشدَّةٍ أصابتهم ،
ضَعُفَ زكريا عن حَمْلِ مُؤْنَتِها، فتَدافعوا حَمْلَ مُؤنتِها، لا رغبةً منهم ، ولا تَنَافُسّا
عليها وعلى احتمالٍ مُؤنتِها .
وسنذكُرُ قصَّتَها على قولٍ مَن قال ذلك إذا بلَغْنا إليها إن شاء الله تعالى.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٨/٢ (٣٤٣٧) من طريق أبى بكر الحنفى به .
(٢) فى ص، ت ١: ((الاسباع)) وفى ت ٢: ((الاشياع))، وفى تاريخ الطبرى ٥٨٥/١: ((الأشباع))، وفى
البداية والنهاية ٤١٣/٢، ٤١٨: ((أشياع)). والمثبت موافق لما فى تاريخ دمشق ٧٩/١٨ مخطوط.
(٣) فى ص: ((الحباى))، وفى م، ت ٢: ((الحيانى)). وينظر الأنساب ١٧/٢، والإكمال ٦٥/٣.
(٤) فى ص، ت ٢: ((أسبع))، وفى العلل: ((الأشبع)). والأثر أخرجه أحمد فى العلل (رواية عبد الله) ١٠٠/١
(٤٠٤) عن حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢/٢ إلى المصنف وابن أبى حاتم .

٣٥٣
سورة آل عمران : الآية ٣٧
حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ(١).
فعلى هذا التأويلِ تَصِحُ قراءةُ مَن قَرَأَ : ( وكفَلها زكريا ). بتَخفيفِ الفاءِ، لو
صحَّ التأويلُ، غيرَ أن القولَ مُتظاهِرٌ من أهلِ التأويلِ بالقولِ الأولِ . أن استهامَ القوم
. (٢)
فيها كان قبلَ كَفالةِ زكريا إياها ، وأن زكريا إنما كفَلها بإخراج سَهْمِه منها فالجاً
على سهامٍ خُصومِه فيها ، فلذلك كانت قراءتُه بالتشديدِ عندَنا أَوْلَى مِن قراءتِه
بالتخفيف .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَبَ وَجَدَ عِنْدَهَا
رِزْقًا﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: أن زكريا كان كلَّما دخَل عليها المحرابَ بعدَ إدخالِهِ
إياها المحرابَ، وجَدِ عندَها رزقًا من اللهِ لِغِذائِها .
فقيل : إن ذلك الرزقَ الذى كان يَجِدُه زكريا عندَها، فاكهةُ الشتاءِ فى
الصيفِ، وفاكهةُ الصيفِ فى الشتاءِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيةَ، عن شَرِيكِ، عن عطاءٍ، عن
سعيدِ بنِ مُجُبَيرٍ، عن ابنِ عباس: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ قال: وجَد عندَها عِنَبًّا فى
مِكْتَل " فی غیرِ حینِه .
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٠.
(٢) فَلَج: ظَفِر وفاز. القاموس المحيط (ف ل ج).
(٣) المكْتَل، والمكتلة: الزنبيل الذى يحمل فيه التمر والعنب. والزنبيل: الوعاء يحمل فيه. اللسان
(ك ت ل)، (ز ب ل).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٠/٢ من طريق شريك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ =
( تفسير الطبرى ٢٣/٥ )

٣٥٤
سورة آل عمران : الآية ٣٧
٢٤٥/٣
/ حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ فى
قولِه: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيًّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾. قال: العِنَبُ فى غيرِ
(١)
حِينِه(١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ فى قولِه :
(وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ . قال: فاكهةٌ فى غيرٍ حينِهاً ) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا أبو إسحاقَ الكوفىُ، عن
الضحاكِ أنه كان يَجِدُ عندَها فاكهةَ الصيفِ فى الشتاءِ، وفاكهةَ الشتاءِ فى
الصيفِ. يعنى فى قوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾
حدّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سَلَمَةَ بنِ نُبِيطٍ ، عن الضَّحاكِ مثلَه .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن بعضٍ أشياخِه،
عن الضحاكِ مثلَه .
حدَّثنا القاسمُ، قال٣): ثنا الحسينُ(٤)، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا
جُوَيِيرٌ، عن الضحاكِ مثلَه .
حدَّثنا يعقوبُ ، قال : ثنا هُشَيمٌ ، قال: أخبرنا مَن سمِع الحكمَ بنَ عُتَيْبةَ يحدِّثُ
عن مجاهدٍ قال: كان يَجِدُ عندَها العِنَبَ فى غيرِ حِينِهِ .
= إلى عبد بن حميد وابن المنذر .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥١ من طريق عطاء به .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٠/٢ عقب الأثر (٣٤٤٦) معلقًا.
(٣ - ٣) فى س: ((ثنا أسباط)).
(٤) فى ت ٢: ((الحسن)).

٣٥٥
سورة آل عمران : الآية ٣٧
حدَّثنى محمدُ بنُّ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾، قال: عِنَبًا وجَده زكريا عندَ مريم فى
(١)
غيرِ زمانِه(١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهد نحوه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عَرَبِىِّ ، عن مجاهدٍ فى
قوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾. قال: فاكهةُ الصيفِ فى الشتاءِ، وفاكهةُ الشتاءِ فى
(٢)
الصيفِ(٢).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه :
كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَّدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال: كُنَّا نُحَدَّثُ
أنها كانت تُؤْتَى بفاكهةِ [٤٠٣/١ و] الشتاءِ فى الصيفِ، وفاكهةِ الصيفِ فى
الشتاءِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمٌ،
عن قتادةً: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾. قال: وجَد عندَها ثمرةً فى غيرٍ
(٣)
زمانِها(٢) .
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ( ص ٣٥٢ - تراجم النساء ) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ إلى المصنف، وينظر تفسير ابن أبى حاتم ٦٤٠/٢ (٣٤٤٥).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٢٠/١، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق (ص ٣٥٢ - تراجم النساء).

٣٥٦
سورة آل عمران : الآية ٣٧
حدَّثنى المُثَنَّى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ، قال : جعَل زكريا دونَها عليها سبعةً أبوابٍ ، فكان يَدْخُلُ عليها فيَجِدُ عندَها
فاكهةَ الشتاءِ فى الصيفِ، وفاكهةَ الصيفِ فى الشتاءٍ () .
حدَّثنی موسى بنُ(١) عبد الرحمنِ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن
الشُّدِّىِّ، قال: جعَلها زكريا معه فى بيتٍ - وهو المحِرابُ - فكان يدخُلُ عليها فى
الشتاءِ، فِيَجِدُ عندَها فاكهةَ الصيفِ، ويدخُلُ فى الصيفِ، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ
(٣)
الشتاءٍ(٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ(٤)، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرَنا عُبَيدٌ ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾. قال: كان يَجِدُ عندَها
فاكهةَ الصيفِ فى الشتاءِ .
/ حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ مجريج ، قال :
أخبرَنى ( يَغْلى بنُ" مسلم، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَ
عَلَيْهَا زَكَرِنَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾. قال: وجَد عندَها ثمارَ الجنةِ ، فاكهةَ
الصيفِ فى الشتاءِ، وفاكهةَ الشتاءِ فى الصيفِ (١).
٢٤٦/٣
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٠/٢ عقب الأثر (٣٤٤٦) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) فى ت ١: ((قال حدثنا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٠/٢ عقب الأثر (٣٤٤٦) من طريق عمرو بن حماد به .
(٤) بعده فى ت ١: ((قال حدثنى حجاج عن ابن جريج )).
(٥ - ٥) فی س: (( يعنى ابن)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠/٢ إلى المصنف.
٠

٣٥٧
سورة آل عمران : الآية ٣٧
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: ثنى بعضُ أهلِ
العلم أن زكريا كان يَجِدُ عندَها ثمرةَ الشتاءِ فى الصيفِ، وثمرةَ الصيفِ فى
(١)
الشتاء(١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحَنَفىُ، عن عَبَّادٍ ، عن الحسنِ ،
قال : كان زكريا إذا دخَل عليها - يعنى على مريمَ المحِرابَ - وجَد عندَها رِزْقًا مِن
السماءِ من اللهِ ، ليس من عندِ الناسِ. وقالوا: لو أن زكريا كان يَعْلَمُ أن ذلك الرزقَ
من عندِه لم يَشْأَلْها عنه .
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن زكريا كان إذا دخَل إليها المِحْرابَ وجَد عندَها
من الرزقِ فضلاً عما كان يأتيها به الذى كان يُونُها فى تلك الأيامِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ ، قال : ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: كَفَلها
زكريا(٢) بعدَ هَلاكِ أمّها، فضَمَّها إِلى خالتِها أمّ يحيى، حتى إذا بلَغَت ، أدخلوها
الكنيسةَ، لنَذْرِ أمِّها الذى نَذَرَت فيها، فجعَلَت تَنْبُتُ وتَزِيدُ . قال: ثم أصابَت بنى
إسرائيلَ أَزْمَةٌ ، وهى على ذلك مِن حالِها ، حتى ضَعُف زكريا عن حَمْلِها ، فخَرَج
على بنى إسرائيلَ، فقال: يا بنى إسرائيلَ، أَتعلمون، واللهِ لقد ضَعُفتُ عن حَمْلٍ ابنةٍ
عمرانَ . فقالوا: ونحن لقد جُهِدْنا، وأصابَنا من هذه السَّنةِ ما أصابَكم . فتَدافَعوها
بينَهم، وهم لا يَرَون لهم من حَمْلِها بُدًّا، حتى تَقارَعوا بالأقلامِ، فخَرَج السهمُ
(١) ينظر التبيان ٤٤٧/٢.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٣٥٨
سورة آل عمران : الآية ٣٧
بحَمْلِها على رجلٍ من بنى إسرائيلَ نَجَارٍ، يقالُ له: جُرَيجٌ. قال: فعَرَفَت مريمُ فى
وَجْهِهِ شِدَّةً مَثُونَةِ ذلك عليه، فكانت تقولُ له : يا مجرَيجُ، أحسِنْ باللهِ الظَّنَّ،
فإن اللهَ سَيَرْزُقُنا. فجَعَل جُرَيجٌ يُؤْزَقُ بِمَكانِها، فيَأتِيها كلَّ يومٍ من كَشْبِه بما
يُصْلِحُها، فإِذا أُدخَلَه عليها وهى فى الكنيسةِ ، أنْماه اللهُ وكَثَّره، فَيَدْخُلُ عليها
زكريا فيرَى عندَها فَضْلاً من الرزقِ ، وليس بقَدْرِ ما يأتيها به جُرَيجٌ، فيقولُ : یا
مريمُ أَنَّى لكِ هذا؟ فتقولُ: هو من عندِ اللهِ، إن اللهَ يرزقُ مَن يشاءُ بغيرِ
حساب(١).
وأما المحرابُ، فهو مُقَدَّمُ(٢) كلٌّ مجلسٍ ومُصَلَّى، وهو سيدُ المجالسِ
وأشرفُها وأكرمُها ، وكذلك هو مِن المساجدِ، ومنه قولُ عَدِىِّ بنِ زيدٍ (٢) :
(٦)
-بَيْضِ فِى الرَّوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِیرٌ
گگمی(3) العاجِ فى المحاريبِ أو کالـ
والمحاريبُ جمعُ مِخْرابٍ، وقد يُجمَعُ على مَحَارِبَ.
/ القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّى لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللَّهُ
٢٤٧/٣
٧"
يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿يَمَرْيَمُ أَّى لَكٍ هَذَا﴾؟ من أىِّ
(١) سيرة ابن هشام ٥٨٠/١ بنحوه مختصرا، وأخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ( ص ٣٤٩ تراجم
النساء) من طريق إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد اللَّه الليثى بنحوه .
(٢) بعده فى ص، ت ٢: ((على)) .
(٣) الاختيارين للأخفش الأصغر ص ٧٠٤.
(٤) الدمى : الصور ، واحدتها دُمْيَة .
(٥) سقط من: ص، ت ٢، وفى الاختيارين: ((زهوه)).
(٦) بعده فى ص: ((وهو مشتق))، وبعده فى ت ٢: ((وهو مشتق متسر).
(٧) زيادة من: م.

٣٥٩
سورة آل عمران : الآية ٣٧
وَجْهٍ لك هذا الذى أَرَى عندَكِ من الرزقِ؟ قالت مريمُ مُجِيبةً له: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ
اللَّهِ﴾. تعنى أن الله هو الذى رزَقَها ذلك، فَساقَه إليها وأعطاها .
وإنما كان زكريا يقولُ ذلك لها؛ لأنه كان - فيما ذُكِر لنا - يُغْلِقُ عليها سبعةً
أبوابٍ ، ويَخْرُجُ ثم يدخُلُ عليها، فيَجِدُ عندَها فاكهةَ الشتاءِ فى الصيفِ ، وفاكهةَ
الصيفِ فى الشتاءِ ، فكان يَعْجَبُ مما يرَى مِن ذلك، ويقولُ لها تَعَجُّبًا مما يرَى: أَنَّى
لكِ هذا؟ فتقولُ : مِن عندِ اللهِ .
حدَّ ثنى بذلك المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن
(١)
الربيع().
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ ، قال: ثنى بعضُ أهلِ
العلم . فذكر نحوه .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَمَرِمُ أَنَّ لَكٍ هَذَّا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ ﴾. قال:
فإنه وَجَد عندَها الفاكهةَ الغَضَّةَ حینَ لا تُوجَدُ الفاكهةُ عندَ أحدٍ ، فکان ز کریا
يقولُ: يا مريمُ أنَّى لكِ هذا (٢)؟
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَزْزُقُ مَن كَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فخبرٌ من اللهِ أنه يسوقُ
إلى مَن يشاءُ مِن خَلْقِهِ رِزْقَه بغيرِ إحصاءٍ ولا عددٍ يُحاسِبُ عليه عبدَه؛ لأنَّه جلَّ
ثناؤه لا يَنْقُصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خَزائَه، ولا يَزِيدُ إِعطاؤه إياه ومُحاسَبَتُه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٠/٢ عقب الأثر (٣٤٤٦) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٤٠/٢ (٣٤٤٩) عن محمد بن سعد به .

٣٦٠
سورة آل عمران : الآيتان ٣٧، ٣٨
[٤٠٣/١ظ] عليه فى مُلْكِه وفيما لَديه شيئًا، ولا يَعْزُبُ عنه علمُ ما يَرْزُقُه. وإنما
يُحاسبُ مَن يُعْطِى ما يُعْطِيه، مَن يَخْشَى النُّقصانَ من مُلْكِهُ(١)، بخُروج ما خرَج من
عندِه بغيرِ حسابٍ معروفٍ، ومَن كان جاهلاً بما يُعْطى على غيرِ حسابٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ هُنَالِكَ دَعَا ذَكَرِبَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِ مِن لَّدُنكَ
٣٨
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةٌ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ
أما قولُه: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِبًّا رَبَّهُ﴾. فمعناه: عندَ ذلك - أى: عندَ رؤيةٍ
زكريا ما رأى عندَ مريمَ مِن رزقِ اللهِ الذى رَزَقها، وفَضْلِه الذى آتاها من غيرٍ تَسَبُّبٍ
أحدٍ من الآدَميِّين فى ذلك لها ، ومُعايَتِه عندَها الثمرةَ الرَّطْبةَ التى لا تکونُ فی حینِ
رؤيتِه إياها عندَها فى الأرضِ - طَمِع " فى الولد١ِ، مع كِبَرِ سِنِّه، من المرأةِ العاقِ،
فَرَجًا أن يَرْزُقَه اللهُ منها الولدَ مع الحالِ التى هما بها، كما رزَق مريمَ على تَخَلِّيها من
الناسِ ما رَزَقها ؛ من ثمرةِ الصيفِ فى الشتاءِ، وثمرة الشتاءِ فى الصيف ، وإن لم یکنْ
مثلُه مما جَرَتْ بوجودِه - فى مثلِ ذلك الحينِ - العاداتُ فى الأرضِ ، بل المعروفُ فى
الناسِ غيرُ ذلك، كما أن ولادةَ العاقِ غيرُ الأمرِ الجاريةِ به العاداتُ فى الناسِ، فَرَغِب
إلى اللهِ جلَّ ثناؤه فى الولدِ ، وسأله ذُرِّيَّةً طيبةٌ ، وذلك أن أهلَ بيتٍ زكريا - فيما ذُكِر
لنا - كانوا قد انقَرَضوا فى ذلك الوقتِ .
كما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: فلمَّا
رأى زكريا مِن حالِها ذلك / - يعنى فاكهةَ الصيفِ فى الشتاءِ، وفاكهةَ الشتاءِ فى
الصيفِ - قال : إن رَبًّا أعطاها هذا فى غيرِ حِينِه، لَقادرٌ على أن يرزُقَنَى ذُرِّيَّةً طيبةً .
٢٤٨/٣
(١) بعده فى ص: ((ودخول)) وبعده بياض بقدر كلمتين. ولعل سياقه هكذا ((ودخول النفاد عليه
بخروج ... ) .
(٢ - ٢) فى ص: ((بالولد)).