النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة آل عمران : الآية ٢٦
ويُرْوَى: سَبَّحتٍ أو كَبَّرتٍ . قالوا: ولم نرَ العربَ زادَتْ مِثْلَ هذه الميم إلا مُخَففةً فى
نَواقصِ الأسماءِ، مِثْلَ الفم وابنم وهم. قالوا: ونحن نرَى أنها كلمةٌ ضُمَّ إليها
((أُمّ)، بمعنى: يا أَللَّهُ أُمَّنا بخيرٍ، فَكَثُرت فى الكلامِ فاخْتَلَطت به. قالوا:
فالضمةُ(٢) التى فى الهاء مِن همزةٍ((أم)) لمَّ تُركت انتقلت إلى ما قبلَها. قالوا: ونرَى
أن قولَ العربِ: هَلُمَّ إلينا مِثْلُها، إنما كانت(٢) ((هَلُمَّ)): ((هل))، ضُمَّ إليها ((أُمّ)
فتُرِكَت على نصبِها. قالوا : ومِن العربِ مَن يقولُ إذا طرَح الميمَ: يا أَللَّهُ اغْفِرْ لى،
ويا اللَّهُ اغْفِرْ لى، بهمزٍ (٤) الألفِ مِن ((اللَّهِ)) مرةً، ووَصْلِها أُخْرَى. فمَن حذَفها
أجراها على أصلِها ؛ لأنها ألفٌ ولائم، مثلُ الألفِ واللام اللتين تَدْخُلان فى الأسماءِ
المعارفِ زائِدَتين، ومَن "هَمَزها تَوَهَّم أنها مِن الحرفِ) ، إذ كانت لا تَشْقُطُ منه ،
وأَنْشَدُوا فى همزِ الألفِ منها(٢):
مُبارَكٌ هُوَّ ومَنْ سَمَّاهُ
على اسْمِكَ اللَّهُمَّ يا اللَّهُ
[٣٩٦/١ظ] قالوا: وقد كَثُرَت ((اللهمَّ)) فى الكلامِ حتی خُفِّفَت میمُها فى بعضِ
اللغاتِ. وأَنْشُدوا (٧) :
(١ - ١) فى م: ((فم ودم)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فالهمزة)).
(٣) فى م: ((كان)).
(٤) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((بهمزة)).
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، س: ((وصلها وحذف الهمزة وتوهم أنها من الحروف))، ومثله فى ت ٢، ت ٣، إلا
أن فيهما: ((وصله)) بدلا من: ((وصلها )).
(٦) الرجز فى معانى القرآن للفراء ١/ ٢٠٤، واللسان (أ ل هـ).
(٧) كذا أنشده الفراء فى معانى القرآن ٢٠٤/١، وهو للأعشى فى ديوانه ص ٢٨٣، والشطر الثانى فيه
كالرواية الآتية .

٣٠٢
سورة آل عمران : الآية ٢٦
يَسْمَعُها اللَّهُمَّ(١) الكُبارُ
كحَلْفَةٍ مِنْ أبى رِياحِ
/ والرواةُ تُنْشِدُ ذلك(٢):
٢٢٢/٣
يَسْمَعُها لاهُهُ الكُبَارُ *
وقد أَنْشَده بعضُهم (٣) :
* يَسْمَعُها اللَّهُ (٢ واللَّهُ كُبَارُ).
#
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن
تَشَآءُ ﴾ .
يعنى بذلك: يا مالكَ المُكِ، يا مَن له مُلكُ الدنيا والآخرةِ خالصًا دونَ غيرِه.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن محمدٍ
ابنِ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ قولَه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾. أى: ربَّ العبادِ المَلِكَ(٥)، لا
يَقْضِى فيهم غيرُك(٦) .
وأما قولُه: ﴿تُؤْنِ اَلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾. فإنه يعنى: تُعْطِى المُلُكَ مَن تشاءُ،
فتُمَلَّكُه وتُسَلِّطُه على مَن (٧) تَشاءُ .
(١) فى م: ((لاهم)).
(٢) وهى رواية الديوان كما تقدم.
(٣) هو الكسائى كما قال الفراء.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((والكبار)). والمثبت من معانى القرآن .
(٥) فى سيرة ابن هشام: ((والملك)).
(٦) فى سيرة ابن هشام ٥٧٨/١: ((غيره)).
(٧) فى ص: ((ما)).

٣٠٣
سورة آل عمران : الآية ٢٦
وقولُه: ﴿وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَاءُ﴾. يعنى: وتنزِعُ الملكَ ممن تشاءُ() أن
تَنْزِعَه منه، فترَكَ ذِكْرَ: أن تَنْزِعَه منه؛ اكتفاءً بدلالةِ قولهِ: ﴿ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن
تَشَاءٌ ﴾ عليه، كما يُقالُ: خُذْ ما شئتَ، وكُنْ فيما شئتَ. يرادُ : خُذْ ماشئتَ أن
تأخذَه، وكُنْ فيما شئتَ أن تكونَ فيه ، وكما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فِيَّ أَمِّ صُورَةٍ مَا شَآءَ
رَّكْبَكَ ﴾ [الانفطار: ٨] يعنى: فى أىِّ صورةٍ شاء أن يُرِكِّبَك فيها رَكَّبَك .
وقيل: إن هذه الآيةَ نَزَلت على رسولِ اللَّهِ مَّهِ جوابًا لمسألتِه ربَّه أن يجعَلَ
مُلكَ فارسَ والرومِ لأَمتِه .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ: وذُكِرَ لنا أن نبيّ
اللَّهِ مَ لِ سأل ربَّه جل ثناؤه أن يَجْعَلَ له مُلكَ فارسَ والرومِ فى أمتِهِ، فَأَنزَل اللّهُ عز
جل: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْنِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ ﴾ إلى ﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
(٢)
قَدِيرٌ﴾().
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن قتادةَ ،
قال: ذُكِرَ لنا - واللَّهُ أعلمُ - أن نبيَّ اللَّهِ سَّهِ سأل ربَّه عز وجل أن يَجعَلَ مُلكَ فارسَ
والرومٍ فى أمتِه . ثم ذكَر مثلَه(٣) .
ورُوِى عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ : معنى المُكِ فى هذا الموضعِ النُّوةُ .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، س.
(٢) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٧٠، ٧١ من طريق سعيد به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٤/٢ (٣٣٥٢) من طريق ابن أبى جعفر به.

٣٠٤
سورة آل عمران : الآيتان ٢٦، ٢٧
ذِكْرُ الروايةِ عنه بذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى ، عن ابن أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِه جلّ ثناؤه: ﴿تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن
تَشَاءُ﴾. قال : النُّبوةُ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثله .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ
٢٢٣/٣
يعنى جل ثناؤُه: ﴿ وَتُعِزُّ مَنْ قَشَآءُ﴾ بإعطائِهِ المُلكَ والسّلطانَ، وبسطٍ
القدرةٍ له ، ﴿ وَتُذِلُ مَن تَشَدَءُ﴾ بسَلْبِك مُلْكَه، وتَسْليطِ عدوِّه عليه، ﴿بِيَدَِ
اٌلْخَيْرٌ﴾ أى: كلُّ ذلك بيدِك وإليك، لا يقدِرُ على ذلك أحدٌ ؛ لأنك / على كلٌ
شىءٍ قديرٌ، دونَ سائرٍ خلقِك، ودونَ مَن اَّخذَه المشركون مِن أهل الكتابِ والأَمِّينَ
ء
مِن العربِ إلهًا وربًّا يَعبُدونه مِن دونِك، كالمسيح والأندادِ التى اتّخذَها الأمُّّون ربًّا .
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ جعفرِ
بنِ الزبيرِ قولَه: ﴿ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ تَشَآءُ﴾ الآية. أى: إن ذلك بيدِك لا إلى غيرِك،
﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ أى: لا يَقْدِرُ على هذا غيرُك بسُلطانِك وقدرتك(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿قُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَّيْلِّ﴾ .
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿ تُولِجُ﴾: تُدْخِلُ . يُقالُ منه: قد ولَج فلانٌ منزلَه ، إذا
(١) تفسير مجاهد ص ٢٨٤ .
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٨.

٣٠٥
سورة آل عمران : الآية ٢٧
دخله، فهو يَلِجُه وَلْجاً وؤُلوجًا ولِجَةً. وأوْ لَتُه أنا إذا أُدْخَلتَه .
ويعنى بقولِه: ﴿ تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ﴾: تُدْخِلُ مانَقَصْتَ مِن ساعاتِ الليلِ
فى ساعاتِ النهارِ، فَتَزيدُ مِن نُقصانِ هذا فى زِيادةِ هذا، ﴿ وَتُولِجُ النَّهَارَ في
اَلَيْلِ﴾: وتُدْخِلُ ما نقَصتَ (١) مِن ساعاتِ النهارِ فى ساعاتِ الليلِ، فَتَزِيدُ فى
ساعاتِ الليلِ ما نقَصتَ مِن(١) ساعاتِ النهارِ .
كما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ تُولِجُ
اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فيِ اَلَّيْلِّ﴾: حتى يكونَ الليلُ خمسَ عِشْرَةَ ساعةٌ ،
والنهارُ تِسعَ ساعاتٍ، وتُدْخِلُ النهارَ فى الليلِ، حتى يكونَ النهارُ خمسَ عشرةَ
ساعةً ، والليلُ تِسعَ ساعاتٍ(٢).
حدَّثْنى المُثُنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ(٤) عمرَ، عن الحكمِ بنِ
أبانٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: ما نقَص مِن النهارِ يَجْعَلُه فى الليلِ، وما نقَص
مِن اللیلِ يَجْعَلُه فى النهارِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ تُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ ﴾ . قال : ما
يَنْقُصُ مِن أحدِهما(٢) فى الآخرِ، متعاقبان(٧) أو يَتَعاقبان - شكَّ أبو عاصم - ذلك مِن
(١) فى ت ١: (( نقصته)) .
(٢) فى ت ١: ((فى)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٥/٢ (٣٣٥٩) من طريق عمرو به.
(٤) فى النسخ: ((عن)). وتقدم فى ٤١٥/١.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٢ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن أبى حاتم، وهو عند ابن أبى حاتم
فى تفسيره ٦٢٥/٢ (٣٣٥٨) من طريق حفص بن عمر ، عن الحكم ، عن عكرمة قوله .
(٦) بعده فى م: (( يدخل)).
(٧) فى ص، ت ١: ((متعقبان))، وفى ت ٢: ((متعقبات)).
( تفسير الطبرى ٢٠/٥ )

٣٠٦
سورة آل عمران : الآية ٢٧
الساعاتِ(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ تُولِجُ اَلَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِّ﴾: ما يَنْقُصُ مِن أحدِهما فى
الآخرِ ، يَتَعاقبان ذلك مِن الساعاتِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه:
﴿ تُولِجُ الَّيْلَ فِ [٣٩٧/١ و] النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِى الَّيْلِ ﴾ : نُقْصانُ الليلِ فى زيادةِ
النهارِ ، ونُقصانُ النهارِ فى زيادةِ الليلِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَاَرَ فِىِ الَّيْلِّ﴾ . قال: هو نُقْصانُ
أحدِهما فى الآخرِ(١).
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن قتادةً فى قوله : ﴿ تُولِجُ
اَلَيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِّ﴾. قال: يأخذُ الليلُ مِن النهارِ، ويَأْخُذُ
النهارُ مِن الليلِ . يقولُ : نقصانُ الليلِ فى زيادةِ النهارِ ، ونقصانُ النهارِ فى زيادةٍ
الليلِ .
٢٢٤/٣
/حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال:
سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ قُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَقُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِ﴾ .
يعنى أنه يَأْخذُ أحدُهما مِنِ الآخرِ، فيكونُ الليلُ أحيانًا أطولَ مِن النهارِ ، والنهارُ أحيانًا
(١) تفسير مجاهد ص ٢٥٠ بنحوه .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.

٣٠٧
سورة آل عمران : الآية ٢٧
أطولَ مِن الليلِ (١).
حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيد فى قوله : ﴿ تُولِجُ
الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَيْلِّ﴾. قال: هذا طويلٌ وهذا قصيرٌ، أخَذ مِن هذا
فأؤْلَجه فى هذا، حتى صار هذا طويلًا وهذا قصيرًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمِيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ .
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك أنه يُخرِجُ
الشىءَ الحىَّ مِن النُّطفةِ المَةِ، ويُخرِجُ النُّطفةَ المَيِّتَةَ مِن الشىءِ الحىِّ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو السائبٍ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن
عبدِ اللهِ فى قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: هى
النُّطفةُ تَخْرِجُ مِن الرجلِ وهى مَيَّةٌ وهو حىٍّ ، ويَخْرجُ الرجلُ منها حيًّا وهى مَيَّةٌ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ
اُلْحَيِّ﴾. قال: الناسُ الأحياءُ مِن النُّطَفِ والتَّطَفُ مَيتَةٌ ، ويُخْرِجُها مِن الناسِ الأحياءِ
(٣)
والأنعام(١) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٢ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٢٦، ٦٢٧ (٣٣٦٤، ٣٣٦٨) من طريق الأعمش به بنحوه ، وهو
فى تفسير سفيان ص ٧٦ عن الأعمش عن إبراهيم قوله .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٧/٢ (٣٣٦٩) من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد، وزاد فى آخره :
والنبات كذلك أيضا . وأشار ابن أبى حاتم إلى أنه ليس عند ورقاء وشبل ذكر النبات . وينظر تفسير مجاهد ص
٢٥٠، ٢٥١.

٣٠٨
سورة آل عمران : الآية ٢٧
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سلَمَةَ بنِ نُبِيطِ، عن الضَّحاكِ فى قولِه:
﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ اَلْمِتَ مِنَ اُلْحَيِّ﴾، فذكر نحوه(١).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدىِّ: ﴿وَتُخْرِجُ
الْحَىَّ مِنَ اُلْمِيِّتِ وَتُخْرِجُ اَلْمِيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. فالنُّطفةُ مَيتَةٌ تكونُ، "تَخرُجُ مِن)
إنسانٍ حىٍّ، ويَخرُجُ إنسانٌ حىٍّ مِن نطفةٍ ميتةٍ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ "عمرَ بنِ عليّ بن٤ٍ) عطاءِ المُقُدَّمُ، قال: ثنا أُشْعَثُ
السّجِستانيُ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ فى قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ
مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. قال: تُخْرِجُ النُّطفةَ مِن الرجلِ، والرجلَ مِن
النطفةِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله : ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ اُلْعَيِّ﴾. قال: تُخْرِجُ
الحىَّ مِن هذه النطفةِ الميتةِ، وتُخرِجُ هذه النطفةَ الميتةَ مِن الحىّ(٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن
٢٢٥/٣ مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ/ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الآية.
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٦/٢، ٦٢٧ معلقًا عقب الأثر (٣٣٦٤، ٣٣٦٨).
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: (( يخرج منها)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٧/٢ عقب الأثر (٣٣٦٨) من طريق عمرو به .
(٤ - ٤) فى ص، ت١، س: ((عمرو بن على عن))، وفى م، ت٢، ت٣: ((عمرو، وابن على عن)).
وتقدم على الصواب .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١١٧/١.

٣٠٩
سورة آل عمران : الآية ٢٧
قال : الناسُ الأحياءُ مِن النُّطفِ، والتُّطفُ مَيتَةٌ مِن الناسِ الأحياءِ، ومِن الأنعام
والنَّبْتِ كذلك. قال ابنُ نجريج: وسمِعتُ يزيدَ بنَ عُوَيْرٍ يُخْبرُ عن سعيد بن جبيرٍ ،
قال : إخراجه النطفةَ مِن الإنسانِ، وإخراجُه الإنسانَ مِن النطفةِ (١) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ
اُلْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ قال: النطفةُ مَيتَةٌ فَتُخْرِجُ منها أحياءٌ،
﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: تُخْرِجُ النطفَ مِن هؤلاءِ الأحياءِ، والحبُّ مَيتٌ تُخْرِجُ
منه حيًّا، ﴿ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾: تُخْرِجُ مِن هذا الحبِّ (١) الحىِّ حَّا مَيئًا .
وقال آخرون: معنى ذلك أنه يُخْرِجُ النخلةَ مِن النواةِ ، والنواةَ مِن النخلةِ ،
والسُّْلَ مِن الحبِّ، والحبَّ مِن السُّنْبُلِ، والبَيْضَ مِن الدجاجِ، والدجاجَ مِن
البيض .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا أبو ◌ُميلةَ، قال: ثنا عُبَيدُ(٢) اللَّهِ، عن عِكرمةَ قولَه:
﴿ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ﴾ . قال: هى البيضةُ تَخرُجُ مِن الحىِّ وهى مَيتَةٌ، ثم
يخرُجُ منها الحىُّ(٤).
حدَّثنى المُثْنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بنِ
(١) ينظر ما تقدم تخريجه عن مجاهد فى ص ٣٠٧ . وقول سعيد ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٦٢٦،
٦٢٧، عقب الأثر (٣٣٦٤، ٣٣٦٨) معلقًا .
(٢) سقط من: م.
(٣) فى النسخ: ((عبد)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ٨٠.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٧/٢، ٦٢٨ (٣٣٦٦، ٣٣٧١) من طريق أبى تميلة به .

٣١٠
سورة آل عمران : الآية ٢٧
أبانٍ، عن عكرمةً فى قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ اَلْمِنْتَ مِنَ اُلْحِّيّ﴾.
قال : النخلةُ مِن النواةِ ، والنواةُ مِن النخلةِ، والحَبَةُ مِن السُّنْئلةِ، والسُّنْبَلةُ مِن الحَّةِ().
وقال آخرون: معنى ذلك أنه يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافرِ، والكافرَ مِن المؤمنِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ فى قولِه :
﴿ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ [٣٩٧/١ ظ] مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ، يعنى: المؤمنَ مِن
الكافرِ ، والكافرَ مِن المؤمنِ، والمؤمنُ عبدٌ حىُّ الفؤادِ، والكافرُ عبدٌ مَيِّتُ الفؤادِ(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمٌ، قال:
قال الحسنُ فى قوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ اَلْمَيْتَ مِنَ اُلْحَيِّ﴾ . قال:
يُخرِجُ المؤمنَ مِن الكافرِ، ويُخرِجُ الكافرَ مِن المؤمنِ(١).
حدَّثنا ◌ِمرانُ بنُ موسى ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ (+ بنُ سعيدٍ، عن عمرٍو)، عن
الحسنِ قرَأ: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمِيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْعَيِّ﴾. قال: تُخرِجُ
المؤمنَ مِن الكافرٍ ، وتُخرجُ الكافرَ مِن المؤمنِ.
حدَّثنى حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ ، قال : ثنا بشرُ بنُ المُفُضَّل، قال: ثنا سليمانُ التيمىُّ ،
عن أبى عثمانَ، عن سلمانَ ، أو عن ابنٍ مسعودٍ - وأكبرُ ظنِّى أنه عن سلمانَ -
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٢ إلى المصنف.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥/٢ إلى المصنف وأبى الشيخ.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((عن سعيد بن عمرو)).
(٥) فى س: ((أكثر)).

أسود
٣١١
سورة آل عمران : الآية ٢٧
قال : إن اللَّهَ عز وجل خَمَّر طينةً آدمَ أربعينَ ليلةٌ - أو قال: أربعينَ يومًا - ثم قال (١بيدِه
فيه(٢) ، فخرَج كلُّ طَيِّبٍ فى يمينِهِ، وخرَج كلُّ خَبِيثٍ فى يدِهِ الأُخرَى ،/ ثم خلَط
بينهما. "وقال: " فمِن ثَمَّ يُخرِجُ(١) الحىَّ مِن الميتِ، ويُخرِجُ الميتَ مِن الحىِّ.
٢٢٦/٣
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
الزهرىِّ، أن النبيَّ ◌َِّ دخَل على بعضٍ نسائِه، فإذا بامرأةٍ حَسَنةِ النعمةِ(٥) ، فقال:
((مَن هذه؟)) قالت: إحدى خَالاتِك. قال: ((إن خَالاتِى بهذه البلدةِ لغَرائبُ، وأىُّ
خالاتِى هذه؟)) قالت: خالدةُ(١) ابنةُ الأسودِ بنِ عبدِ يَغُوثَ. قال: ((سُبحانَ الذى
يُخْرِجُ الحَّ مِن الَيتِ!)) وكانت امرأةً صالحةً، وكان أبوها كافرًا(٧) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سنانٍ ، قال : ثنا أبو بكرِ الحنفىُ ، قال : ثنا عبَادُ بنُ منصورٍ ،
عن الحسنِ فى قوله: ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ . قال:
هل عَلِمتم أن الكافرَ يَلِدُ مؤمنًا، وأن المؤمنَ يَلِدُ كافرًا؟ فقال: هو كذلك .
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعده فيه))، وفى س: ((بعده)).
(٢ - ٢) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((ثم خلق منها آدم))، وليست فى بقية مصادر التخريج.
(٣) بعده فى ت ٢، ت ٣: ((قال)).
(٤) بعده فى م، وتفسير ابن أبى حاتم: ((يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن)).
والأثر أخرجه الآجرى فى الشريعة ٨٥٤/٢ (٤٣١، ٤٣٢)، وأبو الشيخ فى العظمة ص ٣٦٩ (١٠١٨)،
والبيهقى فى الأسماء والصفات ص (٧١٧) من طريق سليمان التيمى عن أبى عثمان عن سلمان وحده .
وأخرجه ابن أبى حاتم أيضا فى تفسيره ٦٢٧/٢ (٣٣٦٧) من طريق سليمان به كلفظ المطبوعة .
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((النغمة))، وفى مصادر التخريج: ((الهيئة)).
(٦) فى النسخ: ((خلدة)) بدون ألف.
(٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٧. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٦/٢ (٣٣٦٢) عن الحسن بن يحيى به .
وأخرجه ابن سعد ٨/ ٢٤٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٦/٢ (٣٣٦٠) من طريق معمر به نحوه وعند ابن
أبى حاتم عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله. وينظر الإصابة ٥٩٧/٥.

٣١٢
سورة آل عمران : الآية ٢٧
وأوْلَى التأويلاتِ التى ذَكرْناها فى هذه الآيةِ بالصوابِ تأويلُ مَن قال : يُخرِجُ
الإنسانَ الحىّ(١) والأنعامَ والبهائمَ الأحياءَ مِن النُّطفِ الميتةِ، وذلك إخراج الحىِّ مِن
المَيْتِ ، ويُخرِجُ النَّطفةَ الميتَةَ مِن الإنسانِ الحىّ والأنْعامِ والبهائمِ الأحياءِ، وذلك إخراج
الميتِ مِن الحىّ. وذلك أن كلَّ حىٍّ فارَقه شىءٌ مِن جسدِه، فذلك الذى فارَقه منه
مَيثٌ ، فالنُّطفةُ مَيتَةٌ لمُفارقتِها جسدَ مَن خرَجت منه، ثم يُنْشِئُ اللَّهُ منها إنسانًا حيًّا
وبهائمَ وأنعامًا أحياءً، وكذلك حُكْمُ كلِّ شىءٍ حىٍّ زايله شىءٍ منه ، فالذى زايله منه
مَيِّتٌ . وذلك هو نَظِيرُ قولِه: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَفْوَتًا فَأَحْيَكُمْ ثُمَّ
يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
وأما تأويلُ مَن تأوَّله بمعنى الحَّةِ مِن السُّنبلةِ ، والسُّنبلةِ مِن الحبةِ ، والبيضةِ مِن
الدَّجاجةِ، والدَّجاجةِ مِن البيضةِ، والمؤمنِ مِن الكافرِ، والكافرِ مِن المؤمنِ، فإن ذلك
وإن كان له وجهٌ مفهومٌ ، فليس ذلك الأغلبَ الظاهرَ فى استعمالِ الناسِ فى الكلامِ .
وتوجيهُ معانى كتابِ اللهِ عز وجل إلى الظاهرِ المُسْتَعملِ فى الناسِ ، أُوْلَى من توجيهِها
إلى الخفىِ القليلِ فى الاستعمالِ .
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأته جماعةٌ منهم: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِن
الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، بالتشديدِ وتَثْقَيلِ الياءِ مِن ((الميّت)) (١) ، بمعنى أنه
يُخرِجُ الشىءَ الحىَّ مِن الشىءِ الذى قد مات ومما لم يَمُتْ .
وقَرَأْت جماعةٌ أخرى منهم: (تُخْرِجُ الحىَّ منَ الَيْتِ وتُخْرِجُ الَّتَ من الحمىّ)
بتخفيفِ الياءِ مِن ((الميْت))، بمعنى أنه يُخرِجُ الشىءَ الحىَّ مِن الشىء الذى قد مات،
(١) سقط من: ت١.
(٢) وهى قراءة نافع وعاصم - فى رواية حفص - وحمزة والكسائى، وقرأ ابن كثير وعاصم - فى رواية أبى
بكر - وأبو عمرو وابن عامر، بالتخفيف، وسيذكره المصنف. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ٢٠٤.

٣١٣
سورة آل عمران : الآية ٢٧
دونَ الشىءِ الذى لم يَمُتْ، ويُخرِجُ الشىءَ الَيَتَ دونَ الشىءِ الذى لم يَمُتْ مِن
الشىءِ الحىِّ .
وذلك أن الميّتَ مُثَقلَ الياءِ عندَ العربِ ، ما لم يَمُتْ وسيموتُ ، وما قد مات .
وأما المئْتُ مُخفَّفًا(١) ، فهو الذى قدمات ، فإذا أرادوا النعتَ قالوا : إنك مائتٌ غدًا،
وإنهم مائِتون . وكذلك كلُّ مالم يَكُنْ بعدُ ، فإنه يَخْرُجُ على هذا المثالِ الاسم منه.
يقالُ : هو الجائدُ بنفسه، والطائبةُ نفسُه بذلك. وإذا أُرِيد معنى الاسم قيل: هو
الجوادُ بنفسِه ، والطيبةُ نفسه .
فإذ كان ذلك كذلك، فأَوْلَى القراءتين فى هذه الآيةِ بالصوابِ (١) قراءةُ مَن
شدَّدَ الياءَ مِن ((الميّتِ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يُخرِجُ الحىَّ مِن / النطفةِ التى قد فارقت ٢٢٧/٣
الرجلَ، فصارت مَيَِّةً، وسيُخرجُه منها بعدَ أن تُفارِقَه وهى فى صُلبِ الرجلِ،
ويُخرِجُ المِيِّتَ من الحىّ ؛ النطفةَ التى تصيرُ بخروجِها مِن الرجلِ الحِىِّ مَيًّا، وهى قبلَ
خروجِها منه حيةٌ ، فالتشديدُ أبلغُ فى المدحِ وأكملُ فى الثناءِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
يعنى بذلك جل ثناؤه أنه يُعطِى مَن يشاءُ مِن خلقِه، فيَجودُ عليه بغيرِ محاسبةٍ
منه لمَن أعطاه؛ لأنه لا يخافُ دخولَ انتقاصٍ فى خزائنِه ، ولا الفناءَ على ما بيدِه .
كما حدَّثنى المُنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن
الربيع فى قوله: ﴿ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. قال: يُخرِجُ الرزقَ مِن عندِه
بغيرِ حسابٍ، لا يخافُ أَن يَنْقُصَ ما عندَه تبارك وتعالى(١).
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مخفف))، وفى س: ((فيخفف)).
(٢) كلتا القراءتين صواب .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٨/٢ (٣٣٧٣) من طريق ابن أبى جعفر به نحوه .

٣١٤
سورة آل عمران : الآية ٢٧
[٣٩٨/١ و] فتأويلُ الآيةِ إذنْ: اللهمَّ يا مالكَ الملكِ، تُؤْتِى الملكَ مَن تشاءُ،
وتَنزِعُ الملكَ ممن تشاءُ، وتُعِزُّ مَن تشاءُ، وتُذِلَّ مَن تشاءُ، بيدك الخيرُ، إنك على كلِّ
شيءٍ قديرٌ، دونَ مَن ادَّعَى المُلْحِدون أنه لهم إلهٌ وربّ، وعبدوه دونَك، أو (١)
اتَّخَذوه شريكًا معَك، أو أنه لك ولدٌ. وبيدِك القدرةُ التى تفعلُ هذه الأشياءَ، وتَقْدِرُ
بها على كلِّ شيءٍ، تُولِجُ الليلَ فى النهارِ ، وتُولِجُ النهارَ فى الليلِ، فَتَنْقُصُ مِن هذا
وتَزِيدُ فى هذا، وتَتْقُصُ مِن هذا (وتَزِيدُ(١) فى هذا ، وتُخرِجُ من مَيِّتٍ حيًّا ، ومن حىٍّ
مَيًِّا، وتَرْزُقُ مَن تَشاءُ بغيرِ حسابٍ مِن خلقِك ، لا يَقْدِرُ على ذلك أحدٌ سواك ، ولا
يَسْتطيعُه غيرُك .
كما حدَّثنی ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاق ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿ تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِ الَّيْلِّ وَتُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ
اُلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أى: بتلك القدرةِ، يعنى بالقدرةِ التى تُؤْتِى الملكَ
بها مَن تَشَاءُ وتَنزِعُهُ(١) ممن تَشاءُ، وتَرْزُقُ مَن تشاءُ بغيرِ حسابٍ ، لا يَقْدِرُ على ذلك
غيرُك، ولا يَصْنَعُه إلا أنت. أى: فإن كُنْتُ سَلَّطتُ عيسى على الأشياءِ التى بها
يَزْعُمون أنه إلهٌ؛ مِن إحياء الموتى، وإبراءِ الأشْقامِ، والخلّقِ للطيرِ مِن الطينِ، والخَرِ عن
الغيوبٍ؛ (٤لأجعلَه آيةً) للناس ، وتصدیقًا له فى نبوته التى بعثتُه بها إلى قومِه ، فإن مِن
سلطانى وقدرتِى ما لم أَعْطِه ؛ تمليكَ (٥) الملوكِ، (٦ وأمرَ النبوةِ ووَضعَها) حيثُ
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((و)).
(٢ - ٢) فى ص: ((فتزيد)).
(٣) فى ص، ت١، س: (( تنزعها)).
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ٢، س: ((لتجعله))، وفى س، ت ١: ((ليجعله))، وغير منقوطة فى ص، والمثبت
من سيرة ابن هشام، وبعده فيها أيضًا: (( به)).
(٥) فى م: ((كتمليك))، والمثبت موافق لما فى سيرة ابن هشام.
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يأمر النبوة ووصفها)).

٣١٥
سورة آل عمران : الآيتان ٢٧، ٢٨
شئتُ ، وإيلاجَ الليلِ فى النهارِ والنهارِ فى الليلِ، وإخراجَ الحىِّ مِن الَّتِ والمَّتِ مِن
الحىِّ ، ورزقَ مَن شِئْتُ مِن بِرِّ أو فاجرٍ بغيرِ حسابٍ ، فكلُّ ذلك لم أَسَلُّطْ عيسى عليه ،
ولم أُمَلِّكْه إياه، فلم(١) يَكُنْ لهم فى ذلك عبرةٌ وبيِّنةٌ أن(١) لو كان إلهًا لكان
ذلك كلُّه إليه، وهو فى علمِهم يَهرُبُ مِن الملوكِ، وينتقِلُ منهم فى البلادِ مِن"
بلدٍ إلی بلدٍ (٤)!
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَِّ فِى شَىْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ ﴾ .
٢٢٨/٣
/ وهذا نهىٌّ مِن اللَّهِ عز وجل المؤمنين أن يَتَّخِذوا الكفارَ أعوانًا وأنصارًا
وظهورًا، ولذلك كسَر ﴿يَتَّخِذِ﴾؛ لأنه فى مَوضع جزمِ بالنهي ، ولكنه كسَر الذالَ
منه للساكنِ الذى لقِيَه وهی ساكنةٌ .
ومعنى ذلك: لا تَتَّخِذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظَهْرًا وأنصارًا، تُوالونهم على
دينهم ، وتُظاهِرونهم على المسلمين مِن دونِ المؤمنين ، وتَدُلّونهم على عوراتهم ، فإنه
مَن يَفْعَلْ ذلك ﴿فَلَيْسَ مِنَ الَّهِ فِى شَىْءٍ﴾، يعنى بذلك: فقد برِئَ مِن الله، وبَرِئَ
اللَّهُ منه، بارتدادِه عن دينِهِ، ودخولِه فى الكفرِ، ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَلَّةٌ﴾ :
إلا أن تَكُونوا فى سُلطانِهم فتخافوهم على أنفسكم، فتُظْهِروا لهم الولايةَ
بألسنتِكم، وتُضْمِروا لهم العداوةَ ، ولا تُشايعوهم على ماهم عليه مِن الكفرِ ، ولا
(١) فى سيرة ابن هشام: ((أفلم)) وفى نسخة منها كالمثبت .
(٢) فى م: ((إذ)).
(٣) فى ص، ت ١: ((ومن))، وفى س: ((أو من)).
(٤) سيرة ابن هشام ٥٧٨/١ .
(٥) فى ت ٢، ت ٣: ((تتابعوهم))، وفى س: ((تسابقوهم)).
٠ ٠ .

٣١٦
سورة آل عمران : الآية ٢٨
تُعِينوهم على مُسْلم يفعلٍ .
كما حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ
اُلْمُؤْمِنِينٌ﴾. قال: نهَى اللَّهُ سبحانه المؤمنين أن يُلاطِفوا الكفارَ، أو يَنَّخِذوهم
وَليجةٌ مِن دونِ المؤمنين، إلا أن يكونَ الكفارُ عليهم ظاهرين، فيُظْهِروا لهم
اللطفَ، ويُخالِفوهم فى الدينِ، وذلك قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ
(١)
تُقَنَةٌ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنى
محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن عِكْرمةَ ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال :
كان الحَجّائجُ بنُ عمرٍو، حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ ، وابنُ أبى الحَقَّيقِ، وقيسُ بنُ
زيدٍ، قد بطَنُوا(١) بنفرٍ مِن الأنصارِ ليَفْتِنوهم عن دينهم، فقال رِفاعةُ بنُ المُذرِ بنِ
زَنْتَرٍ(١)، وعبدُ اللَّهِ بنُ مُجُبَيرٍ، وسعدُ بنُ خَيثمةَ، لأولئك النفرِ: اجْتَنِبُوا هؤلاء اليهودَ ،
واخْذَروا لزومَهم ومُباطنَتهم ، لا يَفْتِنوكم عن دينكِم . فأَتَى أولئك النفرُ إلا مُباطنتَهم
ولُزومَهم، فأنزل اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ
اُلْمُؤْمِنِينٌ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ٦٢٨/٢ (٣٣٧٥) من طريق عبد اللَّه بن صالح به .
(٢) بطن فلان بفلان : إذا كان خاصا به داخلا فى أمره. اللسان (ب ط ن).
(٣) سقط من: س، وغير منقوطة فى ص، ت ١، وفى م: ((زبير))، وفى ت ٢، ت ٣: ((زهير)). وينظر
المؤتلف والمختلف ٣/ ١١٤٠، وتبصير المنتبه لابن حجر ص ٦٤٠.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٩/٢ (٣٣٧٧) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن
على محمد بن أبى محمد قوله. وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٧٢، ٧٣ عن ابن عباس
ولم یسنده .

٣١٧
سورة آل عمران : الآية ٢٨
حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ ، قال : ثنا أبو بكر الحنفىُ ، قال : ثنا عبادُ بنُ منصورٍ ،
عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينُّ﴾ .
يقولُ: لا يَتَّخذِ المؤمنُ كافرًا وليًّا مِن دونِ المؤمنينَ .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ: ﴿لَّا يَتَّخِذِ
ج
اُلْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ﴾. إلى: ﴿ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾: أمّا ﴿أَوْلِيَآَ﴾،
فيواليهم فى دينِهم ، ويُظْهِرُهم على عورةِ المؤمنينَ، فمن فعَل هذا فهو مُشرِكٌ ، فقد برِئ
اللَّهُ منه ، إلا أن يَتَّقِىَ منهم تُقاةً ، فهو يُظْهِرُ الوَلايةَ لهم فى دينهم والبراءةَ مِن المؤمنينَ(١).
حدَّثنى المُتّى، قال: ثنا قَبِيصةُ بنُ عُقْبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيجٍ،
عمّن حدَّثه عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلََّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةً﴾. قال: التّقَاةُ التَّكَلِمُ
باللسانِ وقلبُه مُطْمئنٌّ بالإيمانِ(٢) .
حدَّثنى المُنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ ، قال : ثنا الحكمُ بنُ
أبانٍ، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾. قال: مالم يُهَرِقْ دَمَ
ج
مسلمٍ، وما لم يَشْتَحِلَّ مالَه(٣).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، [٣٩٨/١ظ] عن ابنٍ ٢٢٩/٣
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ
اٌلْمُؤْمِنِينُّ﴾: إلا مُصانعةً فى الدنيا ومُخالقةً(٤).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٩/٢ (٣٣٧٦، ٣٣٧٨، ٣٣٧٩) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٩/٢ (٣٣٨٢) من طريق سفيان ، عن ابن عباس بنحوه .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٩/٢ (٣٣٨٠) من طريق حفص به .
(٤) غير منقوطة فى ص، وفى ت ١: ((مخالفة)). وخالقه مخالقة: إذا عاشره على أخلاقه. التاج (خ ل ق).
والأثر فى تفسير مجاهد ص ٢٥١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٠/٢ (٣٣٨٥)، من طريق ابن
أبى نجيح به . وليس فى تفسير مجاهد : ومخالقة .

٣١٨
سورة آل عمران : الآية ٢٨
حدَّثنى المُثُنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المُنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ ﴾ إلى: ﴿ إِلَّ أَنْ
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾. قال: قال أبو العاليةِ: التَّقِيَّةُ باللسانِ، وليس بالعملِ(١).
حُدِّثْتُ عن الحسين ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: أخبرنا عُبيدٌ ، قال : سمِعتُ
الضّاكَ يقولُ فى قولِهِ: ﴿ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةً﴾. قال: التَّقِيةُ باللسانِ ، مَن
حُمِل على أمرٍ يَتَكلَّمُ به وهو للَّهِ معصيةٌ، فَتَكَلَّم مَخافةٌ على نفسِه وقلبُه مُطْمئنٌ
بالإِيمانِ ، فلا إثمَ عليه ، إنما التَّقيةُ باللسانِ (٢).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾: فالتَّقيةُ باللسانِ ، مَن
حُمِل على أمرٍ يَتَكْلِمُ به وهو معصيةٌ للَّهِ، فيَتكلمُ به مخافةَ الناسِ وقلبُه مُطمئنٌّ
بالإِيمانِ ، فإن ذلك لا يضرُّه، إنما التقيةُ باللسانِ(٣).
وقال آخرون: معنى ) ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ثُقَنَّةٌ﴾: إلا أن يكونَ بينك وبينه
قرابةٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَّا يَتَّخِذِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٠/٢ (٣٣٨٣) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٠/٢ عقب الأثر (٣٣٨٤) معلقًا.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٢٩/٢ (٣٣٨١) عن محمد بن سعد به .
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ذلك)).

٣١٩
سورة آل عمران : الآية ٢٨
اَلْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينُّ﴾ إلى: ﴿ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ
تُقَنَةُ (١)﴾: نهَى اللَّهُ المؤمنينَ أن يُوادُّوا الكفارَ، أو يَتَولَّوهم دونَ المؤمنين، وقال اللَّهُ:
﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَلَةٌ﴾، الرَّحِمُ مِن المشركينَ، مِن غيرٍ أَن يَتَوَلّوهم فى
دينِهم ، إلا أن يَصِلَ رحمًا له فى المشركين .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَآءَ﴾. قال: لا يَحِلَّ لمؤمنٍ أن
يَتخِذَ كافرًا وليًّا فى دينِه ، وقولُه: ﴿ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ ﴾. قال: أن يكونَ
بينك وبينَه قرابةٌ ، فَتَصِلَه لذلك(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سِنانٍ ، قال: ثنا أبو بكرِ الحنفىُّ، قال ثنا عبَّادُ بنُ منصورٍ ، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾. قال: صاحِبْهم فى الدنيا
ج
معروفًا، الرّحِمَ ) وغيرَه، فأمَّا فى الدِّينِ فلا .
وهذا الذى قاله قتادةُ تأويلٌ له وجة ، وليس بالوجهِ الذى يَدُلَّ عليه ظاهر الآيةِ :
إلَّا أن تتقوا ("من الكافرين) تُقاةً. فالأغلبُ مِن معانى هذا الكلام: إلا أن تَخافوا
منهم مَخافةً . فالتَّقيَّةُ التى ذكرها اللَّهُ فى هذه الآيةِ إنما هى تَقِيةٌ مِن الكفارِ لا مِن
غيرِهم. ووَجَّهَه قتادةُ إلى أن تأويلَه: إلا أن تَتَّقُوا اللَّهَ مِن أجلِ القَرابةِ التى بينكم
وبينهم تُقَاةً ، فَتَصِلون رَحِمَها . وليس ذلك الغالبَ على معنَى الكلام ، والتأويلُ فى
القرآنِ على الأغلبِ الظاهرِ مِن معروفٍ كلامِ العربِ ، المستعملٍ فيهم.
(١) فى ص، ت ١، ت ٣: ((تقية)). قراءة، وسيذكرها المصنف بعد قليل.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١١٨/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٣٠/٢ (٣٣٨٦) عن الحسن بن يحيى به.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((والرحم)).
(٤ - ٤) فى س: ((منهم)).
٦

٣٢٠
سورة آل عمران : الآيتان ٢٨، ٢٩
وقد اخْتَلفت القَرَأةُ فى قراءةٍ قولِه: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ﴾؛ فقرَ أَ ذلك
ج
٢٣٠/٣ عامَّةُ قَرَأَةِ الأمصارِ ﴿إِلَّ / أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَدَّةٌ﴾ على تقديرٍ فُعَلَةٍ مثل: تُخَمَّةٍ ،
ج
وتُؤَدَةٍ ، وَتُكَأَةٍ، مِن ((اتَّقَيْت)).
وقرَأ ذلك آخرون: (إِلَّ أنْ تَتَّقُوا منهم تَقِيَّةً). على مثالٍ فَعِيلَةٍ(١).
والقراءةُ التى هى القراءةُ عندَنا قراءةُ مَن قَرَأها: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ
تُقَدَّةٌ﴾ ؛ لِثُبُوتِ حُجَّةٍ ذلك بأنه القراءةُ الصحيحةُ، بالنقلِ المُستفيضِ الذى يَمْتِنِعُ
معه (٢) الخطأ.
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهٍُ وَإِلَى اللَّهِ
٢٨
اُلْمَصِيرُ
يَعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: ويُخَوِّفُكم اللَّهُ مِن نفسِه أن تَرْكَبُوا معاصِيّه ، أو تُوالُوا
أعداءَه، فإِلى اللَّهِ مَرْجِعُكم ومصيرُكم بعدَ مماتِكم، ويومُ حشرِكم لموقفٍ
الحسابِ . يَعنى بذلك: متى صِرْتُم إليه وقد خالَفْتُم ما أمرَ كم به، وأتَيْتُم مانها كم عنه
مِن اتخاذِ الكافرينَ أولياءَ مِن دونِ المؤمنين نالكم مِن عقابٍ ربِّكم مالا قِيَلَ لكم به .
يقولُ: فَاتَّقُوه واحْذَروه أن ينالَكم ذلك منه ، فإنه شديدُ العقابِ .
القولُ فى تأويل قولِه عزّ وجلّ: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْمَا فِي صُدُورِحِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ
وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٣٩
(١) وهى رواية المفضل عن عاصم، وبها قرأ يعقوب - وهو من العشرة - ووافقه الحسن، وقرأ الباقون بالوجه
الأول. ينظر البحر المحيط ٢/ ٤٢٤، وإتحاف فضلاء البشر ص ١٠٤.
(٢) فى النسخ: ((منه)). وهو تصحيف. والصواب ما أثبت .
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، س: ((فإن اللَّه))، وفى م: ((فإن اللَّه)) .