النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة آل عمران : الآيتان ٣ ، ٤
بالصِّدْقِ فيما اختلفوا فيه (١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نَزَّلَ عَلَيَّكَ
اُلْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيِّهِ ﴾ يقولُ: القرآنَ مُصَدِّقًا لما بين يديه من الكتبِ التى
. (٢)
قد خلَتْ قبلَه(٢) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفر، عن أبيه،
عن الرَّبيع قولَه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: يقولُ: مُصَدِّقًا لما
قبلَه من كتابٍ ورسول (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَنْزَلَ النَّوْرَنَةَ وَالْإِنْجِيلُ
مِن قَبْلُ هُدَّی
٣
لِلنَّاسِ﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه : وأنزلَ التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى،
﴿مِن قَبْلُ﴾. يقولُ: من قبلِ الكتابِ الذى نزَّله عليك .
ويعنى بقولِه: ﴿ هُدِّى لِلنَّاسِ﴾: بيانًا للناسِ من اللَّهِ فيما اختلفوا فيه من
توحیدِ اللهِ ، وتصديقٍ رسله ، ونعتِك) یا محمدُ بأنك نبِّی ورسولی، وفی غیرِ
ذلك من شرائعِ دینِ اللَّهِ .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَنْزَلَ
التَّوْرَةَ وَالْإِنِجِيلٌ ﴿ مِن قَبْلُ هُدَى لِلنَّاسِ﴾: هما كتابان أنزلَهما اللَّهُ، فيهما بيانٌ
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٧/٢ (٣١٣٢) من طريق يزيد به مختصرًا، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣/٢ إلى عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٥٨٧، عقب الأثر (٣١٣٦) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) سقط من س، وفى ص: ((حفيك))، وفى م: ((مفيدًا))، وفى ت ١، ت ٢: ((حفيد)) والمثبت أقرب إلى الصواب.

١٨٢
سورة آل عمران : الآية ٤
من اللَّهِ، وعِصْمةٌ لمن أخَذ به، وصدَّق به، وعمِل بما فيه (١) .
١٦٧/٣
/حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمد بن جعفرٍ
ابنِ الزُّبِيرِ: ﴿ وَأَنْزَلَ التَّوْرَّنَةَ وَاَلْإِنجِيلُ﴾: التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على
عيسى، كما أنزلَ الكتبَ على مَن كان قبلَه(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَنَ الْقُرْقَانُ ﴾ .
يَعنى جلَّ ثناؤه بذلك: وأنزلَ الفَصْلَ بين الحقِّ والباطلِ فيما اختلَفتْ فيه
الأحزابُ وأهلُ المِلَلِ فى أمرٍ عيسى وغيرِهِ .
وقد بَيَّنَّا فيما مضى أن الفُرقانَ إِنما هو الفُغْلانُ، من قولهم : فرَق اللَّهُ بينَ الحقِّ
والباطلِ؛ يَفْصِلُ بينهما بنصرِه الحقَّ على الباطلِ، إِمَّا بالحُبَّةِ البالغةِ، وإمَّا بالقَهْرِ
والغَلَبَةِ بِالأَيْدِ والقُوَّةِ (٣) .
وبما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنَّ بعضَهم وجَّه تأويله إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ
والباطلٍ فى أمرٍ عيسى، وبعضُهم إلى أنه فصلٌ بينَ الحقِّ والباطلٍ فى أحكامِ الشرائعِ .
ذكرُ مَن [٣٨٢/١ و] قال: معناه: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطلٍ
فى أمرٍ عيسى والأحزابٍ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاق ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ
ابْنِ الزُّبِيرِ: ﴿ وَأَنَزَلَ اٌلْفُؤْقَانَ﴾. أى: الفصلَ بينَ الحقِّ والباطل، فيما اختلف فيه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٨/٢ (٣١٤١، ٣١٤٢) من طريق شيبان ، عن قتادة به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣/٢ إلى عبد بن حميد .
(٢) فى م: ((قبلهما)). والأثر فى سيرة ابن هشام ٥٧٦/١.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٩٣/١ وما بعدها .

١٨٣
سورة آل عمران : الآية ٤
الأحزابُ من أمرٍ عيسى وغيرِه (١).
ذكرُ من قال: معنى ذلك: الفصلُ بينَ الحقِّ والباطل فى الأحكام
وشرائع الإسلامِ
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْزَلَ
اٌلْفُرْقَانُ﴾: هو القرآنُ، أَنزَله على محمدٍ ، وفرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ، فأحلَّ فيه
حلالَه ، وحرَّم فيه حرامَه، وشرّع فيه شرائعَه، وحدَّ فيه حدودَه، وفرَض فيه
فرائضَه، وبيَّن فيه بيانَه، وأمَر بطاعتِه، ونهى عن معصيتِه(٢).
حدَّثْنى المثنَّى ، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن
الرَّبِيعِ: ﴿ وَأَنَ اُلْفُرْقَانٌ﴾. قال: الفرقانُ القرآنُ، فَرَق بينَ الحقِّ والباطلِ(٣).
والتأويلُ الذى ذكَرْناه عن محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ فی ذلك أَوْلَی بالصّحّةِ من
التأويلِ الذى ذكَّرْناه عن قتادةَ والربيع، وأن يكونَ معنى الفرقانِ فى هذا الموضعِ
فصلَ اللَّهِ بينَ نبيِّه محمدٍ عَظِلِّ والذين حاجُوه فى أمرٍ عيسى وفى غيرِ ذلك من أمورِهِ،
بالحُجّةِ البالغةِ القاطعةِ عذرَهم وعذرَ نُظَرائِهم من أهلِ الكفرِ باللّهِ .
وإنما قلْنا : هذا القولُ أوْلَى بالصوابِ ؛ لأن إخبارَ اللَّهِ عن تنزيلِه القرآنَ قبلَ
إخبارِه عن تنزيله التوراة والإنجيلَ فى هذه الآيةِ، قد مضَى بقولِه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّهِ﴾. ولا شكَّ أن ذلك الكتابَ هو القرآنُ لا غيرُه، فلا
(١) سيرة ابن هشام ٥٧٦/١ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٨/٢ (٣١٤٦) من طريق شيبان ، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر
٣/٢ إلی عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٨/٢ (٣١٤٥) من طريق ابن أبى جعفر به.

١٨٤
سورة آل عمران : الآية ٤
وَجْهَ لتكريرِهِ مَرَّةً أخرى، إذ لا فائدةً فى تكريرِه ، ليست فى ذكرِه إيّاه وخبرِه عنه ابتداءً .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِتَايَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
ذُو أَنْتِقَاءٍ
يَعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن الذين جَحَدُوا أعلامَ اللَّهِ وأدلَّتَه على توحيدِه
وألوهتِه، وأن عيسى عبدٌ له، واتَّخَذُوا المسيحَ إلهًا وربًّا، أو الدَّعَوْه للَّهِ ولَدًا، لهم
عذابٌ من اللَّهِ شديدٌ يوم القيامةِ .
و ((الذين كفَروا)): هم الذين جحَدوا آياتِ اللَّهِ. و ((آياتُ اللَّهِ)): أعلامُ اللَّهِ
وأدلّتُه وحُجَجُه .
١٦٨/٣
/ وهذا القولُ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ يُثْبِئُ عن معنى قوله: ﴿وَأَنَزَّلَ اَلْقُرْقَانَ ﴾. أنه
مَغْنٌّ به الفصلُ(١) الذى هو حُجّةٌ لأهلِ الحقِّ على أهلِ الباطلِ؛ لأنه عقّب ذلك
بقولِه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَاتِ اللَّهِ﴾. يعنى: إن الذين جحَدوا ذلك الفصلَ
والفرقانَ الذى أنزله فرقًا بينَ المحِّ والمُبْطِلِ، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وعيدٌ من اللَّهِ لمن
عائد الحقَّ بعدَ وُضوحِه له، وخالَف سبيلَ الهُدَى بعدَ قيامِ الحُجّةِ عليه ، ثم أخبرهم
أنه عزيزٌ فى سلطانِه ، لا يمنعُه مانعٌ ممن أراد عذابه منهم ، ولا يحولُ بينَه وبينَه حائلٌ ،
ولا يَستطيعُ أن يُعانِدَه فيه أحدٌ ، وأنه ذو انتقام ممن جحَد محُجَجَه وأدلَّتَه بعد ثُبُوتِها
علیه ، وبعد ۇُضوحها له ومعرِفتِه بها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : حدَّثنا سلَمةُ ، عن محمد بنِ إسحاق ، عن محمدِ بنِ
(١) بعده فى النسخ: ((عن)). ولا يستقيم بها الكلام.

١٨٥
سورة آل عمران : الآيتان ٤، ٥
جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَتِ اَللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو
أَنْتِقَاءٍ﴾. أى: إن اللَّهَ منتقِمٌ ممن كفَر بآياتِه، بعدَ علمِه بها ، ومعرفتِه بما جاء منه
(١)
فيها(١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الرَّبِيعِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِزٌ ذُو أَنْشِقَاءٍ﴾.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَحْفَى عَلَيْهِ نَشَىْءٌ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا فِ
السَّمَاءِ (
يَعنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن اللَّهَ لا يخفى عليه شيءٌ هو فى الأرضِ، ولا شىءٌ
هو فى السماءِ، يقولُ: فكيف يخفَى علىَّ يا محمدُ ، وأنا علامُ (" جميعِ الأشياءِ)،
ما يُضَاهِى به هؤلاء الذين يُجادِلُونك فى آياتِ اللَّهِ مِن نَصارَى نَجْرانَ فى عيسى ابنٍ
مريمَ، فی مقالتهم التى يقولونها فيه ؟
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن
محمدِ بنِ جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ﴾ .
أى: قد عَلِم ما يُريدون وما يَكِيدُون وما يُضاهون بقولِهم فى عيسى ، إذ جعلوه ربًّا
وإلهًا، وعندَهم من علمه غيرُ ذلك، غِرَّةً باللَّهِ وكفرًا به(٤) .
(١) سيرة ابن هشام ٥٧٦/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٨٩/٢ (٣١٥٣) من طريق
سلمة ، عن ابن إسحاق قوله .
(٢) هكذا فى النسخ، لم يذكر المصنف نص الأثر، وسيتكرر ذلك فيما سيأتى، والأثر أخرجه ابن أبى حاتم
فى تفسيره ٥٨٩/٢ (٣١٤٩) من طريق ابن أبى جعفر به بلفظ: يعنى النصارى.
(٣ - ٣) فى س: ((الغيوب)).
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٠/٢ (٣١٥٥) من طريق سلمة، عن ابن
إسحاق قوله .

١٨٦
سورة آل عمران : الآية ٦
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
يَعنى بذلك جلَّ ثناؤه: اللَّهُ الذى يُصَوِّرُ كم فيَجعلُكُمْ صُوَرًا أَشْباحًا فى أرحامٍ
أمّهاتِكم كيف شاء وأحبَّ، فيَجعلُ هذا ذكَرًا وهذا أنثَى، وهذا أسودَ وهذا أحمرَ.
يُعَرِّفُ عبادَه بذلك أن جميعَ مَن اشتملَتْ عليه أرحامُ النساءِ فممن(١) صَوَّره وخَلَقه
كيف شاء، وأن عيسى ابن مريمَ ممن صَوَّره فى رَحِم أمّه، وخلقه فيها كيف شاء
وأحبّ ، وأنه لو كان إلهًا لم يكنْ ممن اشتملَتْ عليه رَحِمُ أمِّه ؛ لأَنَّ خَلّقَ ما فى
الأرحام لا تكونُ الأرحامُ عليه مشتمِلةٌ ، وإنما تشتمِلُ على المخلوقِين .
١٦٩/٣
/ كما حدَّثنى ابنُ محُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِىِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ : قد كان عيسى
ممن صُوِّر فى الأرحام ، لا يدفعون [٣٨٢/١ظ] ذلك ولا يُنكِرونه، کما صُوِّر غیرُه من
بنى آدمَ ، فكيف يكونُ إلهًا وقد كان بذلك المنزِلِ ؟(٢)
حدَّثنا المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ :
﴿ هُوَ اُلَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾. أى: أَنَّه صوَّر عيسى فى الرَّحِم
(٣)
كيف شاءً(٣).
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ،
قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدىِّ، عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابنِ عباسٍ،
وعن مُرَّةَ الهَمْدانيّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَ له
قولَه: ﴿هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ فِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ . قال: إذا وقَعت النطفةُ فى
(١) فى م: ((ممن)).
(٢) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٠/٢ (٣١٥٧) من طريق ابن أبى جعفر به .

١٨٧
سورة آل عمران : الآية ٦
الأرحام، طارتْ فى الجسدِ أربعين يومًا، ثم تكونُ علقةً أربعين يومًا، ثم تكونُ
مضغةً أربعين يومًا ، فإذا بلَغ أن يُخْلَقَ ، بعَث اللَّهُ مَلكًا يصوّرُها ، فيأتى الملَكُ بترابٍ
بين إصبعَيْه، فيخلِطُه فى المضغةِ ، ثم يعجِنُه بها، ثم يصوِّرُها كما يؤمرُ، فيقولُ :
أذكر أو أنثَى؟ أشقىٌّ أو سعيدٌ؟ وما رزقُه؟ وما عمرُه؟ وما أثَّرُه؟ وما مصائبُه؟ فيقولُ
اللَّهُ ، ويكتبُ الملَكُ، فإذا مات ذلك الجسدُ ، دُفِن حيث أُخِذ ذلك الترابُ(١).
٤
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِى
يُصَوِّرُكُمْ فِىِ الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قادرٌ واللَّهِ ربِّنا أن يصوِّرَ عبادَه فى الأرحامِ
كيف يشاءُ؛ من ذكَرٍ أو أَنْثَى، أو أسود أو أحمرَ، تامّ خَلْقُه وغيرٍ تامّ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لَاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَبِزُ الْحَكِيمُ
وهذا القولُ تنزيةٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه نفسَه أن يكونَ له فى ربوبيَّتِهِ نِدٌّ أو مِثْلٌ،
أو أن تجوزَ الأَلُوهُ لغيرِه، وتكذيبٌ منه للذين قالوا فى عيسى ما قالوا ، من وفدٍ تَجْرَانَ
الذين قَدِموا على رسولِ اللَّهِ مَّ ◌َه، وسائرٍ مَن كان على مثلِ الذى كانوا عليه من
قولهم فى عيسى ، ولجميع مَن ادَّعى مع اللَّهِ معبودًا، أو أقَوَ بِرُبُوِيَّةِ غيرِهِ. ثم أخبر جلّ
ثناؤه خلقَه بصفتِه ، وعيدًا منه لمن عبَد غيرَه ، أو أشركَ فى عبادتِه أحدًا سواه ، فقال :
هو العزيزُ الذى لا ينصُرُ مَن أراد الانتقامَ منه أحدٌ ، ولا يُنْجِيه منه وَأْلٌ ولا لَجَأٌ(٣) ،
وذلك لعِزَّتِهِ التى يَذِلُّ لها كلُّ مخلوقٍ، ويخضَعُ لها كلُّ موجودٍ . ثم أعْلَمهم أنه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/٢ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٠/٢ (٣١٥٦) من
طريق عمرو به من قول السدى . وأصل الحديث فى البخارى (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣) من حديث ابن
مسعود مرفوعًا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٥٩٠، ٥٩١ (٣١٥٩) من طريق شيبان ، عن قتادة نحوه، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٤/٢ إلى عبد بن حميد .
(٣) الواْلُ والموئل: الملجأ. واللجَأُ والوأْلُ بمعنى. اللسان (لج أ، وأل).

١٨٨
سورة آل عمران : الآيتان ٦، ٧
الحكيمُ فى تدبيرِهِ، وإعذارِه إلى خلقِه، ومتابعةِ حُجَجِه عليهم ؛ لِيَهْلِكَ من هَلَك
منهم عن بيّةٍ ، ويَحْيا من حَىَّ عن بِّنةٍ .
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزُّبيرِ ، قال : ثم قال - يَعنى الربَّ عزَّ وجلَّ - إنْزاها لنفسِه ، وتوحيدًا لها مما
جعَلوا معه: ﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِزُ الْحَكِيمُ﴾. قال: العزيزُ فى نُصْرتِه (١) ممن كفَر
به إذا شاء، والحكيمُ فى عُذْرِهِ وُجَّتِه إلى عبادِه (١ .
/ حدَّثنى المُثُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:
١٧٠/٣
﴿لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْغَرِزُ الْحَكِيمُ﴾. يقولُ: عزيزٌ فى نِقمتِهِ، حكيمٌ فى أمرِه (١).
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحُكَمَتُ هُنَّ أُمُ
الْكِنَبٍ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَةٌ﴾ .
يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَبَ﴾ أن اللَّهَ الذى لا يَخْفَى عليه
شىءٌ فى الأرضِ ولا فى السماءِ هو الذى أنزل عليك الكتابَ . يعنى بالكتابِ القرآنَ .
وقد أَتَّيْنا على البيانِ فيما مضى عن السببِ الذى من أجلِه سُمِّىَ القرآنُ كتابًا ،
بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
وأما قولُه: ﴿مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَتُ﴾. فإنه يَعنِى: من الكتابِ آياتٌ . يَعنِى
و
بالآياتِ آياتِ القرآنِ. وأمّا المحكماتُ ، فإنهنَّ اللواتى قد أُحْكِمْنَ بالبيانِ والتفصيلِ،
(١) كذا فى النسخ، وعند ابن أبى حاتم: يريد: ((فى انتصاره ممن كفر)). كما فى سيرة ابن هشام.
(٢) سيرة ابن هشام ١ / ٥٧٦، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩١/٢ (٣١٦١، ٣١٦٣) من طريق سلمة،
عن ابن إسحاق قوله .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩١/٢ (٣١٦٢، ٣١٦٤) من طريق ابن أبى جعفر ، عن أبى العالية قوله .
(٤) ينظر ما تقدم فى ١ / ٨٩، ٩٥، ٩٦.

١٨٩
سورة آل عمران : الآية ٧
وأُثْبِتَتْ حُجَجُهنَّ وأدلَّتُهنَّ على ما جُعِلْنَ أدلّةً عليه؛ من حلال وحرامٍ، ووعدٍ
ووعيدٍ ، وثوابٍ وعقابٍ، وأمرٍ وَزَجْرٍ ، وخبرٍ ومَثَلٍ، وعِظَةٍ وعِبَرٍ، وما أشبه ذلك .
ثم وصَف جلَّ ثناؤه هؤلاء الآياتِ المحكماتِ بأنهنَّ أمّ (" الكتابِ ، يَعْنِى بذلك
أنهنَّ أصلُ الكتابِ الذى فيه عمادُ الدينِ والفرائضُ والحدودُ، وسائرُ ما بالخلّقِ إليه
الحاجةُ من أمرٍ دينهم، وما كُلِّفُوا من الفرائضِ والحدودِ ، وسائرِ ما يحتاجون إليه )
فى عاجلِهم وآجلِهم، وإنما سَمّاهنَّ أَمَّ الكتابِ لأنهنَّ مُعْظَمُ الكتابِ، ومَوضِعُ مَفْزَعِ
أهلِه عندَ الحاجة إليه، وكذلك تفعلُ العربُ، تُسَمِّى الجامعَ مُعْظَمَ الشىءٍ أمّا له،
فتُسَمِّى رايةَ القومِ التى تجمعُهم فى العساكرِ أَمَّهم، والمُدَبِّرَ مُعْظَمَ أمرِ القريةِ والبلدةِ
أُمَّها. وقد بيَّنَّا ذلك فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه(٢) .
ووحَّد ﴿أُمُ الْكِنَبِ﴾ ، ولم يَجْمَعْ فيقولَ: هنَّ أَمَّهاتُ الكتابِ . وقد قال :
﴿هُنَّ﴾؛ لأَنَّه أراد: جميعُ الآياتِ المَحْكَمَاتِ أَمّ الكتابِ. لا أنَّ كلَّ آيةٍ منهنَّ أمّ
الكتابِ ، ولو كان معنى ذلك أن كلَّ آيةٍ منهنَّ أمّ الكتابِ ، لكان لا شكَّ قد قِيل :
هنّ أمّهاتُ الكتابِ . ونظيرُ قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ - على التأويلِ
الذى قلْنا فى توحيدِ الأمّ، وهى خبرٌ ﴿لِ﴿هُنَّ﴾) - قولُه تعالى ذكرُه: ﴿ وَحَعَلْنَا
أَبْنَ مَرْيَمَ وَأَمَّهُرْ ءَايَةٌ ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ولَم يقُلْ: آيَتَيْن. لأنَّ معناه: وجعَلْنا
جميعَهما آيةً. إذ كان المعنى واحدًا فيما مجعِلاً) فيه للخَلْقِ عِبرةً، ولو كان مراده
الخبرَ عن كلِّ واحدٍ منهما على انفرادِه بأنه جُعِل للخَلْقِ عِبرةً، لقيل: وجعَلْنا ابنَ مريمَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((من))، وفى م: ((هن أم)) .
(٢ - ٢) سقط من: الأصل، ص، م، ت١، ت ٢.
(٣) ينظر ما تقدم فى ١/ ١٠٥، ١٠٦.
(٤ - ٤) فى ص، س، ت ١، ت ٢: ((لهم)).
(٥ - ٥) فى م: ((وإحداثهما جعلنا)).

١٩٠
سورة آل عمران : الآية ٧
وأمَّه آيتين . لأَنَّه قد كان فى كلِّ واحدٍ منهما لهم عِبرةٌ؛ وذلك أن مريمَ ولَدتْ من غیرِ
رجلٍ، ونطَقَ ابنُها ، فتكلَّم فى المهدِ صبيًّا، فكان فى كلِّ واحدٍ منهما للناسِ آيَةٌ .
وقد قال بعضُ نحوِّى البصرةِ: إنما قيل: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾. ولم يقُلْ: هنّ
١٧١/٣ أمهاتُ الكتابِ. على وجهِ / الحكايةِ، كما يقولُ [٣٨٣/١و] الرجلُ: مالى أنصارٌ.
فتقولُ: أنا أنصارُك . أو: مالى نظيرٌ. فتقولُ: نحن نظيرُك. قال: وهو شبيهُ: دَعْنِى
مِن تمرتان . وأنشد لرجلٍ من فَقْعَسٍٍ(١) :
تَعَّضَتْ لی " بمكانٍ حَلُ"
تَعَرُّضَ المُهْرَةِ فى الطِّوَلِّ(٣)
٤)
تَعَرُّضًا لم تَأْلُ عَنْ قَتْلًا لى
("قتلًا لى)، يَحْكِى به على الحكاية؛ لأنه كان منصوبًا قبل ذلك، كما
يقولُ : نُودِىَ : الصلاةَ الصلاةَ، يَحْكِى قولَ القائلِ : الصلاةَ الصلاةَ. وقال: قال
(١) هو منظور بن مرثد الفقعسى الأسدى، ويعرف بـ: منظور بن حبة. وحبة أمه . والرجز فى مجالس ثعلب
٦٠٢/٢، واللسان (ط و ل، ق ت ل، ع ر ض).
(٢ - ٢) فى ت ١، ت ٢: ((بمكان خلى)). وفى المجالس: ((بمجازٍ حِلٌ))، وفى اللسان: ((بمكانٍ حِلٌ)).
ومكان الحَلِّ : مكان الحلول والنزول. وينظر اللسان (ح ل ل).
(٣) الطّوَلُ : حبل طويل تشد به قائمة الدابة ، وقيل : هو الحبل تشد به ويمسك صاحبه بطرفه ويرسلها ترعى .
وشدد الراجز الطّوَلّ للضرورة. اللسان (ط ول).
(٤ - ٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((قتال))، وفى اللسان: ((قتل لى))، وفى المجالس واللسان (ط ول، ق ت
ل) ((قَتْلِّى)) كأنه أدغم ((قتل لى))، ولا شاهد فى كل ذلك. قال فى اللسان: ويروى: ((عن قتلًا لی)» على
الحكاية ، أى : عن قولها: قتلا له.
والرواية التى أشار إليها صاحب اللسان هى رواية سر صناعة الإعراب ، كما ذكر ذلك محقق المجالس .
(٥ - ٥) فى النسخ: ((كل أى))، وهى عبارة مضطربة، ولعلها تحريف ما أثبتناه، إذ لا يخفى أن الكلام
منصب على مجىء ((قتلًا)). على وجه الحكاية .

١٩١
سورة آل عمران : الآية ٧
بعضُهم: إنما هى: أَنْ قَتْلًا لى. ولكنّه جعَله ((عينًا))(١)؛ لأنَّ ((أَنْ)) فى لغتِه تُجْعَلُ
موضعَها ((عن))، والنصبُ على الأمرِ، كأنك قلتَ : ضربًا لزيدٍ .
وهذا قولٌ لا معنَى له؛ لأنَّ كلَّ هذه الشَّواهدِ التى استشْهدها (٢) ، لا شكَّ
أنهنَّ حكاياتُ حاكِيهنَّ(٣) بما حَكَى عن قولٍ غيرِه وألفاظِهِ التى نطَق بهنَّ، وأن
معلومًا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لم يَحْكِ عن أحدٍ قولَه: أمُّ الكتابِ. فيجوزَ أن يقالَ: أَخْرَج
ذلك مُخْرَجَ الحكايةِ عمَّن قال ذلك كذلك .
وأمّا قولُه: ﴿وَأُخَرُ﴾ فإنها جمعُ أُخْرَى(٤).
ثم اختلف أهلُ العربيةِ فى العلَّةِ التى من أجلِها لم يُصْرَفْ ((أُخَرُ))؛ فقال
بعضُهم: لم يُصْرَفْ ((أُخَرُ)) (٥) ، من أجلٍ أنها نَعْتٌ، واحدتُها ((أُخْرَى))، كما لم
تُصْرَفْ ((جُمَعُ)) و ((كُتَعُ))؛ لأنهنّ نُعوتٌ .
وقال آخرون: إنما لم تُصْرَفِ ((الأُخَرُ))؛ لزيادةِ الياءِ التى فى واحدتها، وأن
جَمْعَها مبنىٌّ على واحدِها فى تركِ الصرفِ. قالوا: وإنما تُرِكَ صرفُ ((أُخْرَى))،
كما تُرِك صرفُ ((حمراءَ)) و ((بيضاءَ)) فى النكرةِ والمعرفةِ ؛ لزيادةِ المَدَّةِ فيها والهمزةِ
بالواوٍ، ثم افترَق جمعُ ((حمراءَ)) و((أُخْرَى))، فبُنِىَ جمعُ ((أَخْرى)) على واحدتِهِ،
(٦)
(١) فى م: ((عن)).
(٢) فى م: ((استشهد بها)).
(٣) فى م: ((حالتهن)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢: ((آخر)).
(٥) سقط من: ص، ت١ .
(٦) الضمير فى كلمة ((فيها)) يرجع إلى ((حمراء وبيضاء))؛ إذ القياس فى همزتها عند التثنية أن تقلب واوًا،
تقول: حمراوان وبيضاوان. ينظر ما لا ينصرف للزجاج ص ٣٢، وشرح ابن عقيل ٤٤٥/٢، ٤٤٦ ..

١٩٢
سورة آل عمران : الآية ٧
فقيل: فُعَلُ ((أَخَرُ))، فتُرِك صرفُها كما تُرِك صرفُ ((أخرى))، وبُنِىَ جمعُ ((حمراءَ))
و (( بيضاءَ)) على خلافٍ واحدتِه، فصُرِف، فقيل: حُمْرٌ وبِيضٌ. فلاختلافٍ
حالتَيْهما فى الجمع، اختلَف إعرابُهما عندَهم فى الصرفِ ، ولاتُّفاقٍ حالتَيْهما فى
الواحدةِ ، اتفقتْ حالتاهما فيها .
١٧٢/٣
/ وأما قولُه: ﴿مُتَشَِهٌَ﴾. فإنَّ معناه: متشابهاتٌ فى التلاوةِ،
مختلفاتٌ(١) فى المعنىَ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهًا﴾ [البقرة:
٢٥]. يعنى: فى المَنَّظَرِ، مختلفًا فى المَطْعَم. وكما قال مُخبِرًا عمَّن أخبر عنه من
بنى إسرائيلَ أنه قال: ﴿ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]. يَعْنون بذلك: تشابهَ
علينا فى الصفةِ وإن اختلَفتْ أنواعُه .
فتأويلُ الكلام إذنْ : إن الذى لا يَخْفَى عليه شيءٌ فى الأرضِ ولا فى السماءِ،
هو الذى أَنزَل عليك يا محمدُ القرآنَ، ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَكُ﴾ بالبيانِ، هنَّ أَصلُ
الكتابِ الذى عليه عِمادُك وعِمادُ أُمَّتِك فى الدِّينِ، وإليه مَفْزَعُك ومَفْزَعُهم فيما
افترضْتُ عليك وعليهم مِن شرائع الإسلام، وآياتٌ أُخَرُ هنَّ متشابهاتٌ فى التلاوةِ ،
مختلفاتٌ فى المعانى .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قوله: ﴿مِنْهُ ءَايَلٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ
وَأُخَرُ مُتَشَِهَدٌ﴾. وما(٢) المُحْكَمُ من آيِ الكتابِ؟ وما المتشابهُ منه؟ فقال
بعضُهم : المحْكَماتُ مِن آي القرآنِ : المعمولُ بهنَّ، وهنَّ الناسخاتُ ، أو المُبَتَاتُ
الأحكامِ، والمتشابهاتُ مِن آيهِ : المتروكُ العملُ بهنَّ المنسوخاتُ .
(١) فى ت ٢: ((مختلفة)).
(٢) فى ت ٢: ((أما)).

١٩٣
سورة آل عمران : الآية ٧
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا العوَّامُ ، عمَّن حدَّثَه ،
عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ﴾ قال : هى الثلاثُ الآياتِ التى هلهنا
﴿ قُلْ تَعَالَوَاْ أَثْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاثِ آياتٍ،
والتى فى بنى إسرائيلَ ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى آخرٍ
(١)
الآياتِ(١).
حدَّثْنى المُنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: (( ثنا معاويةُ بنُ صالح)، عن علىّ
ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتُ
تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾: المحكماتُ: ناسخُه، وحلالُه، وحرامُه، وحُدُودُه،
وفرائضُه، وما يُؤْمَنُ به ويُعْمَلُ به. قال: ﴿وَأُخرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾:
والمتشابهاتُ : منسوخُه، ومُقدَّمُه، ومُؤخَّرُه، وأمثالُه، وأقسامُه، وما يُؤْمَنُ به
ولا يُعْمَلُ به(٣) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الآية)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٢/٢ (٣١٦٩) من طريق هشيم به. وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٤/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢ - ٢) سقط من: ت ١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٢/٢، ٥٩٣ (٣١٦٧، ٣١٧٤) من طريق أبى صالح به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٤/٢ إلى ابن المنذر.
( تفسير الطبرى ١٣/٥ )

١٩٤
سورة آل عمران : الآية ٧
إلى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌْ﴾: فالمَحْكَماتُ التى هى أمُّ الكتابِ: الناسخُ
الذى يُدانُ به ويُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: هنّ المنسوخاتُ التى لا يُدانُ
(١)
بهنّ(١).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ فى خبرٍ ذكَره
عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىِّ ، عن ابنٍ
مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ عَلَّهِ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ
ءَايَتُ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ إلى قولِه: ﴿ كُلُّ مِنْ عِنْدِ رَيْنَا﴾: أما الآياتُ
المَحْكَماتُ، فهنّ الناسخاتُ التى يُعْمَلُ بهنّ، وأما المتشابهاتُ، فهنَّ
المنسوخاتُ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ
اُلْكِتَبَ مِنْهُ ءَايَتُ تُحْكَمَثُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾: والمحُكَماتُ: الناسخُ الذى يُعْمَلُ به ما
أحلَّ اللَّهُ فيه حلالَه، وحرَّم فيه حرامَه ، وأمَّا المتشابهاتُ: فالمنسوخُ الذى لا يُعْمَلُ به
١٧٣/٣ وَيُؤْمَنُ به(١) .
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ ءَايَتُ تُحْكَمَثُ﴾ قال: المحْكَمُ: مَا يُعْمَلُ به(٢).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٤/٢ إلى المصنف .
(٢) ينظر تفسير البغوى ٣٣٥/٢، والمحرر الوجيز ٨/٢، وتفسير القرطبى ٤/ ١٠.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١١٥/١.

١٩٥
سورة آل عمران : الآية ٧
حدَّثنا المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبِيعِ :
﴿هُوَ اُلَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَِهَتٌ﴾
ج
قال : المحكَماتُ: الناسخُ الذى يُعْمَلُ به، والمتشابهاتُ: [٣٨٣/١ظ] المنسوخُ الذى لا
يُعْمَلُ به، ويُؤْمَنُ به (١).
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ فى
قوله: ﴿ءَايَتٌ تُحْكَمَثُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ قال: الناسخاتُ. ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَمٌ﴾
ج
قال: ما نُسِخ وتُرِك يُتْلَى(٢).
حدَّثنى ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلَمَةَ بنِ نُبْطِ ، عن الضّحّاكِ بنِ مُزاحِمٍ،
قال: المُحْكَمُ ما لم يُنْسَخْ، وما تَشابةَ منه: ما نُسِخ(١) .
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن
الضّحّاكِ فى قوله: ﴿ءَايَكُ تُحُكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ﴾ قال: الناسخُ ﴿ وَأُخَرُ
مُتَشَبِهَةٌ﴾ قال: المنسوخُ(١)(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يحدِّثُ ، قال : أخبرنا
عُبِيدُ بنُ سليمانَ(٤) ، قال: سمعتُ الضّحّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿مِنْهُ مَايَكُ تُحْكَمَثُ﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٢/٢، ٥٩٣ عقب الأثر (٣١٦٧، ٣١٧٤) من طريق ابن أبى جعفر
به .
(٢) تفسير سفيان الثورى ص ٧٥ عن سلمة بن نبيط أو جويبر به .
(٣) بعده فى م: ((حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع:
﴿هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ قال:
المحكمات : الذى يعمل به )).
(٤) فى ت ٢: ((سلمان)).

١٩٦
سورة آل عمران : الآية ٧
يعنى الناسخَ الذى يُعْمَلُ به ﴿ وَأُخرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾ يعنى المنسوخَ، يُؤْمَنُ به ولا يُعْمَلُ
به .
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازم، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سلَمَةُ، عن الضّحّاكِ:
مِنْهُ ءَايَكتُ تُحْكَمَتُ﴾ قال: ما لم يُنْسَخْ، ﴿ وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾ قال : ما قد نُسِخ .
ج
وقال آخرون : المحْكَماتُ من آيِ الكتابِ ما أُحكَم اللَّهُ فيه بيانَ حلالِه وحرامِه،
والمتشابهُ منها ما أَشبَه بعضه بعضًا فى المعانى ، وإن اختلَفتْ ألفاظُه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَكُ﴾ : ما فيه من الحلال والحرامِ ، وما سوى
ذلك، فهو متشابةٌ يُصَدِّقُ (١) بعضُه بعضًا، وهو مثلُ قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ: إِلَّا
اُلْفَسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ومثلُ قولِه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرَّجْسَ عَلَى الَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ومثلُ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ أُهْتَدَوْ زَادَهُمْ هُدَى وَءَانَهُمْ
تَقْوَنَّهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
. (٣)
مجاهدٍ مثله(٣) .
(١) فى ص: ((يصرف)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٨ .
(٣) أخرجه عبد بن حميد فى تفسيره - كما فى تغليق التعليق ١٩٠/٤ - من طريق شبل به . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٤/٢ إلى الفريابى.

١٩٧
سورة آل عمران : الآية ٧
وقال آخرون : المحكماتُ من آي الكتابِ ما لم يَحْتَمِلْ من التأويلِ غيرَ وجهٍ
واحدٍ ؛ والمتشابهُ منها : ما احتمَل من التأويلِ أوجهًا .
١٧٤/٣
/ ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال: ثنى محمدُ
ابنُ جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَاتٌ تُحْكَمَكُ﴾: فيهنَّ
حُجَّةُ الرَّبِّ، وعِصْمةُ العبادِ ، ودفعُ الخصومِ والباطلِ، ليس لها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ
عما وُضِعتْ عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَبِهَتٌ﴾ فى الصِّدْقِ، لهنَّ تصريفٌ وتحريفٌ
وتأويلٌ ، ابتَلَى اللَّهُ فيهنَّ العبادَ، كما ابتلاهم فى الحلال والحرامِ ، لا يُصَرَّفْنَ إلى الباطلِ
ولا يُحَّفْنَ عن الحقِّ(٢) .
وقال آخرون: معنى المُحْكَم ما أَحْكَم اللَّهُ فيه مِن آي القرآنِ، وقَصَصِ الأمم
ورسلِهم الذين أَرْسِلُوا إليهم، ففصَّله ببيانِ ذلك لمحمدٍ وأَمَّتِه. والمتشابهُ هو ما
اشْتَبَهتِ الألفاظُ به من قِصَصِهم، عندَ التكريرِ فى السورِ، بقصِّه(١) باتفاقِ الألفاظِ
واختلافِ المعانى، وبقصّه(٤) باختلافِ الألفاظِ واتفاقِ المعانى .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وقرَأ: ﴿الَّرِ كِتَبُ
أُعْكِمَتْ ءَايَئُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَُّنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [ هود: ١] قال : وذكر حديث رسولٍ
(١) فى م: ((متشابهة)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٧٦/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٩٢/٢، ٥٩٤ (٣١٧١، ٣١٧٧،
٣١٧٨) من طريق سلمة ، عن ابن إسحاق قوله .
(٣) فى م: ((فقصة)).
(٤) فى م: ((قصة)).

١٩٨
سورة آل عمران : الآية ٧
اللَّهِ عَِّ فى أربع وعشرين آيةٌ منها، وحديثَ نوح فى أربع وعشرين آيةً منها ، ثم
قال: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩]، ثم ذكر: ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ [ هود: ٥٠]
فقرَأْ حتى بلَغْ ﴿ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ﴾ (١، ثم مضَى، ثم ذكَر صالحاً وإبراهيمَ ولوطًا
وشعيبًا، وفرَغ من ذلك، وهذا يقيٌّ، ذلك يقيُّ ﴿أُحْكِمَتْ ءَايَئُهُمْ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾(١).
قال: والمتشابهُ ذكرُ موسى فى أمكنةٍ كثيرةٍ، وهو متشابِةٌ، وهو كلُّه معنَى
واحدٌ، "وهو مُتشابةً": ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿أَحْمِلْ فِيهَا﴾
[هود: ٤٠]، ﴿أَسْلُكْ يَدَلَكَ ﴾ [القصص: ٣٢]، ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ ﴾ [النمل: ١٢]،
﴿ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿ثُعْبَانُ قُبِينٌ﴾ [ الشعراء: ٣٢].
قال: ثم ذكَر هُودًا فى عشْرٍ آياتٍ منها، وصالحاً فى ثمانى آياتٍ منها،
وإبراهيمَ فى ثمانِى آياتٍ أَخْرَى، ولوطًا فى ثمانِى آياتٍ منها، وشعيبًا فى ثلاثَ
عشْرةَ آيةً ، وموسى فى أربع آياتٍ ، كلُّ هذا يَقْضِى بين الأنبياءِ وبين قومِهم فى هذه
السورةِ، فانتهى ذلك إلى مائةٍ آيةٍ من سورة هودٍ، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى
نَقُضُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآَبِهُ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. وقال فى المتشابِهِ من القرآنِ:
مَن يُرِدِ اللَّهُ به البلاءَ والضّلالةَ يقولُ: ما شأنُ هذا ( لا يكونُ هكذا) ؟ وما شأنُ هذا
لا يكونُ هكذا(٥)؟
(١) فى النسخ: ((واستغفروا ربكم)). وأثبتناه بدون الواو لما ذكر بعده قال: ((ثم مضى ثم ذكر صالحا
وإبراهيم ولوطا وشعيبا)). فبين أنه أراد التى من قول هود: ((يا قوم استغفروا ربكم))، لا التى من قول شعيب :
« واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه)).
(٢) اليقين: تحقيق الأمر. ويقينُ ﴿أحكمت ... ): تحقيقها. ينظر اللسان (ي ق ن).
(٣ - ٣) فى م: ((ومتشابهه)).
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢.
(٥) فى ت ٢: ((هذا)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٩٥/٦ من طريق أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد به .

١٩٩
سورة آل عمران : الآية ٧
وقال آخرون : بل المحْكَمُ من آي القرآنِ ما عرَف العلماءُ تأويلَه، وفَهِمُوا معناه
وتفسيرَه . والمتشابِهُ ما لم يكنْ لأحدٍ إلى علمِه سبيلٌ مما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بعلمِه دونَ خلقِه ،
وذلك نحوُ الخبرِ عن وقتٍ (١) مَخْرَجِ عيسى ابن مريمَ، ووقتٍ طلوعِ الشمسِ من
مغرِبِها، وقيامِ الساعةِ ، وفناءٍ الدنيا، وما أشبهَ ذلك، فإن ذلك لا يَعْلَمُه أحدٌ . وقالوا :
إنما سَمَّى اللَّهُ مِن آي الكتابِ المتشابهَ الحروفَ المقطّعةَ التى فى أوائلٍ بعضٍ سورٍ
القرآنِ، من نحوٍ ﴿الَّمّ﴾، و﴿الَّصّ﴾ [الأعراف: ١]، و﴿الَّمَرْ﴾ [الرعد: ١]
و﴿الَرَّ﴾ وما أُشْبهَ ذلك؛ لأنهنَّ متشابهاتٌ فى الألفاظِ، وموافِقاتٌ حروفَ
حسابِ الجُمَّلِ(١)، وكان قومٌ من اليهودِ على عهدِ رسولِ اللهِ عَ ظِهِ طمِعوا أن يُدْرِ كُوا
مِن قِبَلِها معرفةَ مدةِ الإسلامِ وأهلِه، ويَعْلَمُوا نهايةَ أَكْل(٣) محمدٍ وَأُمَّتِهِ، فَأَكذبَ
اللَّهُ أُحْدوثَتَهم بذلك، وأَعلَمَهم أن ما ابْتَغَوْا علمَه من [٣٨٤/١و] ذلك من قِبَلِ هذه
الحروفِ المتشابهةِ لا يُدْرِكُونه ، ولا مِن قِبَلِ غيرِها، وأن ذلك لا يَعلمُه/ إلا اللَّهُ. وهذا ١٧٥/٣
قولٌ ذُكِر عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ رِئابٍ(٤) أن هذه الآيةَ نزَلتْ فيه ، وقد ذكَرْنا الروايةَ
بذلك عنه وعن غيرِه ممن قال نحوَ مقالتِه فى تأويلِ ذلك فى تفسير قوله: ﴿الَمّ
ذَلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] .
وهذا القولُ الذى ذكَرْناه عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ ، وذلك أنَّ
جميعَ ما أَنزلَ اللَّهُ عزَّ وجل مِن آي القرآنِ على رسولِه ◌ِ لَّهِ فإنّمَا أَنزَله عليه بيانًا له
ولأمته، وهدى للعالمين، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ فيه مالا حاجةَ بهم إليه، ولا أن يكونَ
(١) سقط من: ت ٢.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢١٠/١.
(٣) فى م: ((أجل)). والأُكْلُ: الرزق، والحظُّ من الدنيا. ويقال: انقطع أُكْلُه: إذا مات . ينظر أساس
البلاغة ، واللسان (أك ل).
(٤) فى م: ((رباب)). وينظر أسد الغابة ٣٠٦/١، ٣٠٧، والإصابة ٤٣٣/١.
1

٢٠٠
سورة آل عمران : الآية ٧
فيه ما بهم إليه الحاجةُ ، ثم لا يكونَ لهم إلى علم تأويلِه سبيلٌ .
فإذ(١) كان ذلك كذلك، فكلُّ ما فيه لخلقِه(١) إليه الحاجةُ ، وإن كان فى بعضِه
ما بهم عن بعضٍ معانيه الغِنَى، وإن اضْطَرَّتْه الحاجةُ إليه فى معانٍ كثيرةٍ ، وذلك
كقولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن
قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىَّ إِيمَنِهَا خَيٌْ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. فَأَعلمَ النبيُّ عَلِ أُمَّتَه أن تلك الآيَةَ
التى أُخبرَ اللَّهُ جل ثناؤه عبادَه أنها إذا جاءتْ لم يَنْفَعْ نفسًا إيمانُها لم تكن آمنتْ من
قبلٍ ذلك، هى طلوعُ الشمسِ من مغرِبِها ، فإنَّ الذى كانت بالعبادِ إليه الحاجةُ من
علمٍ ذلك هو العلمُ منهم بوقتٍ نفعِ التوبةِ بصفتِه، بغيرِ تحديدِه ( بعَدِّ السنينَ(٣)
والشهورِ والأيامِ ، فقد بينَّ اللَّهُ ذلكَ لهم بدَلالةِ الكتابِ، وأوضَحه لهم على لسانٍ
- رسولِه ◌ِ لِ مفسَرًا، والذى لا حاجةَ بهم إلى علمِه منه هو العلمُ بمقدارِ المدةِ
التى بين وقتِ نزول هذه الآيةِ، ووقتِ حدوثِ تلك الآيةِ، فإن ذلك مما لا
حاجةً بهم إلى علمِه فى دينٍ ولا دنيا، وذلك هو العلمُ الذى استأثَر اللَّهُ جل
ثناؤُهُ به دونَ خلقِه، فحَبه عنهم، وذلك وما أشبهَه هو المعنى الذى طلبتٍ
اليهودُ معرفتَه فى مدةِ محمدٍ عَ لَه وَأَمَّتِهِ من قِبَلِ قوله: ﴿الَمّ﴾، و﴿ الْمَصّ﴾،
و﴿الَرَّ﴾، و﴿الّمَرْ﴾، ونحوِ ذلك من الحروفِ المقطّعةِ المتشابهاتِ، التى
أخبر اللَّهُ ، جلّ ثناؤه، أنهم لا يُدْرِكون تأويلَ ذلك من قِبَلِه، وأنه لا يَعلَمُ
تأويلَه إلا اللَّهُ.
فإِذا كان المتشابِهُ هو ما وصفْنا، فكلُّ ما عدَاه فمُحْكَمٌ؛ لأنه لن يخلُوَ من أن
(١) فى م: ((فإذا)).
(٢) فى ص: ((محلقه)). بغير نقط.
(٣ - ٣) فى م: ((بعد بالسنين)).