النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
للشهادة، وقد ألزَمهم اسمَ الشهداءِ، وغيرُ جائزٍ أن يُلْزِمَهم اسمَ الشهداءِ إلا وقد
اسْتُشهِدوا قبلَ ذلك، فشهِدوا على ما لزِمَهم بشهادتِهم عليه اسمُ الشهداءِ، فأما قبلَ
أن يُسْتَشْهَدُوا فيشهَدوا(١) " على شىءٍ ٢ ، فغيرُ جائٍ أن يُقَالَ لهم: شهداءُ. لأن ذلك
الاسمَ لو كان يَلْزَمُهم ولمّا يُسْتَشْهَدُوا على شىءٍ يَسْتَوجِبُون بشهادتِهم عليه هذا
الاسمَ، لم يكنْ على الأرضِ [٧٩/٨ظ] أحدٌ له عقلٌ صحيحٌ إلا وهو مُسْتَحِقٌّ أن يُقالَ
له (٢) : شاهدٌ. بمعنَى أنه سيَشْهَدُ، أو أنه يَصْلُحُ لأَنْ يَشْهَدَ ، فإنْ كان خطأ أن يُسَمَّی
بذلك الاسم إلا مَن عندَه شهادةٌ لغيرِهِ ، أو مَن قد قام بِشهادةٍ فلزِمه لذلك هذا الاسمُ،
كان معلومًا أن المعنىَّ بقولِه: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ مَن وصَفْنا صفته، ممن
قد اسْتُرْعِىَ شهادةً أو شهِد فدُعِى إلى القيامِ بها؛ لأن الذى لم يُسْتَشْهَدْ ولم يُشْتَرِعَ
شهادةٌ قبلَ الإِشهادِ ، غيرُ مستحقٌّ اسمَ شهيدٍ ولا شاهدٍ ؛ لما قد / وصَفنا قبلُ .
١٣٠/٣
مع أنّ فى دخُولِ الأَلفِ واللامِ فى ﴿ الشُّهَدَآءُ﴾ دلالةٌ واضحةً على أنَّ
المغْنِيَّ بالنهى عن تركِ الإجابةِ للشهادةِ ، أشخاصّ معلُومُون قد عُرِفوا بالشهادةِ ،
وأنهم الذين أمَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ أَهلَ الحقوقِ باستشهادِهم بقولِه: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ
شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ
الشُّهَدَآءِ﴾. وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم إنما أمِرُوا بإجابةِ داعيهم لإقامةِ
شهادتِهم بعدَ ما اسْتُشْهِدُوا فشَهِدوا، ولو كان ذلك أمرًا لمن اعْتُرِض مِن الناسِ،
فدُعِى إلى الشهادةِ يَشْهَدُ(٥) عليها، لقيل: ولا يَأْبَ شاهدٌ إذا ما دُعِى.
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢ - ٢) فى س: ((قبل)).
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((المسمى)).
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فشهد)).

١٠٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن الذى نقولُ به فى الذى يُدْعَى لِشهادةٍ يَشْهَدُ
عليها إذا كان بموضع ليس به سواه ممّن يَصْلُحُ للشهادةِ ، فإن الفرضَ عليه إجابةُ داعِيه
إليها، كما فَوْضٌ على الكاتبِ إذا اسْتُكتِب بموضع لا كاتبَ به سواه ، ففَرْضٌ عليه أن
يَكْتُبَ، كما فَرْضٌ على مَن كان بموضع لا أحدَ به سواه يَعْرِفُ الإيمانَ وشرائعَ
الإسلام، فحضَره جاهلٌ بالإيمانِ وبفرائضِ اللَّهِ ، فسأله تعليمَه وبيانَ ذلك له أن
يُعَلِّمَه ويبيِّنَه له . ولم نُوجبْ ما أوجَبْنا على الرجلِ مِن الإجابةِ للشهادةِ إذا دُعِى ابتداءً
لِيَشهدَ على ما يُسْتَشهدُ(١) عليه بهذه الآيةِ ، ولكن بأدلةٍ سواها، وهى ما ذكَرْنا .
( وإِن٢َّ) فرضًا(٣) على الرجلِ إحياءُ ما قدَر على إحيائه من حقِّ أخيه المسلم .
والشهداءُ جمعُ شهیدٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَلَا تََّمُوْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيًّا إِلَ أَجَلِهِ،
يغنى بذلك جلَّ ثناؤه : ولا تَسْأموا أيّها الذين تُدايِنُون الناسَ إلى أجلِ أن تَكتُبُوا
صغيرَ الحقِّ، يغنى قليلَه، أو كبيرَه، يَغْنى: أو كثيرَه، ﴿إِلَىَ أَجَلِهِ، ﴾ يغنى": إلى
أجلِ الحقِّ ، فإن الكتابَ أخْصَى(٥) للأجلِ والمالِ .
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن شَريكِ،
عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا [١٨٠/٨] ◌َسْتَمُواْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى
أَجَلِهِ ﴾. قال: هو "الحَقُّ الذى بينَهما)، الدَّينُ.
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أشهد)) .
(٢ - ٢) فى م: (( وقد)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فرضنا)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٥) فى حاشية الأصل: ((فى الأم : إحصاء)).
(٦ - ٦) سقط من: م.

١٠٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
ومعنى قوله: ﴿ وَلَا تَسْمُواْ﴾: لا تَمَلُّوا. يقالُ منه: سئمتُ فأنا أَسْأَمُ سَامَةٌ
وسَأْمةً ، ومنه قولُ لَبيدٍ (١):
وسؤالٍ هذا الناسِ : كيف لَبِيدُ
ولقد سَئِمْتُ مِن الحياةِ وَطُولِها
يغْنى : ملَلتُ .
وقولُ زهيرٍ(٢) :
سَئِمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يَعِشْ
ثمانينَ حَوْلًا(٢) لا أبا لَكَ يَشْأمِ
وقال بعضُ نحويِّى البصريين: تأويلُ قولِه: ﴿ إِلَى أَجَلِّهِ،﴾: إلى أجلٍ
الشاهِدِ . ومعناه : إلى الأجلِ الذى لا(٤) تَجُوزُ شهادتُه فيه .
وقد بينًا القولَ (فى ذلك).
/القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ
١٣١/٣
يُعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: اكتتابُ كتابِ الدَّيْنِ إلى أجلِه . ویعنی
بقوله : ﴿ أَقْسَطُ ﴾: أعدلُ عندَ اللهِ. يُقالُ منه: أقسَط الحاكمُ فهو يُقْسِطُ إقساطًا
وهو مُقْسِطٌ. إذا عدَل فى حكمِه، وأصاب الحقَّ فيه . فإذا جار، قيل : قسَط فهو
يَقْسِطُ قُسوطا؛ ومنه قولُ اللَّهِ جل ثناؤُه: ﴿ وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ خَطَبًا﴾
[ الجن: ١٥]. يعنى الجائرين.
(١) ديوانه ص ٣٥.
(٢) شرح ديوانه ص ٢٩.
(٣) فى ص، ت ١، س: ((عاما)).
(٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فيه)) وينظر ما تقدم فى ص ٦٩ وما بعدها .

١٠٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وبمثلِ ما قُلْنا فى ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿ ذَلِكُمْ
أَفْسَطُ عِندَ اللّهِ﴾. يقولُ: أعدلُ عندَ اللَّهِ(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ﴾ .
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأصوبُ للشهادةِ . وأصلُه مِن قولِ القائلِ: أقَمتُه مِن
عوجه. إذا سؤيته [٨٠/٨ظ ] فاستوَى .
وإنما كان الكتابُ أعدلَ عندَ اللَّهِ ، وأصوبَ لشهادة الشهودِ علی ما فيه ؛ لأنه
يَحْوِى الألفاظَ التى أقرَّ بها البائعُ والمشترى وربُّ الدَّينِ، والمستدينُ على نفسِه ، فلا
يَقَعُ بينَ الشهودِ اختلافٌ فى ألفاظهم بشهاداتهم ؛ لاجتماع شهاداتهم على ما حواه
الكتابُ، وإذا اجتمعت شهاداتُهم على ذلك، كان فصلُ الحكم بينَهم أثِينَ لمن
احْتُكِم إليه مِن الحكام ، مع غيرِ ذلك مِن الأسبابِ، وهو أعدلُ عندَ اللَّهِ؛ لأنه قد أمر
به، واتباع أمرِ اللَّهِ لاشكَّ أنه عندَ اللَّهِ أقسطُ وأعدلُ مِن تركِه والانحرافِ عنه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَدْنَّ أَلَّا تَرْتَبُوَأَ﴾ .
يغنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَأَدْنَ﴾: وأقربُ، من الدُّنُوِّ وهو القربُ.
ويَعْنى بقولِه: ﴿أَلَّا تَرْتَابُواْ﴾: مِن ألا تَشُكّوا فى الشهادةِ .
كما حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ : ذلك
أَدْنَّ أَلَّا تَرْتَبُوَّمْ﴾. يقولُ: ألا تشكُّوا فى الشهادةٍ(٢).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٤/٢ (٣٠٠٧) من طريق عمرو به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٥/٢ عقب الأثر (٣٠١٢) من طريق عمرو بن حماد به.

١٠٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وهو ((تفتعِلوا))(١) مِن الرّيبةِ.
ومعنى الكلام: ولا تملَّوا أيُّها القومُ أن تَكْتُبُوا الحقَّ الذى لكم قِبَلَ مَن دايَنْتُموه
مِن الناسِ إلى أجلٍ، صغيرًا كان ذلك الحقُّ (٢أو كبيرًا٢، فإن كتابَكم ذلك أعدلُ
عندَ اللَّهِ ، وأصوبُ لشهادةِ شهودِ كم عليه، وأقربُ لكم ألا تشكّوا فيما يشهدُ به
شهودُكم عليكم مِن الحقِّ والأجلِ إذا كان مكتوبًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَّةَ حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا
بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَلَّ تَكْثُبُوهَا﴾ .
ثم استثنى جلَّ ثناؤه مما نهاهم أن يَسْأَموه مِن اكتتابٍ كتبٍ حقوقهم على
غرمائِهم من الحقوقِ التى لهم عليهم، ما وجَب لهم قِبَلَهم مِن حقٍّ ، عن مبايعةٍ
بالنقودِ الحاضرةِ يدًا بيدٍ، فرخَّص لهم فى تركِ اكتتابِ الكتبِ بذلك؛ لأن كلَّ واحدٍ
منهم، أعنى مِن الباعةِ والمشترين، يَقْبِضُ إذا كان التواجبُ بينَهم فيما تبايعوه(١ / ١٣٢/٣
نقدًا (٥) ، ما وجَب له قِبَلَ مُبايعيه [٨١/٨و] قبلَ المفارقةِ، فلا حاجةً بهم فى ذلك إلى
اكْتِتَابٍ أحدِ الفريقين على الفريقِ الآخرِ كتابًا بما وجَب لهم قِبلَهم، وقد تقابضوا
الواجبَ لهم عليهم، فلذلك قال تعالى ذكره: ﴿ إِلََّ أَنْ تَكُونَ تِجَكَرَةً حَاضِرَةً
تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. لا أجلَ فيها ولا تأخيرَ ولا ثُنيا(١)، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُنْ جُنَاعُ أَلَّ
تَكْتُبُوهَا﴾. يقولُ: فلا حرجَ عليكم ألا تَكْتُبوها. يعنى التجارةَ الحاضرةَ.
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ .
(١) فى ص، س: ((تفعيل))، وفى م: ((تفتعل)).
(٢ - ٢) فى الأصل، ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قليلًا أو كثيرًا))، وكتب مقابله فى حاشية الأصل: ((كبيرًا)).
(٣ - ٣) ضبطها فى الأصل: ((تجارةٌ حاضرةٌ)). بالرفع، وهى القراءة التى اختارها المصنف كما سيأتى.
(٤) فى ص، م، ت ٢، ت ٣: (( يتبايعونه))، وفى ت ١، س: (( يبايعونه)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بعد)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نساء))، وفى س: ((شيا)).

١٠٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أشباطُ، عن السدىِّ قولَه: ﴿إِلَّ أَن
تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: معكم بالبلدِ تديرونها (١)،
فتأخُذُ وتُعْطِى ، فليس على هؤلاء جناحٌ ألا يَكْتُبوها(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَئِيرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿ وَلَا تَسْمُوْاْ أَنْ تَكْثُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِ﴾ إلى قولِه :
﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَلَّا تَكْثُبُوهَأْ﴾. قال: أمَر اللَّهُ أَلا تَسْأَموا أن تَكْتُبوه صغيرًا أو
كبيرًا إلى أجلِه، وأمَر ما كان يدًا بيدٍ أن يُشْهدَ عليه ؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ورخّص
لهم ألا يَكْتُبوه(٣) .
واختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَته قرأةُ الحجازِ والعراقٍ وعامةُ القرأةِ :
(إلا أن تَكُونَ تجارَةٌ حَاضِرَةٌ ) بالرفعِ(٤) . وانْفَرَد بعضُ قرأةِ الكوفيين بقراءتِهُ(٥)
بالنصبٍ، "فقرأ: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةَ حَاضِرَةً ﴾. وذلك وإن كان جائزًا فى
العربيةِ ، إذ كانت العربُ تَنْصِبُ النكراتِ المَتَعوتاتِ() مع ((كان))، وتُضْمِرُ معها فى
((كان)) مجهولًا ، فتقولُ: إن كان طعامًا طيبًا فَأْتِنا به. وتَْفَتُها فتقولُ: إن كان طعام
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ترونها)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٥/٢ (٣٠١٥) من طريق عمرو به مختصرا .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٦/٢ عقب الأثر (٣٠٢٠) معلقًا .
(٤) زيادة من : م .
وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٩٤.
(٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فقرأته))، وفى م: ((فقرأه)).
(٦ - ٦) سقط من: م، س.
وقراءة النصب هى قراءة عاصم . المصدر السابق .
(٧) فى ص: ((المبعوثان))، وفى م، ت ٢: ((والمنعوتات))، وفى س: ((المتبوعات)).

١٠٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
طيبٌ فَأَتِنا به . فتُتْبِعُ النكرةَ خبرَها بمثلِ إعرابِها - فإن الذى أُخْتارُ مِن القراءةِ ، ثم لا
أَسْتَجِيزُ القراءةَ بغيرِهِ، الرفعُ فى ((التجارة الحاضرة))؛ لإجماع القرأةِ على ذلك،
وشذوذٍ مَن قرَأْ ذلك نَصْبًا عنهم، ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ على الحُجَّةِ(١). ومما جاء نصبً(٢)
قولُ الشاعرِ(٣) :
أُعَيْنِىَّ هَلَّا تَبْكيانٍ عِفَاقًا()
وقولُ الآخرِ (٥):
إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا
إذا كان يَوْمًا ذا كواكبَ أَشْنَعا
وللَّهِ قَومى أىُّ قَوْمِ لِحُرّةٍ
/ وإنما تَفْعَلُ العربُ ذلك فى النكراتِ؛ لِمَا وصَفْنا مِن إتباع أخبارِ النكراتِ ١٣٣/٣
أسماءَها، و((كان)) من حكمِها أن يَكونَ معها مرفوعٌ ومنصوبٌ، فإذا رفَعوهما
جميعًا(١) تذَكّروا إتْباعَ النكرةِ خبرَها، وإذا نصبوها ) تذكّروا صُحْبةَ ((كان))
مرفوعٍ ومنصوبٍ، ووجَدوا النكرةَ يَتْبَعُها خبرُها، [٨١/٨ظ] فنصَبوا النكرةَ
وأتبعوها خبرَهاُ، وأَضْمَّروا فى ((كان)) مجهولاً؛ لاحتمالِها الضميرَ.
(١) قراءة النصب متواترة كقراءة الرفع.
وقد قال أبو جعفر النحاس : السلامة عند أهل الدين أنه إذا صحت القراءتان عن الجماعة ألا يقال: أحدهما
أجود؛ لأنهما جميعا عن النبى معَِّ ، فيأثم من قال ذلك ، وكان رؤساء الصحابة رضى اللَّه عنهم ينكرون مثل
هذا . البرهان للزركشي ١/ ٣٤٠.
(٢) بعده فى ص: ((فى ذلك)) .
(٣) معانى القرآن للفراء ١٨٦/١.
(٤) عفاق : اسم رجل أكلته باهلة فى قحط أصابهم. اللسان (ع ف ق ).
(٥) معانى القرآن للفراء ١٨٦/١، ونسبه سيبويه فى الكتاب ٤٧/١ إلى عمرو بن شأس، ورواية الشطر الأول
مختلفة عما هنا، ونسبه فى اللسان (ك ون) إلى مقاس العائذى باختلاف أيضًا فى الشطر الأول، والشطر
الثانى بالرفع .
(٦) فى ص: ((جميعها))، وفى م: (( جميعهما)) .
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نصبوهما)).
(٨ - ٨) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

١٠٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أن مَن قَرَأْ ذلك: ﴿إِلََّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةً حَاضِرَةً﴾. إنما
قرَأَه على معنَى: إلا أن يَكونَ الدَّيْنُ(١) تجارةً حاضرةٌ . فزعم أنه كان يَلْزَمُ قارئَ ذلك
أن يَقْرَأَ: يكون بالياءِ ، وأَغْفَل موضعَ صوابٍ قراءتِهِ مِن جهةِ الإعرابِ ، وأَلْزَمه غيرَ ما
يَلْزَمُه. وذلك أن العربَ إذا ذكروا(٢) مع ((كان)) نكرةً مؤنثًا بنعتِها أو خبرِها ، أنَّثوا
(( كان)) مرةً، وذكَّروها أخرى، فقالوا: إن كانت جاريةٌ صغيرةٌ فاشْترُوها، وإن
كان جاريةٌ صغيرةٌ فاشْتَرُوها، وإن كانت جاريةً صغيرةً فاشتروها، وإن كان
جاريةٌ صغيرةً فاشترُوها) . تُذَكَّرُ ((كان)) - وإن نُصِبت النكرةُ المنعوتةُ أَو رُفِعت -
أحيانا ، وتُؤنَّثُ أحيانا .
وقد زعم بعضُ نحوبى البصرةِ أنَّ قولَه : (إلا أنْ تَكونَ تجارَةٌ حاضرةٌ).
مرفوعةٌ فيه التِّجارةُ الحاضِرةُ لأَنَّ ((تكون)) بمعنى التَّمامِ، ولا حَاجةَ بها إلى الخَبَرِ،
بمعنى : إلا أن تُوجدَ أو تقعَ أو تحدُثَ. فَألزَم نفسَه ما لم يكنْ لها لازمًا؛ لأنه إنما ألزَم
نفسَه ذلك، إذ لم يكنْ يجدُ لـ ((كان)) منصُوبًا، ووجَد التجارةَ الحاضرةَ مرفوعةً ،
وأغفَلَ جَوازَ قولِه: ﴿ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أن يكون خبرًا لـ((كان))، فيشْتَغْنی
بذلك عن إلزام نفسِه ما ألزم .
والذى قال مَن حَكَيْنا قولَه من البصريين غيرُ خطأً فى العربيّةِ، غيرَ أنَّ الذى
قلناه بكلام العَربِ أشبهُ، وفى المعنى أصَحُ، وهو أن يكونَ فى قوله: ﴿ تُدِيُرُونَهَا
بَيْنَكُمْ﴾. وجهان ؛ أحدُهما، ( أنه فى موضع نصبٍ على٤) أنه حَلَّ محلّ خبرٍ
((كان )) ، والتجارةُ الحاضرةُ اسمُها. والآخرُ، أنه فى موضعٍ رَفْعٍ على إتباعِ التجارةِ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((جعلوا)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٤ - ٤) سقط من: الأصل .

١٠٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
الحاضرةِ؛ لأنَّ خبرَ النكرةِ يتبعُها، فيكونُ تأويلُه: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ دائرةٌ
بینکم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَأَشْهِدُوّأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤه : وأَشْهِدوا على صغيرِ ما تَبايَعْتُم وكبيرِه مِن حقوقكم ؛
عاجلِ ذلك وآجله، ونقدِهِ ونَسائِهِ ، فإنّ إرخاصى لكم فى تركِ اكْتِتابِ الكتبِ
بينكم ، فيما كان مِن حقوقٍ تَجْرِى بينكم لبعضِكم مِن قِبَلِ بعضٍ ، عن تجارةٍ حاضرةٍ
دائرةٍ بينَكم يدًا بيدٍ ونقدًا ، ليس بإرخاصٍ منى لكم فى تركِ الإشْهادِ منكم على مَن
بِعْتُموه شيئًا، أو ابْتَعْتُم منه؛ لأن فى تركِكم الإشهادَ على ذلك خوفَ المَضَرَّةِ على
كلا الفريقين ؛ أما ما على المُشْتَرِى فَأن يَجْحَدَ البائعُ البيعَ ، وله بينةٌ علی مُلْكِه ما قد
باع، ولا بينةَ [٨٢/٨و] للمشترِى منه على الشراءِ منه، فيكونَ القولُ حينَئذٍ قولَ
البائعِ مع يمينِه ويُقْضَى له به ، فَيَذْهَبَ مالُ المشترى باطلًا. وأما ما على البائعِ فأن
يَجْحَدَ المشترِى الشراءَ، وقد زال ملكُ البائع عما باع، ووجَب له قِبَلَ المتاعِ ثمنَ ما
باع، فيَحْلِفَ على ذلك، وينطُلَ حقُّ البائعِ قِبَلَ المشترِى مِن ثمنٍ ما باعه، فأمَرِ اللَّهُ
عز وجل الفريقَين بالإشهادِ ؛ لئلا يَضِيعَ حقُّ أحدِ الفريقين قِبَلَ الفريقِ الآخرِ .
ثم اخْتَلَفوا فى معنى قولِه: ﴿ وَأَشْهِدُوّأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. أهو أمرٌ مِن اللَّهِ
واجبٌ بالإِشهادِ عندَ الُبَايَعةِ أم هو ندبٌ ؟ فقال بعضُهم: هو ندبٌ، إن شاءِ أَشْهَد ،
وإن شاء لم يُشْهِدْ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنا ابنُ وَكبعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنٍ، وسفيانَ(١)، عن ١٣٤/٣
رجلٍ، عن الشعبىِّ فى قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قالا): إن شاء أَشْهَد ،
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((شقيق)).

١١٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِ الَّذِى أَوْتُمِنَ
(١)
أَمَلْنَتَهُ ﴾(١)؟
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال : ثنا الربيعُ بنُ صبيحٍ ، قال :
قلتُ للحسن: أرأيتَ قولَ اللهِ عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾؟ قال: إِن
أَشْهَدْتَ عليه فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهِدْ عليه فلا بأسَ .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن الربيعِ بنِ صبيحٍ،
قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، قولُ اللَّهِ عز وجل: ﴿ وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
قلتُ: أبيعُ الرجلَ بنَقْدٍ(٢) ، وأنا أَعْلَمُ أنه لا يَنْقُدُنِى(٢) شهرين ولا ثلاثةٌ، أَتَرَى بأسًا ألا
أُشْهِدَ عليه؟ قال : إن أَشْهَدْتَ فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهِدْ فلا بأسَ .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعِ، عن داودَ ، عن
الشعبيّ: ﴿ وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قال: إن شاءوا أَشْهَدوا، وإن شاءوا لم
يُشْهِدوا .
وقال آخرون: الإشهادُ على ذلك واجبٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، ("قال: ثنا إسحاق٤ُ) ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن مجوَثِيرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةَّ حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَلَّ
(١) ينظر ما تقدم فى ص ٩٥ ، ٩٧ .
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٣) فى م: ((ينقد))، وفى س: ((ينفذ).
(٤ - ٤) سقط من : الأصل .

١١١
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
تَكْثُبُوهَا﴾: ولكن أَشْهِدوا عليها إذا تَبَايَعْتُم، أمَر اللَّهُ ما كان يدًا بيدٍ أن تُشْهِدَ (١)
عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا(٢) .
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أَنْبَرَنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْرٌ، عن
الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيع حاضرٍ، فإن شاء أَشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ ، وما
كان مِن بيع إلى أجَلِ، فأمَر [٨٢/٨ظ] اللَّهُ تبارك وتعالى أن يُكْتَبَ وأن يُشْهِدَ عليه،
وذلك فى المقامِ .
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن الإشهادَ على كلِّ مَبيع ومُشْتَرِّى حقٌّ
واجبٌ ، وفرضٌ لازمٌ؛ لِمَا قد بيَنَّا مِن أن كلَّ أمرٍ للهِ ففرضٌ، إلا ما قامَت حُجَّتُه مِن
الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له بأنه ندبٌ أو إرشادٌ .
وقد دلَّلْنا على وَهْىٍ (١) قولِ مَن قال: إنه منسوخٌ بقولِه: ﴿فَلْيُوَّ الَّذِى أَوْتُمِنَ
أَمَنَتَهُ﴾. فيما مضى، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك نَهْىٌ مِنِ اللَّهِ الكاتبَ
الكتابَ بين أهلِ الحقوقِ وشهيدَه أن يُضارَّ أهلَه، فيَكْتُبَ هذا ما لم يُمْلِلْه المُمِلُّ،
وَيَشْهَدَ هذا بما لم يَسْتَشْهِدْه المستَشْهِدُ(٥).
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أْبَرَنا عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمر ، عن ابنِ
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يشهد))، وفى م: ((يشهدوا)).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٦/٢ عقب الأثر (٣٠٢٠) معلقا .
(٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، وفى ص، ت ١: ((وهاء)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٧٣ - ٨١.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الشهيد)).

١١٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
١٣٥/٣ طاوسٍ، عن / أبيه فى قولِه: ﴿ وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: لا يُضَارَّ كاتبٌ
ج
فَيَكْتُبَ ما لم يُمَلَّ عليه، ولا شهيدٌ بما لم يُسْتَشْهَدْ(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن يونُسَ ، قال: كان الحسنُ
يقولُ: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَتِبٌ﴾ فِيَزِيدَ شيئًا أو يُحَرِّفَ، ﴿ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: لا يَكْتُمِ
الشهادةَ ، ولا يَشْهَدْ إلا بحقِّ(٢)
.
حدَّثْنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، ("قال: حدَّثنا سعيد٢ٌ، عن قتادةَ، قال: اتَّقَى اللَّهَ
شاهدٌ فى شهادتِه ، لا يَنْقُصْ منها حقًّا، ولا يَزِدْ(٤) فيها باطلًا، اتَّقَى اللَّهَ كاتبٌ فى
كتابِهِ، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا تَزِيدَنَّ فيه باطلًاً(*) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمر، عن قتادةً:
﴿ وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فِيَكْتُبَ ما لم يُمْلَلْ عليه،
ولا شَهِيدٌ فِيَشْهَدَ بما لم يَشْهَدُ(١) .
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أْبَرَنا ابنُّ المباركِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ
نحوه .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ١/ ٣٥٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٧/٢ (٣٠٢٣) من طريق ابن علية به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ٢، ت ٣، س.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٣: ((يزيد).
(٥) أخرجه البيهقى ١٦١/١٠ من طريق سعيد به نحوه .
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يستشهد )) .
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٠، وفى مصنفه (١٥٥٦٣)، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٥٦٧/٢ (٣٠٢٦).

١١٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
يُضَارَّ كَيِّبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فِيَكْتُبَ غيرَ الذى أُمْلِىَ عليه .
قال: والكتّابُ يومَئذٍ قليلٌ، ولا يَدْرُون [٨٣/٨و] أىَّ شىءٍ يُكْتَبُ ، فَيُضَارَّ فِيَكْتُبَ
غيرَ الذى أُمْلِى عليه فيُطِلَ حقّهم. قال: والشهيدُ يُضَارُّ فيُحَوِّلُ شهادتَه، فيُبطِلُ
حقّهم(١).
فأصلُ الكلمةِ على تأويلِ مَن ذكَرْنا قولَه مِن هؤلاءِ: ولا يُضارِرْ كاتبٌ ولا
شهيدٌ. ثم أَدْغِمَت الراءُ فى الراءِ؛ لأنهما مِن جنسٍ، وحُرِّكَت إلى الفتحِ،
وموضعُها جزمٌ؛ لأن الفتحَ أخفُّ الحركاتِ .
وقال آخرون فَمَّن تأوَّل هذه الكلمةَ هذا التأويلَ: معنى ذلك: ولا يُضَارِرْ كاتبٌ
ولا شهيدٌ، بالامتناع على مَن دعاهما إلى أداءِ ما عندهما مِن العلمِ والشهادةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
ے
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ جُرَيجٍ، عن
عطاءٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: أن يُؤَدِّيا ما قِبَلَهما(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
قلتُ لعطاءٍ: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾؟ قال: لا يُضارًّا أن يُؤَدِّيا ما عندَهما
مِن العلم .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ المباركِ ، عن سفيانَ ، عن
يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٣٧٦/٢، وابن عطية فى المحرر الوجيز ٢٩٨/٢ عن ابن زيد بنحوه.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١١١/١ ومصنفه (١٥٥٦٤)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٧/٢ (٣٠٢٤)
عن الحسن به .
( تفسير الطبرى ٨/٥ )

١١٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
شَهِيدٌ﴾. قال: أن يَدْعُوَهما فيقولا: إن لنا حاجةٌ(١).
ج
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن ابنِ تُرَيْجٍ، عن
عطاءٍ ومجاهدٍ : ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قالا: واجبٌ على الكاتبِ أن
يَكْتُبَ، ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾. قالا : إذا كان قد شهِد قِبَلَه(٢) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يُضَارَّ المُسْتَكْتِبُ والمُسْتَشْهِدُ الكاتبَ والشهيدَ .
وتأويلُ الكلمةِ على مذهبهم: ولا يُضارَرْ. على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه .
ذكرُ مَن قال ذلك
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُبَينةً ، عن عمرٍو،
١٣٦/٣
عن عكرمةَ، قال: كان عمرُ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ(٣) كاتبٌ ولا شهيدٌ)(٤).
مُحُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال : أُخْبَرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال: سمِعْتُ الضحاكَ، قال: كان ابنُ مسعودٍ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ)(٥)
.
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
أَخْبَرَنى [٨٣/٨ط] عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقرؤُها: (ولا يُضارَرْ
كاتبٌ ولا شهيدٌ)(١). وأنه كان يقولُ فى تأويلها: يَنْطَلِقُ الذى له الحقُّ، فَيَدْعُو
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٦٥٧/٢ (٣٠٢٢)، والبيهقى ١٦٠/١٠ من طريق سفيان به، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٢/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) مصنف عبد الرزاق (١٥٥٦٠).
(٣) فى ت٢، س: ((يضار)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١١١/١، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٦٦ - تفسير)، والبيهقى ١٦١/١٠
من طريق ابن عيينة به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٢/١ إلى سفيان وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٢/١ إلى المصنف. وينظر البحر المحيط ٢/ ٣٥٤.
(٦) وهى شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. النشر ٢٢٧/٢، ٢٢٨.

١١٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
كاتبَه وشاهدَه إلى أن يَشْهَدَ، ولعله أن يَكونَ فى شُغْلِ أو حاجةٍ ؛ لِيُؤَثِّمَه إن ترَكِ ذلك
حينئذٍ لشغله وحاجته . وقال مجاهد : لا ◌ُقَمْ عن شغله وحاجته ، فيجدَ فى نفسِه أو
(١)
يحرج (١) .
حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: والضِّرارُ أن
يقولَ الرجلُ للرجلِ وهو عنه غنىٌّ: إن اللَّهَ قد أمَرَك ألا تَأبى إذا ما دُعِيتَ . فيُضارَّه
بذلك، وهو مُكْتَفٍ بغيرِه ، فنهاه اللَّهُ عز وجل عن ذلك وقال: ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ
فُسُوقًا بِكُمْ ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ . يقولُ : إنه يكونُ للكاتبِ
أو الشاهدِ حاجةٌ ليس منها بُدٌّ ، فيقولُ: حَلُّوا سبيلَه .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن عكرمةَ فى
قوله: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: تكونُ به العِلَّةُ، أو يكونُ مَشْغُولًا ،
يقولُ : فلا يُضارّه(٣) .
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ أنه كان يقولُ: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: لا تأتِ الرجلَ
فتقولَ: انْطَلِقْ فاكتُبْ لى، واشْهَدْ لى. فيَقولُ: إن لى حاجةٌ فالتَمِسْ غيرى.
(١) أخرجه البيهقى ١٦١/١٠ من طريق ابن جريج ، عن مجاهد.
(٢) أخرجه البيهقى ١٦٠/١٠ من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٧/٢ عقب الأثر (٣٠٢٢) معلقًا .

١١٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
فيقولُ : اتقِ اللَّهَ، فإنك قد أمِرتَ أن تَكْتُبَ لى. فهذه المضارَّةُ، ويَقُولُ: دَعْه
والْتَمِسْ غيرَه، والشاهدُ بتلك المنزلةِ(١).
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ
فى قوله: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: يَدْعُو الرجلُ الكاتبَ أو
الشهيدَ ، فَيَقُولُ الكاتبُ أو الشهيدُ : إن لنا حاجةٌ . فَيَقُولُ الذى يَدْعُوهما: إن اللَّهَ
عزَّ ذكرُه أَمَرَكما أن تُجِيبًا فى الكتابةِ والشهادةِ. يقولُ اللَّهُ جل ثناؤه: لا
يضارّهما(١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعت أبا معاذٍ ، قال : ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ ، قال :
سمِعت الضحاكَ فى قولِه: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: هو الرجلُ يَدْعو
الكاتبَ والشاهدَ وهما على حاجةٍ مهمةٍ، فيَقُولان : إِنَّا على حاجةٍ مهمةٍ فاطْلُبْ
غيرَنا. فيَقُولُ: (واللَّهِ لقد أمَركما اللَّهُ أن تُجِيبًا٢). فأمَره أن يَطْلُبَ غيرَهما ولا
يُضارَّهما، يَعْنى: ولا يَشْغَلهما عن حاجتِهما المهمةِ وهو يَجِدُ غيرَهما(١).
/ حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ قولَه: ﴿ وَلَا
يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: ليس يَتْبَغى أن تَعْتَرِضَ رجلًا له حاجةٌ فتُضارّه،
فتقولَ له : اكْتُبْ لى . فلا تتْرُكُه حتى يكتبَ لك، وتُقَوّته حاجته ، ولا شاهدًا مِن
شهودِك وهو مشغولٌ، فَتَقُولُ: اذْهَبْ فاشْهَدْ لى. فتحبِسُه عن حاجتِه وأنت تَجِدُ
(٤)
١٣٧/٣
غيره
.
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٧/٢ عقب الأثر (٣٠٢٢) معلقًا .
(٢ - ٢) فى م: ((اللَّه أمر كما أن تجيبا)).
(٣) فى الأصل: ((غيرها)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٧/٢ عقب الأثر (٣٠٢٢) من طريق عمرو بن حماد به.

١١٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿ وَلَا
يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. قال: لما نزَلت: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا
عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾. كان أحدُهم يَجِىءُ إلى الكاتبِ فِيَقُولُ: اكْتُبْ لى. فيَقُولُ: إنى
مَشْغولٌ، أو: لى حاجةٌ، فَانْطَلِقْ إلى غيرِى. فيَلْزَمُه ويقولُ: إنك قد أمِرت أن
تَكْتُبَ لى. فلا يَدَعُه، ويُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، ويأتى الرجلُ فيقولُ : انْطَلِقْ
معى فأُشْهِدَكُ (١) . فيقولُ: [٨٤/٨ و] انطلقٌ إلى غيرِى، فإنى مَشْغولٌ، أو: لى حَاجةٌ .
فِيَلْزَمُه ويَقُولُ: قد أمِرتَ أَن تَبِعَنى. فيُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، فأَنزَل اللَّهُ عَزَّ
وجلَّ: ﴿ وَلَا يُضَارُّ كَاِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾(٢).
حدَّثْنى المُنَّى ، قال: ثنا سُويدٌ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ المباركِ ، عن معمرٍ ، عن ابنٍ
طاوسٍ، عن أبيه : ﴿ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾. يقولُ: إنّ لى حاجةً فدَغْنى.
فِيَقُولُ: لا(٣)، اكْتُبْ لى. ولا شهيدٌ كذلك().
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال : معنى ذلك : ولا يضارَرْ كاتبٌ
ولا شهيدٌ . بمعنى: ولا يُضَارِرْهما مَن استَكْتَب هذا أو استشهد هذا؛ بأن يأبى على
هذا إلا أن يَكْتُبَ له وهو مشغولٌ بأمرِ نفسِه، ويَأبى على هذا إلا أن يُجِيبَه إلى
الشهادةِ ، وهو غيرُ فارغ، على ما قاله قائلو ذلك ، مِن القولِ الذى قد ذكرناه قبلُ .
وإنما قلنا : هذا القولُ أولى بالصوابِ مِن غيرِهِ ؛ لأن الخطابَ مِن اللَّهِ عزَّ وجلَّ
فى هذه الآيةِ مِن مُبْتَدئِها إلى انقضائها على وجهٍ: افعَلوا أو لا تفعَلوا. وإنما هو
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٧/٢ عقب الأثر (٣٠٢٢) من طريق ابن أبى جعفر به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٢/١ إلى المصنف .
(٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ١١١، وفى مصنفه (١٥٥٦٣) عن معمر بنحوه مختصرًا.

١١٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
خطابٌ به لأهل الحقوقِ ، والمكتوبِ بينَهم الكتابُ ، والمشهودِ لهم أو عليهم بالذى
تَدايَنوه بينَهم مِن الدُّيونِ. فأمَّا ما كان مِن أمرٍ أو نهى فيها لغيرِهم ، فإنما هو على وجهِ
الأمرِ والنهي للغائبِ غيرِ المخاطَبِ كقوله: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاِبٌ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾. وما أَشبَهَ ذلك. فالواجبُ إذ كان
المأمورون فيها مخاطَبين بقولِه: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾. أن يكونَ
بالرَّدِّ على قوله: ﴿ وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. ولا تضارُّوا كاتبًا ولا شهيدًا،
﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَُّ فُسُوقًا پِكُمْ ﴾٢ . أشبهُ منه بأن يكون مردودًا علی الکاتب
والشهيدِ. ومع ذلك أن الكاتبَ والشهيدَ لو كانا هما المنهيين عن الضِّرارِ لقيل: وإن
يفعلا فإنه فسوقٌ بهما؛ لأنهما اثنان، وأنهما غيرُ مخاطَبَين بقولِه: ﴿ وَلَا يُضَارَّ﴾ .
بل النهىُ بقولِه: ﴿ وَلَا يُضَآرَّ﴾. نهىٌّ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ . فتوجيهُ الكلامِ إلى ما
كان نظيرًا لما فى سياقِ الآيةِ، أولى مِن توجيهِه إلى ما كان مُنْعَدِلًا عنه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُوقًا بِكُمْ﴾
١٣٨/٣
/ يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: وإن تُضارُّوا الكاتبَ أو الشاهدَ، وما نُهِيتم عنه مِن
ذلك، ﴿ فَإِنَّهُ فُسُوقُاُ بِكُمْ﴾. يعنى: إثمّ بكم ومعصيةٌ .
واختَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ الذى قلنا فيه .
ذكرُ من قال ذلك
[٨٤/٨ظ] حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا أبو زهيرٍ، عن جوییٍ ،
عن الضحاكِ: ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾. يقولُ: إِن تَفْعَلوا غيرَ الذى
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

١١٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
آمرُكم به ، فإنه فُسوقٌ بكم (١).
حدَّثنى المُثُنَّى، قال : ثنا أبو صالح، قال: حدّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ
ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾: والفسوقُ
ـ (٢)
المعصيةُ(٢) .
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع :
﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمَّ﴾ : والفسوقُ العصيانُ(٣) .
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يُضَارَّ كاتبٌ فيكتبَ غيرَ الذى أَمْلَى المُعْلِى ، ويضارّ
شهيدٌ ، فيحوِّلَ شهادتَه ويُغَيِّرَها، ﴿فَإِنَّهُ فُوقًا بِكُمْ﴾ . يَغْنِى: فإِنه كَذِبٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ
فَإِنَّهُ فُسُوقًا بِكُمْ﴾: الفسوقُ الكذبُ. قال: هذا فسوقٌ؛ لأنه كذَب
الكاتبُ(٤) فحوَّل كتابَه فكذَب ، وكذَب الشاهدُ فحوَّل شهادتَه، فأخبَرهم اللَّهُ عز
وجل أنه كذبٌ .
وقد دلَّلنا فيما مضى على أن المعنىَّ بقولِه: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾.
إنما معناه: "لا يُضارَّهما) المستكتِبُ والمستشهِدُ - بما فيه الكفايةُ. فقوله: ﴿ وَإِن
تَفْعَلُواْ﴾ . إنما هو إخبارٌ منه جل ثناؤُه مُضَارَّهما بحكمِه فيهما ، وأنه بضرَارِهما قد
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٢/١ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٦٨/٢ (٣٠٢٩)، والبيهقى ١٦٠/١٠ من طريق أبى صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٦٨/٢ عقب الأثر (٣٠٢٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((الكاذب)).
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((يضرهما)).

١٢٠
سورة البقرة: الآيتان ٢٨٢، ٢٨٣
عصَى ربَّه وأثم به، وركِب ما لا يَحِلُّ له، وخرج عن طاعةِ ربِّه فى ذلك .
:
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ
شَىْءٍ عَلِيمٌ
٢٨٢
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾: وخافوا اللَّهَ أيها المتداينون فى
الكتّابِ والشهودِ أن تُضارُّوهم، وفى غيرِ ذلك مِن حدودِه أن تُضَيِّعوها .
ويعنى بقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾: ويُبَيِّنُ اللَّهُ لكم الواجبَ لكم وعليكم
فاعمَلوا به، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يعنى: مِن أعمالِكم وغيرِها،
يُخصیھا علیکم فیجازِیکم بها .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُوَييٍ، عن الضحاكِ
قولَه: ﴿وَيُعَلِمُكُمُ اللَّهُ﴾. قال: هذا تعليمٌ علَّمكموه فخُذوا به .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ
مَّقْبُضَةٌ﴾ .
١٣٩/٣
/ اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته القرأةُ فى الأمصارِ جميعًا: ﴿ وَلَمْ
تَجِدُواْ كَاتِبًا﴾. بمعنى: ولم تَجِدُوا مَن يَكْتُبُ لكم كتابَ الدينِ الذى تَدايَنْتُموه إلى
ج
أجلٍ مسمَّى ، ﴿ فَهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ.
وقرأه جماعةٌ مِن المتقدِّمين: (ولم تَجِدُوا كِتَابًا)(١) . بمعنى: ولم يَكُنْ لكم إلى
(١) فى الأصل، ت ٢: ((كاتبا)). والمثبت قراءة أُبىّ وابن عباس ومجاهد وأبى العالية - كما سيذكر المصنف -
وقرأ ابن عباس أيضًا: ((كُتّابًا)) وهى شاذة لم يقرأ بها أحد من القراء العشرة. وينظر البحر المحيط ٢/ ٣٥٥.