النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
فَنَظِرَةُ إِلَ مَيْسَرَةٍ﴾. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ علیه ، و کان إذا حلّ دَیْنُ بعضِهم فلم
يَجِدْ ما يُعْطِيه، زاد عليه وأخَّره .
وحدّثنی أحمدُ بنُ حازم ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليث ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ
عليه .
وقال آخرون: بل هذه الآيةُ عامٌ(١) فى كلِّ مَن كان له قِبَلَ رجلٍ مُعْسرٍ حقٌّ ، من
أىِّ وجهٍ كان ذلك الحقُّ، مِن دَينٍ حلالٍ أو ربًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسینُ، قال: حدّثنی حجاجٌ، عن ابنِ
جريج، قال: قال لى عطاء: ذلك فى الرّبا والدَّيْنِ، فى كلِّ ذلك) .
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُوَيْرٌ، عن
الضَّّاكِ، قال: مَن كان ذا عُسرةٍ ﴿ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ
لَكُمْ﴾. قال: وكذلك كلُّ دَينٍ على مسلم، فلا يَحِلُّ لمسلم له دينٌ على أخيه
يَعْلَمُ منه عُسرةً أَن يَسْجُنَه ، ولا يَطْلُبَه منه حتى يُيَسِّرَه اللّهُ عليه، وإنما جَعَل النظِرةَ فى
الحلالِ فمِن أجلِ ذلك كانت الديونُ على ذلك(٣).
حدَّثنا علىُ بنُ حربٍ ، قال : ثنا ابنُ فُضَيْلٍ، عن يزيدَ بنِ أبی زیادٍ ، عن
(١) فى م: ((عامة)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٢/٢ (٢٩٣٧) من طريق ابن جريج به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال:
نزَلت فى الدَّيْنِ(١).
والصوابُ من القولِ فى قولهِ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ .
أنه يَعْنى به غُرَماءَ الذين كانوا أسْلَموا على عهدِ رسولِ اللهِ عَ ◌ِّ ، ولهم عليهم ديونٌ
قد أربوا فيها [٦٨/٨ظ] فى الجاهلية، فأدركهم الإسلامُ قبلَ أن يَقْبِضوها منهم ، فأمَر
اللّهُ بوضع ما بَقِى من الربا بعدَ ما أسْلَموا، واقتضاءٍ رءوسٍ أموالهم ممن كان منهم
مِن غُرَمائِهِم مُوسِرًا، وإنظارٍ مَن كان منهم مُغْسِرًا برءوس أموالهم إلى ميسرتِهم،
فذلك حكمُ كلِّ مَن أسْلَم وله ربًا قد أَرْتَى على غريم له ، فإن إسلامَه يُطِلُ عن غريمِهِ
ما كان له عليه مِن قبلِ الربا - ويُلْزِمُه أداءَ رأسٍ مالِه الذى كان أخَذ منه ، أو لزمه من
قبلِ الإرباءِ - إليه إن كان مُوسرًا، وإن كان معسرًا كان مُنْظَرًا برأسٍ مالٍ صاحبِه إلى
ميسرتِه ، وكان الفضلُ على رأسِ المالِ مُبْطَلًا عنه، غيرَ أن الآيةَ وإن كانت نزلت فى
من ذكَرْنا ، وإِيَّهم عنَى بها ، فإن الحكمَ الذى حكَم اللّهُ به فى إنظارِ المعِرِ برأسٍ مالٍ
المُرْبى بعد بُطولِ الربا عنه حكمٌ واجبٌ لكلِّ مَن كان عليه دَيْنٌ لرجلٍ قد حلَّ عليه ،
وهو بقضائِه معسرٌ، فى أنه به مُنْظَرٌ إلى ميسرتِه؛ ولأن دَيْنَ كلِّ ذى دَينٍ فى مالٍ
غريمهِ ، وعلى غريمه قضاؤُه منه، لا فى رقبتِه، فإذا تعُدِم مالُه ، فلا سبيلَ على رقبته
بحبسٍ ولا بيعٍ، وذلك أن مالَ ربِّ الدَّينِ لن يَخْلُوَ من أحدٍ وجوهٍ ثلاثةٍ ؛ إمَّا أن يكونَ
فى رقبة غريمه ، أو فى ذمته تقبضُه(٢) من ماله ، أو فى مالٍ له بعينه ؛ فإن یکنْ فى مالٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٢/٢ (٢٩٣٤) من طريق ابن فضيل به ، وأخرجه سعيد بن منصور
(٤٥٤ - تفسير) من طريق يزيد بن أبى زياد به وعندهما بلفظ: الربا. وينظر الدر المنثور ٣٦٨/١ فقد عزاه إلى
ثلاثتهم بلفظ : الربا .
(٢) فى م: ((بقبض)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((يقضيه)).

٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
له بعينه ، فمتى بطَل ذلك المالُ وعُدِم ، فقد بطلَ دَينُ ربِّ المالِ ، وذلك ما لا يقولُه
أحدٌ ، أو یکونُ فی رقبته فإن یکنْ ذلك کذلك فمتی عُدِمت نفسُه فقد بطَل دینُ ربِّ
الدَّيْنِ وإن خلَّف الغريمُ وفاءً بحقٌّه وأضعافَ ذلك، وذلك أيضًا ما لا يقولُه أحدٌ ، فقد
تبيَّن إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن دَيْنَ ربِّ المالِ فى ذمة غريمه ، یقضیه من مالِه ،
فإِذا عُدِمٍ مالُه فلا سبيلَ له على رقبته ؛ لأنه قد عُدِم ما كان له عليه أن يُؤَدِّىَ منه حقَّ
/ صاحبِه لو كان موجودًا، وإذا لم يكنْ على رقبتِه سبيلٌ، لم يكنْ إلى حبسِه وهو ١١٣/٣
مُعْدِمٌ(١) بحقِّه سبيلٌ؛ لأنه غيرُ مانعِه حقًّا له إلى قضائِه سبيلٌ، فيعاقَبَ بظلمِه إِيَّاه
بالحبسِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ
٢٨٠
تَعْلَمُونَ
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: وأن تَتصَدَّقوا برءوسٍ أموالِكم على هذا المعسِرِ،
خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أيُّها القومُ من أن تُنْظِروه إلى ميسرتِه لتَقْبِضوا رءوسَ أموالكم منه
إذا أَيْسَر، ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [٦٩/٨و] موضعَ الفضلِ فى الصدقةِ، وما
أَوْجَب اللّهُ من الثوابٍ لَمَن وضَع عن غريمِهِ المعسرِ دَينَه .
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا
برءوسٍ أموالِكم على الغنىِّ والفقيرِ منهم خيرٌ لكم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً:
﴿ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ﴾: والمالُ الذى لهم على ظهورِ الرجالِ،
(١) فى م: ((معدوم)).

٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
جَعَل لهم رءوسَ أموالِهِم حينَ نزَلت هذه الآيةُ، فأمَّا الربحُ والفضلُ فليس لهم ، لا
يَنبغى لهم أن يأخذوا منه شيئًا، ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: وأن
تَصَدَّقوا بأصلِ المالِ خيرٌ لكم(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَنْ
تَصَدَّقُواْ﴾ أى : برأسِ المالِ ، فهو خيرٌ لكم .
وحدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن مغيرةَ ، عن
إبراهيمَ: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌ﴾. قال: من رءوس أموالِكم.
وحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ ، عن إبراهيمَ بمثله .
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبِيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، قال : ثنا سفيانُ ، عن مغيرةَ ، عن
إبراهيمَ: ﴿ وَأَنْ تَصَلَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمٌ﴾: قال: (٢ برءوسِ الأموالِ(٢).
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ
تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. قال): أن تَصَدَّقوا برءوسٍ أموالِكم .
وقال آخرون : معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا به على المعسرِ خيرٌ لكم . نحوَ ما قلنا
فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ:
(١) تقدم تخريجه فى ص٥٤ دون آخره، وعلقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٣/٢ عقب الأثر (٢٩٤١).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٣/٢ (٢٩٤١) من طريق سفيان به .

٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال: وأن تَصَدَّقوا برءوسٍ أموالِكم على الفقيرِ،
فهو خيرٌ لكم. فتصدَّق به العباسُ(١).
وحدَّثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن
الربيعِ: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمٌ﴾.
يقولُ: وإن تصدَّقتَ [٦٩/٨ظ] عليه برأسٍ مالِك فهو خيرٌ لك(٢).
وتحدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال أخبَرَنا عُبَيْدُ بنُ
سليمانَ قال: سمِعتُ الضَّّاكَ فى قوله: ﴿ وَأَن / تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: يغنى ١١٤/٣
على المعسِرِ، فأمَّا الموسِرُ فلا، ولكن يُؤْخَذُ منه رأسُ المالِ، والمعسِرُ الأخذُ منه
حلالٌ ، والصدقةُ عليه أفضلُ .
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُّ عونٍ ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ ، عن جُوَئِرٍ ،
عن الضخَّاكِ: ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ﴾ (٣ من رُءوس٣ٍ) أموالكم ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ من نَظِرةٍ
إلى ميسرةٍ ، فاختار اللّهُ عزّ وجلّ الصدقةَ على النِّظَارةِ .
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال: من
النَّظِرةِ، ﴿ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وحدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ ، قال: أخبَرَنا مُوَثِيرٌ، عن
الضَّاكِ: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: والنظِرةُ واجبةٌ ،
(١) أخرجه بنحوه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٣/٢ عقب الأثر (٢٩٤١) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٣/٢ عقب الأثر (٢٩٤١) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((برءوس)).
( تفسير الطبرى ٥/٥ )

٦٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٠
وخيَّر (١) اللّهُ الصدقةَ على النظِرةِ، والصدقةُ لكلِّ معسرٍ، فأما الموسرُ فلا .
وأَوْلَى التأويلينِ بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: وأن تَصَدَّقوا على المعسرِ
برءوسٍ أموالِكم خيرٌ لكم. لأنه يَلِى ذكرَ حكمِه فى المُعْسرِ(٢)، وإلحاقُه بالذى يَلِيه
أولى(٢) من إحاقه بالذی بَعُد منه .
وقد قيل: إن هذه الآياتِ فى أحكام الربا هنَّ آخرُ آياتٍ نزَلت من القرآنِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بِشَّارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن سعيدٍ ، وحدَّثنی يعقوبُ
ابنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ ، أن
عمرَ بنَ الخطابِ قال: كان آخرَ ما أنزل اللهُ من القرآنِ آيةُ الربا، وإن نبيَّ اللّهِ مِّه
قُبِض قبلَ أن يُفَسِّرَها، فدَعُوا الربا والرِّيبةَ(٤).
وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُّ المُفَضَّلِ، قال : ثنا داودُ بنُ أبى
هندٍ، عن عامٍ، أن عمرَ رضى اللّهُ عنه قام ، فحمِد اللّهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا
بعدُ ، فإنه واللهِ ما أدرى، لعلَّنا نأمُرُ كم بأمرٍ لا يَصْلُحُ لكم ، وما أدرى لعلَّنَا نَنْهاكم
عن "أُمورٍ تَصْلُحُْ) لكم، وإنه كان مِن آخِرِ القرآنِ تنزيلًا آياتُ الربا، فتُوفِّى رسولُ
اللّهِ مَّهِ قبلَ أن يُبَيِّنَه لنا، فدَعُوا ما يَرِيبُكم إلى ما لا تَرِيئكم (١).
(١) خيَّر: فضل. ينظر النهاية ٢ / ٩١.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((المعنيين)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((أحب إلى)).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٦) من طريق سعيد به .
(٥ - ٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((أمر يصلح)).
(٦) عزاه الحافظ فى الفتح ٢٠٥/٨ إلى المصنف.

٦٧
سورة البقرة : الآيتان ٢٨٠، ٢٨١
حدَّثنى أبو زيدٍ عُمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا قَبِيصَةُ، قال: ثنا سفيانُ الثورىُّ، عن
عاصم الأحول، عن الشَّغبىِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: آخرُ ما أُنْزِل على رسولٍ
اللّهِ عَ لَمِ آيةُ الربا، وإِنَّا لنَأمُرُ بالشىءِ لا نَدْرِى لعلَّ به بأسًا، ونَنْهَى عن الشىءِ لعلَّه
ليس به بأسٌ(١).
القولُ فى تأويل قوله عز وجل: [٧٠/٨ و] ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ
تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
وقيل أيضًا : إِنَّ هذه الآيةَ آخِرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا أبو ◌ُمَيْلَةَ ، قال : ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ ، عن يزيدَ
النحوىِّ، عن عكرمةَ، /عن ابن عباس، قال: آخر آيةٍ أنزِلت على النبيِّ ◌َ له: ١١٥/٣
وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُتَجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾﴾(٢) .
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ الآية : فهى آخر آيةٍ من
الكتابِ أُنْزِلتَ(٣).
(١) أخرجه أبو عبيد فى الفضائل ص ٢٢٣، ٢٢٤، والبخارى (٤٥٤٤)، والبيهقى فى الدلائل ١٣٨/٧ من
طريق قبيصة به، وعند البخارى إلى قوله: آية الربا. وقال الحافظ فى الفتح ٢٠٥/٨: المراد بالآخرية فى الربا تأخر
نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة ، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة ، على ما يدل عليه
قوله تعالى فى آل عمران فى أثناء قصة أحد : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾. الآية .
(٢) أخرجه النسائي (١١٠٥٧، ١١٠٥٨ - كبرى)، والطبرانى (١٢٠٤٠)، والبيهقى فى دلائل النبوة
١٣٧/٧ من طريق الحسين به .
(٣) أخرجه الطبرانى (١٢٣٥٧) بسند آخر إلى ابن عباس .

٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٨١
وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا(١) سهلُ بنُ عامٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ
مِغْوَلٍ، عن عطيةً، قال: آخرُ آيَةٍ أُنزِلت: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ
تُوَّى كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾(١).
وحدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ ، عن الشُّدِّىِّ،
قال: آخر آيةٍ نزَلت: ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ الآية (١).
وحدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تَُيْلَةَ ، عن عُبَيْدِ بنِ سليمانَ ،
عن الضحَّاكِ ، عن ابنِ عباسٍ، وحجَّاجٌ ، عن ابنِ جُرَيْج ، قال : قال ابنُ عباسٍ : آخرُ
آيةٍ نزلت من القرآنِ: ﴿ وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا
كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابنُ مجريج: يقولون: إن النبيَّ ◌َِّ مَكَث بعدَها
تسعَ ليالٍ، وبُدِئ(١) يومَ السبتِ، ومات يومَ الاثنين(٥) .
حدَّثْنا يونسُ، قال : أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبَرَنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ،
قال: ثنى سعيدُ بنُ المسئِّبِ، أنه بلغه أن أحدثَ القرآنِ بالعرشِ آيةُ الدَّيْنِ ).
يعنى بذلك جلّ ثناؤه : واحْذَروا أيُّها الناسُ يومًا تُرْجعُون فيه إلى اللهِ ، فَتَلْقَوْنه
(١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((إسماعيل بن)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ٥٤١/١٠، ١٠٥/١٤ من طريق مالك به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه ١٠/ ٥٤٠، ١٠٤/١٤ من طريق وكيع به .
(٤) فى النسخ: ((بدا)). والمثبت من فضائل القرآن، وتفسير ابن كثير ٤٩٤/١. وبُدِئ فلان: مرض. النهاية ١/ ١٠٤.
(٥) أخرجه الواحدى فى تفسيره ٣٩٩/١ من طريق الضحاك به، وأخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص
٢٢٤ عن حجاج به .
(٦) ذكره ابن كثير ٤٩٥/١ عن المصنف بسنده، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/١ إلى المصنف،
وأخرجه أبو عبيد فى الفضائل ص ٢٢٤ من طريق عقيل عن ابن شهاب قوله .
وقال الحافظ فى الفتح ٢٠٥/٨: وطريق الجمع بين هذين القولين أن هذه الآية هى ختام الآيات المنزلة فى
الربا ، إذ هى معطوفة عليهن .

٦٩
سورة البقرة : الآيتان ٢٨١، ٢٨٢
فيه ، أى (١) ترِدوا عليه بسيئاتٍ تُهْلِكُكم، أو بمخْزياتٍ تُخْزِيكم، أو بفَاضِحاتٍ (١)
تَفْضَحُكم ، فَتَهْتِكُ أستارَكم ، أو بموبقاتٍ تُوبقُكم، فتُوجبُ لكم من عقابِ اللَّهِ
ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به ، فإنه يومُ مجازاةٍ بالأعمالِ ، لا يومُ استعتابٍ ، ولا يومُ استقالةٍ
وتوبةٍ وإنابةٍ، ولكنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ ومحاسبةٍ ، تُوَقَّى فيه(٣) كلُّ نفسٍ أجرَها على ما
قدَّمت واكْتَسَبت من سيىءٍ وصالح، لا يُغادَرُ فيه صغيرةٌ ولا كبيرةٌ من خيرٍ وشرّ إلا
أُحضِرت فؤُفِّيَت(٤) جزاءَها بالعدلِ من ربِّها، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، كيف يُظْلَمُ مَن
جُوزِىَ بالإساءةِ مثلَها، وبالحسنةِ عشرَ أمثالِها؟ كلا بل عدَل عليك أيُّها
المُسِىءُ، وتكوّم عليك، فَأَفْضَل وأسْبَغ أيُّها المحسنُ، فاتقَى امرؤٌ ربَّه، [٧٠/٨ظ]
وأخَذ منه حِذْرَه، وراقبه قبلَ (٥) أن يهُمَ عليه يومُه، وهو من الأوزارِ ظَهرُه
ثقيلٌ، ومن صالحاتِ الأعمالِ خفيفٌ، فإنه تعالى ذكرُه قد حذَّر فأعْذَر(١)،
ووعَظ فأَبْلَغ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَمٌَّ﴾ .
/ يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿إِذَا تَدَايَنْتُ﴾ ١١٦/٣
يعنى: إذا تبايَعْتم بدَيْنٍ أو اشْتَريتم به، أو تعاطَيْتم، أو أخَذتم به، ﴿إِلَىَ أَجَلٍ
تُسَنَّى﴾. يقولُ: إلى وقتٍ معلوم وقَّتُّموه بينكم، وقد يَدْخُلُ فى ذلك القَرْضُ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((أن)).
(٢) فى م: (( بفضيحات)).
(٣) سقط من : الأصل .
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، س: ((فتوفيت))، وفى م: ((فتوفى)).
(٥) سقط من : ص، م، ت ١، ت ٢، س.
(٦) فى س: ((فأنذر)).

٧٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
والسَّلَمُ فى كلِّ ما جاز السَّلَمُ (١ فيه؛ لأَنَّ السَّلمَ) شراءٌ أُجّل بنَقْدٍ(٢) يَصِيرُ دَينًا على
بائع ما أسلم إليه فيه . ويَحْتَمِلُ بيعَ الحاضرِ الجائِ بيعُه من الأملاكِ بالأثمانِ المُجَلةِ ،
كلُّ ذلك من الديونِ المُجَّةِ إلى أجلٍ مُسَمَّى ، إذا كانت آجالُها معلومةً بحدِّ موقوفٍ
عليه . وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ فى السَّلَمِ خاصَّةٌ .
ذكرُ الروايةِ عنه بذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمْلُّ، عن سفيانَ ، عن ابنٍ أبی
نَجيحِ، قال: قال ابنُ عباسٍ فى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ
مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾. قال: السَّلَمُ فى الحِئْطةِ، فِى كَيْلٍ معلومٍ إلى أَجَلٍ معلومٍ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُحُرَّمُّ(٤)، قال: ثنا يحيى بنُ الصَّامتِ(٥)، قال: ثنا
ابنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن أبى حيَّنَ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَتُهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ قال: نزَلت فى السَّلَمِ فى كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ
(٦)
معلومٌ .
حدَّثنا علىُ بنُّ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ(١) بنُ أبى الزرقاءِ، عن سفيانَ، عن أبى
(١ - ١) سقط من ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت٢، ت ٣: ((بيعه))، وفى س: ((معه).
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٥/١ عن سفيان به . وأصله فى الصحيحين وغيرهما من رواية سفيان ، عن
ابن أبى نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبى المنهال، عن ابن عباس. البخاری (٢٢٥٣،٢٢٣٩)، ومسلم
(١٦٠٤).
(٤) فى الأصل: ((المخزومى)).
(٥) فى م: ((الصامح)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر ٣٧٠/١ إلى عبد بن حميد والمصنف.
(٧) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((يزيد)). ينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٧٠.

٧١
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
حيَّانَ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَنَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾ فى السَّلَفِ (١) فى الحِنْطَةِ فى كيل معلومٍ إلى أَجَلٍ
(٢)
معلوم(٢).
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى حيانَ
التَّيْميِّ، عن رجلٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزلت هذه الآيةُ: [٧١/٨ و] ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ فى السَّلفِ فى الحنطةِ فى كيلِ
معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (١).
حدَّثنا ابنُ بِشَّارٍ ، قال : ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ ، قال : ثنى أبى، عن قتادةَ ، عن أبى
حسّانَ(٢)، عن ابنِ /عباسٍ، قال: أَشْهَدُ أن السلَفَ المضمونَ إلى أجلِ مُسَمَّى، أنّ اللَّهَ ١١٧/٣
عزّ وجلّ قد أحلَّه، وأذِن فيه . ويتلُو هذه الآيةَ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ
مُؤٌ﴾(٤).
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ وقد دلَّ بقولِه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمُ
عليه، وهل تكونُ مُداينةٌ بغيرِ دَينٍ فاحْتيج إلى أن يقال: ﴿يِدَيْنٍ ﴾؟
قيل: إن العربَ لَّ كان مقولًا عندَها ((تدائِنًا))، بمعنى: تجازَيْنا. وبمعنى:
تعاطَيْنا الأخذَ والإعطاءَ بدَيْنٍ - أبان اللَّهُ جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ المعنَى الذى
قصَد (تعريفَ عبادِهْ) من قوله: ﴿تَدَايَنُ﴾ حُكْمَه، وأعْلَمهم أنه "عنى به )
(١) فى ص، م، س: ((السلم).
(٢) أخرجه البيهقى ١٨/٦ من طريق سفيان به.
(٣) فى م: (( حيان)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٤/٢ (٢٩٤٨) من طريق هشام الدستوائى به .
(٥ - ٥) فى م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((تعريفه)).
(٦ - ٦) سقط من: ص ، م، س.

٧٢
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
حُكّمَ الدَّينِ دونَ حكم المجازاةِ .
وقد زعم بعضُهم أن ذلك تأكيدٌ، كقوله: ﴿فَسَجَدَ اٌلْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ
أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠، ص: ٧٣]، ولا معنى لما قال من ذلك فى هذا الموضعِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَاكْتُبُواْ﴾ .
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾: فاكْتُبوا الدَّينَ الذى تدايَنْتُموه إلى
أجلٍ مُسَمّى ، مِن بيع كان ذلك أو قرضٍ .
واختلف أهلُ العلم فی اکتتابِ الکتاب بذلك علی مَن هو عليه(١١)، هل هو
واجبٌ أو هو نَذْبٌ ؟ فقال بعضُهم: هو حقٌّ واجبٌ ، وفرضٌ لازمٌ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَثِيرٍ، عن
الضَّّاكِ فى قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى
فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: مَن باع إلى أجلِ مُسَمَّى أَمَرِه اللَّهُ أَن يَكْتُبَ، صغيرًا كان أو
كبيرًا، إلى أجلٍ [٧١/٨ظ] مُسَمَّى ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ مُجُرَيْج قولَه:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ ◌ُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: فَمَن
ج
ادَّان دِينًا فَلْيَكْتُبْ، ومَن باع فَلْيُشْهِدْ(١).
(١) سقط من: الأصل .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٥٥/٢ (٢٩٥٢) من طريق جويير به بنحوه .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٤٩٦.

٧٣
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَأَكْتُبُوهُ﴾: فكان هذا واجبً(١).
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ بمثله، وزاد
فيه : قال: ثم جاءت الرّخْصةُ والسَّعَةُ، قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضَا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى
أُؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾(٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر
لنا أن أبا سليمانَ المَرْعَشِىَّ(١) كان رجلاً صحِب كعبًا، فقال ذاتَ يومٍ
لأصحابِهِ : هل تعلمون مظلومًا دعا ربَّه فلم يَسْتَجِبْ له؟ قالوا: وكيف يكونُ
ذلك؟ قال: رجلٌ باع بيعًا إلى أجل مسمَّى"، فلم يَكْتُبْ ولم يُشْهِدْ، فلمَّا حلَّ
مالُه جحَده صاحبُه، فدعا ربَّه، فلم يَسْتَجِبْ له؛ لأنه قد عصَى ربّه(٥).
/وقال آخرون: كان اكتتابُ الكتابِ بالدَّيْنِ فرضًا، فنسَخه قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ ١١٨/٣
بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا الثورىُّ
" ومعمر٢ٌ، عن ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّغْبِىِّ، قال: لا بأسَ إِذا أَمِنْتَه ألا تَكْتُبَ ولا
تُشْهِدَ، لقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال ابنُ عُيينةَ: قال ابنُ شُعْرُمَةَ ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٥/٢ (٢٩٥٣) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٢٨٦، وأبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٣٤٣.
(٣) فى الأصل: ((المرعش))، وفى ص: ((المدعس))، وفى ت١، س: ((المرعس)).
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: (( شيئا)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٩٦/١ عن قتادة به .
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س.

٧٤
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
الشَّغْبىِّ : إلى هذا انتُهِى (١).
حدَّثنا المثنى، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ ، عن عامرٍ فى هذه الآيةِ :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُهُ﴾ حتى بلَغ
هذا المكانَ: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُوَّةِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ قال: رُخِّص فى
ذلك، فمَن شاء أن يَأْتَمِنَ صاحبَه فَلْيَأْتَمِنْه(٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن عاصم، عن الشَّعْبِىِّ،
قال : إن اثْتَمنه فلا يُشْهِدْ عليه ولا يَكْتُبْ .
حُدِّثت عن عمَّارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن إسماعيلَ بنِ أبى
خالدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: فكانوا يَرَوْن أن هذه الآيَةَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
نسَخت ما قبلَها من الكتابةِ والشهودِ، رُخْصَةٌ ورحمةً من اللَّهِ(٣) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جريج، قال : قال
غيرُ عطاءٍ: نسخت الكتابَ والشهادةَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾(٤).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : نسَخ ذلك قولُه :
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّدِّ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَنَتَهُ ﴾ [٧٢/٨و] قال: فلولا هذا
الحرفُ لم ينبغ ) لأحدٍ أن يَدَّانَ بدَيْنٍ إلا بكتابٍ وشهداءَ، أو برَهْنٍ، فلمّا جاءت هذه
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٠/٢ (٣٠٤٢) عن الحسن به .
(٢) أخرجه البيهقى ١٤٥/١٠ من طريق داود به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٣/١ إلى عبد بن حميد.
(٣) أخرجه بنحوه الثورى فى تفسيره ص ٧٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧١/٢ (٣٠٤٦)، وابن الجوزى
فى النواسخ ص ٢٢١ من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
(٤) ينظر النواسخ ص ٢٢٢.
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((يبح)).

٧٥
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
نسَخت هذا كلّه، وصار إلى الأمانةِ(١).
حدّثنی المثنی ، قال : ثنا حجاج ، قال : ثنا یزیدُ بنُ زُرَنْع ، عن سلیمانَ التيمىِّ ،
قال : سألتُ الحسنَ قلتُ: كلَّ مَن باع بيعًا يَنْبَغِى له أن يُشْهِدَ؟ فقال: ألم تَرَأن اللّهَ
عزّ وجلّ يقولُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ ﴾(١).
(٣ حدَّثنا محمدُ بنُ الْمُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ ، عن عامٍ
فى هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى
فَأَكْتُبُوهُ ﴾ حتى بلغ هذا المكانَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَوْتُمِنَ
أَمَنَتَهُ﴾ قال: رُخِّص فى ذلك، فمَن شاء أن يَأْتَمِنَ صاحبَه فَلْيَأْتمِنْهٌ) .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن داودَ، عن الشَّعْبِيِّ فى قوله:
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال: إن أَشْهَدتَ فحَزْمٌ، وإن لم تُشْهِدْ ففى حِلّ
(٤)
وسَعَةٍ (٤).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، قال:
قلتُ الشَّعْبيِّ: أرأيتَ الرجلَ /يَسْتَدِينُ(١) من الرجلِ الشىءَ، أَحتمٌ عليه أن ١١٩/٣
يُشْهِدَ؟ فقال: "ألا ترى" إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ ؟ قد نسخ ما
كان قبله .
حدَّثنا عَمرُو بنُ علىّ ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ العُقَيْلُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ
(١) ينظر تفسير ابن كثير ١ /٤٩٦.
(٢) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٢٢٠، ٢٢١ من طريق سليمان التيمي به .
(٣ - ٣) تقدم هذا الأثر فى الصفحة السابقة ، وشيخ المصنف هناك المثنى وهنا محمد بن المثنى.
(٤) أخرجه البيهقى ١٤٥/١٠ من طريق داود به .
(٥) فى الأصل: ((يشترى)).
(٦ - ٦) فى م، ت ٢: ((فقرأ)) ومكانها بياض فى ص، ت ١، ت٣، س.

٧٦
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
ابنُ(١) أبى نَضْرَةَ، "عن أبيه٢، عن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ أنه قرأ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى﴾ قال: فقرأ إلى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
قال : هذه نسخت ما قبلَها(١) .
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ
كَاتِبُ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ ﴾ .
يعنى بذلك جل ثناؤه: ولْيكتُبْ كتابَ الدَّينِ إلى الأجلِ المسمَّى بينَ الدائنِ
والمدِينِ ﴿كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ يعنى: بالحقِّ والإنصافِ فى كتابِهِ الذى يَكْتُه
بينهما ، بما لا يتحيَّفُ ذا الحقِّ حقَّه، ولا يَبْخَسُه ، ولا يُوجِبُ له حُجَّةً على مَن عليه
دينُه فيه بباطلٍ ، ولا يُلْزِمُه ما ليس عليه .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال : ثنا يزيدُ بنُ زريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً فی
قوله: ﴿ وَلَيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: اتَّقَى اللَّهَ كاتبٌ فى كتابِهِ ، فلا
يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا(٤) .
وأمَّا قولُه: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾ فإنه يعنى: ولا
يَأْبَيَنَّ كاتبٌ اسْتُكْتِب ذلك أن يَكْتُبَ بينهم كتابَ الدَّيْنِ، كما علَّمه اللَّهُ كتابته
فخصَّه بعلم ذلك، وحرَمه كثيرًا مِن خَلقِه .
[٧٢/٨ظ] وقد اخْتَلف أهلُ العلم فى وجوبِ الكتابةِ على الكاتبِ إِذا
(١) بعده فى ت ١، س: ((فضالة)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س، وينظر الجرح والتعديل ٥/ ٣٧٠.
(٣) أخرجه ابن الجوزى فى النواسخ ص ٢٢٢ من طريق عمرو بن على به . وأخرجه البخارى فى التاريخ
٢٣٢/١، وابن ماجه (٢٣٦٥)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٧٠/٢ (٣٠٤١)، والنحاس فی ناسخه ص
٢٦٧، ٢٦٨، والطبرانى فى الأوسط (١٥٥٨)، وابن عدى ٢٢٦٧/٦، والبيهقى ١٤٥/١٠، والمزى
٤٢٨/١٨ من طريق محمد بن مروان العقيلى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٣/١ إلى أبى نعيم.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٨/٢ (٢٩٦٩) من طريق يزيد بن زريع به .
(٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((الكتاب)).

٧٧
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
اسْتُكْتِب ذلك، نظيرَ اختلافِهم فى وجوبِ الكتابِةُ(١) على الذى له الحقُّ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْنُبَ ﴾ قال :
واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال :
قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْثُبَ﴾ أواجبٌ ألا يَأْتِى أن يَكْتُبَ ؟ قال:
نعم . قال ابنُ نجريج: وقال مجاهدٌ : واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ(٣).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ بمثلِهِ(٤).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال : ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامٍ وعطاءٍ
قولَه: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهٌ﴾ قالا: إذا لم يَجِدوا كاتبًا
فِدُعِيتَ ، فلا تأبَ أن تَكْتُبَ لهم(٥) .
ذكرُ مَن قال: هى منسوخةٌ
قد ذكَرْنا جماعةً ممن قال : كلُّ ما فى هذه الآيةِ من الأمرِ بالكتابةِ والإِشهادِ والرهنِ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((الكتاب)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٦/٢ (٢٩٥٩) من طريق ابن أبى نجيح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٧٠/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٥٥٦٠) عن ابن جريج به .
(٤) سقط من : الأصل ، ص ، س .
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٦/٢ عقب الأثر (٢٩٦٠) معلقا .

٧٨
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
منسوخٌ بالآيةِ التى فى آخرِها. وأَذْكُرُ قولَ مَن تَرَكْنا ذكره هنالك لبعضٍ (١) المعانى.
١٢٠/٣
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جوَثِيرٍ، عن
الضّاكِ: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ قال: كانت عزيمةً فنسختها: ﴿ وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ
وَلَا شَهِيدٌ﴾(١).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
وَلْيَكْتُبِ بَّيْتَكُمْ [٧٣/٨و] كَاتِبٌ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَن يَكْنُبَ كَمَا عَلَّمَهُ
اللَّهٌ ﴾ : فكان هذا واجبًا على الكُتَّابِ(٣).
وقال آخرون: هو على الوجوبِ ، ولكنه واجبٌ على الكاتبِ فی حالٍ فراغِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ قولَه: ﴿ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَارِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا
عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾ يقولُ: لا يأبَ كاتبٌ أن يَكْتُبَ إن كان فارغًا(٤).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن اللَّهَ تبارك وتعالى أمَر المتداينينَ إلى أجلٍ
مسمَّى باكتتابٍ كُتبِ الدَّينِ بينهم، وأَمَر الكاتبَ أن يَكْتُبَ ذلك بينهم بالعدلِ ،
وأمرُ اللَّهِ فرضٌ لازمٌ ، إلا أن تقومَ حُجَّةٌ بأنه إرشادٌ ونَدْبٌ ، ولا دَلالةَ تَدُلُّ على أن أمَره
جلّ ثناؤه باكتتابِ الكتبِ فى ذلك، وأن تقدُّمَه إلى الكاتبِ ألا يَأْتِى كتابةً ذلك -
٥
(١) فى ص.، م: ((ببعض))، وفى س: (( ببعض )) .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٧٠/١ إلى المصنف.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ٥٥٧/٢ (٢٩٦٥) من طريق ابن أبى جعفر به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٧٠/١ إلى ابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٧/٢ (٢٩٦٢) من طريق عمرو بن حماد به .

٧٩
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
ندبٌ وإرشاد ، فذلك فرضٌ علیھم لا یسعُهم تضِْیعُه ، ومَن ضيَّعه منھم کان حرِجًا
بتضییعه .
ولا وجهَ لاعتلالٍ مَن اعتلَّ بأن الأمرَ بذلك منسوخٌ بقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَؤْتُمِنَ أَمَنَتَهُ ﴾؛ لأن ذلك إنما أَذِن اللَّهُ تعالی ذکرُه به حيثُ لا
سبيلَ إلى الكتابِ أو إلى الكاتبِ ، فأمَّا والكتابُ والكاتبُ موجودان ، فالفرضُ - إذا
كان الدَّينُ إلى أجلِ مُسَمَّى - ما أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه به فى قوله: ﴿فَأَكْتُبُوهُ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الَّهُ﴾ وإنما
يكونُ الناسخُ ما لم يَجُزْ اجتماعُ حكمِه وحكمِ المنسوخ فى حالٍ واحدةٍ، على
السبيلِ التى قد بيَنَّها، فأمَّا ما كان أحدُهما غيرَ نافٍ حكمَ الآخَرِ ، فليس من الناسخِ
والمنسوخِ فى شىءٍ.
ولو وجب أن يكونَ قولُه: ﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا فَرِهَانٌ
مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَّدِّ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ ناسخًا قولَه: ﴿ إِذَا
تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلِ نُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَائِبُُ بِالْعَدْلِ وَلَا
يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾. لوجَب أن يكونَ قولُه: ﴿ وَإِن كُنتُم
غَرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ
فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾[المائدة: ٦] ناسخًا الوضوءَ بالماءِ فى الحَضَرِ عندَ وجودِ الماءِ
فيه، وفى السفرِ الذى فرَضه اللَّهُ عز وجل بقوله: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. وأن يكونَ قولُه
فى كفَّارةِ الظُّهارِ: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] ناسخًا
قولَه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأَ﴾ [ المجادلة: ٣]. فُيُسَأَلُ القائلُ: إن قولَ
اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ ناسخٌ قولَه :

٨٠
سورة البقرة : الآية ٢٨٢
١٢١/٣ ﴿ إِذَا / تَدَايَنتُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ - الفرقَ(١) بينَه وبينَ قائلٍ فى
التيمم وما ذكرنا قولَه فزعَم أن كلَّ ما أُبِيح فى حالِ الضرورةِ لعلَّةِ الضرورةِ،
[٧٣/٨ظ] ناسخٌ حكمُه فى حالِ الضرورةِ حكمه فى (١) كلِّ أحوالِه، نظيرَ قولِه فى أن
الأمرَ باكتتابٍ كتبٍ الديونِ والحقوقِ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ
تَجِدُواْ كَِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَتَّهُ﴾ .
فإن قال: الفرقُ بينى وبينه أن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ كلامٌ
منقطعٌ عن قوله: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ وقد
ج
انتهى الحكمُ فى السفرِ إذا تعُدِم فيه الكاتبُ بقولِه: ﴿ فَهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ وإنما عنَى
بقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: إذا تدائَيْتم بدَيْنٍ إلى أجلِ مسمّى فأمِن
بعضكم بعضًا فَلْيُؤَدِّ الذى اؤْثُمِن أمانتَه .
قيل له : وما البرهانُ علی ذلك من أصل أو قیاسٍ ، وقد انقضى الحكم فى الدَّئْنِ
الذى فيه إلى الكَاتبٍ (٢) والكتابِ سبيلٌ بقولِه: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾؟
وأمَّا الذين زعموا أن قوله: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾ وقوله: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاِبُ أَنْ
يَكْثُبَ﴾. على وجهِ النَّدْبِ والإرشادِ ، فإنهم يُشْأَلون البرهانَ على دعواهم فى
ذلك، ثم يُعارَضون بسائرِ أمرِ اللَّهِ عزّ وجلّ الذى أمَر فى كتابِه ، ويُسْأَلُون الفرقَ بينَ
ما ادَّعَوْا فى ذلك ، وأنْكَروه فى غيرِه ، فلن يقولوا فى شىءٍ من ذلك قولًا إلا أَلْزموا فى
الآخَرِ مثلَه .
(١) فى م: ((ما الفرق))، وفى ص، ت ١، ت ٢، س: ((والفرق)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: (( و).
(٣) فى الأصل: ((الكتاب)).