النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة البقرة : الآية ٢٧٢
الشُدىِّ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُواْ
مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾: أمَّا ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾ فيغنى المشركين، وأما النفقةُ
فبيَّن أهلَها(١).
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال: ثنا الحِمَّانُّ، قال : ثنا يعقوبُ القُمِّئُ، عن جعفرِ بنِ أبى
المغيرةِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، قال : كانوا يتصدَّقون " على فُقَراءِ أهلِ الذِّمَّةِ، فلمَّا كثُر
فَقَراءُ المسلمين، قالوا: لا نُعْطِيها إلَّ المسلمين، فنزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَكَةُ﴾. قال: فكانوا بعدُ يُعْطُونهم(٣) .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لَّيْسَ
عَلَكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾. قال: يقولُ: إنما لها ثوابُ
نفَقَتِها ، وليس لها مِن عملِه شىءٌ، لو كان خيْرَ أهلِ الأرْضِ لم يكنْ لها مِن عملِه شىءٌ ،
إنما لها أجرُ نفقتِها، ولا تُسألُ عمَّن تريدُ تضعُ نفقتها فيه، فليس لها من عملِه شىءٌ ، إنما
لها ثوابُ نفَقَتِها، ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ
عبدِ الحميدِ ، عن أشعثَ بنِ إسحاقَ ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ،
قال: قال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((لا تصَدَّقُوا إلَّا على أهلِ دِينِكم)). فأنزل اللهُ تبارك
وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ﴾ الآية إلى
(٤) ٢)
قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٨/٢ (٢٨٥٦) من طريق عمرو به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٥٧/١ إلى ابن المنذر.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/١ إلى ابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٧/٣ عن جرير به .

٢٢
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٣،٢٧٢
(١ وأما قولُه: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلِأَشُِّكُمْ﴾ . فإنه يغنى جلَّ ثناؤه: وما
تتصدَّقون به من مالٍ - والمالُ هو الخيّرُ الذى ذكره اللهُ جلَّ ثناؤه فى هذه الآيةِ .
وقولُه: ﴿فَلِأَشُسِكُمْ﴾ تنفِقون؛ ليكونَ لكم ذُخْرًا عندَ الحاجة إليه فى مَعَادٍكم .
وأما قولُه: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ فإنه يغنى جلَّ جلالُه :
وما تتصدَّقوا به من مالٍ فإنكم تُوَفَّوْنَه، فيرجعَ إليكم جزاؤه تامّا وافيًا ، فلا تَمُنُّوا على
أحدٍ بما تصدَّقْتم به عليه، ولا تمتَنِعوا مِن إعطائِهَا مَن امتنعتم مِن إعطائه إياها مِن
مشركى أهلِ الكتابِ وغيرِهم مِن أهلِ الإسلامِ، فإنكم لا تُظْلَمون أُجْرَها فَتُبْخَسُوه،
ولا تُنْقَصُونَه، بل على اللهِ أن [٥٦/٨ظ] يوفِّيْكم أجورَكم وجزاءَكم عليها ).
كما حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. قال: هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا
تُؤْذيه وتَمُّ عليه؟ إنما نفقتُك لنفسِك، وابتغاءُ وجهِ اللَّهِ، واللَّهُ يَجْزيك(٢).
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُخْصِرُ وا فِى سَبِيلِ الَّهِ﴾.
/ أما قولُه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فبيانٌ من
اللَّهِ تعالى ذكرُه عن سبيلِ النفقةِ ووجهِها. ومعنى الكلامِ: وما تُنفِقُوا من خيرٍ
فلأنفسكم، تُنْفِقون للفقراءِ الذين أُحصروا فى سبيلِ اللَّهِ .
٩٦/٣
واللامُ التى فى ((الفقراءِ)) مردودةٌ على موضع اللامِ مِن قولهِ :
فَلَنْفُسِكُمْ﴾. كأنه قال: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ يغْنِى به: وما تتصدَّقوا
به من مالٍ فللفقراءِ الذين أُخْصِروا فى سبيلِ اللَّهِ. فلمّا اعْتَرض فى الكلامِ بقولِه :
فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. فَأَدْخَل الفاءَ التى هى جوابُ الجزاءٍ فيه، تُرِكت إعادتُها فى قوله :
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣ .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٧/١، ٣٥٨ إلى المصنف.

٢٣
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
لِلْفُقَرَاءِ﴾. إذ كان الكلامُ مفهومًا معناه .
كما حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ قولَه :
﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَآءُ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ
فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾: أمَّا ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ﴾. فيعنى المشركين، وأمَّا النفقةُ فبيَّن
أهلَها، فقال: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
وقيل: إنَّ هؤلاءِ الفقراءَ الذين ذكرهم اللَّهُ فى هذه الآيةِ هم فقراءُ المهاجرين
خاصَّةٌ(٢) دونَ غيرِهم من الفقراءِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾:
ء
مهاجرى قريشٍ بالمدينةِ مع النبيِّ مِلّهِ، أَمِر بالصدقةِ عليهم .
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه قولَه :
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قال: هم فقراءُ
المهاجرين بالمدينةِ ؟) .
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ﴾. قال: فقراءُ المهاجرين().
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢١ .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عامة)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٠/٢ (٢٨٦٥).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٨/١ إلى المصنف من قول الربيع.
(٥) ينظر المحرر الوجيز ٢٦١/٢، وتفسير القرطبى ٣٩٩/٣.

٢٤
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي
[٥٧/٨ ,]
سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ .
يعنِى بذلك تعالى ذكره : الذين جعَلهم جهادُهم عدوًّهم يُخْصِرون أنفسهم ،
فيحبسونها عن التصرُّفِ ، فلا يستطيعون تصرُّفًا .
وقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على أنّ معنَى الإحصارِ تصييرُ الرجلِ المُخْصِرِ مرَضُه
أو فاقتُه أو جهادُه عدوَّه، وغير ذلك من عللِه، إلى حالةٍ يحبِسُ فيها نفسَه عن
التصرّفِ فى أسبابِه، بما فيه الكفايةُ فيما مضى قبلُ (١).
وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم فى ذلك بنحوِ الذى قلنا
فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: حصَروا
أنفسَهم فى سبيلِ اللَّهِ للغزوٍ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: كانت الأرضُ كلُّها
كفرًا، لا يستطيعُ أحدٌ أن يخرُجَ يبتغِى من فضلِ اللَّهِ ، فإِذا خرَج / خرَج فى كفرٍ .
وقيل : كانت الأرضُ كلَّها حربًا على أهلِ هذا البلدِ، وكانوا لا يتوجَّهون جهةٌ إلَّا
لهم فيها عدوٌ، فقال اللَّهُ تبارك وتعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي
٩٧/٣
(١) ينظر ما تقدم فى ٣٤٢/٣ وما بعدها .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٠/٢ (٢٨٦٧) عن الحسن بن يحيى به .

٢٥
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. كانوا هلهنا فى سبيل اللّهِ(١).
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: الذين حَصَرهم المشركون فمنَعوهم
التصرّفَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدىِّ:
لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: حصَرهم المشركون فى
(٢)
المدينةِ(٢).
ولو كان تأويلُ الآيةِ على ما تأوَّله الشّدىُّ ، لكان الكلامُ: للفقراءِ الذين
حُصِروا فى سبيل اللّهِ . ولكنه ﴿أُخْصِرُوا﴾. فدلَّ ذلك على أن خوفَهم من العدوِّ
الذى صيَّر هؤلاءِ الفقراءَ إلى الحالِ التى حَبَسوا - وهم فى سبيلِ اللّهِ - [٥٧/٨ظ]
أنفسَهم، لا أن العدوَّ هم كانوا الحابِسيهم، وإنما يقالُ لمن حبسه العدوُّ: حصَره
العدوُّ. وإذا كان الرجلُ المُحْبَسُ من خوفِ العدوِّ، قيل: أَحْصَره خوفُ العدوِّ.
القولُ فى تأويلٍ قولهِ جل ثناؤُه: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: لا يستطيعون تقلًُّا فى الأرضِ، وسفرًا فى البلادِ؛
ابتغاءَ المعاشِ، وطلبَ المكاسبِ، فيستغنوا بهُ(١) عن الصدقاتِ، رهبةَ العدوِّ، وخوفًا
على أنفسهم منهم .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٨/١ إلى المصنف إلى قوله: خرج فى كفر .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٠/٢ (٢٨٦٨) من طريق عمرو به .
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ٣٥.

٢٦
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدثنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا معمرٌ،
عن قتادةً: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾: حصَروا(١) أنفسَهم فى
سبيلِ اللَّهِ للغَزْوِ (١)، فلا يستطيعون تجارةٌ(١) .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدئِّ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ﴾ يغنى: التجارةَ(٤).
وحدَّثنا يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ ، فى قوله: ﴿لَا
يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: كان أحدُهم لا يستطيعُ أن يخرُجَ يبتغِى من
ـ (٥)
فضلِ اللَّهِ(٥).
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿يَخْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ
التَّعَفُّفِ﴾ .
يعنى بذلك : يحسَبُهم الجاهلُ بأمرِهم وحالِهم أغنياءً من تعقُّفِهم عن المسألةِ ،
وتركهم التعرُّضَ لما فى أيدى الناس ؛ صبرًا منهم على البأساءِ والضرَّاءِ.
كما حدَّثنا " بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال : ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿يَخْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾. يقولُ: يحسَبُهم الجاهلُ بأمرِهم أغنياءَ
من التعقُّفِ .
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((حبسوا)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((للعدو)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٩.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٨/١ إلى المصنف.
(٥) تقدم فى ص ٢٤.
(٦ - ٦) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣.

٢٧
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
ويعنى بقوله: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: من تَركِ مسألةِ الناس، وهو ((التفتُّلُ))
من العقَّةِ عن الشىءٍ ، والعقَّةُ عن الشىءِ تركُه، كما قال رُؤْبةُ (١):
فعَفَّ عن أسرارِها بعدَ العسَقْ(٢)
يعنى : ترَكُ(٣) وتجنّب .
[٥٨/٨ و] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: تعرِفُهم يا محمدُ ﴿بِسِيمَهُمْ﴾ ، يغنى: بعلامتِهم
وآثارِهم، من قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ٩٨/٣
[ الفتح: ٢٩]. وهذه لغةُ قريشٍ، ومِن العربِ مَن يقولُ: بسيمائِهم. فيمُدُّها، وأمَّا
تَقِيفٌ وبعضُ أَسَدٍ فإنهم يقولون : بسيميائِهم، ومن ذلك قولُ الشاعرِ(٤) .
غُلامُ رمَاه اللَّهُ بالحُشْنِ يافعًا له سِيمِياءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى السّيما التى أَخْبرِ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنَّها لهؤلاءِ الفقراءِ
الذين وصَفُ صفتَهم، وأنهم يُعرَفون بها؛ فقال بعضُهم: هو التخشُّعُ
والتواضعُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
(١) تقدم البيت فى ٤ /٢٧٩.
(٢) فى ص، م: ((الغسق))، وفى ت ٢: ((العشق)).
(٣) فى ص، م، ت ٢، ((برئ))، وفى ت ١: ((یروی)).
(٤) هو ابن عنقاء الفزارى، والبيت فى الكامل ٢٢/١، وأمالى القالى ٢٣٧/١، والمؤتلف والمختلف للآمدى
ص ٢٣٨، والأغانى ١٩/ ٢٠٨.
(٥) فى ص، م، ت ٢: ((وصفت)).

٢٨
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
عن مجاهدٍ فى قولهِ: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾. قال: التخشُعُ(١).
وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
حدَّثنى المُثَنَّى، ("قال: حدثنا إسحاقُ ١ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
ليثٍ ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ: هو التخشُعُ .
وقال آخرون : يغْنِى بذلك : تعرِفُهم بسيما الفقرِ وجَهْدِ الحاجةِ فى
وجوههم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ: [٥٨/٨ظ]
﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾: بسيما الفقرِ عليهم ) .
حدَّثْنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبِيعِ
فى قوله: ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾. يقولُ: تعرِفُ فى وجوهِهم الجَهْدَ من
(٤)
الحاجةِ(٤) .
وقال آخرون : يعنى بذلك : تعرِفُهم برَثائةِ ثيابِهم . وقالوا : الجوعُ خفىٌّ .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤١/٢ (٢٨٧٢)، وأخرجه عبد الرزاق
فى تفسيره ١٠٩/١ عن معمر ، عن مجاهد .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، وفى الأصل: ((قال: حدثنا أبو إسحاق)). وهو إسناد
دائر، وتقدم على الصواب فى ص ٢٣ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤١/٢ (٢٨٧٣) من طريق عمرو به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤١/٢ (٢٨٧٤) من طريق ابن أبى جعفر به.

٢٩
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ تَعْرِفُهُم
بِسِيمَهُمْ﴾ . قال: السيما : رَثاثةُ ثيابِهم ، والجوعُ خفىٌّ على الناسِ، ولم تستطعِ
الثيابُ التى يَخْرُجون فيها تَحْفَى على الناسِ (١).
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللَّهَ عزَّ وجلَّ أَخْبر نبيّه ◌َالتِّ أنه
يعرِفُهم بعلاماتِهم وآثارِ الحاجةِ فيهم، وإنما كان النبيُّ عَ ◌ّهِ يُدرِكُ تلك العلاماتِ
والآثارَ منهم عندَ المشاهدةِ بالعِيانِ ، فيعرِفُهم وأصحابُه بها، كما يُدرَكُ المريضُ فِيُعلَمُ
أنه مريضٌ بالمعاينةِ .
وقد يجوزُ أن تكونَ تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكونَ كانت أثرَ
الحاجةِ والضُّرِّ ، وأن تكونَ كانت رَثاثةَ الثيابِ ، وأن تكونَ كانت جمیعَ ذلك ، وإنما
تُدرَكُ علاماتُ الحاجةِ وآثارُ الضُّرِّ فى الإنسانِ، ويُعلَمُ / أنها من الحاجةِ والضُّرِّ، ٩٩/٣
بالمعاينةِ دونَ الوصفِ ، وذلك أن المريضَ قد يصيرُ به فى بعضٍ أحوالٍ مرضِه من
المرضِ ، نظيرُ آثارِ المجهودِ من الفاقةِ والحاجةِ ، وقد يلبَسُ الغنىُّ ذو المالِ الكثيرِ الثيابَ
الرَّثَّةَ، فيتزيًّا بزىِ أهلِ الحاجةِ ، فلا يكونُ فى شىءٍ من ذلك دَلالةٌ بالصفةِ على أن
الموصوفَ به مختلٌّ ذو فاقةٍ ، وإنما يُدْرَكُ(٢) ذلك عندَ المعاينةِ بسيماه، كما وصَفهم
اللَّهُ به ، نظيرَ ما يُعرَفُ المريضُ بأنه مريضٌ عندَ المعاينةِ ، دونَ وصفِه بصفتِه .
[٥٩/٨و] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يَسْعَلُونَ النَّاسَ إِلْحَانًَ﴾.
(* يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: لا يسألون الناسَ إلحاحًا) . يقالُ: قد أَحَف السائلُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٨/١ إلى المصنف.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يدرى).
(٣ - ٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كما وصفهم الله نظير ما يعرف أنه مريض)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٣٠
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
فى مسألتِه ، إذا ألحّ، فهو يُلحِفُ فيها إلحافًا .
فإن قال قائلٌ : أفكان هؤلاء القومُ يسألون الناسَ غيرَ إلحافٍ ؟
قيل : غيرُ جائزٍ أن يكونوا كانوا يسألون الناسَ شيئًا على وجهِ الصدقةِ
إِلحافًا (١ وغيرَ إلحاف١ٍ)، وذلك أن اللَّهَ عزَّ وجلَّ وصَّفهم بأنهم كانوا أهلَ
تعقُّفٍ ، وأنهم إِنما كانوا يُعرَفون بسيماهم، فلو كانت المسألةُ من شأنهم لم تكنْ
صفتُهم التعقُّفَ، ولم تكنْ بالنبىِّ مِلّه إلى معرفتِهم بالأدلةِ والعلاماتِ حاجةٌ ، إذ
كانت٢) المسألةُ الظاهرةُ تُنْبِئُ على حالِهم وأمرِهم .
وفى الخبرِ الذى حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريع، قال: ثنا سعيدُ
ابنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن هلالٍ بنِ حصنٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال :
أَغْوَزْنا مرةً، فقيل لى: لو أتيتَ رسولَ اللّهِ وَهِ فسألته. فانطلقتُ إليه مُغْنِقًا (٣)،
فكان أوَّلَ ما واجَهنى به . (( مَن استعفَّ أعقَّه اللَّهُ، ومن اسْتَغتَى أغناه اللَّهُ، ومَن سأَلَنا
لم ندَّخِرْ عنه شيئًا نجِدُه)). قال: فرَعتُ إلى نفسى، فقلتُ: أَلَا أَستعِفُّ فِيُعِفَّنِى
اللَّهُ! فرجَعتُ، فما سألتُ رسولَ اللّهِ عَ لِ شيئًا بعدَ ذلك من أمرٍ حاجةٍ ، حتى مالت
علينا الدنيا فغرَّقتنا، إلا مَن عصَم اللَّهُ(٤) - الدلالةُ الواضحةُ على أن التعقُّفَ معنًى
ينفِى معنَى المسألةِ من الشخصِ الواحدِ، وأنّ مَن كان موصوفًا بالتعقُّفِ ، فغيرُ
موصوفٍ بالمسألةِ إلحافًا " وغيرَ إلحافٍ) .
(١ - ١) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((ولا غير إلحاف)). ينظر معانى القرآن للفراء ١/ ١٨١، وما سيأتى
فى الصفحة التالية .
(٢ - ٢) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((ولم يكن بالنبى عَ ل إلى علم معرفتهم بالأدلة))، وكذا فى م، وزاد
: ((والعلامة حاجة وكانت)).
(٣) أى: مسرعا. النهاية ٣/ ٣١٠.
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح معانى الآثار ١٦/٢ من طريق يزيد به، وأخرجه أبو يعلى (١١٢٩، ١٢٦٧)
من طريق قتادة به ، وأخرجه أحمد ٤٨٨/١٧ (١١٤٠١) من طريق هلال به .

٣١
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ، فما وجهُ قوله: ﴿لَا
يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾. وهم لا يسألون الناسَ إلحافًا ولاً(١) غيرَ إِلحافٍ؟
قيل له : وجهُ ذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه لَّ وصَفهم بالتعقُّفِ، وعرّف عبادَه أنهم
ليسوا أهلَ مسألةٍ بحالٍ، بقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَامِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ
التَّعَقُّفِ﴾. وأنهم إنما يُعْرَفون بالسيما، زاد عبادَه إبانةً لأمرِهم، وحُسْنَ ثناءٍ
عليهم ، بنَفْىِ الشَّرَهِ والضَّراعةِ التى تكونُ فى المُحِّين من الشُّؤَّالِ عنهم ، ( وقد كان
بعضُ القائلين يقولُ فى ذلك: هو نظيرُ قولِ القائل١ِ): قلَّما رأيتُ مثلَ فلانٍ . ولعلَّه
[٥٩/٨ظ] لم يرَ مثلَه أحدًا ولا له (١) نظيرًا.
وبنحوِ الذى قُلنا فى معنى ((الإلحافِ)) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدىِّ: ﴿لَا يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافً﴾. قال: لا يُلْحِفون فى المسألةِ.
/ وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ لَا ١٠٠/٣
يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: هو الذى يُلِغُ فى المسألةِ(١).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْعَلُونَ
النَّاسَ إِلَحَافَاْ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ وَّلِ كان يقولُ: ((إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ الحليمَ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢ - ٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وقال كاد بعض القائلين يقول فى ذلك نظير قول القائل)). وفى
م: ((وقال كان بعض القائلين يقول فى ذلك نظير قول القائل)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٩/١ إلى المصنف.

٣٢
سورة البقرة : الآية ٢٧٣
الحَيَئِّ(١) الغنِىَّ المتعفِّفَ، ويُتِغِضُ الغنىَّ الفاحشَ البَّذِىءَ السائلَ المُلْحِفَ))(٢).
قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللّهِ مَ يهِ كان يقولُ: ((إِنَّ اللَّهَ كرِه لكم ثلاثًا؛ ("قيلَ وقالَ(٣)،
وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ )) (٤) . فإذا شئتَ رأيتَه فى قيلَ وقالَ يومَه أجمعَ وصدرَ
ليلتِه ، حتى يُلقَى جِيفةً على فراشِه، لا يجعَلُ اللَّهُ له من نهارِه ولا ليلتِهِ نصيبًا،
وإذا شئتَ رأيتَه ذا مالٍ يُنْفِقُهُ(٥) فى شهوتِهِ ولذَّاتِهِ ومَلَاعِهِ، ويعدِلُه عن حقِّ
اللَّهِ ، " وكَبُرت بتلك" إضاعةُ المالِ ، وإذا شئتَ رأيتَه باسطًا ذراعَيْه، يسألُ الناسَ
فى كفّيه، فإِنْ أُعطِىَ أَفْرَط فى حَمْدِهِمْ(٢) ، وإن مُنِعِ أَفْرِط فى ذمِّهم.
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُّ سليمانَ، عن أيمنَ بنِ نابلٍ ،
*
قال: حدَّثنى صالحُ بنُّ سُويدٍ، عن أبى هريرةَ، قال: ((ليس المسكينُ بالطََّّافِ الذى
تردُّه الأكْلَةُ والأكلتان ، ولكنَّ المسكِينَ المُتُعفِّفُ فى بيْتِهِ ، لا يسْألُ النَّاسَ شيئًا، تُصيبُه
الحاجةُ )). اقرءوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلَحَافَاً﴾(٨).
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ،
٢٧٣
عَلِيهُ
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٣٥٩، ٣٦٣ إلى المصنف وابن المنذر.
(٣ - ٣) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((قيلا وقالا)).
(٤) وأصل الحديث عند البخارى (١٤٧٧)، ومسلم (١٧١٥) من حديث المغيرة ابن شعبة .
(٥) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وكثرت بذلك))، وفى م: ((فذلك)).
(٧) فى م: ((مدحهم)).
* من هنا خرم فی ص، م، ت ١، ت٢ ، ت٣ إلى ص ٣٥.
(٨) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٨٠/١ عن المصنف، وفيه: الحسن بن ماتك. مكان : أيمن بن نابل . وأصل
الحديث فى البخارى (٤٥٣٩)، ومسلم (١٠٣٩).

1
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٣ ، ٢٧٤
٣٣
يغنى بذلك جلَّ ثناؤه: وما تُنْفِقُوا أيها الناسُ مِن مالٍ، فَتَصَّدَّقوا على أهلِ
ذمَّتِكم تطوعًا منكم ، أو تُعْطُوه مَن أمَر كم ربُّكم ياْطائِهِ مِن الفُقَراءِ الذين أُخْصِرُوا
فى سبيلٍ [٦٠/٨و] اللّهِ مّا فرَضه اللهُ لهم فى أموَالِكم، فإِنَّ اللهَ بكلِّ ذلك عليمٌ،
يُخْصِيه لكم، ويدَّخِرُ ثَوابَه عندَه لكم ، حتى يُوفِّكم على جميعِ ذلك أُجُورَ كم ،
ويُعْظِمَ لكم عليه فى المعادِ جزاءًكم .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ
سِتَّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٧٤
يغْنى جلَّ ثناؤه بذلك: مَن يُتْفِقُ مالَه باللَّيلِ والنَّهارِ فى السرِّ والعَلانيةِ،
فيتصدَّقُ به ابتغاءَ اللهِ وطلَبَ ثَوابِه، فله أجْرُ صَدَقتِهِ مَذْخُورًا له عندَ ربِّه حتى يُوفِّيَّه
إيّاه فى مَعَادِه يومَ بَعْثِه ، ولا خوفٌ عليه يومَ القِيامةِ مِن ◌ِقابِهِ وعَذابِهِ ، ولا فى أهوالٍ
قِيامَتِه ، ولا هو يحْزَنُ عندَ مَقْدَمِه عليه بِمُعَايِنَتِهِ مِن عَظيم كرامةِ اللهِ التى أعدَّها له على
ما خلَّف وراءه فى الدنيا .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى المغنى الذى أَنْزِلت فيه هذه الآيةُ ؛ فقال بعضُهم:
أُنزلت فى علىّ بنِ أبى طالبٍ رحِمه اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا عبدُ الوهابِ بنُ
مجاهدٍ ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ
سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ قال: نزلت فى علىّ؛ كانت معه أربعةُ درَاهمَ ، فأتفق بالليلِ
درهمًا، وبالنهارِ درهمًا، وسرًّا درهمًا، وعلانيةً درهمًا (١).
(١) تفسير عبد الرزاق ١٠٨/١، ومن طريقه الطبرانى فى الكبير (١١١٦٤)، والواحدى فى أسباب النزول
ص ٦٤، وابن عساكر فى تاريخ دمشق ٣٠٦/١٢ (مخطوط)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٣/٢=

٣٤
سورة البقرة : الآية ٢٧٤
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجْ، عن ابنِ جرّيجٍ قوله :
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالتَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ﴾ قال: كان لرجلٍ
أربعةُ دراهمَ ، فَأَنفَق درهمًا باللَيلِ، ودرهمًا بالنَّهارِ ، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا عَلانيةٌ(١).
وقال آخرون : نزلت هذه الآيةُ فى النَّفَقةِ على الخَيْلِ فى سبيلِ اللهِ .
[٦٠/٨ظ] ذکرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهْبٍ ، قال: حدَّثنى رجالٌ (١) مِن أهلِ العلم،
منهم عبدُ الرحمنِ بنُ شُريحٍ، عن قيْسٍ بنِ الحجاجِ، عن حَنَشِ بنِ عبدِ اللهِ، قال
بعضُهم عن ابنِ عباسٍ فى هذه الآيةِ: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ
سِتَّا وَعَلَانِيَةٌ ﴾ الآية: إنها فى عَلْفِ الخَيْلِ(١).
حدَّثنى يونسُ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدَّثنى عبدُ الرحمنِ - يعنى ابنَ
شُريحٍ - عن عبدِ اللهِ بنِ بشرِ الغافقيّ ، أنه أشار إلى بعضِ خَيْلٍ كانت فى الجَكَانَةِ ،
فأشار إلى عِتَاقِ تلك الخَيَّلِ، فقال: أصحابُ هؤلاءِ ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم
بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ .
قال - يغنى عبد الرحمنِ بنَ شُرَيح - : وحدَّثنى يعقوبُ بنُ عمرٍو المَعَافِرِىُّ،
عن أبيه، عن أبى ذَرِّ بنحوِ ذلك(١).
وحدَّثنا علىُّ بنُ سَهْلِ، قال: حدَّثنا ضَعْرةُ بنُ ربيعةً، عن رجاءِ بنِ أبى سلمةً،
= (٢٨٨٣)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٦٤، وابن عساكر فى الموضع السابق من طريق عبد الوهاب
عن مجاهد قوله ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٣/١ إلى عبد ابن حميد وابن المنذر.
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٣٤٧/٣.
(٢) فى الأصل: ((رجل)). ولعل المثبت هو الصواب.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٣/٢ (٢٨٨١)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٦٣ من طريق
عبد الرحمن بن شريح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٣/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ٢٦٨، والقرطبى فى تفسيره ٣٤٦/٣.

٣٥
سورة البقرة : الآية ٢٧٤
عن العجلانِ بنِ سُهيلٍ، عن أبى أمامةَ فى تفسير هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالتَّهَارِ سِرَّا وَعَلَانِيَةً﴾. قال : نزلت فى أصحابِ الخَيَّلِ فى مَن
لم يَرْتَبِطْهَا لخيلاءَ ولا مِضْمَارٍ(١).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمىُّ، عن سعيدٍ ، عن الحسَنِ، عن
الأوزاعىِّ: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ .
قال: هم الذين يَرْتَبِطون الخَيْلَ خاصةً فى سبيلِ اللهِ، يُنفِقون عليها باللّيلِ
(٢)
والنَّهارِ(٢) .
وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى أبو شُريح عبدُ الرحمنِ
ابنُ شريحِ المعَافرىُّ، عن قيسٍ بنِ الحجاجِ ، عن حَنَشِ الصَّنْعانىِّ أنه قال : حدَّث ابنُ
عباسٍ فى هذه الآية: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال: فى
(٣)
عَلْفِ الخَيَّلِ(١).
"وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن رِشدين بنٍ
سعدٍ، قال : أخبرنى شيخٌ من غافقٍ(٤)، أنَّ أبا الدرداءِ كان ينظُرُ إلى الخيلِ مَرْبوطةٌ بينَ
(١) المضمار: المكان تضمر فيه الخيل أو تتسابق .
والأثر أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٤٥٦/١١ - مخطوط من طريق ضمرة بن ربيعة به، وأخرجه الواحدى
فى أسباب النزول ص ٦٤ ، وابن عساكر ٤٥٧/١١ - مخطوط من طريق زيد بن الحباب عن رجاء بن أبى سلمة
عن سلیمان بن موسی عن عجلان به .
(٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١/ ٣٤٠، والقرطبى فى تفسيره ٣٤٦/٣.
(٣) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٦٣ من طريق عبد الله بن صالح به .
« هنا نهاية الخرم المشار إليه فى ص ٣٢ .
(٤) غافق بن الشاهد: بطن من عك من الأزد، من القحطانية ، وهم بنو غافق بن الشاهد بن عك بن عدنان
ابن عبد الله بن الأزد. وإليهم تنسب الحصن ولهم خطة بمصر، وكان منهم فى الإسلام رؤساء وأمراء. معجم
قبائل العرب ٣/ ٨٧٥، تاج العروس ( غ ف ق).

٣٦
سورة البقرة : الآية ٢٧٤
البَراذينِ والهُجْنِ، فيقولُ: أهلُ هذه - يعنى الخيلَ - من ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَلَهُم بِأَلَيْلِ وَالتَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(١).
وقال آخرون : عنَى بذلك قومًا أنفقوا فى سبيلِ اللَّهِ، فى غيرٍ إِسرافٍ ولا تقتيرٍ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: هؤلاءِ أهلُ الجنةِ(٢).
ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ◌ِ لِ كان يقولُ: ((المكْثِرون هم الأسفَلون». قالوا: يا نبيَّ
اللَّهِ، إِلَّ مَن؟ قال: ((المُكْثِرون هم الأَسْفَلون)). قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إلَّا مَن؟
قال: ((المُكْثِرُون هم الأَسْفَلون)). قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إلَّا مَن؟ حتى خَشُوا أن
تكونَ قد مضَت فليس لها رَدِّ، حتى قال: ((إلّا مَن قال بالمالِ هكذا وهكذا،
عن يمينه وعن شِمالِه، وهكذا بينَ يدَيْه، وهكذا خلْفَه، وقليلٌ ما هم)) (١) . هؤلاء
قومٌ أَنْفَقوا فى سبيلِ اللَّهِ التى افْتَرض وارْتَضى، فى غيرِ سَرَفٍ ولا إِمْلاقٍ ، ولا
تبذيرٍ ولا فسادٍ().
وقد قيل: إن هذه الآياتِ من قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىّ﴾.
إلى قولِه: ﴿ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. كان مما يُعمَلُ به قبلَ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٣/١ إلى المصنف.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٣/٢ (٢٨٨٥) من طریق یزید به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٢٢/١٥ (٩٥٢٦)، وابن ماجه (٤١٣١) من حديث أبى هريرة مرفوعًا .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٣/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر .

٣٧
سورة البقرة : الآيتان ٢٧٤ ، ٢٧٥
نزولٍ ما فى سورةِ ((براءة)) من تفصيل الزكواتِ، فلما نزلت ((براءة))
قصَروا عليها .
ذكرُ من قال ذلك
/ حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، ١٠١/٣
عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا مِّ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَا
خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: فكان هذا يُعملُ به قبلَ أنْ تَنزِلَ ((براءة)) ،
فلمَّا نزَلتْ ((براءة)) بفرائضِ الصدقاتِ وتفصيلها انتهتِ الصدقاتُ إليها(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَؤْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا
يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ﴾.
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه : الذين يُؤْبُون .
والإزباءُ: الزِّيادةُ على الشىءِ، يقالُ منه: أرْتَى فلانٌ على فلانٍ ، إذا زادَ عليه ،
يُؤْمِى إِزْباءً، والزِّيادةُ هى الرِّبا. ورَبا الشىءُ، إذا زادَ على ما كان عليه فعَظُمَ، فهو
يَرْبُو رَبْوًا. وإنما قيلَ للرابيةِ: رَابيةٌ(١)؛ لزيادتِها فى العِظم والإشْرافِ على ما استوى
مِن الأرضِ ممّا حَولَها، مِن قولهم: رَبَا يَرْبُو . ومِن ذلك قيلَ : فلانٌ فى رِبا قومِه . يُرادُ
به أنه فى رِفعَةٍ وشرفٍ منهم، فأصْلُ الرِّبا الإِنافَةُ والزّيادَةُ، ثم يُقالُ: أَرْنَى فلانٌ.
أىْ: أنافَ ()غيرَه و٤) صَيََّه زائدًا. وإنّما قِيلَ للمُرْبِى مُرْيًا؛ لتضْعِيفِه [٦١/٨ ظ] المالَ
(١) يشير إلى الآية ٦٠ من سورة التوبة .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٥/٢ (٢٨٤٣) عن محمد بن سعد به .
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٣٨
سورة البقرة : الآية ٢٧٥
الذى كان له على غَريمِهِ حلالاً(١)، أو لزيادتِه عليه فيه بسَبَبِ الأجْلِ الذى يُؤْخِّره
إليه ، فيَزِيدُه إلى أجَلِه الذى كان له قبلَ حَلِّ دَيْنِه عليه . ولذلك قال جلَّ ثناؤه :
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْاْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ ﴾ [آل عمران: ١٣١].
وبمثلِ الذى قُلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمٍو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى ، عن ابنِ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ ، قال فى الرِّبا الذى نَهى اللّهُ عنه: كانوا فى الجاهليةِ يكونُ للرجلِ على
الرجلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لكَ كذا وكذا، وتُؤَخِّرُ عنِّى. فيُؤخِّرُ عنه(١).
وحدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا أبو حُذيفةً ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثله .
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ أنّ رِبَا أَهْلِ(*)
الجاهليةِ؛ يبيعُ الرجلُ البيعَ إلى أجلِ مُسمَّى ، فإذا حَلَّ الأجلُ ولم يكنْ عندَ صاحبِهِ
قضاءٌ زادَ وأَخَّرَ عنه .
فقال جلَّ ثناؤه: الذين يُرْبونَ الرِّبا الذى وصَفْنا صِفَتَه، فى الدنيا ، ﴿لَا
يَقُومُونَ﴾ فى الآخرةِ مِن قُبُورِهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسَِّّ﴾. يَعْنِى بذلك: يَتَخَبَّلُه الشيطانُ فى الدنيا، وهو الذى يتَختَّقُهُ()
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حالا)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٥، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٤٨/٢ (٢٩١٢)، والبيهقى ٢٧٥/٥.
(٣) سقط من : م.
(٤) فى م: ((يتخبطه)) .

٣٩
سورة البقرة : الآية ٢٧٥
فيصْرَعُه، ﴿ مِنَ الْمَسَِّّ﴾ يَعنِى: مِن الجنونِ .
وبمثلِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ
ذِكرُ مَن قالَ ذلك
/ حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسَى، عن ابنٍ أبى ١٠٢/٣
تَجِيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ عزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا
كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ﴾: يومَ القيامةِ، فى أكلِ الرِّبا فى
الدنيا (١).
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
مثلَه .
حدَّثنا المثنَّى ، قال: ثنا الحجاج بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا رَبیعةُ بنُ كُلُومِ ، قال : ثِی
أبى، عن سعيدٍ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا
كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾. قال: ذلك حينَ يُبعَثُ من
قبره (٢).
حدَّثنی المثنَّی ، قال : ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهیم ، قال : ثنا ربيعةُ بنُ گُلْثوم ، قال : ثنی
أبى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: يُقالُ يومَ القيامةِ لآكلِ الرّبا: خُذْ
سلاحَكَ للحَرْبِ. وقرأ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسَِّّ﴾. قال: ذلك حين يُبعثُ مِن قبرِهُ(١) .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٤٥.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٤/١ إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٥٠/٢ (٢٩٢٠) من طريق ربيعة به، دون آخره .

٤٠
سورة البقرة : الآية ٢٧٥
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أُشْعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ
تجبيرٍ: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْرّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَُّهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسَِّّ﴾ الآيَةَ. قال: [٦٢/٨ و] يُبعثُ آكلُ الرِّبا يومَ القيامةِ مجنونًا يُخْتَقُ(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوَأْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ
مِنَ الْمَسِنَّ﴾: وتلك علامةُ أهلِ الرِّيا يومَ القيامةِ، بُعِثُوا وبهم خَبَلٌ من الشيطانِ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحتِى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قَتَادَةَ فى قوله: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِنَّ﴾
قال: هو التخْبِيلُ الذى يَتَخَبَّلُه الشيطانُ مِن الجنونِ (١).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع فى قولِه :
الَّذِينَ يَأَكُلُونَ الْرِبَؤْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَنُ
مِنَ الْمَسَِّّ﴾. قال: يُبعثُون يومَ القيامةِ وبهم خَبَلٌ مِن الشيطانِ ، وهى فى بعضٍ
القراءةِ : ( لا يقُومُون يومَ القيامةِ)(٢).
حدَّثنا المثنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن بُوَييرٍ، عن الضحاكِ
فى قولِه: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ
الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسَِّّ﴾. قال: مَن مات وهو يأكلُ الرِّبا، يُعِثَ يومَ القيامةِ مُتَخَبِّطًا ،
كالذى يَتَخَبَّطُه الشيطانُ مِن المسِّ.
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٦٢/٦ عن جرير به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١١٠/١.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٦٤/١ إلى المصنف. وهذه القراءة ذكرها ابن عطية فى المحرر الوجيز
٢٧٠/٢ عن ابن مسعود.