النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال: قَطِّعْهُنَّ(١).
/ حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن ٥٦/٣
مجاهدٍ : ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: انتِفْهِنَّ بريشِهنَّ ولُحُومِهِنَّ تمزيقًا(٢)، ثم اخْلِطْ
لُحُومَهنَّ بريشِهنّ() .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: انتِفْهنَّ بريشِهنَّ ولحُومِهِنَّ
تمزيقًا .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَصُرْهُنَّ
إِلَيْكَ﴾: أُمِر نبىُ اللَّهِ مَ لِ أن يأخُذَ أربعةٌ من الطيرِ فِيَذْبَحَهُنَّ، ثم يَخْلِطَ بينَ لحومِهنَّ
وريشِهنَّ ودمائِهنَّ(٤) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: فَمَرِّقْهُنَّ. قال: أَمِرِ أن يَخْلِطَ الدماء
بالدماءِ، والريشَ بالريشِ، ثم جعَل على كلِّ جبلٍ منهن جزءًا(٥).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١١/٢ (٢٧٠٦) من طريق إسرائيل، عن أبى يحيى ، عن مجاهد ، عن
ابن عباس .
(٢) فى مصادر التخريج: ((ومزقهن تمزيقا)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٤٤، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٢٣١/٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٣٥/١ إلى البيهقى .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/١ إلى المصنف وعبد بن حميد .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١٠٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٢/٢ (٢٧١٤) عن الحسن به .
( تفسير الطبرى ٤١/٤ )

٦٤٢
سورة البقرة الاية : ٢٦٠
قال: سمِعْتُ الضَّحّاكَ: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: شَقِّقْهنَّ، وهو بالنَّبَطِيَّةِ :
صرِّى، وهو التشقيقُ(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: قَطِّئْهِنَّ(٢).
حُدِّثتُ عن عمّارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه، عن الربيع :
﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. يقولُ: قَطِّعْهنَّ إليك، ومَزَّقْهُنَّ تمزيقًا .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
أىْ: قَطِّعْهُنَّ. وهو الصَّوْرُ فى كلامِ العربِ (١) .
ففيما ذكَرْنا مِن أقوالٍ مَن رَوَيْنا قولَه فى تأويلِ قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. أنه
بمعنَى : فقَطِّعْهِنَّ إليك . دلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلْنا فى ذلك ، وفسادٍ قولٍ مَن
خالفَنا فيه، وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ قَرَأ القارئُ ذلك بضمّ الصادِ :
فَصُرْهُنَّ﴾ أو بكسرِها: (فَصِرُهُنَّ). (إذ كانتا لغتين) معروفتَين بمعنَّى واحدٍ ،
غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن أحبَّهما إلىَّ أن أقرأُ به: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ بضمّ
الصادِ؛ لأنها أعلَى اللغتَين وأشهرُهما، [٣٢/٨ ] وأكثرُهما فى أحياءِ العربِ.
وقد تأوَّلَ قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. أنه بمعنى: ضُمَّهنَّ إليك. مِن أهلِ
التأويلِ نفرٌ قليلٌ .
(١) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٠٠.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١١/٢ عقب الأثر (٢٧٠٨)، من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) ينظر تفسير القرطبى ٣/ ٣٠١، والبحر المحيط ٣٠٠/٢.
(٤ - ٤) فى م: ((أن كانت اللغتان)).

٦٤٣
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: صُرْهُنَّ: أَوْثِقْهُنَّ(١) .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جريج، قال :
قُلْتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾؟ قال: اضْمُهْهُنَّ إليك(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ
إِلَيْكَ﴾. قال: اجْمَعْهُنّ(٢).
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ
ادْعُهُنَ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً﴾ .
/ اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ ٥٧/٣
فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثم اجْعَلْ على كلِّ رُبُع من أرباع الدنيا جزءًا منهنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا (٢ محمدُ بنُ المثنَّى) ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ ، عن أبى
جمرةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ ثُمَّ أُجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ قال : اجعَلْهنَّ فى
أرباع الدنيا ؛ رُبُّعًا هلهنا، ورُبُعًا هلهنا، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا(٦).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ٥١١/٢ (٢٧٠٩) عن محمد بن سعد .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/١ إلى المصنف.
(٣) ينظر البحر المحيط ٢/ ٣٠٠.
(٤ - ٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((المثنى)).
(٥) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((وربعا هنا وربعا ههنا)).
(٦) تقدم تخريجه فى ص ٦٤٠.

٦٤٤
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. قال: لَّ أَوْثَقَهِنَّ
ذَبَحَهُنَّ، ثم جعَل على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أَمِر نبىُ اللَّهِ أن
يأخُذَ أربعةً من الطيرِ فَيَذْبَحَهنَّ، ثم يَخْلِطَ بينَ لحومِهنَّ وريشِهنَّ ودمائِهنَّ، ثم
يُجَرَِّهِنَّ على أربعةِ أَجْلٍ. فذُكِر لنا أنه شكَّل(٢) على أجنحتِهنَّ، وَأَمسكَ رءوسَهنَّ
بيدِه، فجعَل [٣٢/٨ظ] العَظْمُ يَذْهبُ إلى العَظْم، والريشةُ إلى الريشةِ، والبَضْعةُ(٣)
إلى البَضْعةِ، و "بعينِ خليلِ اللَّهِ إبراهيمَ، ثم دعاهنَّ فَأَتَيْنَه سعيًا على أرجلِهِنَّ، ويُلَقَّى
كلُّ طيرٍ برأسِه. وهذا مَثَلٌ أراه (٥) اللَّهُ جلّ وعزّ إبراهيمَ، يقولُ: كما بعث هذه الأطيارَ
مِن هذه الأَجْثُلِ الأربعةِ، كذلك يَبعثُ اللَّهُ الناسَ يومَ القيامةِ مِن أرباعِ الأرضِ
ونواحيها .
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال :
ذَبَحهنَّ، ثم قَطَّعهنَّ، ثم خلَط بينَ لحومِهِنَّ وريشِهن، ثم قَسَمهنَّ على أربعةِ أجزاءٍ ،
فجعَل على كلِّ جبلٍ منهن جزءًا، فجعَل العظمُ يَذهبُ إلى العظم، والريشةُ إلى
الريشةِ، والبَضْعَةُ إلى البَضْعةِ، وذلك بعينِ خليلِ اللَّهِ إبراهيمَ، ثم دعاهنَّ فَأَتيْنَه
سعيًا. يقولُ: شدًّا على أرجلِهن. وهذا مَثَلٌ أراه اللَّهُ إبراهيمَ. يقولُ: كما يُعِثَتْ
(١) تقدم تخريجه فى ص ٦٤٣ .
(٢) شكَّل: قيّد بالشّكال، وهو القيد أو الحبل اللسان ( ش ك ل).
(٣) البضعة : القطعة من اللحم .
(٤) بعده فى م: ((ذلك)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((آتاه )).

٦٤٥
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
هذه الأطيارُ مِن هذه الأَجْبُل الأربعةِ، كذلك يَبعَثُ اللَّهُ الناسَ يومَ القيامةِ مِن أرباع
الأرضِ ونواحيها .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، عن بعضِ أهلِ
العلمِ، أن أهلَ الكتابِ يذكُرون أنه أخَذ الأطيارَ الأربعةَ، ثم قطّع كلَّ طيرٍ بأربعةٍ
أجزاءٍ، ثم عَمَد إلى أربعةِ أجبالٍ ، فجعَل على كلِّ جبلٍ رُبُعًا مِن كلِّ طائرٍ، فكان
على كلِّ جبلٍ رٌيُعٌ من الطاوسِ، ورُيُعٌ من الديكِ، ورُبُعٌ من الغُرابِ، ورُبُعٌ من
الحمامِ ، ثم دَعاهنَّ فقال: تعالَين بإذنِ اللَّهِ كما كنتُنَّ. فوقَب كلُّ رُئُعٍ منها إلى
صاحبه، حتى اجتمعْنَ، فكان كلُّ طائرٍ كما كان قبلَ أن يُقَطِّعَه، ثم أقبلْن إليه
سعيًا، كما قال اللَّهُ عزّ وجلّ، وقيل: يا إبراهيمُ، هكذا يَجمَعُ اللَّهُ العبادَ،
ويُحْيِى الموتى للبعثِ، من مشارق الأرض ومغاربها، وشامِها وَمَنِها . فأراه
اللَّهُ إحياء الموتى بقُدْرتِه، حتى عرَف ذلك بغيرِ ما قال تُمْرُوذُ من الكذبِ
والباطلِ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى
كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا﴾. قال: فأخَذ طاوسًا، وحمامةً ، وغرابًا، وديكًا، ثم قال:
فرّقْهنَّ؛ اجعلْ رأسَ(١) / واحدٍ ومُجُؤْشُوشَ(٢) الآخرِ وجناحَي الآخرِ ورجلَى الاخرِ ٥٨/٣
معه . فقَطَّعَهنَّ وفَّقَهنَّ أرباعًا على الجبالِ، ثم دَعاهنَّ فجِثْتَه جميعًا، فقال اللَّهُ عزَّ
وجلَّ: كما ناديْتَهُنَّ فجِثْتَكَ، وكما أَحْتَيْتُ هؤلاءٍ وجمَعْتُهنَّ بعدَ هذا، فكذلك
أَجمَعُ هؤلاءِ أيضًا . يعنى الموتى .
(١) بعده فى ص، م، ت١، ت٢: (( كل)).
(٢) الجؤشوش: الصدر. اللسان (ج وش).

٦٤٦
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم اجعَلْ على كلٌّ جبلٍ من الأجبالِ التى كانت
الأطيارُ والسّباعُ التى كانت تأكُلُ من لحم الدابةِ التى رآها إبراهيمُ ميَّةً، فسأل
إبراهيمُ عندَ رؤيته إيَّها أن يُرِيَه كيفَ يُحيِبها وسائرَ الأمواتِ غيرَها . وقالوا: كانت
سبعةً أُجبالٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ نجريج، قال: لمّا
قال إبراهيمُ ما قال - عندَ رؤيته الدابةَ التى تفرَّقت الطيرُ والسباحُ عنها حين دنا منها -
وسأل ربَّه ما سأل، [٣٣/٨و] قال: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةٌ مِّنَ الطَّيْرِ﴾ . قال ابنُ جريجٍ :
فذبَحها ثم خلَط بينَ دمائِهن وريشِهن ولحومِهن، ﴿ ثُمَّ أُجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ
جُزْءًا﴾ . حيثُ رأيتَ الطيرَ ذهبتْ والسباحُ. قال: فجعَلَهن سبعةً أجزاءٍ، وأمسكَ
رُؤُوسَهنَّ عندَه، ثم دعاهنٌ بإذنِ اللَّهِ ، فنظَر إلى كلٌّ قطرةٍ من دم تَطيرُ إلى القطرةِ
الأخرى ، وكلِّ ريشةٍ تطيرُ إلى الريشةِ الأخرى، وكلِّ بَضْعةٍ وكلِّ عظم يطيرُ بعضُه
إلى بعضٍ من رءوسِ الجبالِ ، حتى لَقِيَتْ كلُّ جُّةٍ بعضُها بعضًا فى السماءِ ، ثم أقبلْنَ
يسعَين، حتى وَصَلَتْ رأسَها (١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ، قال: فخُذْ أربعةً من الطيرِ فصُرْهُنَّ إليك، ثم اجعَلْ على سبعةٍ أَجْبالٍ،
فاجعلْ على كلِّ جبلٍ منهن جزءًا ، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا. فأخَذ إبراهيمُ أربعةٌ من
الطيرِ ، فقطّعهنَّ أعضاءً، لم يَجعلْ عضوًا من طيرٍ معَ صاحبِه ، ثم جعَل رأسَ هذا مع
رِجْلٍ هذا، وصدرَ هذا مع جَناح هذا، وقَسَمَهنَّ على سبعةِ أجْبالٍ ، ثم دعاهنَّ فطار
(١) ينظر تفسير البغوى ٣٢٤/١.

٦٤٧
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
كلُّ عضوٍ إلى صاحبِه ، ثم أقبلْنَ إليه جميعًا .
وقال آخرون : بل أمَره اللَّهُ جلّ ثناؤه أن يجعَلَ ذلك على كلِّ جبلٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾. قال: ثم بَدِّدْ) على كلٌّ
جبلٍ، يأتينَك سعيًا، وكذلك يُحيى اللَّهُ الموتى(٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ، عن
مجاهدٍ : ثم اجعلْهنَّ أجزاءً على كلِّ جبلٍ، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا ، كذلك يُحبى
اللَّهُ الموتى. هو مَثَلٌ ضرّبه اللَّهُ لإبراهيمَ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ ، قال: قال ابنُ جُريجٍ، قال
مجاهدٌ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ﴾، ثم بَدِّدْهُنَّ أجزاءً على كلِّ
جبلٍ ، ثم ادْعُهنَّ: تَعالَيْن بإذنِ اللَّهِ. فكذلك يُحيِى اللَّهُ الموتى. مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ تعالى
ذكره لإبراهيم ێِ .
/حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنى إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن ٥٩/٣
الضَّحَّاكِ، قال: أمَره أن يخالفَ بين قوائِمِهنَّ رُءُوسِهنَّ وأجنحتِهنَّ، ثم يَجْعَلَ على
كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءًا .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ ، قال : أخبرنا عُبیدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمعتُ الضَّحّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ
(١) فى م: (( بددهن)) .
(٢) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٢٣١/٦ من طريق ابن أبى نجيح به بتمامه.

٦٤٨
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
جُزْءًا﴾ : فخالفَ إبراهيمُ بين قوائمِهنَّ وأجنحتِهنّ.
وأَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ ما قاله مجاهدٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى أمَر إبراهيمَ
عليه السلامُ بتفريقِ أعضاءِ الأطيارِ الأربعةِ - بعد تقطيعِه إيّاهنَّ - على جميعٍ
الأَجْبالِ التى كان يَصِلُ إبراهيمُ فى وقتٍ تكليفِ اللَّهِ إيّاه تفريقَ ذلك وتبديدَها عليها
أجزاءً؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال له: ﴿ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ [٣٣/٨ظ]
جُزْءًا﴾. و((الكُلُّ)) حرفٌ يدلُّ على الإحاطةِ بما أُضِيفَ إليه، ( والجبلُ لفظُه
لفظُ) واحدٍ ومعناه الجمعُ. فإذ كان ذلك كذلك، فلن يجوزَ أن تكونَ الجبالُ التى أُمِرَ
إبراهيمُ بتفريقِ أجزاءِ الأطيارِ الأربعةِ عليها خارجةٌ مِن أحدٍ معنيين: إمّا أن تكونَ بعضًا
أو جميعًا ، فإن كانت بعضًا فغيرُ جائٍ أن يكونَ ذلك البعضُ إلا ما كان لإبراهيمَ السبيلُ
إلى تفريقِ أعضاءِ الأطيارِ الأربعةِ عليه، أو يكونَ جميعًا، فيكونَ أيضًا كذلك، وقد
أُخبرَ اللَّهُ تعالى ذكرُه أنه أُمَره بأن يجعلَ ذلك على كلِّ جبلٍ، وذلك إما كلُّ جبلٍ قد (٢)
عرَفهنَّ إبراهيمُ بأعيانِهِنَّ، وإما كلُّ(٢) ما فى الأرضِ من الجبالِ .
فأما قولُ مَن قال: إن ذلك أربعةُ أَجْلٍ . وقولُ مَن قال: هنَّ سبعةٌ . فلا دلالةً
عندَنا على صحةِ شىءٍ من ذلك فنَسْتَجِيزَ القولَ به ، وإنما أمَر اللَّهُ جلّ ثناؤه إبراهيمَ
عَ لَّهِ أن يجعَلَ الأطيارَ الأربعةَ أجزاءً مُفَرَّقَةً على كلِّ جبلٍ؛ ليُرِىَ جلّ ثناؤُه إبراهيمَ
عليه السلامُ قدرته على جمع أجزائِهِنَّ وهُنَّ متفرّقاتٌ متبدِّداتٌ فى أماكنَ مختلفةٍ
شَتَّى، حتى يُؤَلِّفَ بعضَهن إلى بعضٍ، فَيَعُدْنَ كهيئتِهنَّ قبلَ تقطيعِهنَّ وتمزِيقِهنَّ،
وقبلَ تفريقِ أجزائِهنَّ على الجبالِ ، أطيارًا أحياءً يَطِرْنَ ، فيَطمَئِنَّ قلبُ إبراهيمَ، ويعلَمَ
(١ - ١) فى ص، ت٢: ((لفظ))، وفى م، ت١: ((لفظه)).
(٢) فى م: (( وقد)).
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٦٤٩
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
أنَّ كذلك جَمْعَ اللَّهِ أوصالَ الموتى لبعثِ القيامةِ ، وتأليفَه أجزاءَهم بعدَ الِلَى، وردًّ
كلِّ عضوٍ من أعضائِهم إلى موضعِه، كالذى كان قبلَ الرَّدَى(١).
والجزء من كلِّ شيءٍ هو البعضُ منه، كان مُنْقَسِمًا جميعُه عليه على صحةٍ أو
غيرَ مُنْقَسِمٍ ، فهو بذلك من معناه مخالفٌ معنى السهم ؛ لأن السهمَ من الشىءٍ هو
البعضُ منه المنقسِمُ عليه جميعُه على صحةٍ ، ولذلك كَثُر استعمالُ الناسِ فى كلامِهم
عندَ ذكرِهم أنصباءَهم من المواريثِ ، السهامَ دونَ الأجزاءِ .
وأمَّا قولُه: ﴿ثُمَّ أَدْعُهُنَ﴾ فإن معناه ما ذكَرْتُ آنفًا عن مجاهدٍ أنه قال : هو
أنه أُمِرِ أن يقولَ لأجزاءِ الأطيارِ بعدَ تفريقهنَّ على كلِّ جبلٍ: تعالَين بإذنِ اللَّهِ .
فإن قال قائلٌ: أَأُمِر إبراهيمُ أن يَدْعُوَهنَّ وهن مُمَّقاتٌ أجزاءً على رءوسِ الجبالِ
أمواتًا، أم بعدَ ما أُحْيِينَ؟ فإن كان أُمِرِ أن يَدْعُوَهنَّ وهنَّ ممزَّقَاتٌ لا أرواحَ فيهنَّ، فما
وجهُ أَمْرٍ مَن لا حياةَ فيه بالإقبالِ ؟ وإن كان أُمِر بدعائِهنَّ بعدَ ما أَحْيِينَ، فما كانت
حاجةُ إبراهيمَ إلى دعائِهنَّ وقد أَبصرَهنَّ يُنْشَرْنَ على رءوسِ الجبالِ؟
قيل: إنَّ أمْرَ اللَّهِ تبارك وتعالى إبراهيمَ مَ لِ بدعائِهن وهنَّ أجزاءٌ متفرّقاتٌ / أَمَا ٦٠/٣
هو أمرٌ تكوين - كقولِ اللَّهِ تبارك وتعالى للذين [٣٤/٨و] مسخهم قِرِدةٌ بعدَ ما كانوا
إنسا: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] - لا أمرُ عبادةٍ، فيكونَ محالًا إلا بعدَ
وجودِ المأمورِ المتعبَّدِ .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٦٠)
يَعنِى تعالى ذكرُه بذلك: واعلَمْ يا إبراهيمُ أن الذى أحيا هذه الأطيارَ - بعدَ
تمزيقك إيَّاهنَّ، وتفريقِك أجزاءَهن على الجبالِ - فجمَعَهنَّ وردًّ إليهن الروحَ، حتى
(١) فى م: ((الرد)).

٦٥٠
سورة البقرة الآيتان ٢٦٠، ٢٦١
أعادَهنّ كهيئتِهنَّ قبلَ تمزيقِكهنَّ، عزيزٌ فى بطشِه، إذا بطَش بمن بطَش من الجبابرةِ
والمتكبِّرَةِ الذين خالَفُوا أمرَه، وعَصَوْا رُسُلَه، وعبَدُوا غيرَه، وفى نِقْمَتِه حتى يَنْتِقِمَ
منهم، حكيمٌ فى أمرِه .
كما(١) حدّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ: ﴿ وَأَعْلَمْ أَنَّ
اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . قال: عزيزٌ فى بطشِه، حكيمٌ فى أمرِه .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ فى نقمتِه ﴿ حَكِيمٌ﴾ فى أمرِه.
القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّْئَةُ حَبٌَّ﴾ .
وهذه الآيةُ مردودةٌ إلى قوله: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَعِفَهُ.
لَهُو أَضْعَافًا كَثِيرَةٌ وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْضُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . والآياتُ التى بعدَها
إلى قوله: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِن قَصَصٍ بنى إسرائيلَ
وخبرِهم مع طالوتَ وجالوتَ، وما بعدَ ذلك مِن نباً الذى حاجَ إبراهيمَ مع
إبراهيمَ، وأمرِ الذى مرّ على القريةِ الخاوية على عُروشِها، وقصةِ إبراهيمَ
ومسألتِه ربَّه ما سأل، مما قد ذكَوْناه قبلُ - اعتراضٌ مِن الله تعالی ذکرُه بما
اعتَرض به مِن [٣٤/٨ظ] قَصصِهم بينَ ذلك، احتجاجًا منه ببعضِه على المشركين
الذین کانوا یُگذِّبون بالبعثِ وقيام الساعةِ ، وحضًّا منه ببعضِه المؤمنین علی الجهادِ فی
سبيلِه، الذى أمرَهم به فى قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ
عَلِيمٌ﴾، يُعرِّفُهم فيه أنه ناصرُهم وإن قلَّ عددُهم، وكثُر عددُ عدوهم ، ويَعِدُهم
(١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.

٦٥١
سورة البقرة الاية : ٢٦١
النُّصْرةَ عليهم ، ويُعْلِمُهم سُنَّتَه فى من كان على مِنهاجِهم من ابتغاء رضوانِه ، أنه
مُؤَيِّدُهم، وفى من كان على سبيلِ أعدائِهم من الكفارِ ، بأنه خاذلُهم، ومُفَرّقُ
جمعِهم، ومُوهِنُ كيدِهم، وقطعًا منه ببعضِه عذرَ اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرانَیْ
مُهاجَرِ رسولِ اللهِ عَهِ، بما أَطَلَع نبيَّه عليه من خَفِىٌّ أمورِهم، ومكتومٍ أسرارٍ أوائلِهم
وأسلافِهم، التى لم يكنْ يَعْلَمُها سواهم، ليَعْلَمُوا أن ما أتاهم به محمدٌ بِ الٍّ من
عندِ اللَّهِ، وأنه ليس بتَخَرُّصِ ولا اختلاقٍ، وإعذارًا منه به إلى أهلِ النفاقِ
منهم؛ لِيَحْذَرُوا - بشكُهم فى أمرٍ محمدٍ عَّهِ - أن يُحِلُّ بهم مِن بأسِه
وسطوتِه، مثلَ التى أحلّها بأسلافِهم، الذين كانوا فى القريةِ التى أهلكها،
فترَكها/ خاويةً على عُروشِها .
٦١/٣
ثم عاد جلَّ ثناؤه إلى الخبرِ عن الذى يُقْرِضُ اللَّهَ قرضًا حسنًا، وما عندَه له من
الثوابٍ على قرضِه، فقال جلّ ثناؤه: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ﴾. يعنى بذلك جلّ ثناؤه: مثلُ المنفقين أموالَهم على أنفسِهم فى جهادِ أعداءِ
اللَّهِ بأنفسِهم وأموالهم، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ مِن حباتِ الحِنطةِ و(١ الشعيرِ، أو غيرِ
ذلك من نباتِ الأرضِ، التى ("يُسَئِلُ رَيِّعُها٣)، بذَرها زارعٌ، فـ﴿ أَثْبَتَتْ﴾ يعنى:
فَأَخْرَجتْ ﴿سَبْعَ سَنَائِلَ فِى كُلِّ سُتْلَةٍ مِّئَةُ حَّةٌ﴾. يقولُ: فكذلك المُتُّقِقُ مالَه
على نفسِه فى سبيلِ اللّهِ ، له أجرُه بسبعِمائةٍ ضِعْفٍ على الواحدِ من نفقتِه .
كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السُّدِّىِّ: ﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْبْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ﴾ : فهذا
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الذى أحلها))، وفى م: ((الذى أحلهما)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أو)).
(٣ - ٣) فى م: ((تسنبل سنبلة)).

٦٥٢
سورة البقرة الآية : ٢٦١
لمن أَنفِقَ فى سبيلِ اللهِ، (( فله أجرُه بسبعِمائةٍ مرةٍ ).
حدَّثنا يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّْئَةُ
حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ . قال: هذا الذى يُنفِقُ على نفسِه فى سبيلِ اللهِ ويَخرجُ .
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه:
◌َّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ . الآيةَ: فكان مَن بايع
النبىَّ عَِّ على الهجرةِ، ورابَط مع النبيِّ عَّمِ بالمدينةِ، ولم يكفّ وجهًا إلا بإذنِه،
كانت الحسنةُ له بسبعِمائةٍ ضعفٍ ، ومَن بايع على الإسلامِ كانت الحسنةُ له عشرَ أمثالِها(١).
فإن قال قائلٌ : وهل رأيتَ سُنبلةٌ فيها مائةُ حبةٍ ، أو بلَغْتْك فيُضْرَبَ بها مثَلُ
المُتْفِقِ فى سبيلِ اللَّهِ مالَه؟
قيل : إن يكنْ ذلك موجودًا فهو ذاك(٤) ، وإلا فإنه جائزٌ أن يكونَ معناه: كمَثَلِ
◌ُنبلةٍ أَنبتتْ سبعَ سنابلَ فى كلِّ سُنبلةٍ مائةُ حبةٍ ، إن جعَل اللَّهُ ذلك فيها .
ويَحتمِلُ أن يكونَ معناه : فى كلِّ سنبلةٍ مائةُ حبةٍ . يعنى أنها إذا هى بُذِرَتْ
أَنبتتْ مائةَ حبةٍ . فيكونَ ما حدَث عن البَذْرِ الذى كان منها من المائةِ الحبةِ مضافًا
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فله سبعمائة).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٤/٢ (٢٧٢٦) من طريق عمرو به.
(٢) فى م، ت ١، ت ٣: (( يلق)) .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٤/٢، ٥١٥ (٢٧٢٧) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) فى حاشية ((ص)): ((أقول: بل ذلك ثابت محقق فى البلاد المغربية، وأكثر سنبل تلك البلاد يكثر ويطول
الفنن، ولقد عددت به حبة واحدة ثلاثة وشاهدت قريبا من ذلك ، أرانى بعض أصحابى مما
سنبلها
كان أقل ما عددناه عشرة سنبلة إلى ما ذكرته أولا من العدد محمود)). ومكان البياض كلام لم نتمكن من
قراءته ، قال ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢٢٩/٢: وقد يوجد فى سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما فى سائر
الحبوب فأكثر، ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال القرطبى فى تفسيره ٣٠٤/٣: فإن سنبل الدخن يجىء فى
السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر، على ما شاهدناه .

٦٥٣
سورة البقرة الآية : ٢٦١
إليها ؛ لأنه كان عنها .
وقد تأوَّل ذلك على هذا الوجهِ بعضُ أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوييرٍ، عن الضّحّاكِ
قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ
سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُتْبْلَةٍ مِّأْئَةُ حَبٌَّ﴾. قال: كلُّ سنبلةٍ أَنبتتْ مائةً حبةٍ ، فهذا لمن أَنفقَ
فى سبيلِ اللَّهِ، ﴿ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ ﴾؛
فقال بعضُهم: واللَّهُ يُضاعِفُ لمن يشاءُ مِن عبادِه أجرَ حسناتِهِ، بعدَ الذى أُعطى
المُنفِقَ فى سبيلِه من التضعيفِ، على (٢) الواحدةِ سبعَمائةٍ، فأمَّا المنفِقُ فى سبيله،
فلا يَنْقُصُه ) وعدَه مِن تضعيفِ السبعِمائة بالواحدةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن ٦٢/٣
الضّحّاكِ، قال: هذا يضاعَفُ لمن أَنفَق فى سبيل اللَّهِ - يعنى السبعَمائة - ﴿ وَاللَّهُ
يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾(١).
(١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٢٣٠، وتفسير القرطبى ٣٠٤/٣.
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.
(٣ - ٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((سبيله فلا نفقة عما))، وفى م: ((غير سبيله فلا نفقة ما)).
(٤) بعده فى م: ((يعنى لغير المنفق فى سبيله)).

٦٥٤
سورة البقرة الآية : ٢٦١
وقال آخرون: بل معنى ذلك: واللَّهُ يضاعِفُ لمن يشاءُ مِن المُفِقِين فى سبيلِه
علی السبعمائة إلى ألفئ ألفِ ضِغفٍ. وهذا قولٌ ذُكِر عن ابنِ عباسٍ من وجهٍ لم
أَحْمَدْ(١) إسنادَه فتركْتُ ذكرَه .
والذى هو أَوْلَى بتأويلٍ قولِه: ﴿ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءٌ﴾ : يُضاعِفُ على
السبعِمائة إلى ما يشاءُ من التضعيفِ، لمن يشاءُ من [٣٥/٨ظ] المُفِقِين فى سبيلِه؛ لأنه
لم يَجْرِ ذكرُ الثوابِ والتضعيفِ لغيرِ المُتْفِقِ فى سبيلِ اللهِ فيجوزَ لنا توجيهُ(٢) ما وعَد
جلَّ ثناؤه فى هذه الآيةِ من التضعيفِ ، إلى أنه عِدَةٌ منه على العملِ على غيرِ النفقةِ فى
سبيلِ اللَّهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيهُ
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ واسعٌ أَن يَزِيدَ مَن يشاءُ من خلقِه المُتُّفِقِين فى
سبيله، على أضعافِ السبعِمائة التى وعَده أن يَزِيدَه، عليمٌ بَمَنُ ١ يستحقُّ منهم
الزيادةَ .
كما حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾. قال: ﴿ وَسِعُ﴾ أن يَزِيدَ مِن
سَعَتِه، ﴿عَلِيمُ﴾ عالمٌ بَمَن يَزِيدُهُ(٤).
وقال آخرون : معنى ذلك : واللَّهُ واسعٌ لتلك الأضعافِ ، عليمٌ بما يُنْفِقُ الذين
يُنْفِقُون أموالَهم فى طاعةِ اللَّهِ .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أجد)).
(٢) فى م: (( توجهه)).
(٣) فى ص، م، ت ٢: (( من)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٦/١ إلى المصنف.

٦٥٥
سورة البقرة الآية : ٢٦٢
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا
يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذٌَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ
(٢٦٢
قال أبو جعفرٍ : يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه المُعْطِىَ مالَه المجاهدِين فى سبيلِ اللَّهِ ؛ معونةً
لهم على جهادِ أعداءِ اللَّهِ. يقولُ تعالى ذكره: الذين يُعِينُون المجاهدِين فى سبيلِ اللهِ
بالإنفاقِ عليهم، وفى محُمُولاتِهم وغيرِ ذلك من مُؤَنِهم ، ثم لم يُتْبِعْ نفقَتَه التى أَنفقَها
عليهم مَنَّ عليهم بإنفاقِ ذلك عليهم ، ولا أذى لهم، فأمَّا مُهُ به عليهم، فأن يُظْهِرَ
لهم أنه قد اصطَنع إليهم - بفعلِه وعطائِه الذى أعطاهُمُوه تقويةً لهم على جهادٍ
عدوّهم - معروفًا، ويُتدِىَ ذلك إمّا بلسانٍ أو فعلٍ. وأمّا الأَذَى فهو شِكايتُه إيّاهم -
بسببٍ ما أعطاهم وقوَّاهم من النفقةِ فى سبيلِ اللهِ - أنهم لم يَقُوموا بالواجبِ عليهم فى
الجهادِ ، وما أَشبهَ ذلك من القولِ الذى يُؤْذِى به من أَنْفقَ عليه .
وإنما شَرّط ذلك فى المُنْفِقِ فى سبيلِ اللَّهِ، وأَوجبَ الأجرَ لمن كان غيرَ مانِّ ولا
مُؤْذٍ مَن أَنفِقَ [٣٦/٨و] عليه فى سبيلِ اللَّهِ؛ لأن النفقةَ التى هى فى سبيلِ اللهِ ، ما(٣)
ابْتُغِىَ به وجهُ اللَّهِ، وطُلِب به ما عنده، فإذا كان معنى النفقةِ فى سبيلِ اللَّهِ هو ما
وصَفْنا، فلا وجهَ لَّ المُتْفِقِ على مَن أَنَفقَ عليه " على ذلك الوجهِ، ولا إيذائِه إِيَّاه
بسببٍ إنفاقِهِ ما أَنْفَق عليه٢)؛ لأنه لا يَدَ له قِبَلَه، ولا صنيعةً يستحقُّ بها عليه -
إن / لم يُكافِئْه عليها - المنَّ والأذَى، إذ كانت نفقتُه ما أَنفقَ عليه احتسابًا، وابتغاءً ٦٣/٣
ثوابِ اللَّهِ ، وطلبَ مَرْضاتِهِ، وعلى اللَّهِ مَثوبتُه دون مَن أَنفقَ ذلك عليه .
(١ - ١) فى م: ((فامتنانه)).
(٢) فى م: ((ما)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س.

٦٥٦
سورة البقرة الآية : ٢٦٢
وبنحوِ المعنى الذى قلْنا فى ذلك قال جماعةٌ (١) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنَفَقُواْ مَنَا وَلَا أَذْىٌّ لَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾: علِمِ اللَّهُ تبارك وتعالى أن أناسًا يَمُنُّون بعَطِيَّتِهم ، فكرِه ذلك
وقَدَّم فيه، فقال: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ وَاللّهُ غَنِىُّ
حَلِيمٌ﴾(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ : قال للآخرين -
يعنى قال اللَّهُ للآخرين، وهم الذين لا يَخْرُجون فى جهادٍ عدوِّهمَ -: ﴿ الَّذِينَ
يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَى﴾. قال:
فشرَّط عليهم . قال: والخارجُ لم يَشْرُطْ عليه قليلًا ولا كثيرًا . يعنى بالخارج: الخارجَ
فى الجهادِ الذى ذكّره اللَّهُ عز وجل فى قولِه : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلٍ حَبَّةٍ ﴾ الآية. قال ابنُ زيدٍ : وكان أبى يقولُ: إِن أُذِن لك أن
تُعْطِىَ مِن هذا شيئًا، أو تُقَوِّىَ، فَقَوِّهُ(٢) فى سبيل اللَّهِ ، فظَنَنْتَ أنه يَثْقُلُ عليه سلامُك ،
فكُفَّ سلامَك عنه . قال ابنُ زيدٍ: فشىءٌ خيرٌ مِن السلام! قال : وقالتِ امرأةٌ لأبى :
يا أبا أسامةَ، تَدُلُّنِى على رجلٍ يَخْرُجُ فى سبيلِ اللَّهِ حقًّا، فإنهم لا يَخرُجُون إلا ليأكُلُوا
الفواكهَ، عندى جَعْبةٌ() وأَسْهُمّ فيها. فقال لها: لا بارَكَ اللَّهُ لكِ فى جَعْبتِكٍ ولا فى
(١) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((من).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٧/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) فى ص، ت ٢: ((فقوى))، وفى م، ت ١، ت ٣: ((فقويت)).
(٤) فى ص: ((فنهى))، وفى م، ت ١، ت ٣: ((فهو)).
(٥) الجعبة : وعاء السهام والنبال .

٦٥٧
سورة البقرة الآيتان : ٢٦٢، ٢٦٣
أَسْهُمِكِ ، فقد آذَيْتِهِم قبلَ أن تُعْطِيهم . قال : وكان رجلٌ يقولُ لهم : اخرجوا وكلُوا
(١)
الفواكة(١).
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ
قولَه: ﴿ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَا وَلَا أَذْىٌّ﴾. قال: ألا يُنْفِقَ الرجلُ مالَه خيرٌ
مِن أَن يُنْفِقَه ثم يُتْبِعَه مَنَّا وأذِى .
وأمّا قولُه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾. فإنه يعنى: للذين يُنْفِقُون
أموالَهم فى سبيلِ اللَّهِ على ما بَّنَ. والهاءُ والميمُ فى ﴿لَّهُمْ﴾ عائدةٌ على
اُلَّذِينَ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾: لهم ثوابُهم وجزاؤهم على نفقتِهم
التى أَنفقُوها فى سبيلِ اللَّهِ، ثم لم يُبِعوها مَنَّ ولا أَذى.
وقولُهُ: ﴿وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. يقولُ: وهم مع ما لَهم
من الجزاءِ والثوابٍ على نفقتهم التى أنفقُوها على ماشرَطْنَا ، لا خوفٌ عليهم عندَ
مَقْدَمِهم على اللَّهِ جلَّ ثناؤه ، وفِراقِهم الدنيا ، ولا فى أهوالِ القيامةِ ، أن(١) ينالَهم من
مَكارِهِها ، أو يُصيبَهم فيها من عقابِ اللَّهِ ، ولا هم يحزنُون على ما خلِّقُوا وراءَهم فى
الدنيا .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ
يَتْبَعُهَا أَذَىُّ وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ
٢٦٣
(١) ينظر المحرر الوجيز ٢٣٢/٢، وتفسير القرطبى ٣٠٨/٣.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وأن)).
( تفسير الطبرى ٤٢/٤ )

٦٥٨
سورة البقرة الآيتان : ٢٦٣، ٢٦٤
٦٤/٣
/ يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾: قولٌ جميلٌ، ودعاءُ الرجلِ لأخيه
المسلم، ﴿ وَمَغْفِرَةُ ﴾ يعنى: وسترٌ منه عليه، لما عَلِم مِن خَلَّتِهِ(١) وسوءِ حالتِهِ،
﴿ خَيْرٌ﴾ عندَ اللَّهِ ﴿مِّن صَدَقَةٍ﴾ يَتَصَدَّقُها عليه. ﴿ يَتْبَعُهَا أَذَّىٌ﴾ يعنى:
يَشْتکِیه علیها ، ويُؤْذِیه بسببها .
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ ، عن تجوبيرٍ، عن
الضَّحّاكِ قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُ﴾ يقولُ : أن
يُْسِكَ مالَه خيرٌ مِن أن يُنْفِقَ مالَه ثم يُتْبِعَه مَنَّا وأَذِّى .
وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ﴾ . فإنه يعنى: واللَّهُ غنىٌّ عمّا يَتَصَدَّقُون به،
حليمٌ حين لا يَعْجَلُ بالعقوبةِ على من يَمُنُّ بصدقِتِهِ منكم ، ويُؤْذِى فيها مَن يَتَصَدَّقُ
بها عليه .
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدَّثنا به المثنَّى ، قال : ثنا أبو صالحٍ، قال :
ثنى معاويةُ، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ : الغَنِىُّ : الذى قد کمُّل فى
غِناه، والحليمُ: الذى قد كَمُلَ فى حِلْمِه(٢) .
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنّ
وَاُلْأَذَ كَلَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَّءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ .
يعنى بذلك تعالى ذكره: يأيها الذين(٣) صَدَّقُوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿لَا تُبْطِلُواْ
(١) الحَّة: الحاجة والفقر. اللسان (خ ل ل).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى مجموع الفتاوى ٢١٩/١٧، ٢٢٠ - وأبو الشيخ فى العظمة
(٩٨) من طريق أبى صالح به .
(٣) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((آمنوا)).

٦٥٩
سورة البقرة الآية : ٢٦٤
صَدَقَتِكُمْ﴾ يقولُ: لا تُبْطِلُوا أجورَ [٣٧/٨و] صدَقاتِكم بالمنِّ والأذى، كما أَبطل
كفرُ الذى يُنْفِقُ مالَه رِئاءَ الناسِ ، وهو مراءاتُه إِيَّاهم بعملِه، وذلك أن يُنْفِقَ مالَه فيما
يَرَى الناسُ فى الظاهرِ أنه يُرِيدُ اللَّهَ به، فيَحْمَدُوه عليه، وهو " غيرُ مريدٍ به اللَّهَ() ، ولا
طالبٌ منه الثوابَ ، وإنما يُنْفِقُه كذلك ظاهرًا؛ ليَحْمَدَه الناسُ عليه ، فيقولوا : هو
سَخِىٌ كريمٌ، وهو رجلٌ صالحٌ. فيُحْسِنُوا عليه به الثناءَ، وهم لا يَعلَمون ما هو
مُستبطِنٌّ من النيةِ فى إنفاقِهِ ما أنفقَ ، ولا يَدْرُون ما هو عليه من التكذيبِ باللّهِ واليومِ
الآخرِ .
وأما قولُه: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الَخِرِ﴾. فإن معناه: ولا يُصدِّقُ
بوحدانيةِ اللَّهِ وربوبيتِه ، ولا بأنه مبعوثٌ بعد مماتِه فمُجازَى على عملِه، فيجعلَ
نفقته(٢) لوجهِ اللَّهِ جلّ ثناؤه، وطلبٍ ثوابِه وما عندَه فى معادِه، وهذه صفةُ المنافقِ ،
وإنما قلْنا: إنه منافقٌ. لأن المُظْهِرَ كفرَه والمُعْلِنَ شِرْكَه، معلوم أنه لا يكونُ بشيءٍ من
أعمالِهِ مُرائيًا؛ لأن المرائىَ هو الذى يُرائِى الناسَ بالعملِ الذى هو فى الظاهرِ للَّهِ، وفى
الباطن ( من نِيَّةٍ " عاملِه مرادٌ) به حمدُ الناسِ عليه، والكافرُ لا يخِيلُ على أحدٍ
أمره، أَنَّ أفعالَه كلَّها إَّما هى للشيطانِ - إذا كان معلنًا كفرَه - لا للَّهِ، ومَن كان
كذلك فغيرُ كائنٍ مرائيًا بأعمالِه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
(١ - ١) فى ص، م: ((وهو مريد به غير اللَّه)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((عمله)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((مراده)).

٦٦٠
سورة البقرة الآيتان : ٢٦٣، ٢٦٤
ذكرُ من قال ذلك
٦٥/٣
/حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنى أبو هانى الحَولانئُ ، عن
عمرٍو بنِ حُرِيثٍ ، قال: إن الرجلَ يَغْزُو، لا(١) يَشْرِقُ ولا يَزْنِى ولا يَغُلُّ، ( ولا) يَرْجِعُ
بالكَفافِ. فقيل له : لماذا(٢) ؟ قال: إن الرجلَ لَيَخْرُجُ، فإذا أصابه مِن بلاءِ اللَّهِ الذى قد
حكَم عليه، سبَّ ولعَن إمامَه، ولعَن ساعةً غَزَا، وقال: لا أعودُ لغَزْوةٍ معه أبدًا. فهذا
عليه، وليس له، مِثْلَ النفقةِ فى سبيلِ اللَّهِ يُتْبِعُها مَنَّا(٤) وأذِى، فقد ضرَب اللَّهُ مَثَلَها فى
القرآنِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِلْمَنِّ وَالْأَذَى﴾. حتى ختَم الآية(٥).
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلٍ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ.
وَابِلٌ فَتَرَكَمُ صَلّدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اُلْكَفِرِينَ
٢٦٤١
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: فمَثَلُ هذا الذى يُثْفِقُ مالَه رِئاءَ الناسِ، ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
واليومِ الآخرِ - والهاءُ فى [٣٧/٨ظ] قولِه: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائدةٌ على ﴿الذى﴾ -
كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾. والصَّفْوانُ واحدٌ وجميع (٢، فمن جعَله جميعًا(٢) فالواحدةُ
صَفْوانَةٌ ، بمنزلةٍ تمرةٍ وتمرٍ ، ونخلةٍ ونخلٍ ، ومن جعَله واحدًا جمعَه: صِفْوانٌ وصُفِىٌّ
وصِفِىٌّ، كما قال الشاعر(٨):
(١) فى م، والدر المنثور: ((ولا)).
(٢ - ٢) فى ص، م، والدر المنثور: ((لا)).
(٣) فى ص، م: ((لم ذاك)).
(٤) فى ص، م: ((من)).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٩/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٦) فى م: (( جمع)) .
(٧) فى الأصل: ((جمعا)).
(٨) تقدم فى ٧٠٩/٢.