النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
سورة البقرة الآية : ٢٥٩
ابنِ طاوسٍ ، عن أبيه - قال الطبرىُّ: أحسَبُه قال : - سمِعتُ ابنَ عباس يقرأ: ( فلمّا
تبيَّن له قال اعْلَمْ ). قال : إنما قيل ذلك له(١).
حُدِّثتُ عن عمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه، عن الربيع، قال : ذُكِر
لنا - واللهُ أعلم - أنه قيل له: انْظُرْ. فجعَل يَنْظُرُ إلى العظام كيفَ يتواصَلُ بعضُها
إلى بعضٍ، وذلك بعينيه ، فقيل له : (اعلمْ أن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ).
فعلى هذا القولِ تأويلُ ذلك: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن من أمرِ اللَّهِ وقدرتِه، قال اللّهُ
عزَّ وجلَّ له: اعلم الآن أن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ولو صرَف مُتَأَوَّلٌ قولَه : (قال
اعلمْ) - وقد قرأه على وجهِ الأمرِ - إلى أنه / من قِبَلِ المخبَرِ عنه بما اقتصَّ اللّهُ فى هذه ٤٦/٣
الآيةِ من قصَّتِهِ، كان وجهًا صحيحًا، وكان ذلك كما يقولُ القائلُ: اعلمْ أن كان
كذا وكذا. على وجهِ الأمرِ منه لغيرِه، وهو يعنى به نفسه .
وقَرَ أْ ذلك آخرون: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ (١). على وجهِ الخبرِ عن نفسِه للمتكلِّم به،
بهمزٍ ألفِ ﴿أَعْلَمُ﴾ وقطعِها، ورفع الميم، بمعنى: فلمَّا تبيَّنَ له ما تبيَّن من قدرةِ اللَّهِ
وعظيم سلطانِه بمعاينتِه ما عاينه ، قال المتبيِّنُ ذلك: أعلمُ الآن أنا أن اللَّهَ على كلّ
شىءٍ قديرٌ .
وبذلك قرَأْت عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ العراقِ . وبذلك من التأويلِ
تأوَّله جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
(١) تفسير عبد الرزاق ١٠٧/١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٧/٢ (٢٦٨٥)، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٣٣٤/١ إلى عبد بن حميد. وينظر حجة القراءات ص ١٤٤.
(٢) قرأ بها نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو عمرو، ينظر السبعة ص ١٨٩.
(٣) فى م، ت٢: ((أليس)).

٦٢٢
سورة البقرة الاية : ٢٥٩
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، عمَّن لا يَتَّهَمُ، عن وهبٍ
ابنِ مُنَبِّهِ، قال: لمّ عايَنَ من قدرةِ اللَّهِ ما عائَن، قال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
(١)
قَدِيرٌ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا عبدُ الصمدِ بنُ
مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهِ يقولُ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(١).
حدَّثنا [٢٧/٨ و] بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: بعَينْ نبيّ
اللَّهِ عليه السلامُ كان(١) - يعنى إنشارَ العظامِ - فقال: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
(٤)
قَدِيرٌ﴾(٤).
حدَّثْنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال :
قال عُزَيْرٌ عندَ ذلك - يعنى عندَ معاينتِه إحياءَ اللَّهِ حمارَه -: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن مجُوَثِيرٍ، عن
الضخَّاكِ، قال: جعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شيءٍ منه يُوصَلُ بعضُه إلى بعضٍ، ﴿فَلَمَّا
(١) تقدم تخريجه فى ص ٥٨٠ .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((يعنى)).
(٣) سقط من: م.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٦١١ .

٦٢٣
سورة البقرة الآيتان : ٢٥٩، ٢٦٠
تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
حدَّثنی يُونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ نحوَه .
وأَوْلَى القراءتينِ فى ذلك بالصوابِ (١) قراءةُ مَن قَرَأْ : (اعْلَمْ). بوصلِ الألفِ،
وجزم الميم، على وجهِ الأمرِ من اللَّهِ جلَّ ثناؤه للذى أحياه بعدَ مماتِه، بالأمرِ بأن يَعْلَمَ
أن اللَّهَ الذَى أَراه بعينَيْه ما أراه من عظيم قدرتِه وسلطانِه ؛ من إحيائه إيَّاه وحمارَه بعد
موتٍ مائةَ عامٍ وبَلائِه ، حتى عادا كهيئتِهما يومَ قَبْضٍ أرواحِهما ، وحِفْظِه عليه طعامَه
وشرابَه مائةَ عامٍ ، حتى ردَّه كهيئتِه يومَ وضَعه، غيرَ مُتَغَيِّرٍ - على كلِّ شىءٍ قادرٌ
كذلك .
وإنما اخْتَرْنَا قراءةَ ذلك كذلك، وحَكَمْنا له بالصوابِ دونَ غيرِه ؛ لأن ما قبلَه
من الكلام أمرٌ من اللَّهِ ؛ قولا للذى أحياه اللَّهُ بعدَ مماتِه، وخطابًا له به ، وذلك قولُه:
﴿ فَانظُرْ إلى طعامِك وشرابِك لم يَتَسَنَّه وانظُرْ إلى حمارِك﴾ - ﴿وانظُرْ إلى العظامِ
كيف نُنشِزُها﴾(١). فلمَّا تبيَّن ذلك له جوابًا عن مسألته ربَّه: ﴿أَّ يُحِىء هَذِهِ اللَّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. قال اللَّهُ تبارك وتعالى له: اعلمْ أن اللَّهَ الذى فعَل هذه الأشياءَ على ما
رأيتَ ، على غيرِ ذلك من الأشياءِ قديرٌ، كقدرتِه على ما رأيتَ وأمثالِه، كما قال لخليلِه
إبراهيمَ صلى الله عليه ، بعد أن أجابه عن مسألتِه إيّاه فى قوله : ﴿ رَبِّ أَرِبِ صَيْفَ تُحِی
الْمَوْقَى﴾ - / ﴿ وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ . فأمَر إبراهيمَ بأن يَعْلَمَ بعدَ أن أَراه كيفيَّةً
إحيائه الموتى أنه عزيزٌ حكيمٌ، وكذلك أمَر الذى سأل فقال: ﴿أَّ يُحِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ
مَوْتِهَاً ﴾ بعدَ أن أَراه كيفيةَ إحيائِهِ إِيَّاها، أن يَعْلَمَ أن اللَّهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
٤٧/٣
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ رَبٍّ أَرِ كَيْفَ تُحِى
(١) القراءتان متواترتان وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى .
(٢) فى الأصل: (( ننشرها)).

٦٢٤
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
اُلْمَوْنَىّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَىٌّ وَلَكِن لِّيَطْمَبِنَّ قَلْبِىِ﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: أوَ لم تَرَ إذ قال إبراهيمُ: ربِّ أَرِنِى.
وإنما صلَح أن يُعْطَفَ بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعِمُ﴾. [٢٧/٨ظ] على
قولِه: ﴿أَوْ كَلَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾. وقولِهِ: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِى حَتَّ إِنْزَهِكَمَ فِى
رَبِّهِةٍ﴾؛ لأن قولَه: ﴿أَلَمّ تَرَ﴾ ليس معناه: ألم تَرَ بعينَيْك. وإنما معناه: ألم تَرَّ
بقلبك. فمعناه: ألم تَعْلَمْ فَتَذْكُرَ(١) ، وإن كان لفظُه لفظَ الرؤيةِ ، فَيُعْطَفُ عليه أحيانًا
بما يُوافِقُ لفظَه من الكلامِ، وأحيانًا بما يُوافِقُ معناه .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى سببٍ مسألةِ إبراهيمَ ربَّه أن يُرِيَه كيف يُخِى الموتى؛
فقال بعضُهم: كانت مسألتُه ذلك ربَّه، أنه رأى دابَّةً قد تقسّمتْها السِّاعُ والطيرُ،
فسأل ربَّه أن يُرِيَه كيفيةَ إِحيائِه إِيَّها، معَ تفرُّقٍ لحمِهاً فى بطونِ طيرِ الهواءِ وسباعٍ
الأرضِ ؛ ليرَى ذلك عِيانًا ، فيزدادَ يقينًا برؤيته ذلك عِيانًا ، إلى علمِه به خبرًا ، فأراه
اللَّهُ جلّ ثناؤه ذلك مثلًا بما أخْبَر أنه أمره به .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ
قَالَ إِثْرَهِعِمُ رَبٍ أَرِبِ كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْنَى﴾: ذُكِر لنا أن خليلَ اللَّهِ إبراهيمَ أَتَى على
دابَّةٍ توزَّعتْها الدوابُ والسبائحُ، فقال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾ قال:
(٣)
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؟ قال: ﴿بَلَىّ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِىّ
(١) بعده فى م: ((فهو)).
(٢) فى ص، م، ت ١، ت٢: ((لحومها)).
(٣) عزاه الحافظ فى الفتح ٤١٢/٦ إلى المصنف.

٦٢٥
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
حُدِّثتُ عن الحسين (١) ، قال: سمِعتُ أَبا مُعاذٍ ، قال: أخبرنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ ،
قال : سمِعتُ الضَّّاكَ بنَ مزاحم يقولُ فى قولِه: ﴿أَرِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنّ﴾.
قال: مرَّ إبراهيمُ على دابَّةٍ ميتٍ قد بلِى وتقسَّمته الريامح والسباحُ، فقام(١) ينظُرُ،
فقال: سبحانَ اللَّهِ! كيفَ يُحْيِى اللَّهُ هذا؟ وقد علِم أن اللَّهَ قادرٌ على ذلك ، فذلك
قولُه : ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِ اَلْمَوْقَى﴾(٣)؟
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ :
بَلَغنى أن إبراهيمَ بَيْنَا هو يسيرُ فى الطريقِ، إذا هو بجِيفةٍ حمارٍ عليها السبامُ والطيرُ،
قد توزَّعت(٤) لحمها وبقِى عظامُها، فلمَّا دنا ذهَبت السباحُ، وطارت الطيرُ على
الجبالِ والآكام(٢، فوقَف فعَجِب (٢)، ثم قال: ربِّ، قد علِمتُ لتَجْمَعَنَّها من
بطونٍ / هذه السباع والطيرٍ، ربِّ، أرنى كيف تحبى الموتى. قال: أو لم تُؤْمنْ؟ قال: ٤٨/٣
بلى ، ولكن ليس الخبرُ كالمعاينةِ().
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ: مرَّ إبراهيمُ بحوثٍ
نصفُه فى البَرِّ ونصفُه فى البحرِ ، فما كان منه فى البحرِ فدواتُ البحرِ تأكُلُه، وما
كان منه فى البرِّ فالسباعُ ودوابُّ البرّ تأكُلُه، فقال له الخبيثُ (١): يا إبراهيمُ، متى
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((الحسن)).
(٢) فى ص، ت ٢: ((فقدم)).
(٣) ينظر التبيان ٣٢٦/٢.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((تمزعت))، وفى حاشية الأصل: (( فى غيره: تمزعت)).
(٥) سقط من: ص ، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) فى ص، ت ٢: ((الآطام)).
(٧) فى م: ((وتعجب)).
(٨) عزاه فى الفتح ٤١٢/٦ إلى المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٤/١ إلى المصنف عن ابن
جريج ، عن ابن عباس .
(٩) يعنى : إبليس ، لعنه الله .
( تفسير الطبرى ٤٠/٤ )

٦٢٦
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
يَجْمَعُ اللَّهُ هذا(١) من بطونِ هؤلاءٍ؟ فقال: يا ربِّ، أَرِنِى كيف تُحْيِى الموتى. قال: أوَلم
تُؤمِنْ؟ قال: بلى ولكن لِيَطْمَئِنَّ قلبى(١).
وقال آخرون : بل كان سببَ مسألتِه ربَّه تبارك وتعالى ذلك المناظرةُ والمحابّةُ
التى جرت بينه وبين مُخْرُوذَ فى ذلك .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٢٨/٨و] حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: لمَّ
جرَى بينَ إبراهيمَ وبينَ قومِه ما جرى بينَهم، ممّا قصَّه اللَّهُ فى سورةِ ((الأنبياءِ)) (٢)، قال
تُمْرُوذُ - فيما يذكُرون - لإبراهيمَ: أرأيتَ إلهَك هذا الذى تَعْبُدُ وتدعُو إلى عبادتِهِ،
وتَذْكُرُ من قدرتِه التى تُعَظِّمُه بها على غيرِهِ، ما هو؟ قال له إبراهيمُ: ربىَ الذى يُحيِى
ويُمِيثُ . قال ◌ُمْروذُ: أنا أُخْبِى وأُمِيتُ . فقال له إبراهيمُ: كيف تحبى وثُمِيتُ؟ ثم ذكر ما
قصَّ اللَّهُ من محاجَتِهِ إِيَّاه، قال: فقال إبراهيمُ عندَ ذلك: ﴿ رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى
اُلْمَوْنَّى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىّ وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلِىٌ﴾. عن غيرِ شكٌّ فى اللَّهِ تعالى
ذكرُه ولا فى قدرتِه، ولكنه أحبَّ أن يَعْلَمَ ذلك، وتاق إليه قلبُه، فقال: لِيَطْمَئِنَّ
قلبی . أىْ : ما تاق إليه إذا هو علمه .
وهذان القولان - أعنى الأولَ وهذا الآخرَ - مُتَقاربا المعنى، فى أن مسألةَ
إبراهيمَ ربَّه تبارك وتعالى أن يُرِيَه کیفَ یحیی الموتى، كانت ليَرَى عِیانًا ما كان عندَه
من علمٍ ذلك خبرًا .
وقال آخرون: بل كانت مسألتُه ذلك ربَّه عندَ البشارةِ التى أتَته من اللّهِ جلّ ثناؤُه
(١) فى الأصل، ص، ت٢: ((هؤلاء)).
(٢) ينظر البحر المحيط ٢٩٧/٢.
(٣) الآيات ٥١ - ٧١.

٦٢٧
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
بأنه قد اتَّخَذه خليلاً ، فسأل ربَّه أن يُرِيَه عاجلاً من العلامةِ له على ذلك، لِيَطْمَئِنَّ قلبُه
بأنه قد اصطفاه لنفسِه خليلاً، ويكونَ ذلك لما عندَه من اليقينِ مُؤَيِّدًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ، قال: لمَّ انَّخَذ اللَّهُ إبراهيمَ خليلًا، سأل ملَكُ الموتِ رَبَّه أن يَأْذَنَ له فَيَشِّرَ
إبراهيمَ بذلك ، فأذن له ، فأتَى إبراهيمَ وليس فى البيتِ ، فدخل دارَه ، و كان إبراهيمُ
أغيرَ الناسِ، إذا خرَج أُغْلَق البابَ، فلمَّا جاء وجَد فى دارِه رجلًا، ثار(١) إليه ليأخُذَه،
وقال: مَن أَذِن لك أن تدخُلَ دارى؟ قال ملَكُ الموتِ: أُذِن لى ربُّ هذه الدارِ(١) . قال
إبراهيمُ: صدَقتَ. وعرَف أنه ملَكُ الموتِ ، قال: من أنت؟ قال: أنا ملَكُ الموتِ،
جئتُك أُبَشُِّك بأن اللَّهَ قد اتَّخَذك خليلاً. فحمِد اللَّهَ وقال: يا ملَكَ الموتِ، أرِنى
الصورةَ التى تَقْبِضُ فيها أنفاسَ الكفارِ ، قال: يا إبراهيمُ ، لا تُطِيقُ ذلك. قال: بلى .
قال: فأغْرِضْ، فَأعرَضَ إبراهيمُ، ثم نظَر إليه، فإذا هو برجلٍ أَسوَدَ يَنالُ رأسُه السماءَ،
يَخْرُجُ من فيهِ (١) لهبُ النارِ ، ليس من شعرةٍ فى جسدِه إلا فى صورةِ رجلٍ أُسودَ يَخْرُجُ
من فيهِ ومسامعِه / لَهبُ النارِ ، فَغُشِىَ على إبراهيمَ، ثم أفاق وقد تحوَّل ملَكُ الموتِ فى ٤٩/٣
الصورةِ الأَولى، فقال: يا ملَكَ الموتِ، لو لم يَلْقَ الكافرُ عندَ الموتِ من البلاءِ والحُزْنِ
إلا صورتَك لكفاه، فأُرِنى كيفَ تَقْبِضُ أنفاسَ المؤمنين . قال : فَأَعْرِضْ. فأَغْرَضَ
إبراهيمُ ثم التَفَتَ ، فإذا هو برجلٍ شابٍّ أحسنِ الناسِ وجهًا ، وأطيبِه رِيحًا ، فى ثيابٍ
بِيض ، فقال: يا ملَكَ الموتِ ، لو لم يكنْ للمؤمنِ عندَ موتِهُ من قُرَّةِ العَينِ [٢٨/٨ظ]
(١) فى م: ((فثار)).
(٢) فى الأصل: ((الدابة)).
(٣) فى الأصل: ((فمه)) .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( ربه).

٦٢٨
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
والكرامةِ إلا صورتُك هذه لكان يَكفِيه. فانطلَق ملَكُ الموتِ، وقام إبراهيمُ يدعُو
ربَّه يقولُ: ربِّ ، أرنى كيف تحبى الموتى حتى أَعلمَ أَنِّى خَلِيلُكَ . قال : أو لم
تؤمنْ بأنّى خَلِيلُك؟ يقولُ: تُصَدِّقْ. قال: بلى، ولكن ليطمئنَّ قلبى
(١)
بِخُلُولَتِكَ(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ
ثابتٍ ، عن أبيه ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ: ﴿ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلْبِىٌ﴾. قال: بالخُلَّةِ(٢).
وقال آخرون : سأل ذلك ربَّه لأنه شكَّ فى قدرةِ اللَّهِ على إحياء الموتى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
أيوبَ فى قوله: ﴿ وَلَكِن لِيَظْمَيِنَّ قَلْبِىّ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: ما فى القرآنِ آيَةٌ
أَرْجَى عندى منها(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال :
سمِعْتُ زِيدَ بنَ علىِّ يُحدِّثُ عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، قال: اتَّعَدَ عبدُ اللَّهِ
ابنُ عباسٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو أن يَجتمِعا، قال : ونحن يومئذٍ شَبَةٌ ، فقال أحدُهما
لصاحبِهِ : أُّ آيةٍ فى كتابٍ اللَّهِ أَرْجَى لهذه الأُمّةِ؟ فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو:
يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] حتى خِتَم الآيةَ. فقال ابنُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٧/٢، ٥٠٨ (٢٦٨٩) من طريق عمرو به، إلى قوله: أنى خليلك.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٤٤٢ - تفسير) - ومن طريقه البيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٧٥) - وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٥١٠/٢ (٢٦٩٩) من طريق عمرو بن ثابت أبى المقدام به .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦٦/١ عن عبد الرزاق به ، وهو فى تفسير عبد الرزاق ١٠٦/١ عن معمر،
عن قتادة ، عن ابن عباس .

٦٢٩
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
عباسٍ : أَمَّا إن كنتَ تقولُ: إِنَّها، وإنَّ أَرْجَى منها لهذه الأمةِ (١) قولُ إبراهيمَ
عَلَهِ: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِىِ الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بٌَّ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَ
(٢)
قَلِىٌ﴾(٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجّاجٌ، عن ابنٍ مُريجٍ، قال :
سألتُ عطاءَ بنَ أبى رَباح عن قولِه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِنْرَهِعْمُ رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْى
اَلْمَوْنَى﴾. قال: دخَل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يَدْخُلُ قلوبَ الناسِ، فقال: ﴿رَبِّ
أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى﴾. قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾. قال: ﴿ بَلَى﴾. قال:
﴿فَخُذْ أَرْبَعَةٌ مِّنَ اَلَّيْرِ﴾؛ لِيُرِيَهُ() .
حدَّثنى زكريا بنُ يحيى بنٍ أبانٍ المصرىُّ، قال : ثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ ، قال : ثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ القاسم، قال: ثنى بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرو بنِ الحارثِ ، عن يونسَ
ابنِ يزيدَ ، عن ابنِ شهابٍ ، قال: أخبرَنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنٍ وسعيدُ بنُ
المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ وَ لَغِ قال: «نحن أَحَقُّ بالشَّكِّ مِن إبراهيمَ،
قال: ﴿ رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْنَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ
(٤ )
قَلْبِىّ﴾))(٩).
احدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى يونسُ، عن ابنٍ ٥٠/٣
(١) فى الأصل: ((الآية)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٦٦/١ عن المصنف، وأخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٤٩، وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٩/٢ (٢٦٩٤)، والحاكم ٦٠/١ من طريق محمد بن المنكدر، عن ابن عباس وابن
عمرو، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٨/٢ (٢٦٩٠) من طريق حجاج به .
(٤) أخرجه البخاری (٤٦٩٤) عن سعيد بن تلید به .

٦٣٠
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
شهابٍ، عن أبى سلمةً" وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ عَ لّهِ
قال . فذكر نحوه(٧).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ يِمِ أنه قاله،
وهو قولُه: ((نحنُ أحقُّ بالشَّكُّ مِن إبراهيمَ، قال: ﴿رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحِى الْمَوْقَى
قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنَ ﴾ )). وأن تكونَ مسألتُه ربَّه ما سأله أن يُرِيَه من إحيائه الموتى؛ لعارضٍ
مِن الشيطانِ عرَض فى قلبِه، كالذى ذكرنا عن ابنٍ زيدٍ آنفًا، من أن [٢٩/٨ و] إبراهيم
لمّا رَأَى الحوتَ الذى بعضُه فى البرِّ وبعضُه فى البحرِ، قد تَعاوَرَه دوابُ البَرِّ ودواتُ البحرِ
وطيرُ الهواءِ، أَلْقَى الشيطانُ فى نفسِه فقال: متى يَجمعُ اللَّهُ هذا من بطونٍ هؤلاءٍ؟
فسأل إبراهيمُ حينئذٍ ربَّه جلّ جلالُه أن يُرِيَّه كيف يُحْيِى الموتى ؛ ليُعايِنَ ذلك عِيانًا ، فلا
يَقْدِرَ بعدَ ذلك الشيطانُ أن يُلْقِىَ فى قلبِهِ مثلَ الذى أَلْقَى فيه عندَ رؤيته ما رأى من ذلك ،
فقال له ربُّه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾ ؟ يقولُ: أوَ لم تُصَدِّقْ يا إبراهيمُ بأنِّى على ذلك قادرٌ؟
قال : بلى يا ربِّ، ولكنى سأَلْتُك أن تُرِيَنى ذلك لِيَطْمَئِنَّ قلبى، فلا يَقْدِرَ الشيطانُ أن
يُلْقِىَ فى قلبى مثلَ الذى فعَل عندَ رؤيتى هذا الحوتَ .
حدّثنی بذلك یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ .
ومعنى قوله: ﴿لِيَظْمَيِنَّ قَلِىٌ﴾: لِيَسْكُنَ ويَهْدَأَ باليقينِ الذى يَسْتَيْقِنُه.
وهذا التأويلُ الذى قلْناه فى ذلك هو تأويلُ الذين وجَّهوا معنى قوله :
﴿ ◌ِيَطْمَيِنَّ قَلِىٌ﴾ إلى أنه: لِيزدادَ إيمانًا. أو إلى أنه : لِيُوقِنَ(٣).
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٤٠٢٦)، وابن عساكر فى تاريخه ٦/ ٢٢٨، ٢٢٩ من طريق يونس بن عبد الأعلى
وحرملة به، وأخرجه أحمد ٧٤/١٤ (٨٣٢٨) من طريق يونس بن يزيد الأيلى به، وأخرجه البخارى
(٣٣٧٢، ٤٥٣٧)، ومسلم (١٥١) من طريق ابن وهب به .
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ليوفق)).

٦٣١
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
ذكرُ من قال: معنى(١) ذلك: لِيُوقِنَ(٣). أو: لِيزدادَ يقينًا أو إيمانًا
حدَّثنا أبو كُريبٍ ، قال: ثنا أبو نُعيم، عن سفيانَ، عن قيسٍ بنٍ مسلم، عن
سعيدِ بنِ جُبيرٍ ﴿لِّيَطْمَبِنَ قَلْبِىّ﴾. قال: لِيُوقِنَ".
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا أحمدُ
ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن أبى الهيثم ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ: ﴿لِيَطْمَبِنَّ قَلِىٌ﴾. قال: ليزدادَ يَقِينى(١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن
الضَّحَّاكِ : ﴿ وَلَكِن لِيَطْمَيِنَّ قَلِىٌ﴾. يقولُ: ليزدادَ يقينًا .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً:
﴿ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَ قَلْبِىٌ﴾. قال: وأراد نبىُ اللَّهِ إبراهيمُ: ليزدادَ يقينًا إلى
يقينِه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال مَعْمَرٌ: وقال
قتادةُ : ليزدادَ يقينًا(٤).
خُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ وَلَكِن
لِيَظْمَيِنَ قَلْبِىّ﴾. قال: أراد إبراهيمُ أن يزدادَ يقينًا(*).
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((ليوفق)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٩/٢ (٢٦٩٧) من طريق سفيان به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٠/٢ (٢٦٩٨) من طريق سفيان به بلفظ: ليزداد إيمانًا .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٧.
(٥) ينظر تفسير القرطبى ٢٩٨/٣.

٦٣٢
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
[٢٩/٨ظ] حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرِ البصرىُّ، قال: ثنا إِسرائيلُ ،
قال: ثنا أبو الهيثم، عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ: ﴿لِيَطْمَيِنَ قَلْبِى﴾. قال: ليزدادَ
(١)
يَقِینی(١).
٥١/٣
/ حدَّثنى المثنَّى، قال : ثنا الفضلُ بنُ دُكَينِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن أبى الهيثمِ،
عن سعيدِ بنِ جبيرٍ : ﴿ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلِىٌ﴾. قال: ليزدادَ يقينًا .
حدَّثنا صالحُ بنُ مِسمارٍ ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ ، قال: ثنا خلَفُ بنُ خليفةً ،
قال: ثنا ليثُ بنُ أبى سُلَيم، عن مجاهدٍ وإبراهيمَ فى قوله: ﴿لِيَطْمَيِنَ قَلْبِىّ
قال : لأَزدادَ إيمانًا مع إيمانى(١).
حدَّثنا صالحُ بنُ مسمارٍ ، قال : ثنا زيدُ بنُ الحبابِ ، قال : أخبَرَنا زيادُ بنُ(٣)
عبدِ اللَّهِ العامرىُّ، قال: ثنا الليثُ، عن أبى الهيثمِ، عن سعيد بن جبيرٍ فى قولِ اللَّهِ:
◌ِيَظَمَيِنَ قَلْبِىٌ﴾. قال: لأَزدادَ إيمانًا مع إيمانى.
وقد ذكَرْنا فيما مضى قولَ مَن قال: معنى قوله: ﴿لِيَطْمَيِنَّ قَلْبِىٌ﴾: بأَنِّى
خَلِيلُكَ .
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿لِيَطْمَيِنَ قَلِىٌ﴾: لأعلَمَ أنك تُجِينَى إذا
دَعَوْتُك، وتُعْطِينى إذا سأَلْتُك .
(١) أخرجه ابن عساكر فى تاريخه ٢٣٠/٦ من طريق إسرائيل به بلفظ: ليزداد إيمانًا .
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٤١ - تفسير)، والبيهقى فى الشعب (٦١) من طريق خلف به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٤/١ إلى ابن المنذر.
(٣) فى م: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤٨٥.

٦٣٣
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ ، عن عليٍّ، عن
ابنِ عباسٍ قوله: ﴿لِيَطْمَيِنَ قَلْبِىّ ﴾. قال: أعلمُ أنك تُجِبُنى إذا دعَوْتُك، وتُعطِينى
إذا سأَلْتُك(١).
وأمّا تأويلُ قولِه : ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ ﴾ . فإنه: أوَ لم تُصَدِّقْ؟
كما حدَّثنى(٢) موسَى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ قولَه:
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾. قال : أو لم توقنْ بأنى خليلُك(٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن قیسِ بنِ
مسلم، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ﴾. قال: أوَ لمْ تُوقِنْ بأَنِّى
خَلِيلُك(٤) ؟
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوَلَمْ
تُؤْمِنٌ ﴾ . قال : أوَ لم تُوقِنْ بأنى خليلُك ؟
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه : ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِّنَ اُلَّيْرِ﴾.
يَغْنى بذلك جلَّ ثناؤه: قال اللَّهُ له: فخُذْ أربعةٌ من الطيرِ. فذُكِر أن الأربعةَ من
الطيرِ : الديكُ، والطاؤُسُ ، والغرابُ، والحمامُ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٩/٢ (٢٦٩٦)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (١٠٧٣) - ومن
طريقه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٢٢٩/٦ - من طريق أبى صالح به .
(٢) بعده فى الأصل: ((أسد بن)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٠٩/٢ (٢٦٩٣) من طريق عمرو بن حماد به .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٥٠٨، ٥٠٩ (٢٦٩٢) من طريق سفيان به .

٦٣٤
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاق ، عن بعضٍ
أهلِ العلم، أن أهلَ الكتابِ الأولِ يَذكُرُون أنه أخَذ طاوسًا، وديكًا ، وغرابًا،
(١)
وحمامًاً().
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن
مجاهدٍ، قال: الأربعةُ من الطيرِ: الديكُ، والطاوسُ، والغرابُ، والحمامُ().
[٣٠/٨و] حدَّثْنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ: ﴿ قَالَ فَخُذْ
أَرْبَعَةٌ مِّنَ الطَّيْرِ﴾. قال ابنُ جريج: زعَمُوا أنه ديكٌ، وغرابٌ، وطاؤُسٌ،
م.(٣)
وحمامةٌ(١) .
حدَّثْنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةٌ
مِّنَ الَّيْرِ﴾ قال: فأخَذ طاوسًا، وحمامةٌ، وغرابًا، وديكًا، مخالفةً أجناسُها
(١)
وألوانُها(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ .
/ اختلفت القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك ؛ فقرَأَتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ :
فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. بضمّ الصادِ ، مِن قولِ القائلِ: صُرْتُ إلى هذا الأمرِ، إذا
مِلْتَ إليه، أَصورُ صَوَرًا. ويقالُ: إنى إليكم لأَصْوَرُ. أىْ: مشتاقٌ مائلٌ. ومنه قولُ
٥٢/٣
(١) ينظر تفسير القرطبى ٣/ ٣٠٠.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٠/٢ (٢٧٠٣)، وابن عساكر فى تاريخه ٦/ ٢٣٠، من طريق شبل
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) ينظر تفسير البغوى ٣٢٣.
(٤) هى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠.

٦٣٥
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
الشاعر (١) :
(١)
يومَ الفراقِ إلى جيرانِناُ صُورُ
اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّا فى تَلَفُّتِنَا
وهو جمعُ أَصْوَرَ وصَوْراء وصُورٍ ، مثلُ أسود وسوداءً وسودٍ .
ومنه قولُ الطّرِمَّاحِ بِنِ حكيمٍ() :
هوى والهوَى للعاشقِينَ صَرُوعُ
عَفائفُ إلَّا ذاك أوْ أن يَصُورَها
يعنى بقولِه : أو أن يصورَها هَوّى : يُمِيلَها هوَى .
فمعنى قوله: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: فاضْمُمْهُنَّ إليك، ووَجِّهْهُنَّ نحوَك، كما
يقالُ: صُرْ وجهَك إلىّ. أىْ: أَقْبِلْ به إلىّ. ومَن وجَّه قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ إِلى
هذا التأويلِ، كان فى الكلامِ عندَه متروٌ قد تُرِك ذكرُه ؛ استغناءً بدَلالةِ الظاهرِ
عليه، ويكونُ معناه حينئذٍ عندَه: قال: فخُذْ أربعةٌ من الطيرِ فصُرْهُنَّ إليك، ثم
قَطِّعْهنّ، ثم اجعَلْ على كلِّ جَبَلٍ منهنَّ جزءًا .
وقد يَحتَمِلُ أن يكونَ معنى ذلك إذا قُرِئَ كذلك بضمِّ الصادِ : قَطِّعْهنَّ. كما
قال تَوْبَةُ بنُ الحُمَيِّ(٤) :
بأطرافٍ عِيدانٍ شَديدٍ أُشُورُها(٥)
فلمَّا جذَبْتُ الحَبَّلَ أَطَّتْ نُسوعُهُ
بنَهْضِی وقَد کادُ(١) ارتقائِى يَصُورُها
فَأَدْنَتْ لِىَ الأسبابَ حتى بَلَغْتُها
(١) المخصص ١٠٣/١٢، واللسان (ص ور، ش رى)، والخزانة ١/ ١٢١.
(٢) فى م: ((أحبابنا)).
(٣) ديوان الطرماح ص ٢٩٥.
(٤) البيت الثانى فى الأضداد ص ٣٧ .
(٥) أطت : صوَّتت . النسوع: جمع نِشْع، وهو سير تشد به الرحال . والأُسور: جمع أسر، وهو شدة
الخلق. التاج ( أط ط ، ن س ع ، أ س ر).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كان)).

٦٣٦
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
يعنى : يَقْطَعُها .
وإذا كان ذلك تأويلَ قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. كان فى الكلامِ تقديمٌ
وتأخيرٌ، ويكونُ معناه: قال : فخُذْ أربعةً من الطيرِ إليك فصُرْهنَّ. ويكونُ
﴿إِلَيْكَ﴾ مِن صلةِ ﴿خُذْ﴾ .
وقرأ ذلك جماعةٌ من أهلِ الكوفةِ : (فصِرْهُنّ إليك). يعنى: قَطِّعْهُنَّ(١).
وقد زعم جماعةٌ من نحوِّى الكوفةِ(١) أنهم لا يَعْرِفون (فصِرْهُنَّ)، ولا
﴿ فَصُرْهُنَّ﴾. بمَعْنى(١): قَطَّعْهُنَّ، فى كلامِ العربِ، وأنهم لا يَعرِفون كسرَ
الصادِ وضمَّها [٣٠/٨ظ] فى ذلك إلا بمعنَى واحدٍ، وأنهما جميعًا لُغتان بمعنى
الإمالةِ ، وأن كسرَ الصادِ منها لغةٌ فى هُذَيْلٍ وسُلَيْم، وأنشَدُوا لبعضٍ بنى سُلَيم :
(٤)
على اللِّيتِ قِنْوانُ الكَرُومِ الدَّوالِخُ
/وفَوْعِ يَصِيرُ الجِيدَ وَحْفٍ كأنَّهُ
٥٣/٣
يعنى بقولِه: يَصِيرُ: أَيْ: يُمِيلُ. وأن أهلَ هذه اللغةِ يقُولون: صارَه، وهو
يَصِيرُه صَيْرًا، وصِرْ وجْهَك إلىّ. أى: أَمِلْه. كما يقالُ: صُرْه.
وزعَم بعضُ نحوبيِّ الكوفةِ أنه لا يَعرِفُ لقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾. ولا لقراءةٍ من
قرأ (فَصِرْهُنَّ) بضمِّ الصادِ أو كسرِها وجهًا فى التَّقْطِيع، إلّا أن يكونَ:
(فَصِرْهُنَّ إليك) - فى قراءةٍ مَن قَرَأه بكسرِ الصادِ - مِن المقلوبِ ، وذلك أن تكونَ
الأمُ فِعْلِه جُعِلتْ مكانَ عِينِهِ، وعينُه مكانَ لامِه ، فيكونُ مِن: صرَّى يَصْرِى صَرْيًا .
(١) وهى قراءة حمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ١٩٠.
(٢) ينظر معانى القرآن ١/ ١٧٤.
(٣) فى الأصل: ((يعنى)) .
(٤) الفرع: الشعر التام. والوحف: الأسود. والليت: صفحة العنق. والدوالح: المثقلات بحملها. التاج
(ف رع، وح ف، ل ی ت، د ل ح).
(٥) فى م: (( و)).

٦٣٧
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
فإن العربَ تقولُ: بات يَصْرِى فى حَوْضِه، إذا استَقَى، ثم قَطَع واستَقَى. ومن ذلك
قولُ الشاعر (١):
غدًا والعواصِى مِن دمِ الجوفِ تَنْعَرُ(١)
صرّت نظرةً لو صادفت جَوْزَ دارع
يعنى: قَطَعَتْ نظرةً. ومنه قولُ الآخَرِ(٢) :
فمَنْ لَىَ إِنْ(٤) لم آتِهِ بخلودٍ
يقولون إن الشامَ يَقْتُلُ أهلَهُ
منَ الموتِ أَنْ لم يَذْهَبُوا وُجُدُودِى
تَعَرَّبَ آبائى فهلا صرَاهُمُ
يعنى : قَطَعَهم. ثم نُقِلت ياؤُها التى هى لامُ الفعلِ فَجُعِلَتْ عينًا للفعلِ،
وحُوِّلْتْ عينُها فجُعِلتْ لامَها ، فقيل: صار يَصِيرُ. كما قِيل: عَنِى يَعْثَى عَثًا . ثم
حُوِّلتْ لامُها ، فجُعِلتْ عينَها، فقيل : عاث يَعِيثُ .
وأما نحويُّو البصرةِ فإنهم قالوا: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ سواءٌ معناه إذا قُرِئَّ
بالضمِّ من الصادِ وبالكسرِ، فى أنه مَعْنِىٌّ به فى هذا الموضع التقطيعُ. قالوا: وهما
لغتان: إحداهما، صارَ يصُورُ، والأخرَى، صار يَصِيرُ. واستشهدُوا على ذلك
بيتِ تَوْبةَ بنِ الحُميِّ الذى ذكرناه قبلُ، وبيتِ المُعُلَّى بنِ جمَّالٍ (٥) العبدىِّ:
/وجاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسُ صَفایًا
يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ(٦)
٥٤/٣
(١) البيت فى معانى القرآن للفراء ١٧٤/١، واللسان ( ن ع ر، ع ص ى) غير منسوب.
(٢) الجوز: وسط الشىء. والعواصى: العروق. وتنعر: تفور. التاج (ج و ز ، ع ص ی، ن ع ر).
(٣) البيتان فى معانى القرآن للفراء ١/ ١٧٤، والبيت الأول فى اللسان ( ش أم)، والثانى فى اللسان (ع ر
ب ) مع اختلاف فى الرواية .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((إذا)).
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((حماد)). والبيت فى مجاز القرآن ١/ ٨١، والأضداد ص ٣٧، واللسان
(ص و ر، د هـ س، خ ل ع، ز ن م).
(٦) الخلعة: خيار المال. دهس: جمع دهساء، والدهساء من الضأن التى على لون الرمل . والصفايا : =

٦٣٨
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
يعنى: يُفَرِّقُ عُنوقَها وَيُقَطِّعُها، ويبيتٍ خَنْساءَ(١) :
* لَظَلَّتِ الشُّمُّ منها وَهْىَ تَنْصَارُ(١).
تَعْنى بالشُّمّ : الجبالَ، أنها تَتصدَُّ وتَتَفَّقُ. وببيتٍ أبى ذُؤَيبٍ (٢):
فانْصَوْنَ مِن فَزَعِ وسدَّ فُرُوجَهُ غُجْرٌ ضَوارٍ وافيانٍ وَأَجْدَعُ(٣)
قالوا : فلِقولِ القائلِ: صُوْتُ الشىءَ. معنيان: أَمَلْتُه، وقَطَّعْتُه. وحَكَوْا
سماعًا: صُرْنا به الحُكْمَ: [٣١/٨و] فَصَلْنا به الحُكْمَ .
وهذا القولُ الذى ذكرناه عن البَصْرِيِّين - مِن أنّ معنى الضَّمِّ فى الصادِ مِن
قولِهِ: ﴿فَصُرْهُنَ إِلَيْكَ﴾ والكسرِ سواءٌ بمعنَى واحدٍ ، وأنهما لُغتان معناهما فى هذا
الموضع: فقَطِّعْهنَّ، وأن معنى ﴿إِلَيْكَ﴾ تقديمُها قبلَ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ مِن أجلٍ أنها
صلةٌ لقولِه: ﴿فَخُذْ﴾ - أَوْلَى بالصوابِ مِن قولِ الذين حكَيْنا قولَهم مِن نحوِّی
الكوفيّين، الذين أنكَرُوا أن يكونَ للتقطيع فى ذلك وجة مفهومٌ، إلا على معنى
القلبِ الذى ذكرْتُ؛ لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ على أن معنى قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾
غيرُ خارج مِن أحدٍ معنيتين: إما: قَطَعْهُنَّ. وإمّا: اضْمُمْهُنَّ إليك. بالكسرِ/ قُرِئ
ذلك أو بالضَّمِّ ، ففى إجماع جميعهم على ذلك - على غيرِ مراعاةٍ منهم كسرَ
٥٥/٣
= جمع صفية ، وهى الغزيرة . والعنوق: جمع عَناق، وهى أنثى المعز. والأحوى: الذى تضرب حمرته إلى
السواد، يعنى تيس المعز. والزئيم: الشاة التى لها زَنّمتان فى حلقها، والزمة: هَنة معلقة فى حلقها تحت
حیتھا . اللسان (خ ل ع، د هـ س، ص ف ی ، ع ن ق، ح و ی، ز ن م).
(١) مجاز القرآن ١/ ٨١، والأضداد ص ٣٧، واللسان (ص ور)، وصدره :
فلو يلاقى الذى لاقيته حصن ... ...
(٢) البيت فى ديوان الهذليين ١/ ١٢.
(٣) الغبر الضوارى: كلاب الصيد ، وافيان: سالما الأذنين، وأجدع: مقطوع الأذنين. شرح أشعار
الهذليين ٢٨/١.

٦٣٩
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
الصادِ وضمَّه ، ولا تفريقٍ منهم بين معنتَى القراءتَين - أعنى الكسرَ والضمَّ - أوضحُ
الدليل على صحةٍ قول القائلين مِن نحوِّی أهل البصرة فى ذلك ، ما حکیْنا عنهم من
القولِ، وخطأً قولٍ نحوِّى الكوفيّين؛ لأنهم لو كانوا ◌َما تأوَّلُوا قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾
بمعنى : فقَطِّعْهنَّ. على أن أصلَ الكلام: فاصْرِهنَّ. ثم قُلِبَتْ فقيل: فصِرْهنَّ.
بكسرِ الصادِ؛ لتحوُّلِ ياءِ ((فاضْرِهنَّ)) مكانَ رائِه، وانتقالٍ رائِه مكانَ يائِه - لكان
لاشكَّ مع معرفتِهم بلُغتِهم، وعلمِهم بمَنْطِقِهم، قد فصَلُوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ
بكسرٍ صادِهِ، وبينَه إذا قُرِئَ بضمِّها، إذ كان غيرَ جائزٍ لمن قلَب ((فاصْرِهُنَّ)) إلى
((فَصِرْهنَّ))، أن يَقْرَأَه ((فصُرْهُنَّ)) بضمّ الصادِ، وهم معَ اختلافٍ قراءتهم ذلك
كذلك، قد تأوَّلوه تأويلًا واحدًا على أحد الوجھیْن اللذَیْن ذگونا ، ففى ذلك أوضحُ
الدليلِ على خطأً قولٍ من قال : إنّ ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ الصادِ بتأويلِ التقطيعِ،
مقلوبٌ مِن: صرَى يَصْرِى. إلى: صارَ يَصِيرُ. وجهلٍ مَن زعَم أن قولَ القائلِ : صار
يصُورُ، وصار يصِيرُ، غيرُ معروفٍ فى كلامِ العربِ بمعنى: قَطَّعَ.
ذكرُ مَن حضَّرَنا قولُه فى تأويلِ قولِ اللّهِ : ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ . أنه بمعنى: فقَطِّعْهُنَّ.
حدَّثْنى سليمانُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو
كُدَيْنَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَصُرْهُنَّ﴾ . قال : هى
نَبَطِيَّةٌ: فشَقِّقْهُنَّ(١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ، عن أبى
جَمْرَةً(٢)، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى هذه الآية: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ
(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٤٤ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٢/٢ (٢٧١١) من
طريق عطاء به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى فى الشعب.
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢: (( حمزة).

٦٤٠
سورة البقرة الآية : ٢٦٠
إِلَيْكَ﴾. قال: إنما هو مَثَلٌ. قال: قَطِّعْهنَّ ثم اجعلْهنَّ فى أرباع الدنيا؛ رُبُعًا هلهنا،
ورُبُعًّا هلهنا، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا(١) .
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالِحٍ، عن
عليّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَصُرْهُنَّ﴾. [٣١/٨ظ] يقولُ: قَطّعْهُنَّ.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ [٣١/٨]، قال: أخبرنا حُصَينٌ، عن أبى
مالكٍ فى قوله: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: يقولُ: قَطِّعْهنَّ(٢).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ ، قال: أخبرَنا هُشيمٌ، عن محُصَين، عن
أبى مالكِ مثلَه .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُّ اليمانِ ، عن أشعثَ ، عن جعفرٍ، عن
سعیدٍ : ﴿ فَمُرْهُنَّ إِلیكَ ﴾ قال: قال : جنائُ ذِهعندَ رأسٍ ذِه ، ورأسُ ذِه عندَ جَناحِ
(٣)
زه(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعلَى، قال: حدَّثَنا الْمُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه ، قال:
زعَم أبو عمرٍو، عن عكرمةَ فى قوله: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. قال: قال عكرمةُ:
بِالنَّبْطِيَّةِ : قَطِّعْهُنّ(٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى يحيى)،
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٤٣ - تفسير) - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٢٣١/٦ - وابن
أبى حاتم فى تفسيره ٥١١/٢ (٢٧٠٧، ٢٧٠٨) من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/١
إلى عبد بن حميد وابن المنذر. والبيهقى فى البعث .
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١١/٢ عقب الآثر (٢٧٠٨) معلقا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥١٢/٢ (٢٧١٢) من طريق يحيى به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٥/١ إلى المصنف.
(٥ - ٥) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((يحيى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠١/٣٤.