النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
دعائِهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةٌ وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]. فأخبر تعالى
ذكرُه أن علمَه وسِع كلَّ شىءٍ، فكذلك قولُه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَّ﴾ .
وأصلُ ((الكُرْسِيِّ)) العلمُ، ومنه قيل للصحيفةِ يكونُ فيها علمٌ مكتوبٌ :
كُرَّاسَةٌ. ومنه قولُ الراجزِ فى صفةٍ قانصٍ :
حتى إذا ما اختارهَا (١) تَكَرّسا
يعنى : عَلِم. ومنه يقالُ للعلماءِ: الكراسيّ. لأنهم المعتمَدُ عليهم، كما
يقالُ: أوتادُ الأرضِ. يعنى بذلك أنهم العلماءُ الذين تَصْلُحُ بهم الأرضُ، ومنه قولُ
(٢)
الشاعر(١) :
تَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوهِ وَعُصْبَةٌ
کَرَاسِیُ بالأحْداثِ حینَ تَنُوبُ
يعنى بذلك : علماءُ بحوادثِ الأمورِ ونوازلها .
والعربُ تسمّى أصلَ كلِّ شىءٍ الكِرْسَ ، يقالُ منه: فلانٌ كريمُ الكِرْسِ . أى :
كريمُ الأُصلِ، قال العَجَّائج().
قد علِمِ القُدُّوسُ مؤلَى القُدْسِ
أن أبا العباسِ أَوْلَى نَفْسٍ
بِمَعْدِنِ المُلْكِ القديمِ الكِرْسِ
(١) فى م: ((اجتازها)).
(٢) أساس البلاغة (ك رس) .
(٣) ديوانه ص ٤٨٧.
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((الكريم)).

٥٤٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
يعنى بذلك الكريمَ الأصلِ . ويُزْوَى :
فى مَعْدِنِ العِزِّ الكريم الكِرْسِ
[٥/٨ظ] القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ
اُلْعَظِيمُ
٢٥٥
١٢/٣
/ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَلَا يَتُودُهُ﴾: ولا يَشُقُّ عليه ولا يُثْقِلُه، يقالُ
منه: قد آدَنِى هذا الأمرُ، فهو يعودُنى أُوْدًا وإيادًا. ويقالُ: ما آدَك فهو لی آئِدٌ . يعنى
بذلك: ما أَثْقَلَك فهو لى مُثْقِلٌ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ
صالح، عن عليّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَا يُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ يقولُ : لا
ء
يَثْقُلُ عليه(١) .
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَا يَتُ حِفْظُهُمَاْ﴾ قال: لا يَثْقُلُ عليهِ حِفْظُهما.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا
يَُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ : لا يَتْقُلُ عليه ولا يُجْهِدُهُ حِفْظُهما .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى : قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٢/٢ (٢٦٠٦) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر.
المنثور ٣٢٨/١ إلى ابن المنذر.

٥٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
الحسنِ وقتادةَ فى قولِه: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قالا: لا يَثْقُلُ عليه شىء (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيع، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدِ السَّمْتُ ، قال :
ثنا نافعُ بنُ مالكِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يَُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ .
قال : لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةً ، وحدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال :
أخبرنا يزيدُ، قالا جميعًا: أخبرنا جُوبِيرٌ، عن الضَّحاكِّ: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا "
قال : لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما(٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، عن عُبيدٍ ، عن الضّحاكِ مثلَه .
حدَّثْنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: سمِعْتُه - يعنِى خَلّادًا - يقولُ:
سمِعْت أبا عبد الرحمنِ المَدِينَّ يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَاً﴾. قال:
لا يَكْبُر(٣) عليه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، عن عيسى بنِ ميمونٍ ، عن ابنٍ
أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ وَلَا يَُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ قال: لا يَكْرُثُه(٤).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَا يَتُودُهُ
حِفْظُهُمَا﴾. قال: لا يَثْقُلُ عليه(٥).
(١) تفسير عبد الرزاق ١٠٢/١ .
(٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣ ، س.
والأثر ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٢/٢ عقب الأثر (٢٦٠٧) معلقا .
(٣) فى ص، م، س: ((يكثر)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٤٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٢/٢ (٢٦٧) من طريق القاسم، عن
مجاهد ولفظه : لا یکرثه حتى يثقله .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٢/٢ عقب الأثر (٢٦٠٧) من طريق عمرو بن حماد به.

٥٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
حدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿ وَلَا
يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ . يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه حفظُهما(١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
يُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ . قال: لا يَعِزُّ عليه حِفْظُهما .
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ والألفُ من قولِه: ﴿حِفْظُهُمَا﴾. [٦/٨و] من ذِكْرٍ
السماواتِ والأرضِ. فتأويلُ الكلامِ: وَسِع ◌ُكُْسِيُّه السماواتِ والأرضَ، ولا يَثْقُلُ
عليه حِفْظُ السماواتِ والأرضِ .
أوأما تأويلُ قولِه: ﴿وَهُوَ اُلْعَلِىُّ﴾. فإنه يَعنِى: واللَّهُ العَلِىُّ.
والعلىُّ: الفَعِيلُ، من قولِك: علا يعلُو عُلُوًّا، إذا ارتفَع، فهو عالٍ وعَلِّ،
والعَلِيُ: ذو العُلُوِّ والارتفاعِ على خَلقِه بقُدرتِه .
وكذلك قولُه: ﴿اٌلْعَظِيمُ﴾: ذو العَظَمةِ ، الذى كلِّ شيءٍ دونَه، فلا شىءَ
أعظمُ منه .
كما حدَّثنى المثنّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن علىّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿اُلْعَظِيمُ﴾: الذى قد كَمُل فى
(٢)
عظمته(٢).
واختلف أهلُ البحثِ فى معنى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ ﴾ ؛ فقال بعضُهم: معنى
ذلك: وهو العَلِيُّ عن التُّظَرَاءِ والأَشْباهِ. وأنكروا أن يكونَ معنى ذلك: وهو العَلِىُّ
المكانِ . وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يخلُوَ منه مكانٌ ، ولا معنى لوصفِه بعُلُوٌّ المكانِ؛ لأن
ذلك وصفُه بأنه فى مكانٍ دونَ مكانٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٢/٢ (٢٦٠٧) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/١ إلى المصنف.

٥٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العَلِىُّ على خَلْقِه، بارتفاع مكانِه عن أماكنِ
خَلْقِه ؛ لأنه تعالی ذکرُه فوقَ جمیع خَلقِه ، وخَلقُه دونَه، كما وصف به نفسه أنه
على العرشِ، فهو عالٍ بذلك عليهم .
وكذلك اختلفوا فى معنى قوله: ﴿اٌلْعَظِيمُ﴾. فقال بعضُهم: معنى
((العظيمِ)) فى هذا الموضِع المُعَظِّمُ، صُرِف المُفَعَّلُ إلى فَعِيلٍ، كما قيل للخَمرِ
المُعْتَّقَةِ: خمرٌ عتيقٌ. كما قال الشاعرُ(١):
◌ِنْطِ(٢) تَمْزُوجَةٌ بِمَاءٍ زُلالٍ
وكأنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ من الإِشْـ
وإنما هى مُعَتَّقَةٌ، قالوا: فقوله: ﴿ اَلْعَظِيمُ﴾. معناه: المعظّمُ الذى يُعَظِّمُه
خَلْقُه ، ويَهابُونه ويَتَّقُونه . قالوا: وإنّما يَحتمِلُ قولُ القائلِ: هو عظیم. أحدً معنیَئِن ؛
أحدُهما : ما وصَفْنا من أنه مُعَظّمٌ . والآخرُ: أنه عَظيمٌ فى المساحةِ والوزنِ . قالوا : وفى
بُطولِ القولِ بأن يكونَ معنى ذلك أنه عَظيمٌ فى المساحةِ والوزنِ ، صحةُ القولِ بما قُلْنا .
وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿اَلْعَظِيمُ﴾. هو أن له عظمةٌ هى له صفةٌ .
وقالوا : لا نَصِفُ عَظمتَه بَكَثْفِيَّةٍ ، ولكنّا نُضِيفُ ذلك إليه من جهةِ الإثباتِ ، ونَنْفِی
عنه أن يكونَ ذلك على معنى مشابهةِ العِظَم المعروفِ من العبادِ ؛ لأن ذلك تشبيةٌ له
بِخَلقِه ، وليس كذلك . وأنكَر هؤلاءِ ما قاله أهلُ المَقَالةِ التى قدَّمنا ذكرها ، وقالوا : لو
كان معنى ذلك أنه مُعَظِّمٌ ، لوجب أن يكونَ قد كان غيرَ [٦/٨ظ] عظيم قبلَ أن يَخلُقَ
الخلْقَ، وأن يَبْطُلَ معنى ذلك عندَ فَناءِ الخَلقِ؛ لأنه لا مُعَظِّمَ له فى هذه الأحوالِ .
وقال آخرون: بل قولُه: إنه العظيمُ. وَصْفٌ منه نفسَه بالعِظَم ، وقالوا : كلَّ ما
(١) البيت للأعشی الكبير، وهو فی دیوانه ص ٥.
(٢) الإسفنط : أجود الخمر وأعلاها . القاموس المحيط (س ف ط).
( تفسير الطبرى ٣٥/٤ )
٠٠

٥٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
دونَه من خلقِه بمعنى الصِّغَرِ ؛ لصِغَرِهم عن عِظَمِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ فَدَ تَبَيَّنَ الُّشْدُ مِنَ الْفَيَّ﴾.
١٤/٣
/ اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ فى قومٍ
من الأنصارِ - أو فى رجلٍ منهم - كان لهم أولادٌ قد هَوَّدُوهم أو نَصَّرُوهم ، فلما
جاء اللَّهُ بالإسلام أرادوا إكراهَهم عليه، فنهاهم اللَّهُ عن ذلك حتى يكونوا هم
يختارُون الدخولَ فى الإسلامِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن شُعبةً، عن أبى بشرٍ، عن
سعيدِ بنِ تجبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كانت المرأةُ تكونُ مِقْلاتًا ، فتجعلُ على نفسِها إن
عاش لها ولدٌ أن تُهَوِّدَه ؛ فلما أَجْلِيَتْ بنو النَّضيرِ كان فيهم من أبناءِ الأنصارِ ، فقالوا : لا
ندَمُ أبناءَنا. فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَآ إِكْرَاءَ فِي الدِّينِّ قَدَ تَبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْفَيَّ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةٌ(٢) ، عن أبى بِشرٍ،
عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ) ، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلَی ؛ لا یعیشُ لها
ولدٌ - قال شعبَةُ : وإنما هى مِقْلاتٌ - فتجعلُ عليها إن بَقِىَ لها ولدٌ لَتُهَوِّدَنَّه، قال: فلمّا
أَجْلِيَتْ بنو النَّضيرِ كان فيهم منهم ، فقالت الأنصارُ: كيف نَصنعُ بأبنائنا؟ فنزلت هذه
(١) أخرجه أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائی فی الکبری (١١٠٤٩)، والنحاس فى ناسخه ص ٢٥٩ من طريق
محمد بن بشار به، وأخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٥٧، ٥٨ من طريق ابن أبى عدى به ، وأخرجه
أبو داود (٢٦٨٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٤٨)، والطحاوى فى شرح المشكل (٦١١٤)، وابن أبى
حاتم فى تفسيره ٤٩٣/٢ (٢٦٠٩)، وابن حبان (١٤٠)، والبيهقى ١٨٦/٩، والواحدى فى أسباب النزول
ص ٥٨ من طريق شعبة به .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((سعيد).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.

٥٤٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
الآيةُ: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾. قال: من شاء أن يُقِيمَ أقام ،
ومن شاء أن يَذْهبَ ذهَب(١).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ ، قال: ثنا بِشرُ بنُّ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، وحدَّثنی
يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن عامٍ، قال: كانت المرأةُ من الأنصارِ
تكونُ مِقْلاًا؛ لا يعيشُ لها ولدٌ ، فتنذِرُ إن عاش ولدُها أن تجعلَه مع أهلِ الكتابِ على
دينهم، فجاء [٧/٨و] الإسلامُ وطوائفُ من أبناءِ الأنصارِ على دينِهم، فقالوا: إنما
جعَلْناهم على دينهم ونحن نَرى أن دينَهم أفضلُ من دينِنا، وإذا جاء اللَّهُ بالإسلام
فَلَتُكْرِهَنَّهم. فنزلتْ: ﴿لَآ إِكْرَاءَ فِ الدِّينِّ﴾. فكان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهوديةَ
والإِسلامَ، فمَن لَحِقٍ بهم اختارَ اليهوديةَ، ومن أقام اختارَ الإسلامَ. واللفظُ لحديثٍ
(٢)
محمَيدٍ(٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ
داودَ، عن عامرٍ بنحوِ معناه، إلا أنه قال: فكان فصلَ ما بينَهم إجلاءُ رسولِ اللَّهِ عَفَعِ
بنى النَّضيرِ، فَلَحِق بهم من كان يهوديًّا ولم يُشْلِمْ منهم، وبَقِىَ مَن أَسلمَ(٣).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامٍ بنحوِه،
إلا أنه قال: إجلاءُ النَّضيرِ إلى خيبَرَ، فمن اختارَ الإسلامَ أقامَ، ومن حَرِه ◌َحِقٍ
بخيبر .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنٍ(٣) إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى
(١) قوله: من شاء أن يقيم أقام، ومن شاء أن يذهب ذهب. من قول سعيد بن جبير.
(٢) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٤٠٠، وابن الجوزى فى النواسخ ص ٢١٧ من طريق داود به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٩/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أبى)).

٥٤٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
محمدِ الحَرَشُُّ(١) مولى زيد بن ثابتٍ، عن عكرمةً، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ قولَه: ﴿لَ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِّ﴾. قال: نزَلتْ فى رجلٍ من الأنصارِ من بنى سالمٍ
بن عوفٍ ، يقالُ له: الحُصَينُ. كان له ابنان نَصْرانِيّان، وكان هو رجلًا مسلمًا،
فقال للنبيّ عَلَّهِ: ألا أُسْتَكْرِهُهما، فإنهما قد أَبَيًا إلا النصرانيةَ؟ فأَنزل اللَّهُ فيه
(٢)
ذلك(٢) .
١ /حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا حَجّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن أبى بشرٍ،
قال: سألتُ سعيدَ بنَ مُجُبيرٍ عن قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِينِ ﴾ . قال : نزلتْ هذه فى
الأنصارِ ، قال : قلتُ : خاصةً؟ قال: خاصةً . قال : كانت المرأةُ فى الجاهليةِ تَنذِرُ إِن
ولَدت ولدًا أن تجعلَه فى اليهودِ ، تَلْتَمِسُ بذلك طولَ بقائِه. قال: فجاء الإسلامُ
وفيهم منهم؛ فلمَّا أُمْلِيَت النضيرُ قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أبناؤُنا وإخوانُنا فيهم . قال:
فسكَت عنهم رسولُ اللَّهِ يَّهِ، فَأَنزل اللَّهُ: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى الْذِينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ
اَلْفَيَّ﴾. قال: فقال رسولُ اللَّهِ وَلِ: ((قد خُيِّرَ أصحابُكم، فإن اختارُوكم فهم
منكم، وإن اختاروهم فهم منهم)). قال: فأجلَوهم معهم(١) .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ قولَه:
﴿لََّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِّ قَد ◌ََّبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ إلى ﴿لَا أَنْفِصَامَ لَماً﴾. قال: نزَلتْ
فى رجلٍ من الأنصارِ يقالُ له: أبو الحُصَينِ. كان له ابنان، فَقَدِم تُجَارٌ من الشامِ إلى
(١) فى الأصل: ((الجرش)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ٤٥٩، وابن حجر فى الإصابة ٩٥/٢، ٩١/٧، عن ابن إسحاق به.
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٤٢٨ - تفسير)، والطحاوى فى المشكل (٦١١٥)، والخطابى فى
غريب الحديث ٣/ ٨٠، ٨١، والبيهقى ١٨٦/٩ من طريق أبى عوانة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣٢٩/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
المدينةِ يَحمِلون الزيتَ، فلما باعُوا وأرادُوا أَن يَرجِعوا، أتاهم ابنا أبى الحُصينِ،
فدعَوْهما إلى النصرانيةِ فتَنَصَّرا، ورجَعا إلى الشامِ معهم ، فأتى أبوهما إلى رسولِ اللهِ
عَ لَِّ، فقال: إن ابنىَّ [٧/٨ظ] تَنَصَّرا وخَرَجا، فاطْلُبُهما. فقال: ((﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِى
الدِّينِ﴾)). ولم يُؤْمَرْ يومئذٍ بقتالِ أهلِ الكتابِ. وقال: ((أَبعَدَهما اللَّهُ، هما أوَّلُ مَن
كفَر )). فوجَد أبو الحصينِ فى نفسِه على النبىِّ ◌َّهِ حين لم يَبْعَثْ فى طَلَبِهما، فأنزل
اللَّهُ: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
يَجِدُواْ فِيّ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ثم
إنه نُسِخ: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِىِ الذِينِّ﴾ . فَأَمِرِ بقتالِ أهلِ الكتابِ(١) فى سورةٍ
(٢)
(( براءة )) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
ء
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِ﴾. قال: كانت النَّضِيرُ يهودًا
٣)
أَرضَعوا رجالاً من الأوسِ، فلما أُمِرِ النبيُّ عَّهِ بإجلائِهم، قال أبناؤهم من الأوسِ:
لَذْهَبَنَّ معهم، ولَنَدِينَنَّ بدينِهم. فمنَعهم أهلُوهم، وأَكْرَهُوهم على الإسلامِ ، ففيهم
نزَلَتْ هذه الآيةُ(٤).
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
ثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِى
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((القتال)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٤/٢ عقب (٢٦١٥)، وأبو داود فى ناسخه - كما فى تهذيب
الكمال - ١٠٢/٥، من طريق عمرو بن حماد به، وعزاه السيوطى فى الدرر المنثور ٣٢٩/١، إلى ابن المنذر.
(٣ - ٣) فى ص: ((كانت اليهود يهودًا))، وفى م: ((كانت فى اليهود يهود)).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٢٩ - تفسير) من طريق ابن أبى نجيح به بنحوه ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٢٩/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

٥٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
اُلْدِيْنِ﴾. قال: كان ناسٌ من الأنصارِ مُسْتَرضَعِين فى بنى قريظةً، فأرادُوا أن
يُكْرِهوهم على الإسلامِ، فنزَلتْ: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ
الْغَيَّ﴾(١).
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنی حجاج ، عن ابن جريج، قال : قال
مجاهد : کانت النّضیر یھودًا ، فأَرْضَعُوا . ثم ذكّر نحوَ حديثٍ محمدٍ بن عمرو،
عن أمی عاصم. قال ابنُ جريجٍ: وأخیرنی عبدُ الکرم ، عن مجاهدٍ أنهم كانوا قد
دانوا(١) بدينهم أبناءُ الأوْسِ ؛ دانُوا بدينِ النَّضيرِ(١).
حدَّثنی المثنّی ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبی جعفر ، عن أبيه، عن داود
١٦/٣ ابن أبى هندٍ، عن / الشعبىِّ أن المرأةَ من الأنصارِ كانت تَنْذِرُ إن عاش ولدُها لَتَجْعَلَنَّه
فى أهلِ الكتابِ ، فلمّا جاء الإِسلامُ قالت الأنصارُ: يا رسولَ اللَّهِ ، ألا نُكْرِهُ أولادنا
الذين هم فى يهودَ على الإسلام ، فإنَّا إنما جعَلْناهم فيها ونحن نرى أن اليهوديةَ أفضلُ
الأديانِ، ( فأما إذا جاء اللَّهُ بالإسلامِ، أفلا تُكْرِهُهم على الإسلامِ؟ فأنزل الله تعالى
ذكرُه: ﴿لََّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَدَ تَّبَّيَّنَ الرُّشْهُ مِنَ الْنَيَّ﴾(٥).
حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ، عن الشعبىِّ
بمثلِه، وزاد فيه: قال: كان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهودَ منهم، وبينَ مَن اختارَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٣/٢ (٢٦١١)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٥٩ ، وابن
الجوزی فی النواسخ ص ٢١٨ من طريق سفيان به .
(٢) فى م: ((دان)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٩/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤ - ٤) فى ص: ((فلما إذ))، وفى م: ((فلما أن)).
(٥) تقدم ص ٥٤٧.

٥٥١
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
الإسلامَ، إجلاءُ بنى النَّضيرِ، فمَن خرَج مع بنى النَّضيرِ كان منهم، ومن ترَكهم
اختارَ الإسلامَ .
[٨/٨و] حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿لَا إِكْرَاهَ فِىِ الْدِيْنِ﴾. إلى قولِه: ﴿بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: هذا منسوخٌ (١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيع الرازىُّ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ،
ووائلٍ، عن الحسنِ، أن ناسًا من الأنصارِ كانوا مُسترضَعِين فى بنى التَّضيرِ، فلما
أُعْلُوا، أراد أهلُوهم أن يُلْحِقُوهم بدينهم، فنزلتْ: ﴿لَ إِكْرَاهَ فِ الّذِينِّ﴾(١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُكْرَهُ أهلُ الكتابِ على الدينِ إذا بذلوا
الجِزْيَةَ، ولكنّهم يُقَرُّون على دينهم. وقالوا: الآيةُ فى خاصِّ من الكفارِ ، ولم يُنْسَخْ
منها شىءٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿ لَآ إِكْرَاهَ فِى
اُلِّيْنِ قَد تََّيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ ﴾ قال: أُكْرِة عليه هذا الحىُّ من العربِ؛ لأنهم كانوا
أُمّةً أُمَّةً ليس لهم كتابٌ يَعرِفُونه، فلم يُقْبَلْ منهم غيرُ الإسلامِ، ولا يُكرَّهُ عليه أهلُ
الكتابِ إذا أقرُّوا بالجِزْيةِ أو بالخَرَاجِ ولم يُفْتَنُوا عن دينهم ، فخُلِّىَ (٣) عنهم(٤).
(١) ينظر التبيان ٢/ ٣١١.
(٢) أثر مجاهد تقدم تخريجه فى ص ٥٤٩، ٥٥٠، وأثر الحسن أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤٣٠ -
تفسیر) ، عن سفيان به .
(٣) فى م: ((فيخلى)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ١٠٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٣/٢ (٢٦١٢) من طريق معمر،
عن قتادة .

٥٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ ، قال : ثنا سليمانُ ، قال: ثنا أبو هلالٍ ، قال: ثنا قتادةُ
فى قوله: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِىِ الذِيْنِ﴾. قال: هو هذا الحىّ من العربِ أكْرِهوا على
الدينِ، لم يُقْبَلْ منهم إلا القتلُ أو الإسلامُ، وأهلُ الكتابِ قُبِلَتْ منهم الجِزْيةُ ولم
يُقْتَلُوا .
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال : ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن
مجوييٍ، عن الضخَّاكِ فى قولِه: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِ الذِينِ﴾. قال: أَمِر رسولُ اللَّهِ عَل
أن يُقاتِلَ جزيرةَ العربِ من أهلِ الأوثانِ، فلم يَقْبَلْ منهم إلا لا إلهَ إلا اللَّهُ أو السيفَ،
ثم أُمِر فى من سواهم بأن يَقْبَلَ منهم الجِزْيةَ، فقال: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ﴾. قال: كانت العربُ ليس لها دِينٌ،
٥
فأَكْرِهوا على الدينِ بالسيفِ. قال: ولا يُكرّهُ اليهودُ والنصارَى والمجوسُ إذا أعطَوُا
.(٢)
الجزيةً(١) .
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ عُبينةً ، عن
ابنِ أبى نَجيح، قال: سمِعْتُ مجاهدًا يقولُ لغلام له نصرانيّ: يا جريرُ أَسْلِمْ. ثم
قال : هكذا كان يقالُ لهم(٣).
١٧/٣
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٢/ ٣١١، وابن عطية فى المحرر الوجيز ١٩٦/٢، والقرطبى فى تفسيره
٢٨٠/٣.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٣/٢ (٢٦١٢)، عن الحسن بن يحيى
به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٣٠/١ إلى عبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٠٢/١، ١٠٣، وأخرجه سعيد بن منصور (٤٢٩ - تفسير) عن سفيان بن
عيينة به .

٥٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى [٨/٨ظ] عمى، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى الْدِيْنِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ ﴾ قال:
فذلك لمّ دخَل الناسُ فى الإسلامِ، وأَعْطَى أهلُ الكتابِ الجِزْيَةَ(١).
وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ ، وإنّما نزَلتْ قبلَ أن يُفْرَضَ القتالُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرَنى يعقوبُ
ابنُ عبدِ الرحمنِ الزُّهْرِىُّ، قال: سألتُ زيدَ بنَ أَسلمَ عن قولِ اللَّهِ تعالى ذكره :
﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الْذِينِ﴾. قال: كان رسولُ اللَّهِ عْ لِ بمكةَ عشرَ سنينَ لا يُكْرِهُ أحدًا
فى الدينِ، فأبى المشرِكون إلا أن يُقَاتِلُوهم، فاستأْذَنَ اللَّهَ فى قتالِهم، فأَذِن له (٢) .
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال : نزَلتْ هذه الآيةُ فى خاصٍّ من
الناسِ. وقال: عنَى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِ﴾. أهلَ الكتابَين
والمجوسَ، وكلَّ مَن جاز(٢) إقرارُه على دينِه المخالفِ دينَ الحقِّ، وأَخْذُ الجزيةِ منه.
وأنكر(٤) أن يكونَ منها شىءٌ منسوخٌ (٥).
وإنّما قلْنا: هذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ ؛ لما قد دَلِّلْنا عليه فى كتابِنا
((اللطيفِ من البيانِ عن أصولِ الأحكام))، مِن أَنَّ الناسخَ غيرُ كائنٍ ناسخًا إلا ما نَفَى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٥/٢ (٢٦١٧)، وابن الجوزى فى النواسخ ص ٢١٨ من طريق
محمد بن سعد به .
(٢) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ١٩٦/٢ عن الزهرى، عن زيد بن أسلم، وذكره النحاس فى ناسخه
ص ٢٥٨ عن زيد بن أسلم .
(٣) فى م، ت ٢، س: (( جاء)).
(٤) فى ص، م، س: ((أنكروا)).
(٥) فى م: ((منسوخًا)).

٥٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
حكمَ المنسوخ ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما " فيما قد كان ظاهرُه العمومَ من الأمرِ والتَّهْي
وباطنُه الخصوصَ، فهو من الناسخ والمنسوخ بمَعْزِلٍ . وإذا كان ذلك كذلك، وكان
غیر مستحيل أن يقال : لا إكراه لأحدٍ من أُخِذَتْ منه الجزیةُ فی الدینِ . ولم یکنْ فى
الآيةِ دليلٌ على أن تأويلَها بخلافٍ ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نَقَلُوا عن نبيِّهم
وَلِ أنه أَكْرَه على الإسلام قومًا، فَأَتَى أَن يَقْبَلَ منهم إلا الإسلامَ وحَكُم بقَتْلِهم إن
امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشر کی العرب، و کالمرتدّ عن دينه، دینِ
الحقِّ ، إلى الكفرِ، ومَن أَشبههم، وأنه ترَك إكراهَ آخرِين على الإسلامِ بِقَبُولِه الجِزْيةً
منه ، وإقرارِه على دينه الباطلِ، وذلك كأهلِ الكتابَيْن والمجوسِ ومَن أشبههم -
كان بيِّنًا بذلك أن معنَى قوله: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِىِ الدِّينِ﴾ . إنما هو: لا إكراه فى الدينِ
لأحدٍ ممن حَلَّ قبولُ الجِزْيةِ منه، بأدائِه الجزيةَ، ورضاه بحكم الإسلامِ. وألا معنَى
لقولٍ مَن زعَم أن الآيةَ منسوخةُ الحكم بالإذنِ بالمحاربةِ .
فإن قال قائلٌ : فما أنت قائلٌ فیما ژُوِی عن ابنِ عباسٍ وعمَّن رَوی عنه ، من
أنّها نزَلتْ فى قومٍ من الأنصارِ أرادُوا أن يُكْرِهوا أولادهم على الإسلام؟ قلنا: ذلك
غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنزِلُ فى خاصٍّ من الأمرِ، ثم يكونُ حُكْمُها [٥٩/٨]
عامًّا فى كلِّ ما جانَس المعنَى الذى أُنزِلِتْ فيه ، فالذين أُنزِلتْ فيهم هذه الآيةُ ، على ما
ذكَر ابنُ عباسٍ وغيرُه ، إنما كانوا قومًا دانُوا بدينِ أهلِ التوراةِ ، قبلَ ثُبُوتِ عَقْدِ أهلِ
الإسلامِ لهم، فتَهَى اللَّهُ تعالى ذكرُه عن إكراهِهم على الإسلامِ، وأَنزَل بالتَّهي عن
١٨/٣ ذلك آیةً يَغُمُّ حُكْمُها كلَّ مَن كان / فى مثل معناهم ممن كان علی دینٍ من الأدیانِ
التى يجوزُ أخذُ الجزيةِ من أهلِها، وإقرارُهم عليها على النحوِ الذى قلْنا فى ذلك.
(١ - ١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((فأما ما)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، س.

٥٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
ومعنَى قولِه جل ثناؤه: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِى الْدِينِ﴾: لا يُكْرَّهُ أحدٌ فى دينِ الإسلامِ
عليه . وإنما أُدْخِلَت الألفُ واللامُ فى الدينِ تَغْرِيفًا(١) للدينِ الذى عنَى اللَّهُ بقولِه: لا
إكراه فيه. وأنه هو الإسلامُ. وقد يَحتمِلُ أن تكونا(٢) أَدْخِلتَا عَقِيبًا من الهاءِ المُتَّوِيَّةِ فى
(الدین))، فیکونُ معنی الکلام حينئذٍ : وهو العلمُّ العظیمُ ، لا إكراه فی دینه ، قد
تَبَيَّنْ الرّشْدُ مِن الغَىِّ. وكان هذا القولَ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ عندى .
وأما قولُه جل ثناؤه : ﴿قَد تَبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. فإنه مصدرٌ من قولٍ
القائلِ: رَشَدْتُ فأنا أَرْشُدُ رُشْدًا ورشَدا ورَشادًا، وذلك إذا أصاب الحقَّ والصوابَ.
وأما ((الغَىُ))، فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد غَوَى فلانٌ فهو يَغْوِى غَيًّا
وغَوايةً. وبعضُ العربِ يقولُ: غَوِىَ فلانٌ يَغْوَى . والذى عليه قراءةُ القرأةِ: ﴿مَا
ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]. بالفتح، وهى أفصحُ اللَّغَتَين، وذلك إذا عدا
الحقَّ وتجاوزَه فضَلَّ.
فتأويلُ الكلامِ إذن : قد وَضَح الحقُّ من الباطلِ ، واستبان لطالبِ الحقِّ والرَّشادِ
وجهُ مَظْلَبِهِ، فَتَمَيَّرَ من الضَّلالةِ والغَوايةِ، فلا تُكْرِهُوا أحدًا(١) من أهلِ الكتابَين ومَن
أَبَحْثُ لكم أَخْذَ الجِزيةِ منه، على دينِكم دينِ الحقِّ ، فإنَّ مَن حادَ عن الرَّشادِ بعدَ
استبانتِه له ، فإلى ربِّه أمرُه، وهو ولىُّ عُقويتِه فى مَعادِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الطاغوتِ))؛ فقال بعضُهم: هو الشيطانُ .
(١) فى ص: ((تصريفًا)).
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((تكون)).
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.

٥٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، [٩/٨ظ] قال: ثنا سفيانُ ، عن
أبى إسحاقَ، عن حسانَ بنِ فائدِ العَبْسِىِّ قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ : الطاغوتُ
م (٢)
الشيطانُ(٢) .
حدّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنى ("ابنُ أبى عدى٣ٍّ)، عن شعبةً، عن أبى
إسحاقَ ، عن حسانَ بنِ فائدٍ ، عن عمرَ مثلَهُ(٤) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عمَّن
حدَّثه، عن مجاهدٍ ، قال : الطاغوتُ الشيطانُ(٥).
حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا زكريّا، عن الشَّعبىِّ، قال:
الطاغوتُ الشيطانُ(٦).
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جوييرٍ، عن الضّحّاكِ
فى قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: الطاغوتُ الشيطانُ(٦).
(١) فى م: ((العنسى)). وينظر التاريخ الكبير ٣٠/٣.
(٢) أخرجه ابن رستة فى كتاب الإيمان - كما فى تغليق التعليق ١٩٦/٤ - عن عبد الرحمن به، ومن طريق
ابن رستة أخرجه الحافظ فى التغليق، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٥/٢، ٩٧٥/٣ (٢٦١٨،
٥٤٤٩) من طريق سفيان به ، وعلقه البخارى ٥٧/٦ .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((ابن عدى)).
(٤) أخرجه عبد الرحمن بن رستة - كما فى التغليق ١٩٦/٤ - من طريقه شعبة به ، ومن طريقه الحافظ فى
التغليق ، وأخرجه عبد بن حميد - كما فى التغليق - وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧٥/٢ (٥٤٤٩) من طريق
شعبة به .
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٥/٢ عقب الأثر (٢٦١٨) معلقًا .
(٦) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧٥/٣ عقب الأثر (٥٤٤٩) معلقًا.

٥٥٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ : الطاغوتُ
بـ (١)
الشيطانُ(١) .
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ فى قولِه :
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾. قال: بالشيطانِ(١).
وقال آخرون : الطاغوتُ هو الساحرُ.
١٩/٣
/ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى ، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ ، عن أبى
العاليةِ أنه قال : الطاغوتُ الساحرُ(٣).
وقد خُولِف عبدُ الأعلى فى هذه الروايةِ ، وأنا ذاكرّ الخلافَ بعدُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ ، قال: ثنا حمادُ(٤) بنُ مَشْعدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن
محمدٍ ، قال: الطاغوتُ الساحرُ(٥).
وقال آخرون: بل الطاغوتُ الكاهنُ(٦).
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةٌ() ، عن أبى
(١) ينظر التبيان ٢/ ٣١٢، والمحرر الوجيز ٢/ ١٩٨.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٥/٢ عقب الأثر (٥٤٤٩) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) ذكره الطوسى فى التبيان ٢/ ٣١٢، وابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ١٩٨.
(٤) فى م، س: ((حميد)). وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٢٨٤.
(٥) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ١٩٨، وابن الجوزى فى زاد المسير ١/ ٣٠٦، وأبو حيان فى البحر
المحيط ٢/ ٢٨٢، كلاهما عن ابن سيرين معلقا .
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣، س: ((هو الكاهن)).
(٧) فى ص، م، س: ((سعيد).

٥٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ(١).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيع، قال:
الطاغوتُ الكاهنُ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ نجريجٍ: ﴿فَمَن
يَكْفُرْ بِالَّغُوتِ﴾ قال: كُهَانٌ تَزَّلُ عليها شياطينُ، يُلْقُون على ألسنتِهم
وقلوبهم، أخبرَنى أبو الزبير، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنه سمِعه يقولُ - وسُئل عن
الطواغيتِ التى كانوا يَتحاكَمُون إليها - فقال: كان فى جهينةَ واحدٌ ، وفى أُسلمَ
واحدٌ، وفى كلِّ حَىّ واحدٌ ، وهى كُهّانٌ يَنْزِلُ عليها الشيطانُ(٣).
والصوابُ من القولِ عندى فى الطاغوتِ أنه كلُّ ذى طُغْيانٍ طغى على
اللَّهِ [٠/٨ ١ و] فعُبِد مِن دونِه، إمّا بقَهْرٍ منه لمن عبده، وإما بطاعةٍ ممن عبده له؛
إنسانًا كان ذلك المعبودُ ، أو شيطانًا، أو وثنًا ، أو صَنَمًا، أو كائنًا ما كان من
شیءٍ .
وأَرى أن أصلَ الطاغوتِ : الطَّغَؤُوتُ ، من قولِ القائلِ: طغَا فلانٌ يَطْغُو. إذا
عَدَا قَدْرَه، فتجاوَزِ حدَّه، كالجَبَروتِ من التَّجَبُّرِ، (٢ والخَلَبُوتِ من الخَلْبِ"،
ونحو ذلك من الأسماءِ التى تأتى على تقديرِ ((فَعَلُوت)) بزيادةِ الواوِ والتاءِ ، ثم نُقِلَتْ
(١) ذكره الطوسى فى التبيان ٢/ ٣١٢، وابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ١٩٨، وابن الجوزى فى زاد المسير
٣٠٦/١.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧٦/٣ عقب الأثر (٥٤٥٣) معلقًا .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى التغليق ١٩٥/٤، ١٩٦ - من طريق وهب بن منبه ، عن جابر ، وأخرج
ابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٧٦/٣ (٥٤٥٢) شطره الأول من طريق حجاج به .
(٤ - ٤) فى ص، م: ((والحلبوت من الحلب)). وخلبه يخلبه خَلْبًا: خدعه. وهو خَلَبُوتْ: أى خدّاع.
القاموس المحيط (خ ل ب ).

٥٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
لامُه - أَعْنِى لامَ الطغَؤُوتِ - فجُعلَتْ له عَينًا، وحُوِّلَتْ عَينُه ، فجُعِلَت مكانَ لامِه ،
كما قيل : جَبَد وجَذَب، وجابِدٌ وجاذِبٌ، وصاعِقةٌ وصاقِعةٌ. وما أشبه ذلك من
الأسماءِ التى تأتى على هذا المثالِ .
فتأويلُ الكلام إذن : فمن يَجْحَدْ رُبوبِيَّةَ كلِّ معبودٍ من دونِ اللَّهِ، فِيَكْفُرْ به
﴿ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ يقولُ: ويُصدِّقْ باللَّهِ أنه إلهُه وربُه ومعبودُه (١ دونَ غيرِه)،
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يقولُ: فقد تمسّك بأَوثقِ ما يَتَمَسَّكُ به مَن
طلَب الخلاصَ لنفسِه مِن عذابِ اللَّهِ وعقابه .
كما حدَّثنى أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ يعقوبَ الكندىُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الولیدِ ،
قال : ثنا ابنُ أبي مريمَ، عن محُميدِ بنِ عُقبةَ، عن أبى الدَّرْداءِ، أنه عاد مريضًا من
جِيرِه، فوجَده فى السَّوْقِ (١) وهو يُغَزْغِرُ، لا يَفْقَهون ما يريدُ ، فسألهم: يريدُ أن يَنْطِقَ؟
قالوا: نعم، يريدُ أن يقولَ: آمنْتُ باللَّهِ، وكفَوْتُ بالطاغوتِ. قال أبو الدَّرْداءِ: وما
عِلْمُكم بذلك؟ قالوا : لم يَزَلْ يُرَدِّدُها حتى انكسر لسانُه، فنحن نعلمُ أنه إنما يريدُ أن يَنْطِقَ
بها. فقال أبو الدَّرْداءِ: أفلَح صاحِبُكم، إن اللَّهَ يقولُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِلَّاغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوَّثْقَ لَا أُنْفِصَ لَهَاْ وَاللّهُ سَيْعُ عَلِيمٌ﴾ .
/القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
٢٠/٣
والعُزْوةُ فى هذا المكانِ مَثَلٌ للإيمانِ الذى اعْتَصَم به المؤمنُ، فشَبَّهه فى تَعَلُّقِه به
وتَسِكِه، بالمُمَسِّكِ بِعُروةِ الشىءِ الذى له عُروةٌ يُتَمَسَّكُ بها ، إذ كان كلُّ ذى عُروةٍ
فإَمَا يَتَعَلَّقُ مَن أرادَه بعُروتِه .
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) السوق : يقال: ساق المريض سوقا، إذا شرع فى نزع الروح. التاج (س وق).

٥٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٦
وجعَل جل ثناؤه الإِيمانَ الذى تَمَشَكَ به الكافرُ بالطاغوتِ المؤمنُ باللهِ ، مِن
أَوْثَقِ عُرَى الأشياءِ بقولِه: ﴿ اُلْوُثْقَى﴾.
و((الوُثْقَى)) فُعْلَى، [٠/٨ ١ ظ] مِن الوَثاقةِ، يقالُ فى الذكَرِ: هو الأَوْثَقُ. وفى
الأنثى: هى الؤُثْقَى. كما يقالُ: فلانٌ الأفضلُ، وفلانةُ الفُضْلَى.
وبنحوِ ما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ (١ فى قوله: ﴿فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
اُلْوُثْقَى ﴾.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. قال: الإيمانُ(٢).
حدَّثنى المثنّى ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ ، قال :
العُرْوةُ الوُثْقَى هو الإِسلامُ(١) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى
السوداءِ، عن جعفرٍ - يَعْنِى ابنَ أبى المغيرةِ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قوله: ﴿فَقَدِ
أَسْتَمْسَكَ بِلْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ(٤).
(١ - ١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٦/٢ (٢٦٢٧)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٣٠/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٦/٢ عقب الآثر (٢٦٢٧) من طريق عمرو بن حماد به .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٦/٢ عقب (٢٦٢٤) معلقا .