النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة البقرة : الآية ٢٥٣
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اُلْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُوح
اُلْقُدُسُِ﴾ .
/ يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اٌلْبَيِّنَاتِ﴾: وآتينا ٢/٣
عيسى ابن مريمَ الحُججَّ والأدلةَ على نبوتِه؛ من إبراءِ الأكْمَهِ والأبرصِ ، وإحياءٍ
الموتى، وما أشبه ذلك، مع الإنجيلِ الذى أَنزَلْتُه إليه ، فبَيَّنْتُ فيه ما فرَضْتُ عليه .
ويعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَأَيَّدْنَهُ﴾: وقوَّيْناه وأعنّاه. ﴿بُرُوح
اُلْقُدُسُِ﴾ يعنى : برُوحِ اللَّهِ، وهو جبريلُ.
وقد ذكرنا اختلافَ أهلِ العلمِ فى معنى (( رُوحِ القُّدُسِ))، والذى هو أَوْلَى
بالصوابِ من القولِ فى ذلك فيما مضى قبلُ ، فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا أُقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ
بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو أراد اللَّهُ ما اقْتَتَل الذين من بعدِهم. يعنى: من
بعدِ الرسلِ الذين وصفَهم بأنه فَضَّل بعضهم على بعضٍ، ورفَع بعضَهم
درجاتٍ ، وبعدِ عيسى ابنٍ مريمَ، وقد جاءهم من الآياتِ بما فيه مُزْدَجَرٌ لمن
هداه اللَّهُ ووفَّقَه .
ويَعنى بقولِه: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تُهُمُ الْبَيْنَتُ ﴾. يعنى: من بعدِ ما جاءَهم مِن
= (الميمنية)، والبزار (٣٤٦١ - كشف)، وابن حبان (٦٤٦٢) من حديث أبى ذر.
وأصله عند البخاری (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١). من حديث جابر.
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٢١/٢ وما بعدها .
(٢) بعده فى م، س: ((من بعد ما جاءتهم البينات)).

٥٢٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٣
آياتِ اللَّهِ ما أبانَ لهم الحقَّ ، وأوضحَ لهم السبيلَ .
وقد قيل: إن الهاءَ والميمَ فى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾. من ذكرٍ موسى
وعيسى .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾ يقولُ: من بعدٍ
موسی وعیسی (١).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيع قوله: ﴿ وَلَوْ
شَآءَ اللَّهُ مَا أَقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتَّهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾. يقولُ: من
بعدٍ موسى وعيسى(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَكِنْ أُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَن كَفَرَّ وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ مَا أَقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ
٢٥٣
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولكنِ اختلَف هؤلاءِ الذين مِن بعدِ الرسلِ لَمَّا لم يشأُ
اللَّهُ مِنهم تعالى ذكرُه ألَّا يَقْتَيِلُوا، فَاقْتَلُوا من بعدِ ما جاءتْهم البيّناتُ من عندِ ربِّهم،
بتحريمِ الاقتتالِ والاختلافِ ، وبعدِ ثبوتِ الحُجَّةِ عليهم بوَحْدانيةِ اللَّهِ ورسالةِ رسلِه
ووَحْىٍ كتابِهِ ، فكفَر باللّهِ وبآياتِه بعضُهم، وآمَن بذلك بعضُهم. فأخبر تعالى ذكرُه
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/١، إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٥/٢ (٢٥٦٢) من طريق ابن أبى جعفر به.

٥٢٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٤
أنهم ( أَتَوْا ما أَتَوْا١) من الكفرِ والمعاصى بعدَ علمِهم بقيامِ الحجة عليهم بأنَّهم على
خطأٌ ، تَعَهُدًا منهم للكفرِ باللّهِ وآياتِه. ثم قال تعالى ذكرُه لعبادِهِ: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ
مَا أَقْتَتَلُواْ﴾. يقولُ: ولو أراد اللَّهُ أن يَحْجُزَهم بعِضْمَتِه وتوفيقه إيّاهم عن معصيته
فلا يَقْتَتِلُوا، ما اقْتَتَلُوا ولا اختلفوا، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ بأن يُؤَفِّقَ هذا
لطاعتِهِ والإِيمانِ به، فيُؤْمِنَ به ويُطِيعَه ، ويَحْذُلَ هذا فِيَكْفُرَ به ويَعْصِيّه .
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ ٣/٣
أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلٌَّ وَلَا شَفَعَةٌ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّلِمُونَ
(٢٥٤
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: يأيُّها الذين آمنوا أنفقوا فى سبيلِ اللَّهِ مما رزَقْناكم من
أموالِكم، وتصَدَّقُوا منها، وآتُوا منها الحقوقَ التى فَرَضْناها عليكم .
وكذلك كان ابنُ مجريجٍ يقولُ فيما بلغنا عنه(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ نجريج قولَه:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقْتَكُمْ﴾. قال: من الزكاةِ والتَّطَوُّعِ ".
مِّنْ قَبْلِ أَن يَأْتِى يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ ﴾ يقولُ: الذَّخِروا
لأنفسِكم عندَ اللَّهِ فى دنياكم من أموالِكم؛ بالنفقةِ منها فى سبيلِ اللَّهِ، والصدقةِ
على أهلِ المَسْكنةِ والحاجةِ ، وإيتاءٍ ما فرَض اللَّهُ عليكم فيها، وابتاعُوا بها ما عندَه مما
أعدَّه لأوليائه من الكرامة ، بتقديم ذلك لأنفسكم ، ما دام لکم السبيل إلى انتیاعه، بما
نَدَبْتُكم إليه وأمَرْتُكم به من النفقةِ من أموالِكم، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ﴾
(١ - ١) فى ص، ت ٢، س: ((أتوا ما أنزل))، وفى ت ١: ((أبوا ما أنزل)).
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٢: ((يقول)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ٣٢٢، إلى المصنف وابن المنذر.

٥٢٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٤
يعنى : مِن قبلِ مجىءٍ يومٍ ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ﴾ . يقولُ: لا تَقْدِرون فيه على انتياعِ ما كنتم
على ابتياعِه بالنفقةِ من أموالِكم التى أَمَوْتُكم بها(١) و(١)نَدَبْتُكم إليها ) فى الدنيا قادِرین ؛
لأنه يُومُ جزاءٍ وثوابٍ وعِقابٍ ، لا يومُ عملٍ واكتسابٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ ، فيكونَ لهم إلى
انْتِياعِ منازلِ أهلِ الكرامةِ بالنفقةِ حينئذٍ ، أو بالعمل بطاعةِ اللَّهِ ، سبيلٌ .
ثم أَعلَمهم تعالى ذِكرُه أن ذلك اليومَ - مع ارتفاع العملِ الذى يُنالُ به رضا اللَّهِ ، أو
الوصولُ إِلی کرامته بالنفقةِ من الأموالِ ، إذ کان لا مالَ هنالك یمکنُ إدراك ذلك به - یوم
لا مُخالَّةَ فيه نافعةٌ ، كما كانت فى الدنيا ، فإن خليلَ الرجلِ فى الدنيا قد كان يَنْفَعُه فيها
بالنُّصْرةِ له على من حاولَه بمكروهٍ وأرادَه بسُوءٍ، والمظاهرةِ له على ذلك. فآيَسَهم تعالى
ذكره أيضًا من ذلك؛ لأنه لا أحدَ يومَ القيامةِ يَنْصُرُ أحدًا من اللَّهِ، بل الأخِلَّاءُ بعضُهم
لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين، كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُهُ(٤). وأخبرهم أيضًا أنهم يومئذٍ - مع
فقدِهم السبيلَ إلى ابتياع ما كان لهم إلى ابتياعِه سبيلٌ فى الدنيا بالنفقةِ من أموالهم
والعملِ بأبدانهم، وعَدَمِهِم النُّصَراءَ من الخُلّانِ، والظَّهَراءَ من الإخوانِ - لاشافعَ
لهم يَشْفَئُ عند اللّهِ ، کما کان ذلك لهم فى الدنيا ، فقد كان بعضُهم يَشْفَعُ فى الدنيا
لبعضٍ بالقرابةِ والجوارِ والخُلّةِ ، وغيرِ ذلك من الأسبابِ ، فبطَل ذلك كلُّه يومئذٍ ،
كما أخبر تعالى ذكرُه عن قيلِ [٣٣٠/١] أعدائِه من أهلِ الجحيم فى الآخرةِ إذا
صارُوا فيها: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَفِعِينَ ﴿ وَلَا صَدِقٍ حَيٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] .
وهذه الآيةُ مَخْرَجُها فى الشفاعةِ عامٌ، والمرادُ بها خاصٍّ، وإنما معناه : من قبْلِ أن
يَأْتِىَ يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلّةٌ ، ولا شفاعةٌ لأهل الكفرِ بِاللَّهِ ؛ لأنَّ أهلَ ولايةِ اللَّهِ والإيمانِ به
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: (( به).
(٢) فى م: ((أو)).
(٣) فى النسخ: ((إليه)).
(٤) يشير إلى الآية (٦٧) من سورة الزخرف .

٥٢٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٤
يَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ. وقد بيَّنَا صحةً ذلك بما أَغنى عن إعادته فى هذا الموضعِ(١) .
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ،
عن قتادةً فى قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا / اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْنَِ يَوْمٌ لَّا ٤/٣
بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾: قد عَلِمِ اللَّهُ أن ناسًا يَتحابُّون فى الدنيا ، ويَشْفَعُ
بعضُهم لبعضٍ ، فأمّا يومُ القيامةِ فلا خُلَّةَ إِلا خُلَّةَ المتقِينَ(٢) .
وأما قولُه: ﴿ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. فإنه يعنى تعالى ذكرُه بذلك:
والجاحِدون للَّهِ المُكَذِّبُون به وبرسلِه ﴿هُمُ الَّلِمُونَ﴾، يقولُ: هم الواضِعون
مُجحودَهم فى غيرِ مَوْضِعِه ، والفاعلُون غيرَ ما لهم فعلُه ، والقائلون ما ليس لهم قولُه .
وقد دلِّلْنا على معنى الظلم بشواهدِه فيما مضى قبلُ بما أَغْنَى عن إعادتِهِ(٣).
وفى قولِه تعالى ذكرُه فى هذا الموضعِ: ﴿ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. دلالةٌ
واضحةٌ على صحةٍ ما قلْناه، وأن قوله: ﴿ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ ﴾ . إنما هو مرادٌ به
أهلُ الكفرِ ، فلذلك أتْبَعَ قَولَه ذلك: ﴿ وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ . فدلّ بذلك على
أن معنى ذلك: حَرَمْنا الكفّارَ النَّصْرَةَ من الأخِلَّاءِ، والشَّفاعةَ مِن الأولياءِ والأقرباءِ،
ولم نكنْ لهم فى فعلنا ذلك بهم ظالمِين، إذ كان ذلك جزاءً منَّا لما سلَف منهم من
الكفرِ باللَّهِ فى الدنيا ، بل الكافرون هم الظالِمُون أنفسَهم ، بما أَتَوْا مِن الأفعالِ التى
أَوجبوا لها العقوبةَ من ربِّهم .
فإن قال قائلٌ: وكيف صرّف الوعيدَ إلى الكفارِ والآيةُ مبتدَأَةٌ بذكرِ أهلِ
(١) ينظر ما تقدم فى ١/ ٦٣٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٥/٢ (٢٥٦٥)، من طريق يزيد بن زريع به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٢/١ إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١، ٥٦٠,

٥٢٦
سورة البقرة : الآيتان ٢٥٤، ٢٥٥
الإيمانِ؟
قيل له : إنَّ الآيَةَ قد تقدَّمها ذِكرُ صِنْفَين من الناسِ ؛ أحدُهما أهلُ كفرٍ،
والآخرُ أهلُ إيمانٍ، وذلك قوله: ﴿ وَلَاكِنٍ أُخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مِّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مِّنْ
كَفَرَّ﴾. ثم عقَّبَ اللَّهُ تعالى ذكرُه الصِّنْفَين بما ذكرهم به، بحَضِّ أهلِ الإيمانِ به
على ما يُقَرِّبُهم إليه من النفقةِ فى طاعتِه ، وفى جهادِ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به ، قبلَ
مجىءِ اليومِ الذى وصَف صِفَتَه، وأخبر فيه عن حالٍ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به ، إذ
كان قتالُ أهلِ الكفرِ به فى مَعْصِيَتِهِ، ونفقتُهم فى الصدِّ عن سبيلِه، فقال تعالى
ذكره : يأيها الذين آمنوا أنفقوا أنتم مما رَزَقْنا کم فى طاعتى، إذ كان أهلُ الکفرِ بی
يُنْفِقُون فى مَعْصِيَتِى من قبلِ أن يأتىَ يومٌ لا بيعٌ فيه، فَيَدْرِكَ أهلُ الكفرِ فیه ابتیاعَ ما
فَطُوا فى ابتياعِه فى دنياهم ، ولا خُلَّةٌ لهم يومئذٍ تَنْصُرُهم منى ، ولا شافعٌ لهم يَشْفَعُ
عندى فتنِّيَهم شَفَاعتُه لهم من عقابى، وهذا يومئذٍ فعلى بهم جزاءً لهم على
كفرِهم، وهم الظالمون أنفسَهم دونى؛ لأنى غيرُ ظلَّامٍ لعَبِيدى .
وقد حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ، قال: ثنى عمرُو بنُ أَبِى سَلَمةً ، قال :
سَمِعْتُ عمرَ بنَ سليمانَ يُحدِّثُ عن عطاءِ بنِ دينارٍ ، أنه قال : الحمدُ للَّهِ الذى قال:
وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ولم يَقُل: الظَّالمون هم الكافرون(٣).
[١٨ظ] "القولُ فى تأويل قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤه: ﴿اَللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ الْحَىُّ
الْقَيُّومُ
(١) فى م: ((فحض))، وفى ت ١، س: ((يحض)).
(٢) فى النسخ: ((فعل)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٥/٢ (٢٥٦٧)، من طريق عمرو بن أبى سلمة به .
* من هنا يبدأ الجزء الثامن من نسخة خزانة القروبين والمشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام أوراقها بين
معقوفين .

٥٢٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
قد دلَّلْنا فيما مضى على تأويلٍ قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤه: ﴿اَللَّهُ﴾(١).
/ وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾. فإن معناه النَّهْىُ عن أن يُعبدَ شىءٌ ٥/٣
غيرُ اللَّهِ الحىِّ القَيُّوم ، الذى صفّتُه ما وصَف به نفسَه تعالى ذكرُه فى هذه الآيةِ ،
يقولُ : اللَّهُ الذى له عبادةُ الخلقِ ، الحىُّ القيومُ، لا إلهَ سواه ، لا معبودَ سواه . يعنى:
فلا تعبُدوا شيئًا سوى (١) الحىّ القُّومِ الذى لا تأخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ ، والذى صفتُه ما
وصف فى هذه الآيةِ .
وهذه الآيةُ إبانةٌ من اللَّهِ جلّ ثناؤه للمؤمِنين به وبرسولِه، عما جاءت به(٢)
المختلِفِينُ() البيناتُ من بعدِ الرسلِ التى (٥) أخبَرَنا تعالى ذكرُه أنه فضَّل بعضَهم على
بعضٍ . واختلفوا فيه ، فاقتتلُوا فيه كفرًا به من بعضٍ ، وإيمانًا به من بعضٍ، فالحمدُ للَّهِ
الذى هدانا للتصديقِ به ، ووقَّقَنا للإقرارِ به .
وأما قولُه: ﴿اَلْحَىُّ﴾. فإنه يَعنِى: الذى له الحياةُ الدائمةُ ، والبقاءُ الذى لا
أوّلَ له بحَدٍّ(١)، ولا آخرَ له بأمَدٍ (٧)، إذ كلُّ ما سواه فإنه وإنْ كان حيًّا فِلِحياتِهِ أوَّلٌ
محدودٌ، وآخرٌ تَمْدودٌ(٨) ، يَنْقَطِعُ بانقطاعِ أمدِها ، وينقَضِى بانقضاءٍ غايتِها .
وبما قلْنا فى ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ .
(١) ينظر ما تقدم فى ١/ ١٢١.
(٢) فى م: (( سواه)).
(٣) بعده فى م: ((أقوال)).
(٤) بعده فى م: ((فى)) .
(٥) فى م: ((الذین)) .
(٦) فى م: ((يحد)).
(٧) فى م: ( یؤمد)) .
(٨) فى م، س: ((مأمود)) .

٥٢٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
ذكر من قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبِيعِ
قولَه: ﴿ اَلْحَىُّ﴾: حىٍّ لا يموتُ (١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
مثله .
وقد اختلف أهلُ البحثِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما سمَّى اللَّهُ جل
وعزّ نفسَه حيًّا؛ لصَرْفِه الأمورَ مَصارفَها، وتقديرِه الأشياءَ مقاديرَها، فهو حىٌّ
بالتدبيرِ لا بحياةٍ .
وقال آخرون : بل هو حىٍّ بحياةٍ هى له صفةٌ .
وقال آخرون: بل ذلك اسم من الأسماءِ تَسَمَّى به، فقُلْناه تسليمًا لأمرِه .
وأما قولُه: ﴿اَلْقَيُّوُمْ﴾. فإِنه الفَيْعُولُ من القيامِ ، وأصلُهُ القِيْؤُومُ ، سبَق عينَ
الفعلِ - وهى [٢/٨ و] واوٌ - ياءٌ ساكنةٌ، فانْدَغَمتا فصارتا ياءً مشددةٌ ، وكذلك تفعلُ
العربُ فى كلِّ واوٍ كانت للفعلِ عينًا سبَقَتْها ياءٌ ساكنةٌ .
ومعنى قوله: ﴿اَلْقَيُّوُمُ﴾: القائمُ برزْقِ ما خلَق وحِفْظِهِ، كما قال
ج
ءِ
أُمَيةٌ(٢) :
لم تُخْلَقِ السماءُ والنُّجومُ
والشمسُ مَعْها قَمَرٌ يَعومُ(١)
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٦/٢ (٢٥٧١) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) دیوانه ص ٢٤، ٢٥.
(٣) فى م، س، والديوان: ((يقوم)).

٥٢٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
قَدَّرَهُ الْمُهَيْمِنُ القَيُّومُ والحشرُ والجَنَّةُ والجحيمُ
إلا لأمرٍ شأنُه عظيمُ
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٦/٣
/ ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن
ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿اَلْقَيُّوُ﴾. قال: القائمُ على كلِّ
* چ
(٢)
شىء .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ،
عن الربيع: ﴿اَلْقَيُّوُمْ﴾: فَيَّمُ على(٣) كلِّ شىءٍ، يَكْلَؤُه وَيَوْزُقُه
(٤)
ويَحْفَظُه(٤) .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال : ثنا أُسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ اَلْقَيُّومُ﴾: هو القائمُ(٥).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن تجويبٍ، عن
(١) فى الديوان: ((الحش)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٨ ، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٦/٢ (٢٥٧٣)، والبيهقى فى الأسماء
والصفات (٧٦)، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٩٦) من طريق ابن أبى نجيح به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٧/١ إلی آدم بن أبى إياس .
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٦/٢ (٢٥٧٢) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٥) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٥٧) من طريق عمرو بن حماد به بإسناد السدى المعروف
مرفوعا إلى النبى ێٍ .
( تفسير الطبرى ٣٤/٤ )

٥٣٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
الضّخَّاكِ: ﴿الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: القائمُ الدائمُ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿لَا تَأْخُذُمُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌّ﴾ .
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: لا يأخُذُه نُعاسٌ فِيَنْعَسَ ، ولا نَوْمٌ
فِيَسْتَثْقِلَ نومًا .
والوَسَنُ خُثورةُ النومِ(٢)، ومنه قولُ عدىٍّ بنِ الرّقَاعِ(٣):
فى عَيْنِهِ سِنَةٌ وليس بنائمٍ
وسنانُ أَقْصَدَهُ النُّعاسُ فِرَنَّقَتْ (٤)
ومن الدليل على ما قلْنا، من أنها خُثورةُ النومِ فى عينِ الإنسانِ، قولُ الأَعْشَى
ميمون بنِ قَيْسٍ(٥) :
بُعَيْدَ الوُقَادِ وعندَ الوَسَنْ
تُعاطِى الضَّجِيعَ إذا اسْتامَها (٢)
()وقولُه الآخرُ):
مِ فتَجْرِى خِلالَ شَوْكِ السَّيَّالِ(١٠)
باكَرَتْها الأغْرابُ(٩) فِى سِنَةِ النَّوْ
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٧٧/٢.
(٢) الخثورة : نقيض الرقة . اللسان (خ ث ر) والمراد ثقل النوم.
(٣) البيت فى مجاز القرآن ١/ ٧٨، والأغانى ٣١١/٩، والكامل ١٤٨/١.
(٤) رتَّق النومُ عينه: خالطها . اللسان ( ر ن ق ).
(٥) ديوانه ص ١٧.
(٦) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أقبلت)). وفى حاشية الأصل: ((ويروى: إذا أقبلت بعيد الرقاد
وقبل الوسن)) .
(٧ - ٧) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((النعاس وقبل)).
(٨ - ٨) فى ص: ((وقول الآخر))، وفى م، س: ((وقال آخر)). والبيت للأعشى أيضًا وهو فى ديوانه ص ٥.
(٩) الأغراب : واحده غرب - بسكون الراء - وهو القدح. اللسان (غ ر ب).
(١٠) السيال: شجر سبط الأغصان عليه شوك أبيض، أصوله أمثال ثنايا العذارى. اللسان (س ی ل).

٥٣١
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
يعنى عندَ هُبوبِها من النومِ وَسَنُ النومِ فى عينِها ، يقالُ منه : وَسِن فلانٌ فهو
يَوْسَنُ [٢/٨ظ] وَسَنًا وسِنةً، وهو وَسْنانُ، إذا كان كذلك.
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٧/٣
/ ذكر من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
عليّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَأْخُذُمُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: السِّنَّةُ
النُّعَاسُ، والنومُ هو النومُ().
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ﴾: السّنَةُ النُّعاسُ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ والحسنِ فى قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ : قالا : نَعْسةٌ .
حدَّثنى المثنّى ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ ، قال : حدثنا هُشيمٌ ، عن مجوييٍ ، عن
الضَّحاكِ فى قولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوٌْ﴾. قال: السِّنَةُ الوَسْنَةُ، وهو دونَ
النومٍ ، والنومُ الاستِثْقالُ(٢) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوييرٍ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٨٧، ٤٨٨ (٢٥٧٦، ٢٥٨١)، والبيهقى فى الأسماء والصفات
(٧٧)، من طريق عبد الله بن صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/١ إلى آدم بن أبى إياس وأبى
الشيخ فى العظمة .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٠٢/١.
(٣) أخرج ابن أبى حاتم شطره الثانى ٤٨٨/٢ (٢٥٨٢) من طريق جويبر به، وعلق شطره الأولى ٤٨٧/٢
عقب الأثر (٢٥٧٧).

٥٣٢
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
الضّحّاكِ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: السّنَةُ النُّعاسُ، والنومُ الاستِثْقَالُ (١).
ج
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُويبرٌ، عن
الضَّحاكِ مثلَه سواءً .
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: أما السِّنَةُ، فهو رِيحُ النومِ الذى يأخُذُ فى
الوجهِ فِيَنْعَسُ الإنسانُ(٢) .
حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لَا تَأْخُذُهُ
سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ قال: السّنَةُ الوَسْنانُ بينَ النائمِ واليَقْظانِ(١).
حدَّثْنى عباسُ بنُ أبى طالبٍ ، قال : ثنا مِنْجابُ بنُ الحارثِ ، قال: أخبرنا علىُ بنُ
مُشْهِرٍ، عن إسماعيلَ، عن يحيى بنِ رافعٍ: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ قال: التَّعاسُ(٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿لَا
تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. قال: الوَسْنانُ الذى يقومُ من النومِ ولا يَعْقِلُ، حتى رِّما
أخَذ السيفَ على أهلِه (٥).
وإنما عنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: لا تَخُلُّه الآفاتُ،
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٢٣)، من طريق جويبر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/١ إلى
عبد بن حميد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٧/٢ (٢٥٧٧) من طريق عمرو بن حماد به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٣٢٧/١، إلى عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٧/٢ (٢٥٧٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (١٢٢) من طريق على بن مسهر به .
(٥) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٢/ ١٩٠، والقرطبى فى تفسيره ٢٧٢/٣.

٥٣٣
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
ولا تَنَالُه العاهاتُ . وذلك أن السِّنَةَ والنومَ معنَيَان يَغْمُران فَهْمَ ذى الفهْم ، ويُزيلان
مَن أصاباه عن الحالِ التى كان عليها قبلَ أن يُصيباه .
[٣/٨و] فتأويلُ الكلام إذ كان الأمرُ كما وصَفْنا: اللَّهُ لا إلهَ إلا هو الحىّ
الذى لا يموتُ، القَيُّومُ على كلِّ ما هو دونَه بالرزقِ والكَلاءةِ والتدبيرِ،
والتصريفِ من حالٍ إلى حالٍ ، لا تأخُذُه سِنَةٌ ولا نومٌ ، لا يُغَيِّرُه ما يُغَيِّرُ غيرَه، ولا
يُزِيلُه عما لم يَزَلْ عليه تَنَقُّلُ الأحوالِ ، وتَصَرُّفُ (١) الليالي والأيام، بل هو الدائمُ
على حالٍ ، والقَيُّومُ على جميع الأنامِ، لو نام لكان مغلوبًا مَقْهُورًا؛ لأن النومَ
غالبُ النائمِ قاهرُه، ولو وَسِن لكانت السماواتُ والأرضُ وما فيهما دَّا؛ لأن
قيامَ جميعِ ذلك بتَدْبِيرِه وقدْرتِه ، والنومُ شاغلُ المديِّرِ عن التدبيرِ، والتُّعاسُ مانعُ
(٢)
المقدِّرِ عن التقديرِ بوَسَنِه .
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا مَعْمرٌ،
قال: وأخبرنى الحَكَمُ / بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ ٨/٣
سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾: إنّ موسى سأَل الملائكةَ: هل ينامُ اللَّهُ؟ فأوْحَى اللَّهُ إلى الملائكةِ،
وأمرَهم أن يُؤَرِّقُوه ثلاثًا، فلا يَتركُوه ينامُ، ففعلوا، ثم أعطَوْه قارُورَتَين
فأمسكهما(٣)، ثم تَرَكوه وحَذَّرُوه أن يَكْسِرَهما. قال: فجعَل يَنْعُسُ وهما فى
يديه؛ فى كلِّ يدٍ واحدةٌ. قال: فجعَل يَنْعُسُ ويَنْتِهِ، ( وينعُسُ وينْتبِهُ" ، حتى
نَعَس نَعْسَةً، فضرَب إحداهما بالأخرى، فكسَرهما. قال مَعْمَرٌ: إنما هو مَثَلٌ
(١) فى م، س: ((تصريف)).
(٢) فى م، س: ((يمانع)).
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢، س: ((فأمسكوه)) .
(٤ - ٤) سقط من : الأصل ، ت٢، س.

٥٣٤
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
ضرَّبه اللَّهُ تعالى ذكرُه يقولُ: فكذلك السماواتُ والأرضُ فى يديْه(١).
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن أُمَيَّةَ بنِ شِبْلٍ،
عن الحَكَم بنِ أبانٍ، عن عكرمةَ، عن أبى هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَه
يَحْكِى عن موسى على المنبرِ، قال: ((وقَع فى نَفْسٍ موسى: هل ينامُ اللَّهُ؟
فأرسلَ اللَّهُ إليه مَلَكًا، فأَّقَه ثلاثًا، ثم أعطاهُ قارُورَتَين؛ فى كُلِّ يدِ قارورةٌ،
وأمَره أن يَحْتَفِظَ بهما. قال: فجعَل ينامُ وتكادُ يداهُ تَلْتَقيان، ثم يَسْتَيْقِظُ
ء
فيخْبِسُ إحداهما عن الأخرى، ثم نام نَوْمَةً فاصْطَفَقَتْ يداه فانْكَسَرتِ
القارورتان . قال: ضرّب اللَّهُ له مَثَلًا، أن اللَّهَ لو كان ينامُ لم تَسْتَمْسِكِ السماءُ
والأرضُ))(٢).
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: [٣/٨ظ] ﴿لَّمُ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَنْ ذَا
الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ،﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾. أنه مالكُ جميعِ
ذلك بغيرِ شريكٍ ولا نديدٍ ، وخالقُ جميعِه دونَ كلِّ آلهةٍ ومعبودٍ . وإنما يعنى بذلك
أنه لا تَنْبَغِى العبادةُ لشىءٍ سواه ؛ لأن المملوكَ إنما هو طوعُ يدِ مالكِه ، وليس له خدمةٌ
غيرِه إلا بأمرِهِ . يقولُ: فجميعُ ما فى السماواتِ والأرضِ مِلْكِى وخَلْقِى، فلا يَنبغِى
(١) تفسير عبد الرزاق ١٠٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٨/٢ (٢٥٨٤)، والخطيب ٢٦٨/١ من
طریق الحسن بن یحیی به .
(٢) أخرجه أبو يعلى (٦٦٦٩)، وابن الجوزى فى العلل المتناهية (٢٢) من طريق إسحاق بن أبى إسرائيل
به ، وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٩)، والخطيب ٢٦٨/١، وابن الجوزى فى العلل المتناهية
(٢٣) من طريق هشام بن يوسف به، وأخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٧٩) من طريق إسحاق
ابن أبى إسرائيل به لكنه من مسند ابن عباس . وهو حديث منكر. ينظر تاريخ بغداد ٢٦٨/١، والعلل
المتناهية ٢٧/١، ٢٨، وميزان الاعتدال ٢٧٦/١، ولسان الميزان ١/ ٤٦٧.

٥٣٥
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
أن يُعْبَدَ أحدٌ من خلقِى غيرى وأنا مالكُه؛ لأنه لا ينبغى للعبدِ أن يَخْدُمُ(١) غيرَ مالكِه،
ولا يُطیعَ سوی مولاه .
وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ،﴾. فإنه يعنى بذلك:
من ذا الذى يَشْفَعُ لمماليكِه إن أراد عقوبتهم إلا أن يُخلِّيَه ويأذنَ له بالشفاعةِ لهم .
وإنما قال ذلك جل ثناؤه لأن المشركين قالوا: ما نعبدُ أوثانَنا هذه إلا ليُقَرّبونا إلى
اللَّهِ زُلْفَى(٢). فقال اللَّهُ لهم: لى ما فى السماواتِ وما فى الأرضِ مع السماواتِ
والأرضِ مِلْكًا، فلا تَنبغِى العبادةُ لغيرِى، فلا تَعبُدوا الأوثانَ التى تزعمون أنها
تُقَرُِّكم منى زُلْفَى، فإنها لا تَنفَعُكم عندى، ولا تُغْنِى عنكم شيئًا، ولا يَشْفَعُ عندى
أحدٌ لأحدٍ إلا بتَحْلِيَتِى إِيَّه والشفاعةً لمن يَشْفَعُ له مِن رُسُلى وأوليائى وأهلِ طاعتِى .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيَدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِطُونَ
بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءٌ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك أنه المحيطُ بكلِّ ما كان وبكلِّ ما هو كائنٌ علمًا ، لا يَخْفَی
عليه شىءٌ منه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
٩/٣
/ ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحَكم: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ
أَدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمَّ﴾ الآخرة(٣).
(١) فى م، ص، س: ((يعبد)).
(٢) هذا تأويل الآية (٣) من سورة الزمر .
(٣) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢/ ٢٧٩.

٥٣٦
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
حدَّثنى [٤/٨ و] المثنَّى، قال: ثنا أبو محذَيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضى من الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من الآخرةِ().
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجْ، قال: قال ابنُ جريجِ
قولَه: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيَدِيهِمْ﴾: ما مضَى أمامَهم مِن الدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما
يكونُ بعدَهم من الدنيا والآخرةِ(٢) .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ:
﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: أما(١) ﴿ مَا بَيْنَ أَبْدِيهِمْ﴾ فالدنيا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ
و(٤)
فالآخرةُ(4).
وأما قولُه: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ، إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾. فإنه يَعْنِى تعالى
ذكرُه أنه العالِمُ الذى لا يَخْفَی علیه شىءٌ ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُخْصٍ له دون سائرٍ
مَن دونَه ، وأنه لا يعلَمُ أحدٌ سواه شيئًا إلا ما شاء هو أن يُغْلِمَه (" وأرادهْ) فعَلِمه.
وإنما يَغْنِى بذلك أن العبادةَ لا تَنبغِى لمن كان بالأشياءِ جاهلًا ، فكيف يُعْبَدُ مَن
لا يَعْقِلُ شيئًا البَتَّةَ مِن وَثَنِ وصَنَم؟ يقولُ: فأُخْلِصُوا العبادةَ لمن هو مُحيطٌ بالأشياءِ
كلِّها ، يَعْلَمُها ، لا يَخْفَى عليه صَغيرُها وكبيرُها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ .
(١) أخرج الشطر الأول ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٩/٢ (٢٥٨٨) من طريق أبي حذيفة به، وعلق الشطر
الثانى فى ٤٨٩/٢ عقب الأثر (٢٥٩٢).
(٢) ينظر التبيان ٣٠٩/٢، والبحر المحيط ٢٧٩/٢.
(٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٩/٢ (٢٥٨٨، ٢٥٩٢)، من طريق عمرو بن حماد به .
(٥ - ٥) فى ص: ((فأراده))، وفى م: ((فأراد)) .

٥٣٧
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ يقولُ: لا يَعْلَمُون بشىءٍ من عِلْمِه إلا بما
شاء هو أن يُعْلِمَھم .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَسِعَ كُرْسِتُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الكُرْسيِّ)) الذى أخبرَ اللَّهُ فى هذه الآيةِ أنه وَسِع
السماواتِ والأرضَ ؛ فقال بعضُهم: هو عِلْمُ اللَّهِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ وسَلْمُ بنُ جنادةَ ، قالا : ثنا ابنُ إدريسَ، عن مُطَرِّفٍ، عن
جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، [٤/٨ظ] عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَسِعَ
كُرْسِيُّهُ﴾ قال: كُرْسِيُّه عِلْمُه(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيٌ، قال: أخبَرَنا مُطَرِّفٌ ، عن جعفرٍ
ابنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه، وزاد فيه: ألا تَرَى إلى
قوله: ﴿ وَلَا يَقُودُهُ حِفْظُهُمَّاً﴾(٣)؟
وقال آخرون : الكُرْسِىُّ مَوْضِعُ القَدَمَين .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٠/٢ (٢٥٩٦، ٢٥٩٨) من طريق عمرو بن حماد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٠/٢ (٢٥٩٩)، من طريق ابن إدريس به، وأخرجه البيهقى فى
الأسماء والصفات ص (٢٣٣)، من طريق مطرف به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/١ إلى ابن
المنذر .
(٣) ذكره الذهبى فى ميزان الاعتدال ٤١٧/١ عن هشيم به .

٥٣٨
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثْنى علىُّ بنُ مُسلم الطُّوسيُّ، قال : ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ ، قال :
١٠/٣ ثنى أبى، قال: ثنا / محمدُ بنُ بجحَادةَ، عن سلمةَ بنِ كُهَيلٍ ، عن عمارةَ بنِ مُميرٍ ،
عن أبى موسى، قال: الكُرْسُّ مَوْضِعُ القدمين، وله أَطِيطٌ كأَطِيطِ الرَّحْلِ(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ﴾: فإن السماوات والأرضَ فى جوفٍ
الكُرْسِيِّ، والكُرْسِىُّ بين يَدَيِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ قَدَميْه(١) .
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ
قولَه : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَّ﴾ قال: كُرْسِيُّه الذى يُوضَعُ تحتَ العَرْشِ
الذى يَجْعَلُ الملوكُ عليه أقدامَهم(٣) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، عن سفيانَ ، عن عمارٍ
الدُّهْنِىّ، عن مسلم البَطِينِ، قال: الكَرْسِىُّ مَوْضِعُ القدمَيْن).
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٥٨٨)، ومحمد بن عثمان بن أبى شيبة فى كتاب العرش (٦٠)،
وأبو الشيخ فى العظمة (٢٤٧)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٨٥٩). من طريق عبد الصمد بن
عبد الوارث به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٧/١ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩١/٢ (٢٦٠٣) من طريق عمرو بن حماد به ، دون قوله : وهو موضع
قدميه .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٨/١ إلى المصنف.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم ٤٩١/٢ (٢٦٠١) من طريق أبى أحمد ، عن سفيان ، عن عمار، عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس قوله. وأخرجه الدارمى فى الرد على بشر المريسى ص ٦٧، ٧١ - ٧٤، وعبد الله بن
أحمد فى السنة (٥٨٦)، وابن خزيمة فى التوحيد ص ٧١ ، والحاكم ٢٨٢/٢ من طريق سفيان به من قول ابن
عباس ، وأخرجه عبد الله فى السنة (٥٩٠) من طريق عمار الدهنى، عن ابن عباس. قال ابن كثير: والأثر
محفوظ عن ابن عباس . البداية والنهاية ٢٣/١.

٥٣٩
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَسِعَ
كُرْسِيُّهُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَّ﴾ قال: لما نَزَلَتْ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَّ﴾
قال أصحابُ النبيِّ عَّهِ: يا رسولَ اللهِ، هذا الكُرْسِىُّ وَسِعَ السماواتِ والأرضَ،
فكيف العَرْشُ؟ فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قولِه :
﴿ سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(١) [ الز
[ الزمر: ٦٧ ] .
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَسِعَ
كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَّ﴾. قال: قال ابنُ زيدٍ: فحدَّثنى أبى، قال: قال رسولُ
اللَّهِ عَمِ: (( ما السماواتُ السَّبْعُ فى الكُرسيّ إلا كدراهمَ سَبْعةٍ أَلْقِيَتْ فى تُرْسٍ)).
قال: وقال أبو ذَرٍّ: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ يقولُ: ((ما الكُرسىُّ فى العَرشِ إلا
كحَلْقَةٍ من حديدٍ أَلْقِيَتْ بِينَ ظَهْرَىْ فَلاةٍ من الأرضِ)) (١).
وقال آخرون: الكُرْسِىُّ العَرْشُ نفسه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ ، قال: كان
الحسنُ يقولُ: الكُرْسِىُّ هو العَرْشُ(٤).
قال أبو جعفر : لكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ وجةٌ ومَذْهَبٌ ، غيرَ أن الذى هو
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩١/٢ (٢٦٠٤)، من طريق أبى جعفر به.
(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٢٤/١، وفى تفسيره ٤٥٧/١ عن المصنف ، وأخرجه أبو الشيخ فى
العظمة (٢٢٢) من طريق أصبغ بن الفرج ، عن ابن زيد به ، وقال ابن كثير فى البداية والنهاية : أول الحديث
مرسل، وعن أبى ذر منقطع ..
(٣) بعده فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((عن الضحاك)).
(٤) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية ٢٣/١، وفى تفسيره ٤٥٨/١ عن المصنف.

٥٤٠
سورة البقرة : الآية ٢٥٥
أَوْلَى [٥/٨و] بتأويل الآيةِ ما جاء به الأثرُ عن رسولِ اللهِ نَّهِ، وهو ما حدَّثنى به
عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادِ القَطَوانِىُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال : أخبَرَنا إسرائيلُ،
عن أبى إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَليفةَ، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ◌َِِّ فقالت: ادْعُ
اللَّهَ أن يُدْخِلَنى الجنةَ. فعظّم الربَّ عزّ وجلّ، ثم قال: ((إنَّ كُرسِيَّه وَسِعَ السَّماواتِ
والأرضَ، وإنَّه لَيَفْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مِقْدَارُ أَرْبَع أصابعَ)). ثم قال بأصابعِه
فجمعها: ((وإنَّ له أَطِيطًا كأَطِيطِ الرَّحْلِ الجَدِيدِ إِذَا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِهِ))(١) .
١١/٣
/ حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا يحيى بن أبى بُكَيرٍ(١)، عن إسرائيلَ، عن
أبى إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ خليفةَ، عن عمرَ، عن النبيِّ عَلِ نحوَهُ(٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى
إسحاقَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَليفةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ . فذكَر نحوَهُ(٤).
وأما الذى يدلُّ على صحته ظاهرُ القرآنِ ، فقولُ ابن عباسٍ الذى رواه جعفرُ ابنُ
أبى المغيرةٍ ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ عنه، أنه قال: هو عِلْمُهُ(١) . وذلك لدَلالةِ قوله جل
ثناؤه: ﴿ وَلَا يُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. على أن ذلك كذلك، فأخبَرَ أنه لا يُودُه حفظُ ما
عَلِم وأحاط به مما فى السماواتِ والأرضِ، وكما أخبر عن ملائكتِه أنهم قالوا فى
(١) أخرجه ابن خزيمة فى التوحيد ص ٧١، وأبو الشيخ فى العظمة (٢٦٢)، وابن الجوزى فى العلل المتناهية
(٢) من طريق إسرائيل به .
(٢) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣، س: ((بكر)).
(٣) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة ص ١٠٢ (٢٦٣) من طريق عبد الله بن أبى زياد به . وأخرجه ابن أبى عاصم
فى السنة (٥٧٤)، وعبد الله بن أحمد فى السنة (٥٨٥، ٥٨٧)، البزار (٣٢٥) من طريق يحيى بن أبى بكير
به . وينظر السلسلة الضعيفة (٨٦٦).
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٥٩٣) من طريق أبى أحمد به .
(٥) هذا مناقض لقول المصنف نفسه فى أول الصفحة .