النص المفهرس
صفحات 501-520
٥٠١ سورة البقرة : الآية ٢٥١ أبيه ، فمرَّ بحَجَرٍ ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى فى مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ ، فإنى حَجَرُ يعقوبَ. فأخَذه فجعَله فى مِخْلاتِهِ، (ثم مضَى)، فبَيْنا هو يمشِى إذ مرَّ بحجَرٍ آخَرَ، فقال : يا داودُ ، خُذْنى فاجعَلْنى فى مِحْلاتِك تقتُلْ بی جالوتَ ، فإنی حجژ إسحاقَ . فأخذه فجعله فى مِخْلاتِه ، ثم مضى ، فبينا هو یمشی إذ مرَّ بحجرٍ ، فقال : يا داودُ ، خُذْنى فاجعَلْنى فى مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ ، فإنى حجرُ إبراهيمَ. فأخَذه فجعَله فى مِخْلاتِه، ثم مضَى بما معه حتى انتهى إلى القوم ، فأعطَى إخوته ما يُعِث إليهم معه، وسَمِع فى العسكرِ خَوْضَ (١) الناسِ بذكرِ جالوتَ، وِظَم شأنِه فيهم ، وبهيبةِ الناسِ إِيَّه، ومما يُعَظِّمُون من أمرِه، فقال لهم: واللَّهِ إنكم لتعظِّمون من أمرٍ هذا العدوِّ شيئًا ما أدرى ما هو، واللَّهِ [٣٢٧/١ظ] لو أراه لقتَلتُه، فأدْخِلونى على المَلِكِ . فأُدْخِل على الملكِ طالوتَ ، فقال: أيُّها الملِكُ، إنى أراكم تُعَظِّمون شأنَ هذا العدوِّ، واللَّهِ إِنى لو أراه لقتَلْتُه. فقال: فَآتِنِى(٢) ما عندَك من القوَّةِ على ذلك، وما(4) جرَّبْتَ من نفسِك. قال: قد كان الأسدُ يَعْدُو على الشاةِ / من غَنِمی ، فأُدْرِ كُه فآخُذُ برأسِه ، فَأَفُكُّ لَخْبِهِ عنها، فآخُذُها مِن فِيه، فادْعُ لى بدِرْع حتى أَلْقِيَها علىّ. فَأُتِى بِدِرْعٍ فَقَذَفها على(٥) عُثُقِه، ومَثَل(٢) فيها فملأَ(٧) عينَ طالوتَ ونفسَه ومَن حضَره من بنى إسرائيلَ، فقال طالوتُ: واللَّهِ، لعسى اللَّهُ أن يُهْلِكَه به. فلما أصبَحوا رجَعوا إلى جالوتَ(٨)، فلما التقَى الناسُ قال داودُ: أَرُونى جالوتَ. فأرَوه ٦٢٧/٢ (١ - ١) سقط من: ت ١، وفى ص، م، ت ٢، ت٣: ((ومشى)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بوحوص)). (٣) فى ت ٢: ((فإنى))، وفى س: ((فأتى)). وأثبتها الشيخ شاكر: ((يا بنى))، وفى حاشية المطبوعة: ((لعله: فأرنى)). (٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مما). (٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى). (٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((سل)). (٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((مل)). (٨) فى ت ١: ((طالوت)). ٥٠٢ سورة البقرة : الآية ٢٥١ سـ - إِيَّاه على فرسٍ عليه لأُمَتُه، فلما رَآه جعَلَت الأحجارُ الثلاثةُ تَواثبُ مِن مِخْلاتِهِ، فيقولُ هذا: خُذْنِى. ويقولُ هذا: خُذْنى. ويقولُ هذا: خُذْنى. فأخَذ أحدَها، فجعَله فى مِقلاعِهُ(١) ، ثم فَتَله به، ثم أُرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ ، فَدَمَغه ، وتَنَكّس عن دايتِه فقَتَله، ثم انهزَم جندُه ، وقال الناسُ : قتَل داودُ جالوتَ. وخُلِع طالوتُ ، وأقبَل الناسُ على داودَ مكانَه، حتى لم يُشْمَعْ لطالوتَ بذكرٍ ، إلا أن أهلَ الكتابِ يزعمون أنه لمّ رأى انصرافَ بنى إسرائيلَ عنه إلى داودَ ، هَمَّ بأن يَغْتَالَ داودَ ، وأراد (٢) قتلَه، فصَرَف اللَّهُ ذلك عنه وعن داودَ، وعَرَف خطيئتَه، والتَمَس التوبةَ منها (٣) إلى اللَّهِ(٣) . وقد رُوِى عن وَهْبٍ بِنِ مُنَبِّهِ فى أمرٍ طالوتَ وداودَ قولٌ خلافُ الرّوايتَين اللَّتين ذكرتُ قبلُ، وهو ما حدَّثنى به المُتَّى، قال: حدثنا إسحاقُ ، قال : ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهِ، قال: لمَّا سَلَّمَت بنو إسرائيلَ المُلِّكَ لطالوتَ، أوحَى اللَّهُ إلى نبيٌّ بنى إسرائيلَ: أن قُلْ لطالوتَ : فَلْيَعُْ أهلَ مَدْنَ، فلا يَترُدْ فيها حَيَّا إلا قتله، فإنى سأُظهِرُه عليهم. فخَرَج بالناسِ حتى أتَى مَدْينَ ، فقتَل مَن كان فيها إلا مَلِكَهم ، فإنه أسَرَه ، وساق مواشِيَهم ، فأوحَى اللَّهُ إلى أَشمويلَ: ألا تَعْجَبُ من طالوتَ إذ أمَرتُه بأمرِى(٤) فاختار(٥) فيه، فجاء بمَلِكِهم أسيرًا، وساق مواشِيّهم ، فالْقَه فقلْ له: لأنزِعَنَّ المُلْكَ من بيتِه، ثم لا (١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مقذافه)). (٢) فى س: ((وأرادوا)). (٣) أخرجه ابن عساكر ١٧ / ٨١، ٨٢ من طرق عن وهب بن منبه ببعضه . (٤) زيادة من تاريخ المصنف . (٥) فى م: ((فاختان))، وفى التاريخ: ((فاختلَّ))، وفى نسخة منه كالمثبت . ٥٠٣ سورة البقرة : الآية ٢٥١ يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ ؛ فإنى إنما أُكْرِمُ مَن أطاعنى، وأُهِينُ مَن هانَ عليه أمرى . فَلَقِيه، فقال له : ما صنَعتَ! لِمَ جِئْتَ بَمَلِكِهم أسيرًا، ولِمَ سُقْتَ مواشِيَهم؟ قال : إنما سُقْتُ المواشىَ لأُقَرَّها. قال له أشمويلُ: إن اللَّهَ قد نزَع من بيتِك المُلِّكَ ، ثم لا يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ. فأوحَى اللَّهُ إلى أشمويلَ أَن انطلِقْ إلى إِيشَى، فيَعْرِض عليك بَنِيه ، فادْهُنِ الذى آمُرُكُ بِدُهْنِ القُدْسِ، يكنْ مَلِكًا على بنى إسرائيلَ . فانطلَق حتى أتَى إِيشى، فقال: اعرِضْ علىَّ بَنِيك. فدَعا إيشى أكبرَ ولِدِهِ ، فَأقبَل رجلٌ جَسيمٌ ، حسنُ المنظرِ ، فلما نظَر إليه أشمويلُ أعجبه ، فقال: الحمدُ للهِ، إن اللَّهَ بصيرٌ بالعبادِ . فأوحَى اللَّهُ إليه : إن عَيْنَيَك تُبْصِران ما ظهَر، وإنى أَطَّلِعُ على ما فى القلوبِ ، ليس بهذا. "فقال: ليس بهذا، اعرِضْ علىَّ غيرَه. فَعَرَض عليه ستةً(٢)، فى كلِّ ذلك يقولُ: ليس بهذا. فقال: هل لك من ولدٍ غيرُهم. فقال: بلى (١)، لى غلامٌ أمغَرُ(٤)، وهو راعٍ فى الغنم. فقال: أرسِلْ إليه. فلما أن جاء داودُ جاء غلامٌ أمغرُ(٥)، فدَهَنه بِدُهْنِ القُدْسِ ، وقال لأبيه: اكتُمْ هذا ، فإن طالوتَ لو يطَّلِعُ عليه قتَله . فسار جالوتُ فى قومِه إلى بنى إسرائيلَ فعسكر، وسار طالوتُ ببنى إسرائيلَ وعسكر، وتهيَُّوا للقتالِ، فأرسَل جالوتُ إلى طالوتَ: لم يُقْتَلُ قومى (١) وقومُك؟ ابرزْلى، أو أبِرِزْ لى مَن شئتَ ، فإن قتَلتُك كان المُلْكُ لى، وإن قتَلْتَنى كان المُلْكُ لك. فأرسَل طالوتُ فی عسکرِه صائحًا: مَن يبرُزُ لجالوت، فإن قتله فإن الملِكَ يُنْكِحُه ابنته ، ويُشْرِ كُه فى (١ - ١) سقط من النسخ، والمثبت من التاريخ . (٢) فى س: (( بنيه)) . (٣) فى النسخ: ((بنى)). والمثبت من التاريخ، وفى نسخة منه: ((بقى)). (٤) زيادة من التاريخ، والأمغر: الأحمر الشعر والجلد. التاج (م غ ر). (٥) فى النسخ: ((أمعر)) . (٦) بعده فى م: ((وأقتل)). ٥٠٤ سورة البقرة : الآية ٢٥١ مُلْكِه؟ فأرسَل إيشى(١) داودَ إلى إخوتِه - قال الطبرىُّ: هو إيشى، ولكن قال ٦٢٨/٢ المحدِّثُ: إيشى٢) - وكانوا فى العسكرِ، فقال: / اذهَبْ فزوِّدُ(١) إخوتَك، وأُخبِرْنى خبرَ الناسِ ماذا صنَعوا. فجاء إلى إخوتِه، وسمِع صوتًا : إن المَلِكَ يقولُ: مَن يَبْرُزُ لجالوتَ، فإن قتله أَنْكَحَه الملِكُ ابنتَه؟ فقال داودُ لإخوتِه: ما منكم رجلٌ يُزُ لجالوتَ فيقتُلَه ويَنكِحَ ابنةَ الَلَكِ؟ فقالوا: إنك غلامٌ أحمقُ ، ومَن يُطِيقُ جالوتَ، وهو من بقية الجبّارِين! فلما لم يَرَهم رَغِبوا فى ذلك، قال: فأنا أذهَبُ فأقتُلُه. فانتَهَروه وغَضِبوا عليه، فلما غَفَلوا عنه، ذهَب حتى جاء الصائحَ، فقال: أنا أَبرُزُ لجالوتَ . فَذَهَب به إلى المَلِكِ، فقال له: لم يُجِبْنى أحدٌ إلا غلامٌ مِن بنى إسرائيلَ هو هذا . قال : يا بُنَىَّ، أنت تَبْرُزُ لجالوتَ فتُقاتِلُه؟ قال: نعم. قال: وهل آنَشْتَ من نفسِك شيئًا؟ قال : نعم، كنتُ راعيًا فى الغنم، فأغارَ علىَّ الأسدُ ، فأخذتُ بلَحْيَيْه فَفَكَكْتُهما . فدعا له بقوسٍ وأداةٍ كاملةٍ ، فَلَيِسها وركِب الفرسَ، ثم سار منهم قريبًا، ثم صرَف فرسَه، فرَجَع إلى المَلَكِ، فقال الملكُ ومَن حولَه: جَبُّن الغلامُ. فجاء فوَقَف على المَلِكِ، فقال: ما شأنُك؟ قال داودُ: إنْ لم يقتُلْه اللَّهُ لى، لم يَقتُلْه هذا الفرسُ وهذا السلامحُ، فدَعْنى فأقاتِلَ كما أريدُ. فقال: نعم يا بُنَىَّ. فأخَذ داودُ مِخْلاتَه فتقَلَّدها ، وألقى فيها أحجارًا ، وأخذ مِقْلاعه الذی کان یومی به، ثم مضَى نحوَ جالوتَ، فلما دنا من عسكرِه قال : أين جالوتُ بيرُزُ لى؟ فبرَز له على فرسٍ عليه السلامحُ كلَّه، فلما رآه جالوتُ قال: إليك أبرزُ؟ قال: نعم . قال: فَأَتَيَتَنى (١) فى ص: ((إشى)). (٢ - ٢) سقط من: م. (٣) فى ص، م، ت ٢، س: ((فرد))، وفى ت ١، ت ٣: ((ورد)). والمثبت موافق لما تقدم فى الآثار السابقة ولما سيأتى . (٤) فى النسخ: (( يرعى )). ٥٠٥ سورة البقرة : الآية ٢٥١ بالمِقْلاع والحَجَرِ كما يُؤْتَى إلى الكلبِ ! قال: هو ذاك. قال: لا جَرَمَ أنى سوف أَقسّمُ لحمَك بينَ طيرِ السماءِ وسباعِ الأرضِ. قال داودُ: أو يُقَسّمُ اللَّهُ لحمَك. فَوَضَع داودُ حجرًا فى مِقْلاعِه ، ثم دوَّره، فأرسَله نحوَ جالوتَ ، فأصابَ أَنفَ البَيْضِ التى على جالوتَ حتى خالَط دماغَه، فوقَع من فرسِه، فمضَى داودُ إليه، [٣٢٨/١و] فقطَع رأسَه بسيفِه ، فأقبَل به فى مِخْلاتِه، وبسَلَبِهِ يجُّه حتى ألقاه بينَ يَدَى طالوتَ ، ففَرِحوا فرحًا شديدًا، وانصرَف طالوتُ، فلما كان داخلَ المدينةِ ، سمِع الناسَ يذكُرون داودَ، فَوَجَد فى نفسِه، فجاءه داودُ ، فقال: أعطِنى امْرأتى. فقال: أتريدُ ابنةَ المَلِكِ بغيرِ صَداقٍ ؟ فقال داودُ : ما اشتَرْتَ علىَّ صَداقًا، وما لى من شىءٍ . قال : لا أكلِّفُك إلا ما تُطِيقُ، أنت رجلٌ جرىءٌ، وفى جبالِنا هذه جراچِمةٌ يَحْتَرِبون الناسَ(١) وهم غُلْفٌ، فإذا قتلتَ منهم مائتى رجلٍ ، فائْنِى بِغُلَفِهم. فجعَل كلما قتَل منهم رجلًا نظَم غُلْفَتَه فى خيطٍ ، حتى نظَم مائتى غُلْفةٍ، فأَتَى(٢) إلى طالوتَ، فألْقَى(٢) إليه، فقال: ادفَعْ إلى امرأتى، قد جئتُ بما اشتَرْتَ. فزوَّجه ابنتَه" . وأكثر الناسُ ذكرَ داودَ، وزادَهُ عندَ الناسِ عَجَبًا، فقال طالوتُ لابنه : لَتَقْتُلَنَّ داودَ . قال: سبحانَ اللَّهِ ، ليس بأهلِ لذلك منك. قال: إنك غلامٌ أحمقُ، ما أُرَاه إلا سوف يُخرِجُك وأهلَ بيتِك من المُلَّكِ. فلما سمِع ذلك مِن أبيه ، انطَلَق إلى أختِه ، فقال لها: إنى قد خِفْتُ أباك أن يقتُلَ زوجَك داودَ، فمُرِيه أن(١) يأخُذَ حِذْرَه، ويَتغيَّبَ منه . فقالت له امرأتُه ذلك فتَغيَّبَ ، فلما أصبَح أرسَل طالوتُ مَن يدعو له (١) جراجمة يحتربون الناس: أى لصوص يستلبون الناس وينهبونهم. النهاية ٢٥٥/١. (٢) بياض فى ص بمقدار كلمتين، وفى م: ((ثم جاء بهم)). (٣) كذا فى النسخ، ولعلها: فألقى بها إليه . (٤ - ٤) مكانه بياض فى النسخ، والمثبت من المطبوعة . (٥) فى س: ((رواه)). (٦) زيادة من: ص، م، ويصح حذفها . ٥٠٦ سورة البقرة : الآية ٢٥١ داودَ ، وقد صنَعَت امرأتُه على فِراشِه كهيئةِ النائم ولَحَقَتْه، فلما جاء رسولُ طالوتَ قال: أين داودُ؟ ليُجِبِ (١) المَلِكَ. فقالت له: باتَ شاكِيًّا ونام الآنَ، تَرَؤْنه على الفراشِ. فرجعوا إلى طالوتَ، فأخبرُوه ذلك، فمكَث ساعةً، ثم أرسَل إليه، فقالت : هو نائمٌ لم يستيقِظْ بعدُ . فَرَجَعوا إلى المَلِكِ فقال: ائتونى به وإن كان نائمًا . ٦٢٩/٢ فجاءوا إلى الفِراشِ، فلم يَجِدوا عليه أحدًا، فجاءوا (١٢) الملِكَ فأخبروه، / فأرسل إلى ابنتِهِ فقال: ما حَمَلك على أن تكْذِبينٍ(٢)؟ قالت: هو أمَرنى بذلك، وخِفْتُ إن لم أَفعَلْ أمرَه أن(٤) يقتُلَنى. وكان داودُ فارًّا فى الجبلِ حتى قُتِل طالوتُ، ومُلِّك داودُ (٥) بعدَه(٥) . حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ، قال: كان طالوتُ أميرًا على الجيشِ، فبَعَث أبو داودَ مع داودَ بشىءٍ إلى إخوتِه، فقال داودُ لطالوتَ: "ماذا لى فأقتُلَ" جالوتَ؟ قال: لكَ ثُلُثُ مالى(٧) ، وأُنكِحُك ابنتى. فأخَذ مِخْلاتَه، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سَمَّی حجارته تلك إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ثم أدخَل يدَه فقال: باسم إلهى وإله آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ . فخَرَج على إبراهيمَ، فجعَله فى مِرْجمتِهِ، فخَرَقَت ثلاثًا وثلاثين بَيْضةً عن رأسِه، وقتَلَت ثلاثين ألفًا من ورائِه(٨). (١) فى س: ((ليجيب)). (٢) بعده فى س: ((إلى)). (٣) فى م: ((تكذبينی)). (٤) ليس فى ت ٢، س، وهو صحيح أيضا . (٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٧٧، ٤٧٨ ببعضه . (٦ - ٦) فى س: ((ما لى إن قتلت)). (٧) فى تفسير مجاهد: ((ملكى)). (٨) تفسير مجاهد ص ٢٤١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٤/٢ (٢٤٥١). ٥٠٧ سورة البقرة : الآية ٢٥١ حدَّثنى موسى ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ، قال: عَبر یومئذٍ النهر مع طالوت أبو داود فی مَن عَبّر ، مع ثلاثةً عشَرَ ابنًا له ، و کان داودُ أصغرَ بَنِيه، فأتاه ذاتَ يوم ، فقال: يا أبتاه ، ما أزْمى بقَذَّافتى شيئًا إلا صرَعتُه . فقال: أَبْشِرْ يا بُنَيَّ، فإن اللَّهَ قد جعَل رزقَك فى قَذَّافتِك. ثم أتاه مرةً أخرى، فقال : يا أبتاه ، لقد دخَلتُ بينَ الجبالِ ، فوجَدتُ أسدًا رابِضًا ، فركِبتُ عليه ، فأخذتُ بأَذُنَيِه ، فلم يَهِجْنى. فقال: أبشِرْيا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ يُعْطِيكَه اللَّهُ . ثم أتاه يومًا آخَرَ ، فقال : يا أبناه، إنى لأمشى بينَ الجبالِ فَأُسَبِّحُ، فما يبقَى جبلٌ إلا سَبَّح معى. فقال : أبشِرْيا ◌ُنَّ ، فإن هذا خير أعطاگهُ اللهُ . و کان داودُ راعِیًا ، و كان أبوه خلَّفَه یأتی إليه وإلى إخوتِه بالطعامِ ، فَأَتَّى النبيُّ بقَرْنٍ فيه دُهْرٌ وثوبٍ (١) من حديدٍ ، فبعث به إلى طالوتَ ، فقال : إن صاحِبَكم الذى يقتُلُ جالوتَ يُوضَعُ هذا القَرْنُ على رأسِه ، فيَغْلى حتى يَدَّهِنَ منه ، ولا يسيلُ على وجهِه، يكونُ على رأسِه كهيئة الإكليلِ، ويدخُلُ فى هذا الثوب فِيَمْلؤُه. فَدَعَا طالوتُ بنى إسرائيلَ فجرَّبَهم، فلم يوافِقْه منهم أحدٌ ، فلما فرَغوا قال طالوتُ لأبی داود : هل بَقِی لك من ولدٍ لم يَشْهَدْنا ؟ قال : نعم ، بقِی ابنی داودُ ، وهو يأتينا بطعام (١) . فلما أتاه داودُ ، مَرّفى الطريقِ بثلاثة أحجارٍ ، فگلَّمَنه وقُلْنَ له : خُذْنا یا داودُ تقتُلْ بنا جالوتَ ، قال: فأخَذَهن فجَعَلهن فى مِخْلاتِه. وكان طالوتُ قال : مَن قتَل جالوتَ زوَّجُه ابنتى، وأَجرَيتُ خاتمَه فى مُلْكِى. فلما جاء داودُ وضَعوا القَرْنَ على رأسِه، فَغَلى حتى ادَّهَن منه، وليس الثوبَ فملأه، وكان رجلاً مِشْقامًا(٢) مُصْفارًا(٤)، ولم يَلْتَشْه أحدٌ إلا تَقَلْقَل فيه، فلما لَبِسه داودُ تَضايقَ (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س، وتاريخ المصنف، والكامل ١/ ٢٢٠: ((تنور)). وكذا فيما سيأتى، والمثبت من المطبوعة ، وهو موافق لما فى تفسير ابن أبى حاتم والدر المنثور. (٢) فى م، وتفسير ابن أبى حاتم، والدر المنثور: ((بطعامنا)). (٣) المسقام : السقيم، وقيل: الكثير السقم. اللسان (س ق م). (٤) فى م: ((مصغارًا)). والمُضْفارّ: من اصفارّ لونه . ٥٠٨ سورة البقرة : الآية ٢٥١ الثوبُ عليه حتى تَنَقَّضَ ١ ، ثم مشى إلى جالوتَ ، وكان جالوتُ من أجسمِ الناس وأشدهم(٢) ، فلما نظر إلى داود قُذِف فى قلبه الُعْبُ منه، فقال له : يا فتى ، ارجعْ، فإنى أرحَمُك أن أقتُلَك . قال داودُ : لا ، بل أنا أقتُك . فأخرَج الحجارةَ ، فجعَلها فى القَذَّافةِ، كلما رفَع حجرًا سمَّاه، فقال: هذا باسم أبى إبراهيمَ ، والثانى باسم أبى إسحاقَ ، والثالثُ باسم أبى إسرائيلَ . ثم أدار القَذَّافَةَ ، فعادَت الأحجارُ حَجَرًا واحدًا ، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَثْنَى جالوتَ ، فَتَقَبت رأسَه فقتله، ثم لم تَزَلْ تقتُلُ كلَّ إنسانٍ تُصِيبُه ، تَنْفُذُ منه حتى لم يكُنْ بحيالِها أحدٌ ، فهزَموهم عندَ ذلك، وقتَل داودُ جالوتَ ، ورجَع طالوتُ ، فأنكَح داودَ ابنتَه، وأجرَى خاتمه فى مُلْكِه، فمال الناسُ إلى داود ٦٣٠/٢ فأحَتُّوه، فلما رأى ذلك / طالوتُ وجَد فى نفسِه وحسَده، فأراد قتْلَه، فعلِم به داودُ أنه يُريدُ به ذلك، فسَجَّى له زِقَّ (٢) خَمرٍ فى مَضْجَعِه، فدَخَل طالوتُ إلى منامٍ داودَ وقد هرَب داودُ ، فضرَب الزِّقَّ ضربةً فخرَقه، فسالَتِ الخمرُ منه، فوقَعَت قطرةٌ من خمرٍ فى فِيه، فقال: يَرحَمُ اللَّهُ داودَ، ما كان أكثرَ شرِبِه للخمرِ ! ثم إن داودَ أتاه من القابلةِ فى بيتِه وهو نائمٌ، فوضَع سهمَين عندَ رأسِه، وعندَ رجلَيه وعن يمينه وعن شمالِه سهمَين ، فلما استيقظ طالوتُ بَصُر بالسهامِ فعرَفها، فقال: يرحَمُ اللَّهُ داودَ، [٣٢٨/١ظ] هو خیرٌ مِنِّی ، ظَفِرتُ به فقتلتُه ، وظَفِر بی فكَفَّ عنى . ثم إنه ر کِب يومًا فوجده يمشى فى البَرِّيَّةِ، وطالوتُ على فرسٍ، فقال طالوتُ: اليومَ أَقْتُلُ داودَ . وكان داودُ إذا فَزِع لا يُدرَكُ، فركَض على أثرِه طالوتُ ، فَفَزِع داودُ ، فاشتدَّ، فدخَل غارًا، وأوحَى اللَّهُ إِلى العنكبوتِ، فضرَبَت عليه بيتًا ، فلما انتهى طالوتُ إلى الغارِ ، نظَر إلى بناءِ العنكبوتِ ، (١) التَّقُّض : صوت التشقق والتكسر. (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أشدهم)) . (٣) الزق : كل وعاء اتخذ للشراب وغيره. تاج العروس (زق ق). (٤) بعده فى التاريخ: ((سهمين ثم نزل)). ٥٠٩ سورة البقرة : الآية ٢٥١ فقال: لو كان دخَلُ(١) هلهنا لخرَق بيتَ العنكبوتِ. فخُيّل إليه فترَكَهُ(٢). حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن داودَ حينَ أتاهم كان قد جعَل معه مِخْلاةٌ فيها ثلاثةُ أحجارٍ ، وأن جالوتَ برَزلهم فنادَى : ألا رجلٌ لرجلٍ ؟ فقال طالوتُ : مَن يبرُزُ له ، وإلا برَزتُ له؟ فقام داودُ فقال: أنا. فقال(٢) له طالوتُ فشَدَّ عليه درعَه، فجعَل يراه يشخَصُ فيها ويرتفِعُ، فعجِب من ذلك طالوتُ ، فشَدَّ عليه أداتَه كلَّها ، وأن داودَ رماهم بحَجَرٍ من تلك الحجارةِ ، فأصاب فى القوم ، ثم رمَى الثانيةَ بحَجَرٍ ، فأصاب فيهم ، ثم رمَّی الثالثةَ فقتَل جالوتَ، فَآتَاه اللَّهُ المُّكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ، وصار هو الرئيسَ عليهم، وأعطَوه الطاعةَ(٤) . حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: حدثنى ابنُ زيدٍ ، فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاِ مِنْ بَنِىّ إِسْرَِّيلَ﴾ فقَرأْ حتى بلَغْ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِمِينَ﴾. قال: أوحَى اللَّهُ إلى نبيّهم أن فى ولدِ فلانٍ رجلًا يَقتُلُ اللَّهُ به جالوتَ، ومن علامتِه هذا القَوْنُ، تَضَعُه على رأسِه فيَفِيضُ ماءً. فأتاه فقال: إن اللَّهَ أوحى إلىَّ أنَّ فى ولدِك(٥) رجلًا يقتُلُ اللَّهُ به جالوتَ . فقال: نعم يا نبيَّ اللَّهِ. قال: فأخرَج له اثنى عشَرَ رجلاً أمثالَ السَّوارى، (١) فى ص، س، ت ١: ((رجل)). (٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٧٢/١ - ٤٧٥، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٨/٢ (٢٥٣٠) من طريق عمرو به إلى قوله: وأجرى خاتمه فى ملكه. وينظر الكامل لابن الأثير ١/ ٢٢٠، والدر المنثور ٣١٩/١. (٣) فى م: ((فقام)). وقال ابن الأثير: العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وتطلقه على غير الكلام واللسان . النهاية ٤ / ١٢٤. (٤) أخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٠/٢ (٢٥٣٤) من طريق ابن أبى جعفر به مختصرًا . (٥) فى م: (( ولد فلان)) . ٥١٠ سورة البقرة : الآية ٢٥١ وفيهم رجلٌ بارعٌ(١) عليهم، فجَعَل يَعْرِضُهم على القَرْنِ فلا يَرى شيئًا ، فيقولُ لذلك الجَسيمِ: ارجِعْ. فيُردِّدُه عليه. فأوحَى اللَّهُ إليه: إنا لا نأخُذُ الرجالَ على صُوَرِهم، ولكنَّا نأخُذُهم على صَلاحِ قلوبهم. قال: يا ربِّ، قد زعم أنه ليس له ولدٌ غيرُه . فقال: كذَب . فقال: إن ربى قد كذَّبَك، وقال: إن لك ولدًا غيرَهم. فقال: قد صدَق يا نبىَّ اللَّهِ، لى ولدٌ قصيرٌ، استَحييتُ أن يراه الناسُ، فجعَلتُه فى الغنم. قال: فأين هو ؟ قال : فی شغبٍ كذا وكذا، من جبل كذا وكذا . فخرج إليه ، فوجد الوادىّ قد سال بينَه وبينَ البقعةِ التى كان يُرِيحُ(١ إليها، قال: وَوَجَده يحمِلُ شاتَيْنٍ شاتَينُ() يُجِيزُ بهما ، ولا يخوضُ بهما الشَّيلَ، فلما رآه قال: هذا هو لا شكَّ فیه، هذا یرحَمُ البهائمَ ، فهو بالناسِ أرحمُ . قال: فوضَع القرنَ على رأسِه ففاض. فقال له : ابنَ أخى، هل رأيتَ هلهنا من شىءٍ يُعْجِبُك؟ قال: نعم ، إذا سبَّحتُ سبَّحَت معى الجبالُ، وإذا أتَى النَّمِرُ أو الذئبُ أو السَّبُعُ / أخَذ شاةً ، قُمْتُ إليه، فأفتَحُ لَحْتِيه عنها ، فلا يَهِيجُنى . قال: وألفَى معه صُفْتَه ◌ْ). قال: فمر بثلاثةِ أحجارٍ يَنْتَزَى (١) بعضُها على بعضٍ، كلٌّ واحدٍ منها يقولُ: أنا الذى يأخُذُ. ويقولُ هذا: لا ، بل إياى يأْخُذُ . ويقولُ الآخرُ مثلَ ذلك. قال: فأخَذهنَّ جميعًا، فطَرَحهن(١) فى صُفْنِه، فلما جاء مع النبىّ عليه السلام وخرَجوا، قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ﴾ . فكان من /٦٣١ (١) بارع: تم فى كل فضيلة وجمال وفاق أصحابه فى العلم وغيره . اللسان (ب ر ع). (٢) سقط من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف . (٣) الإراحة: رد الإبل والغنم من العشى إلى مُرّاحها، والمراح: المناخ والمأوى. تاج العروس (روح). (٤) سقط من النسخ. والمثبت من تاريخ المصنف . (٥) الصفن: خريطة يكون للراعى فيها طعامه وزناده وما يحتاج إليه. اللسان (ص ف ن). (٦) فى م: ((يأثر))، وفى س: ((يدير)). ورسمت فى بقية النسخ كما أثبتناها إلا أنها غير منقوطة ، وينتزى: یثب . وقد تکون ینیری، من : انبری؛ إذا عرض له . (٧) فى س: ((فوضعهن)) . ٥١١ سورة البقرة : الآية ٢٥١ قصة نبيِّهم وقصتِهم ما ذكَر اللَّهُ فى كتابِه. وقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ﴾. قال: واجتمع أمرُهم وكانوا جميعًا. وقرَأ: ﴿وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ﴾. وبرَز جالوتُ على يِرْذَونٍ له أَبْلَقَ، فى يدِه قوسُ (٢ نُشَّابٍ، فقال: مَن يَتْرُزُ؟ أَبْرِزوا إِلىَّ رأسَكم. قال: فَفَظِع به طالوتُ. قال: فالتَّفَت إلى أصحابِه فقال : مَن رجلٌ يكفينى اليومَ جالوتَ؟ فقال داودُ: أنا . فقال: تعال . قال: فنزَعْ دِرْعًا له، فألبَسه إياها. قال: ونفَخ اللَّهُ من (١) روحِه فيه حتى ملأه، قال: فرمَى بنُشَّابَةٍ فوضَعها فى الدِّرعِ . قال: فكسرها داودُ ولم تَضُرَّه شيئًا ، ثلاثَ مراتٍ، ثم قال له : خُذِ الآنَ. فقال داودُ: اللهمَّ اجعَلْه حجرًا واحدًا. قال: وسَمَّى واحدًا إبراهيمَ، وآخرَ إسحاقَ، وَآخَرَ يعقوبَ. قال: فجَمَعهنَّ جميعًا فَكُنَّ حجرًا واحدًا. قال: فأخَذَهنَّ، وأخَذ مِقْلاعًا، فأدارَها ليَرمىَّ بها، فقال: أَتَزْمِينى كما يُؤْمَى السَّبُعُ والذئبُ؟ ارْمِنى بالقوسٍ . فقال : لا أزْمِيك اليومَ إلا بها . فقال له مثلَ ذلك أيضًا ، فقال : نعم، وأنت أهونُ علىَّ من الذئبِ. فأدارها وفيها أمرُ اللَّهِ وسلطانُ اللَّهِ. قال: فخَلَّى سبيلَها مأمورةً ، قال: فجاءت مُظِلَّةً(٢) ، فضرَبت بين عينيه حتى خرجت من قَفاه، ثم قتَلَت من أصحابِه وراءَه كذا وكذا، وهزَمهم اللَّهُ(٤). حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال : لما قطّعوا ذلك يعنى النهرَ الذى قال اللَّهُ فيه مُخْبِرًا عن قِيلِ طالوتَ لجنودِهِ: ﴿إِنَّ اَللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾. وجاء جالوتُ، وشقَّ على طالوتَ قِتَالُه، فقال طالوتُ (١) بعده فى م، س: (( و)). (٢) فى س: ((فيه)) . (٣) مظلة : مقبلة دانية . (٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٧٦/١ مختصرا . (٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بجنوده))، وفى س: ((وجنوده)). ٥١٢ سورة البقرة : الآية ٢٥١ للناس: لو أن جالوتَ قُتِل أعطَيتُ الذى يقتُلُه نِصْفَ مُلْكى، وناصَفتُه كلَّ شيءٍ أملِكُه. فبعث اللَّهُ داودَ ، وداودُ يومَئذٍ فى الجبلِ رَاعِى غنمٍ، وقد غَزا مع طالوتَ تسعةُ إخوةٍ لداودَ، وهم أبدُّ(١) منه، وأغْنى(٢) منه، وأعرَفُ فى الناسِ منه، وأَوْجَهُ عندَ طالوتَ منه، فغزواً ) وترَكوه فى غنمِهم، فقال داودُ حينَ أَلقَى اللَّهُ فى نفسِه ما ألقَى وأكرمه : لأستَودِعنَّ ربِّى غَنمى اليومَ ، ولآتينَّ الناسَ، فلأنظُرَنَّ ما الذى بلَغنى من قولٍ المَلِكِ لمن قتَل جالوتَ. فأتَى داودُ إخوته ، فلامُوه حين أتاهم ، فقالوا : لِمَ جئتَ؟ قال : الأَقْتُلَ جالوتَ، فإن (٤) اللَّهَ قادرٌ أن أقتْلَه . فسَخِروا منه ، قال ابنُ جريج : قال مجاهدٌ : كان بعَث أبو داودَ مع داودَ بشىءٍ إلى إخوتِهِ، فأخَذ مِخْلاةً، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سمَّاهن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ . قال ابنُ جريج: قالوا: وهو ضعيفٌ رتُّ الحالِ . فمَرّ بثلاثةِ أحجارٍ فَقُلْنَ له : خُذْنا يا داودُ فقاتِلْ بنا جالوتَ . فأخَذهنَّ داودُ وألْقَاهُنَّ فى مِخْلاتِهِ، فلما أَلْقَاهُنَّ [٣٢٩/١و] سمِع حجرًا منهنَّ يقول لصاحبه : أنا حجر هارونَ الذى قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا . وقال الثانى: أنا حجرُ موسى الذى قتل بی مَلِكَ ٦٣٢/٢ كذا وكذا./ وقال الثالثُ: أنا حجرُ داودَ الذى أقتُلُ جالوتَ. فقال الحجران: يا حجرَ داود ، نحن أعوانٌ لك . فصِرْنَ حجرًا واحدًا . وقال الحجر: یا داود ، اقذف یی، فإِنی سأستَعينُ بالريح - وكانت بَيضتُه فيما يقولون واللَّهُ أعلمُ فيها ستُمائةٍ رَطْلٍ - فَأَقَعُ فى رأسٍ جالوتَ فأقتُلُه - قال ابنُ جريج: وقال مجاهدٌ: سَمَّى واحدًا إبراهيمَ، والآخرَ إسحاقَ ، والآخرَ يعقوبَ . وقال: باسمِ إِلهى وإلهِ آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ ، وجعَلهنَّ فى مِرْجَمتِه . قال ابنُ جريج: فانطلَق حتى نفَذ إلى طالوتَ ، فقال : إِنك قد (١) فى م، ت ٢: ((أند))، وفى س: ((أشد)). والأبد: العظيم الخلق المتباعد بعضه من بعض. التاج (ب د د). (٢) فى م: ((أعتى)). (٣) فى م: ((فغزا)). (٤) فى ص، ت ٢، س: ((قال)). ٥١٣ سورة البقرة : الآية ٢٥١ جعَلت لمن قتلَ جالوتَ نصفَ مُلْكِك، ونصفَ كلِّ شيءٍ تَمَلِكُه ، أفَلِى ذلك إن قتَلتُه ؟ قال : نعم. والناسُ يستهزئون بداودَ، وإخوةُ داودَ أشدُّ مَن هنالك عليه، وكان طالوتُ لا يَنْتَدِبُ إليه أحدٌ زعم أنه يقتُلُ جالوتَ إلا ألبسه دِرْعًا عندَه، فإذا لم تكنْ قَدْرًا عليه نزَعها عنه، وكانت دِرْعًا سابِغَةٌ من دورعٍ طالوتَ، فألبَسها داودَ ، فلما رأى قَدْرَها عليه أمره أن يتقدَّمَ ، فتقدَّم داودُ ، فقام مَقامًا لا يقومُ فيه أحدٌ ، وعليه الدِّرْعُ، فقال له جالوتُ: وَيْحك، مَن أنتَ؟ إنى أَرحَمُك، ليَتقدَّمْ إِلىَّ غيرُك من هذه الملوكِ، أنتَ إنسانٌ ضعيفٌ مسكينٌ، فارجِعْ. فقال داودُ : أنا الذى أقتُلُك بإذنِ اللَّهِ ، ولن أرجِعَ حتى أَقتُلَك. فلما أتَى داودُ إلا قتالَه، تقدَّم جالوتُ إليه ليأخُذَه بيدِه مُقْتدِرًا عليه، فأخرَج الحجَرَ من المُخِلَاةِ، فَدَعا ربَّه، ورَماه بالحجرِ ، فألقَت الريحُ بَيضتَه عن رأسِه، فوقَع الحجرُ فى رأسٍ جالوتَ حتى دخَل فى جوفِه، فقتله. قال ابنُ جريج: وقال مجاهدٌ: لِمَّ رمَى جالوتَ بالحجَرِ ، خرَق ثلاثاً وثلاثين بيضةٌ عن رأسِه، وقتلت من ورائِه ثلاثين ألفًا. قال اللَّهُ تعالى: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُونَ﴾. فقال داودُ لطالوتَ: وفِّ لى بما جعلْتَ. فأتى طالوتُ أن يُعطِيَه ذلك، فانطلَق داودُ فسكن مدينةً من مدائنٍ بنى إسرائيلَ، حتى مات طالوتُ، فلما مات عمَد بنو إسرائيلَ إلى داودَ ، فجاءوا به، فمَلَّكوه وأعطَوه خزائنَ طالوتَ، وقالوا: لم يقتُلْ جالوتَ إلا نبىٌّ. قال اللّهُ: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَلُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَّا يَشَاءٌ﴾. القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالِحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وأعطَى اللَّهُ داودَ الملّكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ. والهاءُ فى قولِه: ﴿وَءَاتَلُهُ اللَّهُ﴾. عائدةٌ على داودَ. والمُلَّكُ السلطانُ، والحكمةُ النبوّةُ . ( تفسير الطبرى ٣٣/٤ ) ٥١٤ سورة البقرة : الآية ٢٥١ وقولُه: ﴿وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَآءُ﴾. يعنى: عَلَّمِهِ صَنعةَ الدروع والتقديرَ فى الشَّرْدِ، كما قال اللَّهُ تعالى ذكره: ( وَعَلَّْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُخْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) [الأنبياء: ٨٠] . وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿ وَءَاتَلُهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أن اللَّهَ آَتَّى داودَ مُلْكَ طالوتَ ، ونبوَّةَ أَشمويلَ(٢) . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: مُلِّك داودُ بعدَ ما قُتِل طالوتُ، وجعَله اللَّهُ نبيًّا، وذلك قولُه: ﴿وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ هى النبوَّةُ، آتاه نبوَّةَ شَمعونَ(٢) ومُلْكَ طالوتَ(٤). /القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٦٣٣/٢ اُلْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ٢٥١ ٠ يعنى تعالى ذكره بذلك: ولولا أن اللَّهَ يدفَعُ ببعضِ الناسِ - وهم أهلُ الطاعةِ له والإيمانِ به - بعضًا - وهم أهلُ المعصيةِ للهِ والشركِ به - كما دفَع عن المتخلِّفِين عن طالوتَ يومَ جالوتَ من أهلِ الكفرِ باللَّهِ والمعصيةِ له، وقد أعطاهم ما سألوا ربَّهم ابتداءً من بَعْثةِ مَلِك علیهم ؛ لیجاهِدوا معه فی سبیله ، بمن جاهَد معه من أهلِ الإِيمانِ باللّهِ واليقينِ والصبرِ، جالوتَ وجنودَه ﴿لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يعنى: لهلَك (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((ليحصنكم)). وهما قراءتان، كما سيأتى فى موضعه من التفسير. (٢) فى ص: ((سمويل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((شمويل)). (٣) فى ص: ((سمعون)). (٤) جزء من الأثر المتقدم فى ص ٤٤١، ٤٤٢، وأخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٠/٢ (٢٥٣٣) من طريق عمرو به . ٥١٥ سورة البقرة : الآية ٢٥١ أهلُها بعقوبةِ اللَّهِ إِيَّهم، ففَسَدَت بذلك الأرضُ، ولكنَّ اللَّهَ ذو مَنٍّ على خلقِه، وتَطوُّلٍ عليهم؛ بدفْعِه بالبَرٌّ من خلقِه عن الفاجرِ، وبالمطيع عن العاصى منهم، وبالمؤمنِ عن الكافرِ . وهذه الآيةُ إعلامٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه أهلَ النّفاقِ الذين كانوا على عهد رسولٍ اللَّهِ مْظَمٍ، المتخلِّفِين عن مَشاهدِه والجهادِ معه؛ للشَّكُّ الذى فى نفوسِهم ومرضٍ قلوبهم ، والمشركين وأهلَ الكفرِ منهم ، وأنه إنما يدفَعُ عنهم مُعاجَلَتهم العقوبةَ على كفرِهم ونفاقِهِم بإيمانِ المؤمنين به وبرسولِه ، الذين هم أهلُ البصائرِ والجِدِّ فى أمرٍ اللَّهِ ، وذَوو اليقينِ بإنجازِ اللَّهِ إِيَّاهم وعدَه على جهادِ أعدائِه وأعداءِ رسولِه، من النصرِ فى العاجلِ، والفوزِ بجنانِهِ فى الآخرِ) . وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ : ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ اُلْأَرْضُ﴾. يقولُ: ولولا دفْعُ اللّهِ بالبَرُ(١) عن الفاجرِ، ودفعُه ببقيةِ أُخلافٍ(١) الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لفسَدَت الأرضُ بهَلاكِ أهلِها(٤). حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو محذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيح، عن (١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بجناته فى الآخرة)). (٢) فى م: (( بالبار)). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((أخلاق)). (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٨٠، ٤٨١ (٢٥٣٨، ٢٥٤١) من طريق ابن أبى نجيح به . ٥١٦ سورة البقرة : الآية ٢٥١ مجاهدٍ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ يقولُ: ولولا دفاعُ اللَّهِ بالبَرِّ عن الفاجرِ، ويبقِيةِ أخلافٍ (١ الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لِهَلَك أهلُها(٢) . حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: ثنا أبى، عن حَنْظلةَ، عن أبى مسلم ، قال : سمِعتُ عليًّا يقولُ: لولا بَقِيةٌ من المسلمين فيكم لهلَكْتُم(٢). حدَّ ثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبِيعِ فى قوله: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: لَهَلَك مَن فى الأرضِ(٤). حدَّثنا أبو حُمَيدِ الحِمْصىُّ أحمدُ بنُ المُغيرةِ ، قال : ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال : ثنا حفصُ بنُ سليمانَ ، [٣٢٩/١ظ] عن محمدِ بنِ سُوقةً، عن وَبَرةً بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ عَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بالمسلم الصالحِ عن مائةِ أهلِ بيتٍ مِن جيرانِهِ البلاءَ)). ثم قرَأ ابنُ عمرَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (٥). / حدَّثنى أحمدُ أبو ١) حُمَيدِ الحِمْصىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عثمانُ ابنُ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بنِ الْمُكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، قال: قال رسولُ ٦٣٤/٢ (١) فى ص، ت١، ت٢، ت٣، س: ((أخلاق)). (٢) تفسير مجاهد ص ٢٤٢ مقتصرا على قوله : لهلك أهلها . (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/١ إلى المصنف. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨١/٢ عقب الأثر (٢٥٤١) من طريق ابن أبى جعفر به. (٥) أخرجه العقيلى فى الضعفاء ٤٠٣/٤، ٤٠٤ (٢٠٢٦)، والطبرانى فى الأوسط (٤٠٨٠)، والبغوى فى تفسيره ٣٠٨/١ كلهم من طريق أبى حميد الحمصى به، وأخرجه ابن عدى فى الكامل ٧٩٠/٢ من طريق يحيى بن سعيد به . (٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((بن)). ٥١٧ سورة البقرة : الآية ٢٥١ اللَّهِ عَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لَيُصلِحُ بصَلاحِ الرجلِ المسلمِ ولدَه، وولدَ ولدِه، وأهلَ دُوَيْرَتِه، ودُوَيْراتٍ حولَه، ولا يزالون فى حِفْظِ اللَّهِ ما دامَ فيهم (١))). وقد دلَّلنا على قوله: ﴿ الْعَلَمِينَ﴾. وذكَرنا الروايةَ فيه(٢). وأما القرأةُ فإنها اختلفت فى قراءةِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اُللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ﴾﴾. فقرَأته جماعةٌ من القرأةِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾. على وجهِ المصدرِ ، من قول القائلِ: دفَع اللَّهُ عن خلقِه، فهو يدفَعُ دفْعًا. واحتََجَّت لاختيارِها ذلك بأن اللَّهَ تعالى ذكرُه هو المُنْفَرِدُ(١) بالدَّفْع عن خلقِه، ولا أحدَ يُدافِعُه فيُغالِبَه . وقرأت ذلك جماعةٌ أُخَرُ من القرأةِ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ)(٤) على وجهِ المصدرِ ، من قولِ القائلِ: دافع اللَّهُ عن خلقِه، فهو يُدافِعُ مُدافعةٌ ودِفاعًا. واحتَجَّت لاختيارِها ذلك بأن كثيرًا من خلْقِه يُعادُون أهلَ دینِ اللَّهِ وولايته والمؤمنين به ، فهم بُحاربتهم إِيَّاهم ومُعاداتِهم لهم، للهِ مُدافِعون بظنونِهم(٦)، ومغاليون(٧) بِجَهْلِهِم، واللَّهُ مُدافِعُهم عن أوليائِهِ وأهلِ طاعتِه والإيمانِ به(٨) . والقولُ فى ذلك عندى أنهما قراءتان قد قرَأَت بهما القرأةُ، وجاءت بهما جماعةُ الأمةِ ، وليس فى القراءةِ بأحدِ الحرفَين إحالةُ معنَى الآخرِ ؛ وذلك أن مَن دافع (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٤٨/١ عن المصنف، وأخرجه ابن المبارك فى الزهد ص (٣٣٠)، والحميدى (٣٧٣)، وأبو نعيم فى الحلية ١٤٨/٣ من قول محمد بن المنكدر. (٢) ينظر ما تقدم فى ٦٢/١ - ٦٤. (٣) فى م: ((المتفرد)). (٤) وهذه قراءة نافع من السبعة وأبى جعفر، وقرأ الباقون بالوجه الأول. ينظر حجة القراءات ص ١٤٠ ، والنشر ٢٢٠/٢. (٥) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إياه)). (٦) فى م: ((بباطلهم)). (٧) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((مغالبوه)). ٥١٨ سورة البقرة : الآية ٢٥٢ غيرَه عن شىءٍ، فَمُدافِعُه عنه بشىءٍ دافعٌ، ومتى امتَنَع المدفوعُ من الاندفاعِ، فهو الدافِعه(٢) مُدافِعٌ، ولا شكَّ أن جالوتَ وجنودَه كانوا بقتالِهِم(٢) طالوتَ وجنوده، مُحاولِين مغالبةَ حزبِ اللَّهِ وجندِه، وكان فى مُحاولتِهم ذلك محاولةُ مغالبةِ اللَّهِ ودفاعِه ، عما قد تَضمَّن لهم من النُّصْرةِ، وذلك هو معنى مُدافعةِ اللَّهِ عن الذين دافع اللَّهُ عنهم بمَن قاتَل جالوتَ وجنودَه من أوليائِه . فبيِّنٌ(٤) إذن أن سواءً قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. وقراءةُ مَن قرأ: ( ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ). فى التأويلِ والمعنى . القولُ فى تأويل قوله: ﴿تِلْكَ ءَايَكُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ (٢٥) لَمِنَ الْمُرْسَلِين يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ ءَايَكُ اللَّهِ﴾: هذه الآياتُ التى اقتَصَّ اللَّهُ فيها أمْرَ الذين خرجوا من ديارِهم وهم ألوفٌ حذرَ الموتِ ، وأَمْرَ الملاَّ من بنى إسرائيلَ من بعدِ موسى الذين سألوا نبيّهم أن يبعَثَ لهم طالوتَ مَلِكًا ، وما بعدَها من الآياتِ إلى قوله: ﴿﴿وَلَكِنَّ اللّهْ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾. ويعنى بقولِه: ﴿ءَايَتُ اللَّهِ﴾: حُجَجُه وأعلامُه وأدِلَّتُه. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكره : فهذه الحُجَجُ التى أخبرتُك بها يا محمدُ وأعلَمتُك - (١ - ١) فى ص، ت ٢، ت ٣، س: ((فدافعه عنه ليس)). (٢) فى م: ((لمدافعه)). (٣) فى س: ((يقاتلهم)). (٤) فى م: (( فتبين)). (٥ - ٥) سقط من: س، وفى ص، م، ت١، ت٢، ت ٣: (( والله)). ٥١٩ سورة البقرة : الآية ٢٥٣ من قُدْرتى على إماتةِ مَن هرَب من الموتِ فى ساعةٍ واحدةٍ وهم ألوفٌ ، وإحيائى إياهم بعدَ ذلك ، وتَمْليكى طالوتَ أمرَ بنى إسرائيلَ، بعد إذ كان سقَّاءٌ أو دَبَّاغًا من غيرِ أهلِ بيتِ المملكةِ ، وسلبى ذلك إياه بمعصيته أمْرى ، وصَرْفى مُلْكَه إلى داودَ لطاعتِهِ إياىَ، ونُصْرَتى أصحابَ طالوتَ مع قِلَّةِ عددِهم وضَعفِ شوكتِهم، على جالوتَ وجندِه مع كثرة عددِهم وشدةِ بَطشِهم - حُجَجى على مَن جَحَد نِعْمتى، وخالَف / أمرى، وكفَر برسولى من أهلِ الكتابين التوراة والإنجيلِ، العالمين بما ٦٣٥/٢ اقتَصَصْتُ عليك من الأنباءِ الخَفيَّةِ ، التى يعلمون أنها من عندى لم تَتَخرَّصْها ، ولم تَتْقوَّلْها أنت يا محمدُ؛ لأنك أُمِّىٌّ ولستَ ممن قرَأ الكتبَ فيَلْتَبِسَ عليهم أمرُك ويَدَّعوا أنك قرأتَ ذلك فعَلِمتَه من بعضٍ أسفارِهم، ولكنه حُجَجى عليهم أتلُوها عليك يا محمدُ بالحقِّ اليقينِ كما كان، لا زيادةَ فيه ولا تحریفَ ، ولا تغییرَ شىءٍ منه عما كان، ﴿ وَإِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾. يقولُ: إنك لَمُرسِلٌ مُتَّبِعٌ فى طاعتى وإيثارِ مَرْضاتى على هَواك، فسَالكٌ فى ذلك من أمرِك سبيلَ مَن قبلَكَ من رُسلى الذين أقاموا على أمرى، وآثَروا رِضاى على هواهم، ولم تُغَيِّرْهم الأهواءُ ومَطامعُ الدنيا، كما غيَّر طالوتَ هواه وإيثارُه مُلْكَه على ما عندى لأهلٍ ولايتى، ولكنَّك مُؤثِرٌ أمرى كما آثَرَه المرسلون الذين قبلَك . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍّ﴾ . يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ﴾. الذين قصَّ اللَّهُ قَصَصَهم فى هذه السورة؛ كموسى بنِ عِمرانَ، وإبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ ، (١) فى م: ((حجج)). ٥٢٠ سورة البقرة : الآية ٢٥٣ وشمويلَ، وداودَ ، وسائر مَن ذكَر نبأَهم فى هذه السورة . يقولُ تعالى ذِكرُه : هؤلاءِ رسُلى فَضَّلْتُ بعضَهم على بعضٍ، فَكَلَّمْتُ بعضَهم، والذى كَلَّمْتُه منهم موسى عليه السلامُ، ورفَعْتُ بعضَهم درجاتٍ على بعضٍ، بالكرامةِ ورفعةٍ المنزلةِ . كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ﴾. قال: يقولُ: منهم من كلَّمَ اللَّهُ، ورفَع بعضَهم على بعضِ درجاتٍ. يقولُ: كلَّم اللَّهُ موسى، وأرسل محمدًا إلى سي(١) الناسِ كافّةً(١) . حدَّثنى المثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةً، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوه . ومما يدلُّ على صحةِ ما قلْنا فى ذلك قولُ النبيِّ عَّهِ: ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبلى؛ يُعِثْتُ إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصِرْتُ بالرُعْبِ؛ فإنَّ العَدُوَّ لَيُوْعَبُ مِنى على مَسيرةٍ شَهْرٍ، وُجُعِلَتْ لَىَ الأرضُ مَسْجدًا [٣٣٠/١ق] وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لِىَ الغَنائمُ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ كان قَبْلِى، وقيل لى: سَلْ تُقْطَه. ـر فاحْتبَتُها شفَاعَةٌ لأَمَّتِى، فهى نائلَةٌ مِنكم إن شاء اللَّهُ مَن لا يُشرِكُ بِاللَّهِ (٢) شيئًا ))(٢) . (١) تفسير مجاهد ص ٢٤٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٨٣/٢ (٢٥٥٣)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٤١٩)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٢/١ إلى عبد بن حميد وآدم بن أیی إیاس . (٢) أخرجه بهذا اللفظ - مع تقديم وتأخير فى بعض الروايات - أحمد فى المسند ٥/ ١٤٨، ١٦١، ١٦٢ =