النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١
سورة البقرة : الآيتان ٢٤٨، ٢٤٩
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَغَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ . وفى مسألتِهم إيّاه الآيةَ على
صِدْقِه . فإذ(١) كان ذلك منهم كُفْرًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ لهم وهم كفارٌ: لكم فى
مَجِىءِ التابوتِ آيةٌ إن كنتم من أهلِ الإِيمانِ باللَّهِ ورسولِه . وليسوا من أهلِ الإِيمانِ باللَّهِ
ولا برسولِه . ولكنَّ الأمرَ فى ذلك على ما وصَفنا من معناه ؛ لأنهم سألوا الآيةَ على
صدقِ خبرِه إياهم ليُقِرُّوا بصِدْقِه، فقال لهم: فى مجىءٍ التابوتِ - على ما وصَفَه
لهم - آيةٌ لكم إن كنتم عندَ مجيئِه كذلك مُصَدِّقيَّ بما قلتُ لكم وأخبَرْتُكم به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ
مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا مَنِ
أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ .
وفى هذا الخبرِ من اللَّهِ تعالى ذكرُه متروٌ قد استُغْنِى ("بدَلالتِه على٢) ما ذُكِر
عليه عن ذكرِه. ومعنى الكلام: إن فى ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين ، فأتاهم
التابوتُ فيه سَكِينٌ من ربِّهم وبَقِيَّةُ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ ، تَحمِلُه الملائكةُ ،
فصدَّقوا عندَ ذلك نبيّهم ، وأَقَرُّوا بأن اللَّهَ قد بعَث طالوتَ مَلِكًا عليهم، وأَذْعَنوا له
بذلك. يَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾. وما كان لِيَفْصِلَ
بهم إلا بعدَ رضاهم به، وتَسْليمِهم المُلَّكَ له؛ لأنه لم يكنْ مِمَّن يقدِرُ(١) على إكْراهِهم
على ذلك، فيُظَنَّ به أنه حَمَلهم على ذلك كرهًا .
وأما قولُه: ﴿ فَصَلَ﴾. فإنه يعنى به : شخَص بالجُنُّدِ ورحل بهم.
وأصلُ الفصْلِ القَطْعُ، يقالُ منه: فَصَل الرجلُ من موضع كذا وكذا - يعنى
(١) فى م، س: ((فإن)) .
(٢ - ٢) فى م: (( بدلالة)).
(٣) فى م: ((يقدرون)).
( تفسير الطبرى ٣١/٤ )
٤٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
به: قَطَّعَ ذلك فجَاوَزه شاخِصًا إلى غيرِهِ - يفصِلُ فصولًا، وفَصَل العَظْمَ والقولَ من
غيرِهِ ، فهو يفصِلُه فَضْلًا، إذا قَطَعه فأبانه . وفصَل الصبىّ فِصالًا: إذا قطَعه عن
اللبنِ . وقولٌ فَصْلٌ ، يقطَعُ فيُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ لا يُرَدُّ .
وقيل : إن طالوتَ فَصَل بالجنودِ يومَئذٍ من بيتِ المَقَّدسِ،/ وهم ثمانون ألفَ
٦١٨/٢
مقاتلٍ، لم يتَخَلَّفْ من بنى إسرائيلَ عن الفصولِ معه إلا ذو عِلَّةٍ لِعِلَّتِهِ، أو كبيرٌ
لهَرَمِه ، أو معذورٌ لا طاقةً له بالنهوضِ معه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال: حدَّثنى بعضُ أهلِ
العلمِ، عن وَهْبٍ بِنِ مُنَّهِ ، قال: خرَج بهم طالوتُ حينَ استَوسَقوا له، ولم يتَخَلَّفْ
عنه إلا كبيرٌ ذو عِلَّةٍ، أو ضَرِيرٌ(١) معذورٌ، أو رجلٌ فى ضَيْعةٍ(٢) لابدَّ له من تَخَلُّفٍ (٣)
فيها .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: ـَ
جاءهم التابوتُ آمَنوا بنُبوَّةٍ شمعونَ(٤)، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ، فخَرَجوا معه وهم
ثمانون ألفًا (*).
قال أبو جعفر: فلمَّا فَصَل بهم طالوتُ على ما وصَفنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
(١) الضرير: الذاهب البصر، وهو أيضا المريض المهزول، قد أضر به المرض. ينظر التاج (ض ر ر).
(٢) فى ت ٢: ((صنعة)).
(٣) فى س: ((أن يتخلف)).
(٤) فى ت ١: ((شمويل)).
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٦٧/١ - ٤٦٩، وأخرجه ابن أبى حاتم ٤٦٧/٢، ٤٧٢ (٢٤٦٩،
٢٤٩٥) من طريق عمرو به. وقال ابن كثير: وقول السدى: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا . فيه نظر؛ =
٤٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. يقولُ: إن الله مُخْتَبِرُكُم بِنَهَرٍ، لِيَعْلَمَ كيف طاعتُكم له.
وقد دلَّلنا على أن معنى الابتلاءِ الاختبارُ فيما مضى، بما أغنَى عن إِعادتِهُ(١).
وبما قلنا فى ذلك كان قتادةُ يقولُ .
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِ اللَّهِ
تعالى: ﴿إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: إن اللَّهَ يَتتلى خلْقَه بما يشاءُ؛
لِيَعْلَمَ مَن يطيعُه مَّن يَعْصِيهُ(١) .
وقيل: إن طالوتَ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ﴾. لأنهم شَكُوا إلى
طالوتَ قلةَ المياهِ بينَهم وبينَ عدوّهم ، وسألوه أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُجْرِىَ بينَهم وبينَ
عدوّهم نَهَرًا . فقال لهم طالوتُ حينئذٍ ما أخبر اللَّهُ عنه أنه قاله مِن قوله: ﴿إِنَّ
اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: حدَّثنى بعضُ أهلِ
العلم، عن وَهْبٍ بِنِ مُنَّهِ، قال: لمَّ فَصَل طالوتُ بالجنودِ قالوا (١) : إِن المياه
لا تحمِلُنا، فادْعُ اللَّهَ لنا يُجْرِى لنا نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ: ﴿إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ
بِنَهَرٍ﴾ الآية(٤).
= لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلته يبلغون ثمانين ألفا. البداية والنهاية ٢٩٥/٢.
(١) ينظر ما تقدم فى ١ / ٦٧٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٣/٢ (٢٤٩٨) من طريق يزيد به.
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال)).
(٤) ذكره ابن عطية فى تفسيره ١٧٣/٢.
٤٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
والنَّهَرُ الذى أخبرهم طالوتُ أن اللَّهَ مُبْتَلِهم به، قيل: هو نهرٌ بينَ الأُزْدُنِّ
وفِلَسْطينَ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ ،
قال: ﴿إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال الربيعُ: ذُكِرلنا ، واللهُ أعلم ، أنه نهرٌ
بينَ الأَردُنِّ وفِلَسْطِينَ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه نَهِرٌ بينَ الأَرْدُنِّ وفِلَسطينَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهٍَ﴾. قال: هو نَهَرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسطينَ(٢).
[٣٢٥/١ظ] حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ
مجرَيج، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ / طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾: غازِيًا إلى جالوتَ،
قال طالوتُ لبنى إسرائيل: ﴿إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِكُم بِنَهَرٍ﴾. قال: نَهَرٌ بينَ
فِلَسْطِينَ والأُرْدُنِّ، نَهَرٌ عَذْبُ الماءِ طَيِّه(١).
٦١٩/٢
وقال آخرون : بل هو نهرُ فِلَسْطينَ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٣/٢ عقب الأثر (٢٥٠١) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١٠١/١. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٣/٢ (٢٥٠١) عن الحسن بن يحيى به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٨/١ إلى المصنف. وينظر ابن أبى حاتم ٤٧٣/٢ (٢٥٠٠).
٤٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
أبيه ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ إِنَ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: فالنهرُ الذى ابْتُلِى به
بنو إسرائيلَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ(١).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
مُبْتَلِكُمْ بِنَهَرٍ﴾: هو نَهَرُ فِلَسْطِينَ(٢).
وأما قولُه: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا مَنِ
أُغْتَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ فإنه خبرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه
عن طالوتَ أنه قال لجنودِهِ ، إِذْ شَكَوا إليه العَطَشَ، فأخْبَرهم(٣) أن اللَّهَ مُبْتَلِيهم بنَهَرٍ،
ثم أعلَمَهم أن الابتلاءَ الذى أخبرهم عن اللَّهِ به مِن ذلك النَّهَرِ، هو أن مَن شَرِب مِن
مائِه فليس هو منه ، يعنى بذلك أنه ليس من أهلٍ ولايته وطاعتِه ، ولا مِن المؤمنين باللّهِ
وبلقائِه. ويدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾. فأخرَجَ مَن لم يجاوزِ النهرَ مِن الذين آمنوا، ثم أخْلَص
ذِكرَ المؤمنين باللّهِ ولقائِه عندَ دُنُوَّهم (٤) مِن جالوتَ وجنودِه بقولِه: ﴿ قَالَ الَّذِينَ
يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ
اللَّهِ ﴾ وأخبرهم أنه مَن لم يَطْعَمْه؛ يعنى: مَن لم يَطْعَمِ الماءَ من ذلك النهرِ .
والهاءُ فى قولِه: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ﴾. وفى قولِه: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾ .
عائدةٌ على النَّهَرِ ، والمعنى لمائِه . وإنما تَرَك ذكرَ الماءِ اكتِفَاءٌ بفَهْم السامِعِ بذكّرِ النھَرِ
كذلك ، أن المرادَ به الماءُ الذى فيه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٣/٢ (٢٤٩٩) عن محمد بن سعد به .
(٢) تقدم تخريجه بتمامه فى صفحة ٤٣٥، وأخرج هذا الجزء ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٣/٢ (٢٥٠٢)
وعقب (٢٤٩٩) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) فى ص، م، ت ٢، س: ((فأخبر)).
(٤) فى س: (( دفعهم)) .
٤٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
ومعنى قوله: ﴿لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾: لم يَذُقْه. يعنى: ومَن لم يَذُقْ ماءَ ذلك النَّهَرِ
فهو مِنِّى . يقولُ : هو من أهلِ ولايتى وطاعتى، والمؤمنين باللهِ وبلقائِه . ثم استَثْنَى من
قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾. المُغْتَرِفِين بأيديهم غُرْفَةٌ، (١ فقال: ومَن لم يَطْعَمْ(٢)
ماءَ ذلك النهرِ إلا غُرْفَةً يَغْتَرفُها بيدِه، فإنه مِنِّى .
ثم اختلَفت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهٍ﴾. فقرَأَه
عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (غَرْفَةً) بنَصْبِ الغَيْنِ من الغَرْفةِ، بمعنى الغَرْفِةِ
الواحدةِ ، من قولِك : اغتَرفتُ غَرْفَةً . والغَرْفَةُ هى الفعلُ بعينِه من الاغْتِرافِ.
وقرَأَه آخرون بالضَّمِّ، بمعنى الماءِ الذى يَصِيرُ فى كَفِّ الْمُغْتَرِفِ، فالغُرْفَةُ
الاسمُ، والغَرْفَةُ المصدرُ(٣) .
وأعجبُ القراءتين فى ذلك إلىَّ ضَمُ الغَيْنْ فى ((الغُرفةِ)) بمعنى: إلا مَن اغتَرَف
كَقًّا من ماءٍ . لاختلافِ ((غرفة)) إذا فُتِحَت غَيْنُها، وما هى له مصدرٌ. وذلك أن
مصدرَ ((اغتَرَف)) ((اغتِرافةٌ))، وإِنما ((غَرْفَةٌ)) مصدرُ ((غَرَفْت))، فلما كانت
((غَرْفَةٌ)) مُخالِفةً مصدرَ ((اغتَرَف))، كانت الغُرفةُ التى بمعنى الاسم على ما قد
٦٢٠/٢ وصَفْنا أشبهَ منها بالغَرْفةِ التى / هى بمعنى الفعلِ.
وذُكِر لنا أن عامّتَهم شَرِبوا مِن ذلك الماءِ، فكان مَن شَرِب منه عَطِش، ومَن
اغتَرَف غُرْفَةٌ رَوِى .
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فقالوا)).
(٢) بعده فى ص: ((ومن لم يطعم)) وفى ت ١، ت ٣، س: ((ومن يطعم))، وفى ت ٢: ((وإن لم يطعم)).
(٣) والقراءة الأولى - بنصب الغين - قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وقراءة الباقين بضم الغين. حجة
القراءات ص ١٤٠.
٤٨٧
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ
فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ، مِنِىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا
قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾: فشَرِب القومُ على قَدْرٍ يَقينِهم١ ، فأمَّا الكفارُ فجعَلوا يشربون فلا
يَرْوَوْن، وأما المؤمنون فجعَل الرجلُ يغتَرِفُ غُرْفَةً بيدِه، فَتَجْزِيه وتُزْوِيه (١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ ، عن
قتادةَ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ
غُرْفَةٌ بِيَدِهٍ﴾. قال: كان الكفارُ يشربون فلا يَرْوَوْن، وكان المسلمون يغتَرِفون
غُرْفةٌ فِيَجْزِيهم ذلك(٢) .
حدَّثنى المُثَنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِّىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ
غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ : يعنى المؤمنين منهم، وكان القومُ
كثيرًا، ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾، يعنى المؤمنين منهم، كان أحدُهم
يغتَرِفُ الغُرفةَ فيَجْزِیه ذلك ويُزْوِيهُ )) .
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمروٌ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىِّ، قال: لمّ أصبَح
التابوتُ وما فيه فى دارٍ طالوتَ، آمَنوا بنُبوَّةٍ شَمْعونَ، وسَلَّمُوا مُلْكَ طالوتَ،
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بقيتهم))، وفى س: (( نيتهم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٤/٢ (٢٥٠٣) من طريق يزيد به إلى قوله : يقينهم. ثم أخرجه
(٢٥٠٨) من طريق شيبان النحوى ، عن قتادة، وفيه : تعبهم. بدلا من : يقينهم.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٤/٢ (٢٥٠٦) عن الحسن به.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٤/٢ (٢٥٠٨، ٢٥٠٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
٤٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
فخرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا ، وكان جالوتُ من أعظم الناسِ وأشدِّهم بأسًا ، فخَرَج
يسيرُ بينَ يَدَى الجندِ ، ولا تجتمِعُ إليه أصحابُه حتى يَهْزِمَ هو مَن لَقِى ، فلما خرَجوا قال
لهم طالوتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ ﴾ فشَرِبوا منه هَيبةٌ من جالوتَ، فعَبَر منهم أربعةُ آلافٍ، ورجَع
ستةٌ وسبعون ألفًا ، فمَن شرِب منه عَطِش، ومَن لم يشرَبْ منه إلا غُرْفَةً رَوِى(١) .
حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ألقَى اللَّهُ على
لسانٍ طالوتَ حينَ فَصَل بالجنودِ ، فقال : لا يَصْحَبْنى أحدٌ إلا أحدٌ له نٌِّ فى الجهادِ .
فلم يَتَخلَّفْ عنه مُؤْمِنٌ، ولم يَتْبَعْه (١) منافِقٌ؛ "رجَعوا كفّارًا)، فلما رأى قَِّتَهم قالوا :
لن نَمَسَّ(٤) هذا الماءَ غُرْفةً ولا غيرَها. وذلك أنه قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم
بِنَهَرٍ﴾ الآية. فقالوا: لن نَمَسَ (٤) هذا، لا(٥) غُرْفةً ولا غيرَ غُرْفةٍ. قال: وأَخَذ البَقِيةُ
الغُرفةَ، فشَرِبوا منه(١) حتى كَفَتْهم وفَضَل منهم. قال: والذين لم يأخُذوا الغُرْفةَ أَقْوَى
من الذين أخذوها .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حَجّاج ، عن ابنِ جُرَيجٍ ، قال : قال
ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىَ إِلَّا مَنِ
(١) تقدم تخريجه بتمامه فى صفحة ٤٣٥، وأخرجه مفرقا ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٧/٢، ٤٧٢،
٤٧٣، ٤٧٥، ٤٧٦ (٢٤٦٩، ٢٤٩٥، ٢٥٠٢، ٢٥١٦،٢٥١١) من طريق عمرو بن حماد به. وينظر
ما تقدم فى ص ٤٨٢ .
(٢) فى س: (( يعقبه).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) بعده فى م: ((من)) .
(٥) سقط من: م، ت ٢، س.
(٦) فى ص، س: ((منها)).
٤٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
أُغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ،﴾: فشَرِب كلُّ إنسانٍ [٣٢٦/١و] كقَدْرٍ الذى فى قلبهِ، فمَن
اغتَرَف غُرْفَةً وأطاعَه رَوِى بطاعتِه، ومَن شَرِب فأكثَرَ عَصَى، فلم يَرْوَ لمعصيتِه (١).
/حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، فى حديثٍ ذكره عن ٦٢١/٢
بعضٍ أهلِ العلمِ، عن وَهْبٍ بِنِ مُنَبِّهِ فى قولِه: ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىَ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةُ بِيَدِهِ﴾. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَشَرِبُواْ
مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وكان - فيما يزعمون - من تَتَابَعَ منهم فى الشُّرْبِ الذی نُهِی
عنه لم يُزْوِهِ، ومَن لم يَطْعَمْه إلا كما أُمِرِ غُرْفَةً بيدِه، أجزأه وكَفاه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمْ قَالُواْ لَا
طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهُ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ ﴾: فلما جاوَزِ النَّهَرَ طالوتُ.
والهاءُ فى: ﴿ جَاوَزَهُ﴾ عائدةٌ على النَّهَرِ. و﴿هُوَ ﴾ كنايةُ اسم طالوتَ . وقولُه:
﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾. يعنى: وجاوَز النَّهَرَ معه الذين آمنوا، ﴿قَالُواْ لَا
طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيةً﴾ .
ثم اخْتُلِف فى عِدَّةِ مَن جاوَزِ النَّهَرَ معه يومَئذٍ ، ومَن قال منهم : لا طاقةً لنا اليومَ
بجالوتَ وجنودِه؛ فقال بعضُهم: كانت عِدَّتُهم ◌ِدَّةً أهلِ بدرٍ ؛ ثلاثمائةِ رجلٍ
وبِضْعةً عشَرَ رجلًا .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثْنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانيُ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدام، وحدَّثنا
(١) فى ت ١: ((بقدر)).
(٢) تقدم تخريجه فى صفحة ٤٤٠ .
٤٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قالا جميعًا: ثنا إسرائيلُ، قال : ثنا أبو
إسحاقَ ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن عِدَّةَ أصحابٍ بدرٍ على عِدَّةِ أصحابٍ طالوتَ
الذين جاوَزوا النَّهَرَ معه، ولم يَجُزُ(١) معه إلا مؤمنٌ، ثلاثمائةٍ وبِضْعةَ عشَرَ رجلًاً(١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال : ثنا أبو إسحاقَ ، عن البراءِ، قال :
كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ بدرٍ يومَ بدرٍ كعِدَّةِ أصحابٍ طالوتَ؛ ثلاثمائة رجلٍ وثلاثةً
عشَرَ رجلًا الذين جاوَزوا النَّهَرَ(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن
البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ عَ لِ كانوا يومَ بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعَةً عشَرَ
رجلًا على عدةِ أصحابٍ طالوتَ مَن جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمنٌ(٤).
حذَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ بنحوِهُ(٥).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارِ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن
البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ◌ِِّ كانوا يومَ بدرٍ على عِدَّةِ أصحاب
طالوتَ يومَ جاوَزوا النَّهَرَ، وما جاوَز معه إلا مسلمٌ(٢).
(١) فى س: ((يخرج)) .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٢/٢، وأخرجه ابن سعد ١٩/٢، والبخارى (٣٩٥٨)، والبغوى فى
تفسيره ٣٠٢/١ من طريق إسرائيل به .
(٣) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((فسكت)). والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣١/٢،
وأخرجه الترمذى (١٥٩٨) من طريق أبى بكر بن عياش به .
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٢/٢، وأخرجه ابن ماجه (٢٨٢٨) عن محمد بن بشار به .
(٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٢/٢، وأخرجه ابن سعد ١٩/٢، وابن أبى شيبة ٣٨٣/١٤، وأحمد
٥٢٤/٣ (١٨٥٥٥) عن وكيع به .
(٦) أخرجه البخارى (٣٩٥٩)، وابن حبان (٤٧٩٦)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٥/٢ (٢٥١٣)،
والبيهقى فى دلائل النبوة ٣٦/٣، ٣٧ من طريق سفيان به .
٤٩١
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِشْعَرٌ، عن أبى
إسحاقَ، عن البراءِ مثلَهُ(١).
حدَّثنا بِشرٌ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ ، قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ
اللَّهِ مَِّ قال لأصحابِهِ يومَ بدرٍ: ((أنتم بعِدَّةِ أصحابٍ طالُوتَ يومَ لَقِى)). وكان
أصحابُ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ يومَ بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًاً(٢).
/حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن ٦٢٢/٢
الربيع، قال: مَخَّصَ اللَّهُ الذين آمنوا عندَ النَّهَرِ، وكانوا ثلاثمائةٍ وفوقَ العشَرَةِ ودونَ
العشرين، فجاء داودُ عليه السلامُ فأكمَلَ به العِدَّةَ .
وقال آخرون: بل جاوَز معه النَّهَرَ أربعةُ آلافٍ ، وإنما خلَص أهلُ الإِيمانِ منهم من
أهلِ الكفرِ والنِّفاقِ حينَ لَقُوا جالوتَ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدِّىّ،
قال: عبر مع طالوتَ النهَرَ مِن بنى إسرائيلَ أربعةُ آلافٍ، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ﴾، فَتَظَروا إلى جالوتَ رجَعوا أيضًا وقالوا: ﴿لَا طَاقَةً
لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيَةٌ ﴾. فرجَع عنه أيضًا ثلاثةُ آلافي وسِتُّمائةٍ وبضعةٌ (٣)
وثمانون، وخلَص فى ثلاثمائةٍ وبِضْعَةً عشَرَ، عِدَّةِ أهلِ بدٍ(٤).
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٣/١، وأخرجه ابن سعد ١٩/٢ عن أبى أحمد الزبيرى به ، وأخرجه
المصنف فى تاريخه ٤٣٢/٢ من طريق مسعر به .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٣/٢.
(٣) فى بعض نسخ التاريخ: ((تسعة)).
(٤) تقدم تخريجه بتمامه فى ص ٤٤٢، وأخرج هذا الجزء ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٤٧٥، ٤٧٧
(٢٥١١، ٢٥٢٢) من طريق عمرو به .
٤٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجّاجْ ، عن ابنِ جُرَيج، قال : قال
ابنُ عباسٍ: لمّ جاوَزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شَرِبوا: ﴿لَا طَاقَةً لَنَا الْيَوْمَ
بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِهُ﴾ .
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وقاله السُّدِّىُّ، وهو أنه
جاوَز النَّهَرَ مع طالوتَ المؤمنُ الذى لم يَشْرَبْ من النهرِ إِلا الغُرْفَ، والكافر الذى
شَرِب منه الكثيرَ، ثم وقَع التمييزُ بينَهم بعدَ ذلك برؤيةِ جالوتَ ولقائِه، وانخَزَل(١)
عنه أهلُ الشِّرْكِ والنّفاقِ، وهم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ
وَجُنُودِيَةٌ﴾. ومضَى أَهلُ البصيرةِ بأمرِ اللَّهِ على بصائِرِهم، وهم أهلُ الثَّبَاتِ على
الإيمانِ، فقالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ
مَعَ الصَّبِينَ﴾ .
فإن ظَنَّ ذو غَفْلةٍ أنه غيرُ جائٍ أن يكونَ جاوَزِ النَّهَرَ مع طالوتَ إلا أهلُ الإِيمانِ
الذين ثبتوا معه على إيمانِهم، ومَن لم يشرَبْ من النهرِ إلا الغُرفةَ؛ لأن الله تعالى ذكرُه
قال: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُمٍ﴾. فكان معلومًا أنه لم يجاوِزْ معه
إلا أهلُ الإِيمانِ، على ما رُوِى به الخبرُ عن البَرَاءِ بنِ عازبٍ، ولأن أهلَ الكفرِ لو كانوا
جاوزوا النهَرَ كما جاوَزه أهلُ الإيمانِ ، لَمَا خَصَّ اللَّهُ بالذِّكْرِ فى ذلك أهلَ الإيمانِ . فإن
الأمرَ فى ذلك بخلافٍ ما ظنَّ، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنكَرٍ أن يكونَ الفريقان - أعنى
فريقَ الإِيمانِ وفريقَ الكُفرِ - جاوزوا النَّهَرَ، وأخبر اللَّهُ نبيَّه محمدًا عَ لمه عن المؤمنين
بالمجاوزةِ ؛ لأنهم كانوا من الذين جاوَزوه مع مَلِكِهم، وتَرَك ذكرَ أهلِ الكفرِ ، وإن
كانوا قد جاوَزوا النَّهَرَ مع المؤمنين .
:
(١) فى م: ((انخذل)). وانخزل: انفرد. ينظر النهاية ٢٩/٢.
٤٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
والذى يَدُلُّ على صحة ما قلنا فى ذلك قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ
هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيُ قَالَ
الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَتْ فِئَةٌ
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اَللَّهِ ﴾. فأوجب اللهُ تعالى ذكرُه أن الذين يَظُنُّون أنهم ملاقُو اللَّهِهم
الذين قالوا عندَ مجاوزةِ النهرِ: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ [٣٢٦/١ ظ] قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةٌ
كَثِيرَةٌ بِذْنِ اللَّهِ﴾. دونَ غيرِهم / الذين لا يَظُنُّون أنهم ملاقُو اللَّهِ ، وأن الذين لا
يظُنُون أنهم ملاقُو اللَّهِ هم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيةٌ﴾
وغيرُ جائٍ أن يُضافَ الإيمانُ إلى مَن جَحَد أنه مُلاقى اللَّهِ، أو شَكَّ فيه .
٦٢٣/٢
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ قَالُواْ لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِهُ قَالَ
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةٌ
٤٩
كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللهُ مَعَ الصَّكِينَ
اختلف أهلُ التأويلِ فى أمْرِ هذين الفريقين ، أعنى القائلين: ﴿لَا طَاقَةً لَنَا
اَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِهُ﴾. والقائلين: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةٌ
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ مَن هما؟ فقال بعضُهم: الفريقُ الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةً
لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهُ﴾. هم أهلُ كُفْرِ باللَّهِ ونِفاقٍ، وليسوا ممن شهِد قتالَ
جالوتَ وجنودِه ؛ لأنهم انصرَفوا عن طالوتَ ومَن ثبَت معه لقتالِ عدوٌّ اللَّهِ جالوتَ
ومَن معه، وهم الذين عَصَوا أمرَ اللَّهِ لِشُرْبِهِم من النَّهَرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ بذلك (١) . وهو
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٩١ .
٤٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
قولُ ابنِ عباسٍ، وقد ذكرنا الروايةَ بذلك عنه آنِفًا(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنٍ جُرَيج ، قال :
الذين يظُنُّون أنَّهم ملاقُو اللَّهِ ، الذين اغتَرَفوا وأطاعوا، الذين مَضَوا مع طالوتَ
المؤمنون ، وجلس الذین شَكُوا .
وقال آخرون: كلا (٢) الفريقَين كان أهلَ إيمانٍ ، ولم يكنّْ منهم أحدٌ شرِب مِن
الماءِ إلا غُرْفَةً ، بل كانوا جميعًا أَهلَ طاعةٍ ، ولكنَّ بعضَهم كان أصحّ يَقِينًا من بعضٍ ،
وهم الذين أخبر اللَّهُ عنهم أنهم قالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةٌ
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللهِ﴾. والآخرون كانوا أضعفَ يَقِينًا منهم (١، وهم الذين قالوا:
﴿لَا طَاقَةً لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهُِ
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثْنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ
هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِيُ قَالَ
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الضَّبِينَ﴾: ويكونُ، " واللَّهِ)، المؤمنون بعضُهم
أفضلَ جِدًّا وعَزْمًا من بعضٍ، وهم مؤمنون كلُّهم(٥) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
(١) تقدم ص ٤٩٢ .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((كل)).
(٣) زيادة من: س.
(٤ - ٤) سقط من: م، س.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٦/٢ (٢٥٢٠) من طريق شيبان ، عن قتادة نحوه.
٤٩٥
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
قتادةَ فى قوله: ﴿كَم مِّن فِتَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِتَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إن
النبىَّ عَِّ قال لأصحابِهِ يومَ بدرٍ: «أنتم بعِدَّةِ أصحابٍ طالوتَ ثَلاثُمائةٍ)). قال
قنادةُ: وكان مع النبىِّ ◌َّهِ يومَ بدرٍ ثلاثُمائَةٍ وبضعَةَ عشَرَ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ : الذين لم يأخذوا
الغُرفةَ أقوى من الذين أخذوا، وهم الذين قالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ
فِتَةً كَثِيرَةً بِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾.
ويجِبُ على القولِ الذى رُوِى عن البَراءِ بنِ عازبٍ أنه لم يُجاوزِ النَّهَرَ مع
طالوتَ إلا عدةُ أصحابٍ / بدرٍ ، أن يكونَ كلا الفريقين اللذين وصَفَهما اللَّهُ بما ٦٢٤/٢
وصَفهما به ، أمرُهما على نحوِ ما قال فيهما قتادةُ وابنُ زيدٍ .
وأولى القولَين فى "ذلك بتأويلِ الآية، ما قاله ابنُ عباسٍ والسُّدِّئُّ وابنُ
مُجْرَيجٍ. وقد ذكرنا الحُجّةَ فى ذلك فيما مَضَى قبلُ آنِفًا .
وأما تأويلُ قولِهِ: ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ﴾ . فإنه يعنى:
قال الذين يعلمون ويَشْتيقِنون أنهم ملاقو اللَّهِ .
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ قَالَ الَّذِينَ
يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ﴾: الذين يَسْتيقِنون(٣).
فتأويلُ الكلام: قال الذين يُوقِنون بالمعادِ ، ويُصَدِّقون بالَرْجِع إلى اللَّهِ ، للذين
قالوا: ﴿لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِهُ﴾: ﴿كَمْ مِّن فِئَةٍ
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ١٠١. وأخرجه المصنف فى تاريخه ٤٣٣/٢ سندًا ومتنا مختصرًا.
(٢ - ٢) فى م: ((تأويل الآية))، وفى س: ((ذلك بالتأويل)).
(٣) تقدم تخريجه بتمامه فى ص ٤٤٢، أخرج هذا الجزء ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٧٦/٢ (٢٥١٨) من
طريق عمرو به .
٤٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٤٩
قَلِيلَةٍ﴾. يعنى بـ﴿كَم﴾ كثيرًا، غلَبَت فئةٌ قليلةٌ فئةً كثيرةً ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
يعنى: بقضاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الضَّبِينَ﴾. يقولُ: مع الحابِسِين أنفسَهم
على رضاه وطاعته .
وقد أتينا على البَيانِ عن وجوهِ الظَّنِّ، وأن أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بما يدُلُّ
على صحةٍ ذلك فيما مَضَى ، فَكَرِهنا إعادته(١) .
وأما الفِئَةُ فإنهم الجماعةُ من الناسِ، لا واحدَ له من لفظِهِ، وهو مثلُ الرَّحْطِ
والنَّفَرِ، يُجْمَعُ(١) ((فِئات))، و((فِئونَ)) فى الرفعِ، و ((فِئِينَ)) فى النصبِ والخَفَضِ،
يفتحِ نونِها فى كلِّ حالٍ ، و((فِئِينُ)) بالرفعِ بإعرابِ نونِها بالرفعِ ، وتَرْكِ الياءِ فيها ،
وفى النصبِ ((فِئِينًا))، وفى الخَفْضِ ((فِئِينٍ))، فيكونُ الإعرابُ فى الخفضِ والنصبِ
فى نونِها، وفى كلِّ ذلك مُقَرَّةٌ فيها الياءُ على حالها، فإن أَضِيفت قيل:
هؤلاء " فِئِينُك. بإقرارِ " النونِ وحَذْفِ التنوين، كما قال الذين لغتُهم: هذه سنينٌ،
فى جمعِ السنةِ : هذه سنينُك. بإثباتِ النونِ وإعرابِها، وحَذْفِ التنوينِ منها
للإضافةِ، وكذلك العملُ فى كلِّ منقوصٍ، مثلَ: مائةٌ وثُبَةٌ وَقُلَةٌ (٤) وعِزَةٌ. فأما ما
كان نقصُه من أولِه، فإن جَمْعَه بالتاءِ ، مثلَ : عِدَةٌ وعداتٌ، وصِلةٌ وصِلاتٌ .
وأما قولُه: ﴿ وَاَللَّهُ مَعَ الضَّبِينَ﴾. فإنه يعنى: واللَّهُ مُعِينُ الصَّابِرِين على
الجهادِ فى سبيله، وغيرِ ذلك من طاعتِه، وظهورِهم ونصْرِهم على أعدائِه
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٢٣/١ وما بعدها .
(٢) فى م: (( جمعه )) .
(٣ - ٣) فى س: ((فيئك بإضمار)).
(٤) القلة : عود صغير غليظ الوسط دقيق الطرفين يرمى على الأرض ثم يهمز بالمقلى فيرتفع فى الهواء قليلاً،
فيضرب بالمقلى ضربة قوية ، فينطلق كالسهم ويجرى الصبيان وراءه .
(٥) فى ص: ((ظهيرهم))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((طهرهم))، وفى س: ((ظهرهم)).
٤٩٧
سورة البقرة : الآيتان ٢٥٠، ٢٥١
الصَّادِّين عن سبيلِه، المخالفين مِنْهاجَ دينِه. وكذلك يقالُ لكلِّ مُعينٍ رجلاً على
غيرِه : هو معه . بمعنى : هو معه بالعَوْنِ له والنصرةِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَآَ أَفْرِغْ
٢٥٠
عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَّفِينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ،﴾: ولمّ برَز
طالوتُ وجنودُه لجالوتَ وجنودِه .
ومعنى قوله: ﴿بَرَزُواْ﴾: صاروا بالبَرَازِ من الأرضِ، وهو ما ظهَر منها واستَوى،
ولذلك قيل للرجلِ القاضى حاجته: تَبَّزَ ؛ لأَنَّ الناسَ قديمًا فى الجاهليةِ إنما كانوا يَقْضُون
[٣٢٧/١ و] حاجتَهم فى البرَازِ من الأرضِ، / فقيل: قد تَبَرَّزَ فلانٌ. إذا خرج إلى البَرَازِ من ٦٢٥/٢
الأرضِ لذلك، كما قيل: تَغَوَّط. لأنهم كانوا يَقْضُون حاجتَهم فى الغائطِ من
الأرضِ، وهو المُطْمَئِنُّ منها ، فقيل للرجلِ: تَغَوَّط . أى: صار إلى الغائطِ من الأرضِ .
وأما قولُه: ﴿رَبَّنَاَ أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ . فإنه يعنى أن طالوتَ وأصحابَه
قالوا: ﴿رَبَّنَآَ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ . يعنى: أَنزِلْ علينا صبرًا .
وقولُه: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾. يعنى: وقَوِّ قلوبَنا على جهادِهم؛ لَتْبُتَ
أقدامُنا فلا نَنْهِزِمَ عنهم، ﴿ وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِينَ ﴾ الذين كفروا بك
فجَحَدوك إلهًا، وعَبَدوا غيرَك، واتَّخَذوا الأوثانَ أرْبابًا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ﴾.
يعنى (١) تعالى ذكرُه بذلك(٢) : فَهَزَم طالوتُ وجنودُه أصحابَ جالوت ، وقتل
(١) فی س: ( یبین)).
(٢) سقط من : م.
( تفسير الطبرى ٣٢/٤ )
٤٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٥١
داودُ جالوتَ .
وفى هذا الكلام متروك، تُرِك ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر منه عليه ، وذلك أن
معنى الكلام: ولمَّ برَزوا لجالوتَ وجنودِه ، قالوا: ربَّنَا أَفرِغْ علينا صبرًا وثبّتْ أقدامنا
وانصُرْنا على القوم الكافرين، فاستجاب لهم ربُّهم، فأفرَغ عليهم صبرَه، وثُبَّتَ
أقدامَهم ونصرهم على القومِ الكافرين، فهَزَموهم بإذنِ اللَّهِ. ولكنه ترك ذكْرَ ذلك
اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اُللَّهِ﴾. على أن اللّهَ قد أجاب دعاءِهم
الذی دَعَوه به .
ومعنى قوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قتَلوهم (١) بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه،
يقالُ منه: هزَم القومُ الجيشَ هزيمةُ وهِزْيَمَى. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ﴾. وداود
هذا، هو داودُ بنُ إيشى(٢) نبىُ اللَّهِ عليه السلامُ.
وكان سببَ قتلِه إياه كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاقِ ،
قال: أخبرنا بَكّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يُحدِّثُ، قال: لمَّ
خرَج - أو قال: لمَّ بَرَز - طالوتُ لجالوتَ، قال جالوتُ : أبْرِزوالى مَن يُقاتِلُنى، فإن
قتَلنى فلكم مُلْكِى ، وإن قتَلْتُه فلى مُلْكُكم. فأَتِى بداودَ إلى طالوتَ ، فَقاضاه إن قتله
أن يُنكِحَه ابنتَه، وأن يُحَكِّمَه فى مالِهِ ، فَأَلْبَسه طالوتُ سلاحًا، فَكَرِهِ داودُ أَن يقاتِلَه
بسلاح "، وقال: إنِ اللَّهُ لم يَنصُرْنى عليه لم يُغْنِ السلامحُ. فخرَج إليه بالمفِلاعِ
وبمِحْلاةٍ فيها أحجارٌ، ثم برَز له، قال له جالوتُ : أنت تُقاتِلُنى؟ قال داود : نعم .
(١) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: فلُّوهم. فالهزيمة فى الحرب لغة: الكسر والفَلُّ لا القتل. ينظر اللسان
(ف ل ل، هـ زم). وكذا غيّرها الشيخ شاكر.
(٢) وهو كذلك فى تاريخ الطبرى ٤٧٦/١. وفى الأصحاح السابع عشر من سفر صموبيل: يَشَى.
(٣) سقط من النسخ، والمثبت من مصدرى التخريج .
٤٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٥١
قال: وَيْلَك، (" ما خرَجتَ إلىَّ" إلا كما يُخرَجُ إلى الكلبِ بالمُفْلاعِ والحجارةِ!
لأُبِّدَنَّ(٢) لَحْمَك، ولأَطْعِمَنَّه اليومَ الطيرَ والسِّباعَ . فقال له داودُ : بل أنت عدوُّ اللَّهِ
شرٌّ من الكلبِ . فأخَذ داودُ حجرًا ورماه بالمِقْلاع، فأصابه (١) بينَ عَيْنَيَه حتى نفَذَ(٤)
فى دِماغِهِ، فصَرَع جالوتَ، وانهزَم مَن معه، واحتَزَّ داودُ رأسَه، فلما رجعوا إلى
طالوتَ ادَّعى الناسُ قتلَ جالوتَ ؛ فمنهم مَن يأتى بالسيفِ وبالشىءٍ من سلاحِه أو
جسدِه، وخَبَّأَ داودُ رأسَه، فقال طالوتُ: مَن جاء برأسِه فهو الذى قتله . فجاء به
داودُ، ثم قال لطالوتَ: أعْطِنى ما وعَدْتَنى. فندِم طالوتُ على ما كان شرَط له / ٦٢٦/٢
وقال : إن بناتِ الملوكِ لابدَّ لهنَّ من صَداقٍ ، وأنت رجلٌ جَرِىءٌ شجائٌ، فاحتَمِلْ
صداقَها ثلاثمائةٍ غُلْفةٍ(٥) من أعدائِنا. وكان يرجو بذلك أن يُقْتَلَ داودُ ، فغَزا داودُ ،
وأسر منهم ثلاثمائةٍ ، وقطَع غُلَفَهم وجاء بها، فلم يَجِدْ طالوتُ بُدًّا من أن يُزَوِّجَه،
ثم أُدرَكَته التَّدامةُ ، فأراد قتلَ داودَ حتى هرَب منه إلى الجبلِ، فنهَض إليه طالوتُ
فحاصَره ، فلما كان ذاتَ ليلةٍ سُلِّط النومُ على طالوتَ وحَرَسِه ، فَهَبَط إليهم داودُ ،
فأخَذ إبريقَ طالوتَ الذى كان يشرَبُ منه ويَتوضَّأَ ، وقطَع شَعَراتٍ من لحيتِه وشيئًا
من هُذْبٍ ثیابه ، ثم رجع داودُ إلى مكانِه، فناداه: "أن تعامد) حرَسَك، فإنی لو
شئتُ أن(٧) أقْتُلَك البارحةَ فعلتُ، ()وإنَُّ) هذا إبْرِيقُك، وشىءٌ من شَعَرِ لحِيتِك
(١ - ١) فى ص، س: ((أما وجب))، وفى م: ((أما تخرج إلى)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٢) فى س: ((لأذوق)).
(٣) فى م: ((فأصابت)) .
(٤) فى م، ونسخة من تفسير عبد الرزاق: ((نفذت)).
(٥) الغلفة والقُلْفة: جلدة الذكر التى ألبستها الحشفة ، وهی التی تقطع من ذکر الصبى . ينظر التاج(غل ف، ق ل ف).
(٦ - ٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أن)) وبعدها بياض بمقدار كلمة، وفى س: ((أن أين)). والمثبت
من تفسير عبد الرزاق .
(٧) ليست فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٨ - ٨) فى ص، ت ٢، م: ((فإنه))، وفى ت ١، ت ٣: ((فإن))، وفى تفسير عبد الرزاق: (( بآية أن)).
٥٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٥١
وهُذْبٍ ثيابِك . وبعَث به (١) إليه، فعلِم طالوتُ أنه لو شاء قتله ، فعطَفه ذلك عليه ،
فأمَّنَه وعاهَده باللّهِ لا يرَى منه بأسًا، ثم انصرَف، ثم كان فى آخِرِ أمرٍ طالوتَ أنه
كان يَدُسُ لقتْلِه، وكان طالوتُ لا يقاتِلُ عدوًّا إلا هُزِم، حتى مات.
قال بَكَّارٌ: وسُئِل وَهْبٌ وأنا أسمَعُ، أَنَبِيًّا كان طالوتٌ يُوحَى إليه؟ فقال: لم
يأتِهِ وَحْىٌّ ، ولكن كان معه نبىٌّ يقالُ له: أشمويلُ(١) . يُوحَى إليه، وهو الذى مَلَّك
طالوتَ(٣) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال: كان داودُ النبىُّ
وإخوةٌ له أربعةٌ ، معهم أبوهم شيخٌ كبيرٌ، فَتَخَلَّف أبوهم وتَخلَّف معه داودُ من بين
إخوته فى غَنَم أبيه يَرْعاها له، وكان من أصْغرِهم، وخرج إخوتُه الأربعةُ مع طالوتَ،
فدَعاه أبوه وقد تقارَب الناسُ ودنا بعضُهم من بعضٍ - قال ابنُ إسحاقَ : وكان
داودُ ، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبٍ بنِ مُنَبِّهٍ، رجلًا قصيرًا أزرقَ (٤) ،
قليلَ شعرِ الرأسِ، وكان طاهرَ القلبِ نَقِيَّهُ(١) - فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنا قد صنَعنا
لإخوتِك زادًا يَتَقَوَّوْن به على عدوّهم، فاخرُجْ به إليهم ، فإذا دفَعتَه إليهم ، فأقبِلْ إِلىَّ
سريعًا. فقال: أَفعَلُ. فخرَج وأخَذ معه ما عُمِلُ(١) لإخوتِهِ، ومعه مِخْلاتُه التى
يَحْمِلُ فيها الحجارةَ ، ومِقْلاعُه الذى كان يَرْمى به عن غَنَمِه ، حتى إذا فصَل من عندِ
(١) زيادة من تفسير عبد الرزاق .
(٢) فى ص، وتفسير عبد الرزاق: ((اسمويل))، وفى ت ١: ((شمويل)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ١٠٣/١ - ١٠٥، وأخرجه ابن أبى حاتم فى التفسير ٤٧٧/٢، ٤٧٨ (٢٥٢٦) عن
الحسن بن یحیی به ببعضه .
(٤) يريد: أزرق العينين، كما فى قصص الأنبياء للثعالبى ص ٢٤٤، وينظر الحيوان ٣٣١/٥ - ٣٣٣.
(٥) أخرج هذه الفقرة المصنف فى تاريخه ١/ ٤٧٦.
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حمل)).