النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة البقرة الآية : ٢٤٦
حدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ ، قال: أخبرنا عبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّحاك يَقُولُ فى قولِه: ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَِّ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا
مَلِكًا﴾. قال: هذا حينَ رُفِعَتِ الثَّوْراةُ واسْتُخْرِج أهلُ الإيمانِ (١) .
وقال آخرون : كان سببَ مسألتِهِم نبيّهم ذلك ما حدَّثنی به موسى بنُ هارونَ ،
قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السدِّىِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاء مِنَّ بَنِىّ
إِسْرَِّيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىَ إِذْ قَالُواْ لِنَِّ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ يُقَاتِلون العمالقَةَ، وكان ملِكَ العمالقةِ جالوتُ ،
وأنهم ظهَروا على بنى إسرائيلَ ، فضرَبوا عليهم الجزيةَ ، وأخَذوا توراتَهم، وكانت
بنو إسرائيلَ يَسْأَلون اللّهَ أن يَبْعَثَ لهم نبيًا يُقَاتِلون معه، وكان سِبْطُ النبوّةِ قد هلكوا ،
فلم يَبْقَ منهم إلا امرأةٌ حُبْلَى، فأخَذوها فحبَسوها فى بيتٍ ؛ رهبةَ أن تَلِدَ جاريةٌ
فتُبْدِلَها (١) بغلام؛ لما تَرَى مِن رغبةِ بنى إسرائيلَ فى وَلَدِها، فجعَلت المرأةُ تَدْعو اللّهَ أن
يَرْزُقَها غلامًا، فولَدت غُلامًا فسمَّتْه شمعونَ، فكبِرِ الغلامُ، فَأَسْلَمَتْهُ(٢) يَتَعَلَّمُ التوراةَ
فى بيتِ المقدسِ، وكفَله شيخٌ مِن علمائِهِم وتَبَّاه، فلما بلَغ الغلامُ أَن يَبْعَثَه اللّهُ نبِيًّا
أتاه جبريلُ والغلامُ نائمٌ إلى جَنْبِ الشيخِ، وكان لا يَتَّمِنُ(٤) عليه أحدًا غيرَه، فدعاه
بلَحْنِ الشيخ: يا شماولُ . فقام الغلامُ فِعًا إلى الشيخ، فقال: يا أبتاه ، دعوتَنَى ؟
فكرِه الشيخُ أن يَقُولَ : لا ، فيَفْزَعَ الغلامُ ، فقال: يا بنىَّ، ارْجِعْ فَنَمْ . فرجَع فنام ، ثم
دعاه الثانيةَ ، فأتاه الغلامُ أيضًا، فقال: دعوتَنى. فقال: ارْجِعْ فنَم، فإن دعوتُك
الثالثةَ فلا تُجِبْنِى . فلما كانت الثالثةَ ظهرَ له جبريلُ ، فقال: اذْهَبْ إلى قومِك فبلِّغْهم
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣/٢ (٢٤٤٥) من طريق أبى معاذ به .
(٢) فى س، وتاريخ المصنف: ((فتبدله)) .
(٣) فى م: ((فأرسلته))، وفى س: ((فسلمته)).
(٤) فى م: ((يأتمن))، وفى نسخة من تاريخ المصنف: ((يأمن)).

٤٤٢
سورة البقرة الآية : ٢٤٦
رسالةَ ربِّك، فإِنَّ اللّهَ قد بعَثك فيهم نبيًّا. فلما أتاهم كذَّبوه وقالوا: اسْتَعْجَلْت
بالنبوَّةِ ولم تَيِّنْ لك. وقالوا: إن كنت صادقًا فابْعَتْ لنا مَلِكًا نُقَاتِلْ فى سبيلٍ
اللّهِ ، آيَةٌ مِن نبوَّتِك، فقال لهم شمعونُ: عسَى إن كُتِبَ عليكم القتالُ ألا
(١)
تُقَاتِلوا (١) .
قال أبو جعفرٍ : وغيرُ جائزٍ فى قولِ اللّهِ تعالى ذكرُه: (نُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ).
إذا قُرِىَ بالنونِ غيرُ الجزمِ ، على معنى المجازاةِ وشرْطِ الأمرِ. فإن ظَنَّ ظانٌ أَنَّ الرَّفْعَ فيه
جائزٌ وقد قُرِئَ بالنونِ ، بمعنى الذى نُقاتِلُ به (٢) فى سبيلِ اللهِ . فإن ذلك غيرُ جائزٍ؛
لأن العربَ لا تُضْمِرُ حرفين ، ولكنْ لو كان قُرِئ ذلك بالياءِ لجازَ رفعُه؛ لأنه يكونُ لو
قُرئَ كذلك صلة لـ ((الملكِ))، فيصيرُ تأويلُ الكلام حينئذٍ: ابْعَثْ لنا الذى يُقَاتِلُ فِى
سبيل اللّهِ. كما قال تعالى ذكره: ﴿وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِكَ﴾. لأن قولَه: ﴿يَتْلُواْ﴾ مِن صلةِ (( الرسولِ)).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
أَلَّا نُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآَمِنَّاً
٢٤٦
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلاً مِّنْهُمٌ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِمِين
/يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: قال النبيُّ الذى سألوه أن يَبْعَثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلوا فى
سبيلِ اللّهِ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾: هل تَعِدُون ﴿إِن كُتِبَ﴾ يعنى: إن قُرِض
عليكم القتالُ ، ﴿ أَلَّا نُقَتِلُواْ ﴾ يعنى: ألا تَفُوا بما تعِدون اللّهَ من(٢) أنفسكم مِن
٥٩٩/٢
(١) بعده فى م: ((والله أعلم)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٤٦٧، ٤٦٨ مطولًا بإسناد السدى المعروف، وأخرجه ابن أبى حاتم
فى تفسيره ٤٦٣/٢ (٢٤٤٦، ٢٤٤٧) من طريق عمرو به مقتصرا على آخره .
(٢) سقط من النسخ، وينظر معانى القرآن ١٥٧/١.
(٣) فى س: (( فى)) .

٤٤٣
سورة البقرة : الآية ٢٤٦
الجهادِ فى سبيلِه، فإنكم أهلُ نُكْثٍ وغَدْرٍ ، وقلَّةِ وفاءٍ بما تَعِدُون. ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَآ
أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. يعنى: قال الملأَّ مِن بنى إسرائيلَ لنبيِّهم ذلك: وأىُّ
شىءٍ يمنعُنا أن نُقَاتِلَ فى سبيلِ اللّهِ عدوَّنا وعَدُوَّ اللهِ، ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا
وَأَبْنَآَيِنَا﴾ بالقهرِ والغلبةِ؟ .
فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ دخولٍ ((أَنْ)) فى قوله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى
سَبِيلِ اللّهِ﴾؟ وحَذْفِه مِن قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾؟
[ الحديد : ٨] .
قيل: هما لُغتان فصيحتان للعربِ، تَحْذِفُ ((أن)) مرةً مع قولِها (١) : ما لك؟
فتقولُ : مالك لا تَفْعَلُ كذا؟ بمعنى: مالك غيرُ فاعلِه؟ كما قال الشاعرُ(١):
ما لَكِ تَوْغِينَ وَلا تَْغُو الْخَلِفْ (٣)
وذلك هو الكلامُ الذى لا حاجةَ بالمتكلم به إلى الاستشهادِ على صحتِه لفُشُوٌّ
ذلك على ألسنِ العربِ .
وتُثْبِتُ ((أن)) فيه أخرى؛ توجيهًا لقولها: مالك؟ إلى معناه (١) ، إذ كان معناه:
ما منَعك؟ كما قال تعالى ذكره: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ﴾ [الأعراف: ١٢]. ثم
قال فى سورةٍ أُخرى فى نظيرِهِ: ﴿ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴾ [الحجر: ٣٢].
فوضَع ﴿ مَا مَنَعَكَ﴾ موضعَ ﴿ مَا لَكَ﴾، و﴿ مَا لَكَ ﴾ موضعَ ﴿ مَا مَنَعَكَ ﴾؛ لاتِّفاقِ
(١) فى النسخ: ((قولنا)). والمثبت يوافق ما سيأتى فى كلام المصنف.
(٢) معانى القرآن للفراء ١٦٣/١، واللسان (خ ل ف).
(٣) الخلف : جمع خلفة ، والخلفة : الناقة الحامل، وقيل: هى التى استكملت سنة بعد النتاج ثم حمل عليها
فلقحت . اللسان (خ ل ف).
(٤) أى أن معناه المنع .

٤٤٤
سورة البقرة : الآية ٢٤٦
مَعْنَيَيْهما وإن اختلفت ألفاظُهما، كما تَفْعَلُ العربُ ذلك فى نظائرِه مما تَتَّفِقُ معانيه
وتَخْتَلِفُ ألفاظُه، كما قال الشاعرُ():
يَقُولُ إذا اقْلَوْلَى(٢) عليها وأَقْرَدَتْ(٣) أَلَا هَلْ أَخو عَيْشِ لَذِيذٍ بِدَائم؟
فَأَدْخَل فى ((دائم)) الباءَ مع ((هل)) وهى استفهامٌ، وإنما تَدْخُلُ فى خبرِ ((ما))
التى فى معنى الجَحْدِ ؛ لتقاربِ معنى الاستفهامِ والجَخْدِ .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَقُولُ(٤): أُدخِلَت ((أنْ)) فى: ﴿أَلَّا نُقَتِلُواْ﴾؛ لأنه
بمعنى قولِ القائلِ : ما لك فى ألا تُقاتِلَ؟ ولو كان ذلك جائزًا لجاز أن يقالَ: مالك أن
قُمْتَ؟ وما لك أنك قائمٌ؟ وذلك غيرُ جائزٍ؛ لأَنَّ المنعَ إنما يَكُونُ للمُسْتَقْبَلِ مِن
الأفعالِ ، كما يقالُ : منَعتُك أن تقومَ . ولا يقالُ : منَعتُك أن قمتَ . فلذلك قيل فى
ما لك: ما لك ألا تَقُومَ ؟ ولم يُقَلْ: مالك أن قُمْتَ ؟
وقال آخرون منهم(٥): ((أن)) هلهنا زائدةٌ بعدَ (٦ ((ما لنا)) كما تزادٌ) ((لما))
و((لو)) وهى تُزادُ فى هذا المعنى كثيرًا. قال: ومعناه : ومالنا لا نُقَاتِل فى سبيلِ اللّهِ؟
فأعمَل ((أن))، وهى زائدةٌ، وقال الفرزدَقُ(٧):
(١) هو الفرزدق ، والبيت فى ديوانه ص ٨٦٣.
(٢) اقلولى: ارتفع وعلا. اللسان (ق ل و ).
(٣) أقردت : ذلَّت. اللسان (ق رد ).
(٤) هو الكسائى، كما ذكر الفراء فى معانى القرآن ١٦٥/١.
(٥) هو أبو الحسن الأخفش. ينظر مغنى اللبيب ص ٣٣.
(٦ - ٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فلما و))، وفى م: ((ما فلما و)). والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.
(٧) ديوانه ص ٢٨٣، ورواية الشطر الثانى:
إلىَّ لام ذوو أحلامهم عمرا

٤٤٥
سورة البقرة : الآية ٢٤٦
٦٠٠/٢
" إلىَّ لَامَت١ْ) ذَؤُو أَحْسَابِها عُمَرا
/ لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذُنوبَ لها
والمعنى: لو لم تَكُنْ غَطَفانُ لها ذَنوبٌ ، و((لا)) زائدةٌ فأعمَلها .
وأنكر ما قال هذا القائلُ مِن قولِه الذى حكَينا عنه آخرون ، وقالوا : غيرُ جائزٍ أن
تجعَلَ ((أن)) زائدةً فى الكلامِ وهو صحيحٌ فى المعنى، وبالكلامِ إليه الحاجةُ ؛
قالوا: والمعنى: ما يمنعُنا ألا نُقَاتِلَ. فلا وجهَ لدعوى مدَّع أنَّ ((أنْ)) زائدةٌ وله
معنى مفهومٌ صحيحٌ .
قالوا : وأما قولُه :
لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذُنوبَ لها »
فإنَّ ((لا) غيرُ زائدةٍ فى هذا الموضِع؛ لأنّه جَهْدٌ ، واجعْدُ إذا جُحِد صار
إثباتًا . قالوا : فقولُه: لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذنوبَ لها . إثباتُ الذنوبِ لها، كما
يُقالُ : ما أخوك ليس يقومُ. بمعنى : هو يقومُ .
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ مَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ﴾: مالنا ولأن لا نُقَاتَلَ. ثم
حُذِفت الواوُ فتُرِكت، كما يُقالُ فى الكلام: ما لك ولأَنْ تذهبَ إلى فلاٍ .
فَأُلْقِى منها الواوُ؛ لأن ((أنْ)) حرفٌ غيرُ مُتَمَّكنٍ فى الأسماءِ، وقالوا: تُجيزُ أَن
يُقالَ: ما لك أن تَقُومَ . ولا تُجيزُ: ما لك القيامُ؛ لأن القيامَ اسمٌ صحيحٌ. و((أنْ))
اسمٌ غيرُ صحيح، وقالوا: قد تقولُ العربُ : إياك أن تَتَكَلَّمَ . بمعنى: إياك وأن
تَتَكَلَّمَ .
(١ - ١) فى م: ((إذن للام)).
..

٤٤٦
سورة البقرة : الآية ٢٤٦
وأنكر ذلك مِن قولِهم آخرون ، وقالوا: لو جاز أن يُقَالَ ذلك على التأويلِ الذى
تأوَّله قائلُ مَن حكينا قولَه، لوَجَب أن يَكُونَ جائزًا: ضرَبتُك بالجاريةِ وأنت
كفيلٌ(١). بمعنى: وأنت كفيلٌ بالجاريةِ. وأن تَقُولَ: رأيتُك ( إِيَّانا وتريد٢ُ) . بمعنى:
رأيتُك وإِيَّانا تُريدُ. لأن العربَ تَقُولُ: إياك بالباطلِ أَن تَنْطِقَ . قالوا : فلو كانت الواوُ
مُضْمَّرةً فى ((أن)) لجاز جميعُ ما ذكرنا ، ولكنَّ ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن ما بعدَ الواوٍ مِن
الأفاعيلِ غيرُ جائزٍ له أن يَقَعَ على ما قبلَها، واسْتَشْهَدُوا على فسادٍ قولٍ مَن زعَم أن
الواوَ مُضْمَرٌ مع ((أن)) بقولِ الشاعرِ (١) :
وإياك فى غيرِهم أن تَبُوحا
فَبُخْ بِالسَّرائرِ فى أهلِها
وأنَّ ((أنْ تَبوحا)) لو كان فيها واوٌ مُضْمَرةٌ لم يَجُزْ تَقْدِيمُ ((فى غيرِهم))
عليها .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآَبِنَا﴾. فإنه يعنى: وقد
أَخْرِجَ مَن غُلِب عليه مِن رجالِنا ونسائنا مِن ديارِهم وأولادِهم، ومَن سُبِىَ. وهذا
الكلامُ ظاهرُه العمومُ، وباطنُه الخصوصُ؛ لأن الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ أَبْعَثْ لَنَا
مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. كانوا فى ديارِهم وأوطانِهم، وإنما كان أُخْرِج مِن
دارِهِ وولدِه مَن أُسِر وقُهِر منهم .
وأما قولُه: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ يقولُ:
فلما فُرِض عليهم قتالُ عدوّهم والجهادُ فى سبيلِه، ﴿تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمٌ﴾
سـ
(١) فى س: ((قبيل)). والكفيل والقبيل واحد.
(٢ - ٢) فى م: ((أبانا ويزيد)).
(٣) البيت فى معانى القرآن للفراء ١٦٥/١.
(٤) سقط من النسخ، والمثبت من معانى القرآن للفراء ١/ ١٦٦.

٤٤٧
سورة البقرة : الآيتان ٢٤٦، ٢٤٧
يقولُ: أدبَروا مُؤَلِّين عن القتالِ، وضيَّعوا ما سألوه نبيَّهم مِن فرضِ الجهادِ . والقليلُ
الذى اسْتَْناهم اللّهُ منهم هم الذين عَبروا النهرَ مع طالوتَ، وسنَذْكُرُ سببَ تَوَلِّى مَن
تَوَلَّى منهم، وعبورٍ مَن عبرَ منهم النهرَ بعدُ إن شاءَ اللّهُ إذا أَيْنا عليه .
/ يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْفَلِينَ ﴾. يعنى: واللَّهُ ذو علمٍ بمن ٦٠١/٢
ظلَمَ منهم نفسَه ، فأخلَف اللَّهَ ما وعَده من نفسِه، وخالَف أمرَرِّه فيما سأله ابتداءً أن
يُوجبه عليه .
وهذا من اللَّهِ تعالى ذكرُه تقريعٌ لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهاجَرٍ رسولٍ
اللَّهِ وَظَلَه فى تكذيِهِم نبيّنا محمدًاً عَّه ومخالفتهم أمرَ ربِّهم. يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه
لهم : إنكم يا معشرَ اليهودِ عصَيتم اللَّهَ وخالَفتم أمرَه فيما سألتموه أن يفرِضَه عليكم
ابتداءً من غيرِ أن يبتدئَكم ربُّكم بفرضٍ ما عصَيتموه فيه ، فأنتم بمعصيته فيما ابتدأ كم
به من إلزامٍ فرضِه أخْرَى .
وفى هذا الكلام متروك قد استُغنى بذكرٍ ما ذُكِر عما تُرِك منه ؛ وذلك أن معنى
الكلام : قالوا: وما لنا ألا نقائِلَ فى سبيلِ اللَّهِ وقد أُخْرِجنا من ديارِنا وأبنائِنا . فسأل
نبيُهم ربَّهم أن يبعثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه فى سبيلِ اللَّهِ، فبعث لهم مَلِكًا ، وكتب
عليهم القتالَ، فلما كُتبٍ عليهم القتالُ تولَّوْا إلا قليلًا منهم، واللهُ عليمٌ بالظالمين .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ
طَالُوتَ مَلِكاً قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيَّنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ
يُؤْتَ سَعَةُ مِنَ الْمَالِ﴾.
يعنى تعالى ذكره بذلك: وقال للملاًّ من بنى إسرائيل نبيُّهم شَهْوِيلُ (١): إِن اللَّهَ
(١) فى س: ((سمويل)).

٤٤٨
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
قد أعطاكم ما سألتم ، وبعَث لكم طالوتَ مَلِكًا . فلما قال لهم نبتُهم شَعْوِيلُ ذلك،
قالوا: أَنَّى يكونُ لطالوتَ الْمُلْكُ علينا، وهو من سِبْطِ بنيامينَ بنِ يعقوبَ، وسِبْطُ
بِنْيامينَ سِبْطٌ لا مُلْكَ فيهم ولا نُبوَّةَ ، ونحن أحقُّ بالْمُلْكِ منه؛ لأنَّا من سِبْطِ يَهوذا بنِ
يعقوبَ. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِ﴾ يعنى: ولم يؤتَ طالوتُ كثيرًا من
المالِ ؛ لأنه سَقَّاءٌ، وقيل: كان دبَّاغًا .
وكان سببَ تمليكِ اللَّهِ طالوتَ على بنى إسرائيلَ، وقولِهم ما قالوا لنبيّهم
شَغْوِيلَ: ﴿ أَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً
مِنَ الْمَالِ﴾ ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنى بعضُ أهلِ العلمِ ، عن وهبٍ بنِ مُنَبِّهِ ، قال : لما قال
الملّ من بنى إسرائيلَ لشَهْوِيلَ بنِ بالى ما قالوا له، سأل اللَّهَ نبيِّهم شَعْوِيلُ أن يبعثَ
لهم مَلِكًا، فقال اللَّهُ له : انظرِ القَوْنَ الذى فيه الدُّهْنُ فى بيتِك، فإذا دخَل عليك
رجلٌ ، فَتَشََّ(١) الدُّهْنُ الذى فى القَرْنِ، فهو مَلِكُ بنى إسرائيلَ، فادْهُنْ رأْسَه منه،
وملِّكْه عليهم، وأخبره بالذى جاءه . فأقام ينتظرُ متى ذلك الرجلُ داخِلًا عليه .
وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا يعمَلُ الأَدَمَ، وكان من سِبْطٍ بِنْيامينَ بنِ يعقوبَ ، وكان
سِبْطُ بِنْيامينَ سِبْطًا لم يكُنْ فيهم نُوَّةٌ ولا مُلْكٌ، فخرَج طالوتُ فى طلبٍ دابةٍ له
٦٠٢/٢ أَضَلَّته، ومعه غلامٌ له، فمرًا / يبيتِ النبيّ عليه السلامُ، فقال غلامُ طالوتَ لطالوتَ:
لو دخلتَ بنا على هذا النبيِّ، فسألناه عن أمرٍ دابتنا فيُرشِدَنا، ويدعوَ لنا فيها بخيرٍ ؟
فقال طالوتُ : ما بما قلتَ من بأسٍ. فدخَلا عليه، فبينما هما عندَه يذكُران له شأنَ
دابتهما ، ويسألانه أن يدعوَ لهما فيها ، إذ نَشَّ الدُّهْنُ الذى فى القَوْنِ ، فقام إليه النبيُّ
عليه السلامُ فأخَذه ، ثم قال لطالوتَ : قَرِّبْ رأسَك. فقرَّبه، فدهَنه منه ، ثم قال :
أنت ملكُ بنى إسرائيلَ الذى أمَرنى اللَّهُ أن أَمَلِّكَكَ عليهم. وكان اسمُ طالوتَ
(١) النش : صوت الماء وغيره إذا غلى. التاج (ن ش ش).

٤٤٩
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
بِالسُّرْيانيَّةِ شاولَ (١) بنَ قيسٍ بنِ أبيالِ بنِ صرارِ بنِ يحربَ (٢) بنِ أَفِيحَ بنِ آیسَ(١) بنِ
بنيامينَ بنِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، فجلَس عندَه، وقال الناسُ: مُلِّكَ
طالوتٌ . فَأَتَتْ عظماءُ بنى إسرائيلَ نبيَّهم وقالوا له : ما شأنُ طالوتَ يُلَّكُ علينا وليس
فى بيتِ النبوّةِ ولا المملكةِ؟ قد عرَفْتَ أن النبوَّةَ والْمُلْكَ فى آلٍ لاوِى وَآلٍ يَهُوذا. فقال
لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِ اُلْعِلْمِ وَالْجِسْوِّ﴾(٤)
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ(٥) عبدِ الكريم،
عن عبد الصمدِ بنِ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بنِ مُنبِّهِ، قال: قالت بنو إسرائيلَ
الشْمَويلَ (١): [٣٢١/١ظ] ابعَثْ لنا مَلِكًا نقاتِلْ فى سبيل اللّهِ. قال: قد كفاكم اللَّهُ
القتالَ. قالوا: إنا نتخوَّفُ مَن حولَنا، فيكونُ لنا مَلِكٌ نفزَيُ إليه. فأوحَى اللَّهُ إلى
شَمْوِيلَ ، أن ابعَتْ لهم طالوتَ مَلِكًا، وادهُتْه بدُهْنِ القُدُسِ. فضلَّت حُمٌُ لأبى
طالوتَ ، فأرسَله وغلامًا له يطلُبانها، فجاءوا إلى شَمْويلَ يسألونه عنها ، فقال : إن
اللَّهَ قد بعَثك مَلِكًا على بنى إسرائيلَ. قال: أنا؟ قال: نعم. قال: و(٢) ما عَلِمتَ أن
سِبْطى أدنى أَشْباطِ بنى إسرائيلَ؟ قال: بلى . قال : أفما عَلِمتَ أن قبيلتى أدنى قبائلٍ
سبْطى ؟ قال : بلى . قال : أما علمتَ أن بيتى أدنى بيوتٍ قبيلتى؟ قال : بلى . قال:
فبأيَّةِ آيَةٍ ؟ قال : بآيَةِ أَنك ترجِعُ وقد وجَد أبوك حُمُرَه، وإذا كنتَ بمكانٍ كذا وكذا
نزَل عليك الوَحْىُ. فدهَنه بدُهْنِ القُدُسِ، فقال لبنى إسرائيلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ
لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ
(١) فى ص، ت ٢: ((شادك))، وفى س: ((شاءول)). وينظر تاريخ المصنف ٤٧٥/١.
(٢) فى تاريخ المصنف: ((بحرت)). وفى نسخة منه كالمثبت .
(٣) فى تاريخ المصنف: ((أيش)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٤/١ إلى المصنف وابن إسحاق.
(٥) فى النسخ: ((عن)) .
(٦) فى ص: ((لأشمويل)).
(٧) فى تاريخ المصنف: ((أو)).
( تفسير الطبرى ٢٩/٤ )

٤٥٠
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِ اَلْعِلْمِ
وَالْجِسْرِّ﴾(١).
حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ ، قال: حدَّثنا أسباطُ ،
عن الشّدِّىّ، قال: لمَّ كذّبت بنو إسرائيلَ شَمْعونَ، وقالوا له : إن كنتَ صادِقًا
فابعَثْ لنا مَلِكًا قاتِلْ فى سبيلِ اللَّهِ آيَةً مِن نبوّتِك. قال لهم شمعونُ : عسى إن كُتِب
عليكم القتالُ أَلَّا تَقاتِلوا. ﴿ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية . دعا
اللَّهَ ، فأَتِى بعضًا تكونُ مقدارًا على طولِ الرجلِ الذى يُتْعَثُ فيهم مَلِكًا ، فقال: إن
صاحِبَكم يكونُ طولُه طولَ هذه العصا. فقاسُوا أنفسَهم بها ، فلم يكونوا مثلَها ،
وكان طالوتُ رجلًا سقَّاءً يَشْقى على حمارٍ له، فضَلَّ حِمارُه، فانطلَق يطلُه فى
الطريقٍ ، فلما رأَوْه دعَوه فقاسُوه بها ، فكان مثلَها ، فقال لهم نبيُهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ
بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكْ﴾. قال القومُ: ما كنتَ قطُّ أكذبَ منك الساعةَ ،/ونحن
من سِبْطِ المملكةِ وليس هو من سِبْطِ المملكةِ ، ولم يؤتَ سعةً من المالِ فنتَّبِعَه لذلك . فقال
النبيُّ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةُ فِىِ اَلْعِلْمِ وَالْجِسْمِّ﴾(١)
٦٠٣/٢
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَثْرِىُّ، قال: حدَّثنا
شَريكٌ، عن عمرو بنٍ دينارٍ ، عن ◌ِكْرمةً، قال: كان طالوتُ سقَّاءً يبيعُ الماءَ(١).
حدَّثْنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال :
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٦٩/١ - ٤٧٢ مطولا، وأخرج بعضه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٣/٢
(٢٤٤٣)، من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٦٧/١ بإسناد السدى المعروف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٤٦٣/٢، ٤٦٦ (٢٤٤٦، ٢٤٤٧، ٢٤٦١) من طريق عمرو بن حماد به.
(٣) أخرجه ابن عساكر فى تاريخ دمشق ٤٤٠/٢٤ من طريق أبى أحمد به، وعنده: عمران . بدلا من:
عمرو بن دينار .

٤٥١
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
بعَث اللَّهُ طالوتَ مَلِكًا، وكان من سِبْطِ بِنْيامينَ سِبْطٌ لم يكنْ فيهم مملكةٌ ولا نبوةٌ ،
وكان فى بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ تُبُوَّةٍ، وسِبْطُ مملكةٍ ، وكان سِبْطُ النبوةِ سِبْطَ
لاوِى، إليه موسى ، ويسِبْطُ المملكةِ يَهوذا ، إليه داودُ وسليمانُ ، فلما بُعث من غیرِ
سِبْطِ النبوةِ والمملكةِ أنكروا ذلك، وعجِبوا منه وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ ؟ قالوا: كيف يكونُ له الملكُ علينا، وليس من سِبْطِ
النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟ فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَلهُ
عَلَّكُمْ﴾(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ أَبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾. قال لهم نبيُّهم:
﴿ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً﴾. قالوا: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ اٌلْمُلْكُ
عَلَيْنَا﴾. قال: وكان من سِبْطِ لم يكنْ فيهم مُلْكٌ ولا نبوةٌ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن ◌ُوَییٍ، عن
الضحاكِ فى قولِه: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ
مَلِكاً ﴾: وكان فى بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سبْطُ نُثُوَّةٍ ، وسِبْطُ خلافةٍ ، فلذلك قالوا :
﴿ أَنَّ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ ؟ يقولون : ومن أين يكونُ له المُلْكُ علينا ، وليس
من سِبْطِ النبوةِ ولا سِبْطِ الخلافةِ؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنَهُ عَلَيَكُمْ وَزَادَهُ
بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْؤُ﴾ .
حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيَدُ بنُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٦/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٩٧، ومن طريقه ابن عساكر ٤٣٩/٢٤، ٤٤٠.

٤٥٢
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِم يقولُ فى قولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ
اُلْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ . فذكر نحوه .
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
قال: لمَّ قالت بنو إسرائيلَ لنبيّهم: سَلْ ربَّك أن يكتُبَ علينا القتالَ. فقال لهم ذلك
النبيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ﴾ الآية . قال: فبعث اللَّهُ
طالوتَ مَلِكًا. قال: وكان فى بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبِوَّةٍ وسِبْطُ
مملكةٍ ، ولم يكنْ طالوتُ(١) من سِبْطِ النبوَّةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ، فلما بُعِث
لهم مَلِكًا أنكروا ذلك، وعجِبوا وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ
أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةُ مِنَ الْمَالِ﴾؟ قالوا: وكيف يكونُ له
الْمُلْكُ علينا وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أَصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى ، قال: حدَّثنی عمى ، قال: حدَّثنی
٦٠٤/٢ أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: أما ذكْرُ طالوتَ إذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ
اُلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَخْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟ فإنهم لم
يقولوا ذلك إلا أنه كان فى بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ كان فى أحدِهما النبوةُ ، وكان فى
الآخرِ المُلْكُ ، فلا يُعَثُ إلا من كان من سِبْطِ النبوةِ، ولا يُمَلَّكُ على الأرضِ أحدٌ إلا
مَن كان مِن سِبْطِ الْمُلْكِ ، وإنه ابتَعَث طالوتٌ حينَ ابْتَعَثه وليس من أحدِ السِّبْطَين،
واختاره عليهم، وزادَه بَسْطَّةً فى العلمِ والجسم ، ومن أجلِ ذلك قالوا: ﴿أَنَّ يَكُونُ
لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ﴾، وليس من واحدٍ من السِّبْطَين؟ قال:
(١) سقط من: ص.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٥/٢ (٢٤٥٥) من طريق ابن أبى جعفر به، مختصرًا .

٤٥٣
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجْ، عن ابنِ جريجٍ،
قال: قال ابنُ عباسٍ قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاٍ مِنْ بَنِّ إِسْرَوِيلَ مِنْ بَعْدٍ مُوسَى﴾
الآية: هذا [٣٢٢/١و] حينَ رُفِعت التوراةُ واستُخرج أهلُ الإِيمانِ ، وكانت الجبابرةُ قد
أخرَجتهم من ديارِهم وأبنائِهم، فلما كُتِب عليهم القتالُ، وذلك حينَ أتاهم
التابوتُ ، قال : وكان من بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ تُبُوَّةٍ وسِبْطُ خلافةٍ ، فلا تكونُ
الخلافةُ إلا فى سِبْطِ الخلافةِ ، ولا تكونُ النبوةُ إلا فى سِبْطِ النبوةِ ، فقال لهم نبيُهم :
﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوَتَ مَلِكَأْ قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا
وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾. وليس من أحدِ السِّبْطَين؛ لا سِبْطِ النبوةِ ولا سِبْطِ
الخلافةِ. قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية(١).
وقد قيل : إن معنى المُلْكِ فى هذا الموضعِ الإمرةُ على الجيشِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاج ، عن ابن جريجٍ،
قال: قال مجاهدٌ قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. قال : كان
أميرَ الجيشِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ بمثله، إلا أنه قال: كان أميرًا على الجيشِ".
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٥/٢ (٢٤٥٦)، عن محمد بن سعد به .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٤٤٠ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٢٤١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٤/٢ (٢٤٥١).

٤٥٤
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
وقد بيَّنا معنى ((أنَّى))(١)، ومعنى ((المُلْكِ)) فيما مضَى(٢)، فأغنى ذلك عن
إعادته فى هذا الموضعِ .
القولُ فى تأويلِ قوله: ﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى
الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ﴾: قال نبيُّهم شَمْويلُ
لهم: إن اللَّهَ اصطَفاه عليكم . يعنى: اختَاره عليكم .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدثنا أبى ، قال: حدَّثنی عمى ، قال :
حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ أُصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختارَه
(٣)
عليكم(٢).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن مجُوَيِيرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ﴾. قال : اختاره عليكم .
احدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أُصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختاره (٤) .
٦٠٥/٢
وأما قولُه: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْئِّ ﴾ فإنه يعنى بذلك : إن
اللَّهَ بسَط له فى العلم والجسم، وآتاه من العلمِ فضلاً على ما آتَى غيرَه من الذين
خُوطِبوا بهذا الخطابٍ ، وذلك أنه ذكر أنه أتاه وخىٌّ من اللَّهِ ، وأما فى الجسم ، فإنه
(١) ينظر ما تقدم فى ٧٤٥/٣ - ٧٦١ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ١٥٠/١، ٤٠٧/٢.
(٣) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٥/٢ (٢٤٥٧) عن محمد بن سعد به .
(٤) ينظر التبيان ٢/ ٢٩١.

٤٥٥
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
أُوتى من الزيادة فى طولِه عليهم ما لم يُؤْتَه غيرُه منهم .
كما حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ
الكريم، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، عن وَهْبِ بنِ مُنَّهٍ، قال: لمّ قالت بنو
إسرائيلَ: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَخْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ
مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسِّْ﴾
قال : واجتمَع بنو إسرائيلَ، فكان طالوتُ فوقَهم من مِنْكَبِيه فصاعدًا(١).
وقال السُّدِّىُّ: أَتِى النبىُ مَّهِ بِعَصًا تكونُ مقدارًا على طول الرجلِ الذى
يُثْعَثُ فيهم مَلِكًا ، فقال: إن صاحِبَكم يكونُ طولُه طولَ هذه العصا. فقاسُوا
أنفسَهم بها ، فلم يكونوا مثلَها ، فقاسُوا طالوتَ بها ، فكان مثلَها .
حدَّثنى بذلك موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن
* *(٢)
الشُدِّىِّ(٢) .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : إن الله اصطفاه علیکم وزاده مع اصطفائِه ◌ِيَّاه
﴿بَسْطَةُ فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. يعنى بذلك: بَسَط له مع ذلك فى العلمِ
والجسم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ
أَصْطَفَلَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾: بعدَ هذا" .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٦/٢ (٢٤٦٢) من طريق إسماعيل بن عبد الكريم به .
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه مطولاً ٤٦٧/١، ٤٦٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٦/١
(٢٤٦١) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٥٨/٢ بنحوه.

٤٥٦
سورة البقرة : الآية ٢٤٧
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِئُ
عَلِيمٌ
٢٤٧
يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن المُلْكَ للهِ وبيدِه دونَ غيرِه ، يؤتيه. يقولُ :
يُؤتِى ذلك من يشاءُ، فَيَضَعُه عندَه، ويَخُصُّه به، ويمنَحُه مَن أحبَّ من خلقِه .
يقولُ: فلا تَسْتَنكِروا يا معشرَ الملأ من بنى إسرائيلَ أن يبعَثَ اللَّهُ طالوتَ مَلِكًا
عليكم، وإن لم يكنْ من أهلِ بيتِ المملكةِ، فإن المُلْكَ ليس بميراثٍ عن الآباءِ
والأسْلافِ، ولكنه بيَدِ اللَّهِ، يُعطِيه مَن يشاءُ من خلقِه، فلا تَتَخيَّروا على
اللَّهِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ محُمَيدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، قال:
حدَّثنى بعضُ أهلِ العلم، عن وهبٍ بِنِ مُنَّهِ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن
يَشَكَةُ ﴾: المُلْكُ بِيَدِ اللَّهِ يَضَعُه حيثُ يشاءُ، ليس لكم أن تختاروا فيه .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ
جريج، قال مجاهدٌ : مُلْكُه سلطانُه .
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءَ﴾: سلطانَه(١).
/وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى بذلك: واللَّهُ واسعٌ بفضلِهِ،
٦٠٦/٢
(١) تفسير مجاهد ص ٢٤٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٦٧/٢ (٢٤٦٤).

٤٥٧
سورة البقرة : الايتان ٢٤٧، ٢٤٨
فَيُنْعِمُ به(١) على مَن أحبَّ، (٢ ويَزيدُ فيه٢) مَن يشاءُ، عليمٌ بِمَن هو أهلٌ لمُلْكِه الذى
يؤتيه، وفضْلِه الذى يُعْطِيه، فيُعْطِيه ذلك لعلمِه به، وبأنه لِما أعطاه أهلٌ؛ إما
للإصلاحِ به ، وإما " لأن يَنْتَفِعَ هو به" .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ
التَّابُوتُ ﴾ .
وهذا الخبرُ من اللَّهِ تعالى ذكرُه عن نبيّه الذى أخبَر عنه به (٤) دليلٌ على أن الملأَ
من بنى إسرائيلَ الذين قيل لهم هذا القولُ ، لم يُقِرُّوا ببعثةِ اللَّهِ طالوتَ عليهم مَلِكًا إذا
أخبرَهم نبيُّهم بذلك، وعرّفهم فَضيلتَه التى فضَّله اللَّهُ بها، ولكنهم سألوه الدَّلالةَ
على صدقٍ ما قال لهم من ذلك وأخبرهم به .
فتأويلُ الكلام إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: والله يُؤْتِى مُلْكَه مَن يشاءُ واللهُ
واسعٌّ عليمٌ. فقالوا له: "أْتِ بآيةٍ على ذلك°) إن كنتَ من الصادقين. قال لهم
نبيُّهم: ﴿ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾.
وهذه القصةُ ، [٣٢٢/١ظ] وإن كانت خبرًا من الله تعالی ذکرُه عن الملأ من بنى
إسرائيلَ ونبيِّهم، وما كان من ابتدائِهِم نبيَّهم بما ابتدَءوا به من مسألتِه أن يسألَ اللَّهَ
لهم أن يبعثَ لهم مَلِكًا يقاتلون معه فى سبيله ، ( ونبأً) عما كان منهم من تكذيبهم
نبيَّهم بعدَ علمِهم بنُبُوَّتِه، ثم إخلافِهم الموعدَ الذى وعَدوا اللَّهَ ووَعدوا رسولَه من
(١) فى ص: (( له)).
(٢ - ٢) فى م: (( ويريد به ).
(٣ - ٣) فى ص: ((لا نه)) بينهما بياض بقدر كلمة، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((لا)).
(٤) سقط من : م، س.
(٥ - ٥) فى ص، ت ١، ت ٣: (( مما أتى به ذلك))، وفى ت ٢، س: ((بما أتى به ذلك)) .
(٦ - ٦) فى م: ((بناء)). وزيادو الواو لضرورة السياق.

٤٥٨
سورة البقرة : الآية ٢٤٨
الجهادِ فى سبيل اللَّهِ، بالتخلَّفِ عنه حينَ استُنْهِضوا لحربٍ مَن استُنْهِضُوا لحربِهِ ،
وفتْح اللَّهِ على القليلِ من الفئةِ، مع تخذيلِ الكثيرِ منهم عن مَلِكِهم، وقُعودِهم عن
الجهادِ معه ؛ فإنه تأديبٌ لَمن كان بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ مِن ذَرارِيِّهم
وأبنائِهم يهودٍ قُرَيْظةً والنَّضيرِ، وأنهم لن يَعْدُوا فى تكذبيهم محمدًا ◌ِلَّمِ فيما أمرهم
به ونَهاهم عنه، مع علْمِهم بصدقِه، ومَعْرِفِهم بحقيقةِ نُبُوَّتِه، بعدَ ما كانوا
يَسْتَنصرون اللَّهَ به على أعدائِهم قبلَ رسالتِهِ، وقبلَ بعثةِ اللَّهِ إِيَّاه إليهم، وإلى غيرِهم
أن يكونوا كأسلافِهم وأوائلِهم الذين كذَّبوا نبيَّهم شَعْويلَ بنَ بالى، مع عِلْمِهم
بصدقِه ، ومعرفتِهم بحقيقةٍ نبوَّتِه، وامتناعِهم من الجهادِ مع طالوتَ لمّ ابتَعَثه اللَّهُ مَلِكًا
عليهم، بعدَ مسألتِھم نبئهم ابتعاثَ مَلِك يقاتلون معه عدوًّهم ، ویجاهِدون معه فى
سبيلِ ربِّهم ، ابتداءً منهم بذلك نبيَّهم ، وبعدَ مراجعةٍ نبيِّهم شَمْويلَ إياهم فى ذلك،
وحضِّ لأهلِ الإِيمانِ باللَّهِ وبرسوله من أصحابٍ محمدٍ مَّمِ على الجهادِ فى سبيلِه ،
وتحذيرٌ منه لهم أن يكونوا فى التخلُّفِ عن نبيّهم محمدٍ عَلَّمِ عندَ لقائِه العدوَّ،
ومناهضتِهِ أَهلَ الكفرِ باللَّهِ وبه، على مِثْلِ الذى كان عليه الملأَّ من بنى إسرائيلَ فى
٦٠٧/٢ تَخَلُّفِهِم عن مَلِكِهم طالوتَ، إذ زحَف لحربٍ عدوٌّ اللَّهِ / جالوتَ، وإيثارِهم الدَّعَةَ
والخفضَ(١) على مباشرةِ حَرِّ الجهادِ ، والقتالِ فى سبيلِ اللَّهِ، وشَخْذٌ منه لهم على
الإقدامِ على مُنَاجَزةٍ أهلِ الكفرِ به الحربَ ، وتَرْكِ تهيُّبٍ قتالِهم أن قلَّ عددهم، و کَثُر
عددُ أعدائِهم، واشتدَّت شَوكتُهم بقولِه: ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ
اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةُ كَثِيرَةُ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ
الصَّبِينَ﴾. وإعلامٌ منه تعالى ذكرُه عباده المؤمنين به أن بيدِه النصرَ والظَّفَرَ والخيرَ
والشرّ .
(١) الخفض: العيش الطيب . اللسان (خ ف ض).

٤٥٩
سورة البقرة : الآية ٢٤٨
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ فإنه يعنى: للملأُّ من بنى إسرائيلَ
الذين قالوا لنبيّهم: ﴿أَبَعَثْ لَنَا مَلِكًا تُقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾.
وقولُه: ﴿إِنَّ ءَايَةً مُلْكِهِ﴾: إن علامةَ مُلْكِ طالوتَ التى سأَلْتُمونيها
دلالةٌ على صدقى فى قولى: إن اللَّهَ بعَثه عليكم مَلِكًا، وإن كان من غير سِبْطٍ
المملكةِ ﴿أَنْ يَأْنِيَكُمُ الْتَابُوتُ ﴾ وهو التابوتُ الذى كانت بنو إسرائيل إذا لَقُوا
عدوًّا لهم قَدَّمُوه أمامَهم، وزحَفوا معه ، فلا يَقومُ لهم معه عدوٌّ ، ولا يَظهَرُ عليهم
أحدٌ ناوَأَهم ، حتى منَعوا أمرَ اللَّهِ، وكَثُر اختلافُهم على أنبيائهم، فسَلَبهم اللَّهُ إِيَّاه مرَّةً
بعدَ مرَّةٍ ، يَرُدُّه إليهم فى كلِّ ذلك، حتى سَلَبَهم آخِرَ مرَّةٍ ، فلم يرُدَّه عليهم، ولن
يُرَد١ّ) إليهم آخِرَ الأبدِ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى سَببٍ مجىءٍ التابوتِ الذى جعَل اللّهُ مَجيئَه إلى بنى
إسرائيلَ آيَةٌ لصدقٍ نبيِّهم شَمْويلَ على قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ
مَلِكَا﴾. وهل كانت بنو إسرائيلَ سُلِبُوه قبلَ ذلك فردَّه اللَّهُ عليهم حينَ جعَل مجيئَه
آيَةً لُلْكِ طالوتَ ؟ أو لم يكونوا سُلِيوه قبلَ ذلك، ولكنَّ اللَّهَ ابتَدَأُهم به ابتداءً؟ فقال
بعضُهم: بل كان ذلك عندَهم من عهدِ موسى وهارونَ يَتَوارثونه، حتى سَلَبهم إياه مُلوٌ
من أهلِ الكفرِ به، ثم ردَّه اللّهُ عليهم آيَةً لُلْكِ طالوتَ . وقال فى سببٍ ردِّه عليهم ما أنا
ذاكِرُه، وهو ما حدَّثنى به المُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ
الكريم، قال: حدثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِعِ وَهْبَ بنَ مُنَبِّهِ قال: كان لعیلی
الذى ربَّى شَمْويلَ ابنان شابان أحدثا فى القُربانِ شيئًا لم يكنْ فيه، كان مِشْوَطُ(٢) القُرْبانِ
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((ولم يرده)).
(٢) فى ص: ((يشرط))، وفى م، س: ((شرط))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بشرط)). والمثبت من تاريخ
المصنف . والمسوط: خشبة أو غيرها يحرّك بها ما فى القدر وغيرها ليختلط. ينظر اللسان (س وط). وقربان
اليهود هو التقدمة - كما فى سفر صموئيل الأول ، العهد القديم، أصحاح ١٤/٣ - وكانت من دقيق مع =

٤٦٠
سورة البقرة : الآية ٢٤٨
الذى كانوا يَشوطونه (١) به كُلَّا بَيْن(٢)، فما أخرَجا كان للكاهن الذى يشوطُهُ(١)،
فجعَل ابناه كَلاليبَ ، وكانا إذا جاء النساءُ يُصَلِّينَ فى القُدْسِ يَتَشَبَّتان بهن، فبينا
شَغْوِيلُ نائمٌ قِبَلَ البيتِ الذى كان ينام فيه عيلى ، إذ سمِع صوتًا يقولُ : أَشَمْويلُ .
فَثَب إلى عِيلى ، فقال: لَيك، ما لَكَ دعَوتَنى؟ فقال: لا ، ارجِعْ فَمْ . فرجَع فنام ،
ثم سمِع صوتًا آخَرَ يقولُ: أَشَمْويلُ. فوَثَب إلى عِيلى أيضًا، فقال: لبيك، ما لَكَ
دعَوتَنى؟ فقال: لم أفعلْ، ارجِعْ فَتَم ، فإن سمِعتَ شيئًا فقل : لبيك ، مكانَك،
مُرْنى فأفعلَ. فرجَع فنام، فسمِع صوتًا أيضًا يقولُ: أشَمْويلُ. فقال: لبيك ، أنا
هذا، مُوْنِى أَفعَلْ. قال: انطلِقْ إلى عِيلى، فقُلْ له: مَنَعه ◌ُحُبُّ الولدِ أن يَزْجُرَ ابنَيْه أن
يُخْدِثا فى قُدْسى وقُرْبانى، وأن يَعصِيَانى، فلأُنزِعَنَّ منه الكِهانةَ ومِن وَلدِهِ،
ولأَهلِكتَّه وإياهما. فلما أصبَح سأله عيلى، فأخبرَه، / ففزِع لذلك فَزَعًا شديدًا .
فسار إليهم عدوٌ ثَمَّن حولَهم ، فأمَر ابنَيه أن يخرجا بالناسِ فيقاتلا ذلك العدوّ، فخَرَجا
وأخرَجا معهما التابوتَ الذى كان فيه اللَّوْحان وعصا موسى ليُنْصَرُوا به، فلما
تهَيَّئوا للقتالِ هم وعدوُّهم، جعَل عيلى يتوقَّعُ الخبرَ؛ ماذا صنَعوا؟ فجاءه رجلٌ
يخبِرُه وهو قاعدٌ على كُرسيِّه : إن ابنَيك قد قُتِلا، وإن الناسَ قد انهزموا . قال : فما
فَعَل التابوتُ؟ قال: ذهَب به العدوُّ. قال: فشَهِق ووقَع على قَفاه من كُرسيِّه
فمات. وذهَب الذين سَبَوا التابوتَ حتى وضَعوه فى بيتِ آلهتهم ولهم صَنٌ
٦٠٨/٢
= زيت ولبان ، يؤخذ قليل من الدقيق المقدم والزيت وكل اللبان ويوقد على المذبح أو يعمل منه قطائف على
صاج. كما أشار بذلك الشيخ شاكر فى التفسير ٣١٨/٥ نقلا عن (قاموس الكتاب المقدس).
(١) فى النسخ: ((يشرطونه)). والمثبت من تاريخ المصنف.
(٢) الكُلَّب: حديدة معطوفة كالخطاف، أو خشبة فى رأسها عُقّفة منها ، أو من حديد. وجمعه كلاليب.
ينظر اللسان (ك ل ب ).
(٣) فى النسخ: ((يستوطنه)) والمثبت من تاريخ المصنف .