النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ سورة البقرة الآية : ٢٤٠ فى سورةِ ((النساء))، فجعَل لها فريضةٌ معلومةً، جعَل لها الثُّمُنَ إن كان(١) له ولدٌ ، وإن لم يكنْ له ولدٌ فلها الرُبُعُ، وجعَل عدَّتَها أربعة أشهر وعشرًا، فقال : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾(٢). /حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن ٨٠/٢ علىِّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾: فكان الرجلُ إذا مات وترَك امرأته ، اعتدَّتْ سنةً فى بيتِهِ، يُنْفَقُ عليها مِن مالِه، ثم أَنْزَل اللّهُ تعالى ذكرُه بعدُ: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ فهذه عِدّةُ المُتُوفَّى عنها زوجها(٣) ، إلا أن تكونَ حاملًا، فعدّتُها أن تَضَعَ ما فى بطنِها، وقال فى ميراثِها: ﴿ وَلَهُنَ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اُلْثُّمُنُ ﴾ [النساء: ١٢]. فبيَّن اللّهُ ميراثَ المرأةِ، وترَك الوصيةَ والنفقةً () . حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: حدَّثنا عُبِيدُ(٥) بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى اُلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾: كان الرجلُ إذا تُوفِّى أَنْفِقَ على امرأتِه فى عامِه إلى الحوْلِ ، (١) فى س: ((لم يكن)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥١/٢ عقب الأثر (٢٣٩٠) من طريق ابن أبى جعفر به. (٣) سقط من: ص، ت ٢، ت ٣. (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٢/٢ (٢٣٩١)، والنحاس فى ناسخه ص ٢٤٠، ٢٤١، والبيهقى ٤٢٧/٧ من طريق عبد الله بن صالح به . (٥) فى م، ت ١: ((عبيد الله)). ( تفسير الطبرى ٢٦/٤ ) ٤٠٢ سورة البقرة الآية : ٢٤٠ ولا تُزَوَّجُ حتى تَسْتَكْمِلَ الحوْلَ، وهذا مَنسوحٌ، نسَخ(١) النفقةَ عليها الرُّيُعُ أو (٢) الثمنُ مِن الميراثِ، ونسَخ الحولَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ() . وحدَّثنى المتُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَئِيرٍ، عن الضخَّاكِ فى قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. قال: الرجلُ إذا تُوفِّىَ أَنْفِقَ على امرأتِه إلى الحوْلِ، ولا تُرَوَّجُ حتى يَحْضِىَ الحوْلُ، فَأَنْزَل اللّهُ تعالى ذكرُه ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فنسَخ الأجلُ الحولَ، ونسَخ النفقةَ الميراثُ؛ الرُّبعُ والثُّمنُ. حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال : سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾. قال: كان ميراثُ المرأةِ مِن زوجِها مِن رَبْعِه أن تَسْكُنَ إن شاءتْ مِن يوم يموتُ زوجها إلى الحولِ، يقولُ: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية . ثم نسخها ما فرض اللّهُ مِن الميراثِ. قال: وقال مجاهدٌ : ﴿ وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمْ﴾. سُكْنَى الحوْلِ، ثم نسخ هذه الآيةَ الميراثُ(٥). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان الأزواج الموتى - حينَ كانت الوصيةُ - نفقةُ سنةٍ ، فنسَخ اللّهُ ذلك الذى كتَب للزوجةِ مِن (١) فى ص: ((لنسخ)). (٢) فى م: (( و)). (٣) فى م: ((عشرًا)). والأثر أخرجه سعید بن منصور فى سننه (٤١٥ - تفسير) من طريق جويبر به بنحوه . (٤) فى م: (( ريعه)). والربع: المنزل، والدار، والمسكن. ينظر اللسان (رب ع). (٥) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخه ص ٢١٥، ٢١٦ من طريق ابن جريج به . ٤٠٣ سورة البقرة الآية : ٢٤٠ نفقةِ السنةِ بالميراثِ، فجعَل لها الرُبعَ أو الثُّمنَ. وفى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَّرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال: هذه الناسخةُ(١). ذكرُ مَن قال: كان ذلك يكونُ لهنَّ وصيةٌ(١١) مِن أزواجِهنَّ لهنَّ به حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ الآية. قال: كانت هذه مِن قَبلِ الفرائضِ، فكان الرجلُ يُوصِى لامرأتِه ولمن شاءَ، ثم نُسِخ ذلك بعدُ ، فألْحَقَ اللّهُ تعالى بأهلِ المواريثِ مِيراثَهم ، وجعَل للمرأةِ إنْ كان له / ولدٌ الثمنَ، وإن لم يكنْ له ولدٌ فلها الربع، وكان ٥٨١/٢ يُنْفَقُ على المرأةِ حوْلًا مِن مالِ زَوجِها، ثم تُحَوَّلُ مِن بِيتِهِ، فنسَخت(٢) العدَّةُ ﴿أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ، ونسَخ الربعُ أو الثمنُ الوصيةَ لهنَّ، فصارت الوصيةُ لذَوِى القرابةِ الذين لا يرثون(٤). حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَجِهِمْ﴾ إلى: ﴿فِي مَا فَعَلْنَ فِىَ أَنْفُسِهِرَ مِن مَّعْرُوفٍ﴾: يومَ نزَلت هذه الآيةُ كان الرجلُ إذا مات أَوْضَى لامرأتِه بنفقتِها وسُكناها سنةٌ، وكانت عِدّتُها أربعةً أشهرٍ وعشرًا، فإن هى خرَجت حينَ تَنْقَضِى أربعةُ أشهر وعشرٌ انْقَطعت عنها النفقةُ، فذلك قوله: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ . وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ آيَةُ الفرائضِ، فنسخه الرُّبعُ والثُّمنُ، فأخَذتْ نصيبَها ، ولم يكن (١) ينظر المحرر الوجيز ١٥٣/٢. (٢) فى م: ((بوصية)). (٣) فى م: (( فنسخته)). (٤) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخه ص ٢١٦ من طريق سعيد به . ٤٠٤ سورة البقرة الاية : ٢٤٠ لها شُكنى ولا نفقةٌ (١). حدَّثنى أحمدُ بنُ المقدام ، قال: ثنا المُغْتَمِرُ، قال: سمِعتُ أبى، قال: يَزْعُمُ قتادةُ أنه كان يُوصَى للمرأةِ بنفقتِها إلى رأسِ الحوْلِ(٢) . ذِكرُ مَن قال: نسَخ ذلك ما كان لهنَّ مِن المتاعِ إلى الحولِ. مِن غيرِ تنبيه(٢) علی أیِ وجهٍ كان ذلك لهنَّ حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن حبيبٍ ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةٌ لِأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾. قال: هى منسوخةٌ() . حدَّثنا الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ ، عن سفيانَ ، عن حبیبٍ ابنِ أبى ثابتٍ ، قال : سمِعتُ إبراهيمَ يقولُ. فذكَر نحوَه . حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ ، عن مُصَيْنٍ ، عن يزيدَ النحوىِّ ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: قال: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾: فَتَسَخ ذلك بآيَةٍ الميراثِ، وما فرَض لهنَّ فيها مِن الربعِ والثمنِ، ونَسَخ أجَلَ الحوْلِ أن جعَل أجَلَها أربعة أشهر وعشرًا (٥). (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥١/٢ عقب الأثر (٢٣٩٠) من طريق عمرو بن حماد به . (٢) ينظر المحرر الوجيز ١٥٣/٢. (٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣) س: ((بينة)). وغير منقوطة فى ص، والمثبت هو الصواب. (٤) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخه ص ٢١٦ من طريق سفيان به . (٥) أخرجه النسائى (٣٥٤٦)، وابن الجوزى فى نواسخه ص ٢١٥ من طريق سماك، عن عكرمة . وهو مختصر عند النسائى . ٤٠٥ سورة البقرة الآية : ٢٤٠ حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن يونسَ ، عن ابنِ سِيرِينَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قام يَخْطُبُ الناسَ هَلهُنا، فقرَأ لهم سورةَ ((البقرةِ))، فبيَّن لهم منها، فأَتَّى على هذه الآية: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. قال: فتُسِخت هذه. ثم قرَأ حتى أتَى على هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ إلى قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ فقال: وهذه(١). وقال آخرون : هذه الآيةُ ثابتةُ الحكم لم يُنْسَخْ منها شىءٌ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عَمٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتْرَبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرً﴾ قال: كانت هذه للمعتدَّةِ، تَعْتَدُّ عندَ أهلِ زوجِها واجبًّا ذلك عليها، فَأَنْزَل اللّهُ: ﴿ وَالَّذِينَ/ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ إلى قولِه: ﴿مِن مَّعْرُوفٍ﴾. قال: جعَل اللّهُ لهم(١) تمامَ السنةِ سبعةً أشهرٍ وعشرين ليلةٌ وصيّةً، إن شاءتْ سكَنتْ فى وصيّها ، وإن شاءت خرَجتْ، وهو قولُ اللّهِ تعالى ذكرُه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. قال: والعدَّةُ كما هى واجبةٌ . ٥٨٢/٢ حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله(٢) . (٣) (١) أخرجه البيهقى ٤٢٧/٧ من طريق يعقوب به، وأخرجه الحاكم ٢/ ٢٧٣، والبيهقى ٢٦٥/٦ من طريق ابن علية به ، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٤١٦ - تفسير) من طريق يونس به، وأصله فى البخارى (٢٧٤٧، ٤٥٧٨، ٦٧٣٩) . (٢) فى البخارى: ((لها)). (٣) أخرجه البخارى (٤٥٣١) من طريق شبل به . ٤٠٦ سورة البقرة الاية : ٢٤٠ حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، وحدَّثنى المُنُنَّى، قال : ثنا أبو حُذيفةً ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال : نسخت هذه الآيةُ عدَّتَها عندَ أهلِها (١)، تَعْتَدُّ حيثُ شاءت، وهو قولُ اللّهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. قال عطاء: إن شاءت اعتدَّتْ عندَ أهلِه وسكَنت فى وَصِيَِّها (١) ، وإن شاءت خرّجتْ لقولِ اللّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَ﴾. قال عطاء: جاء الميراثُ بنسخ السُّكْنَى، تَعْتَدُّ حيثُ شاءتْ ، ولا سُكنَى لها(٣). وأولَى هذه الأقوالِ عندى فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ : إن اللّه تعالى ذكرُه کان جعل لأزواج من مات مِن الرجال بعد موتهم سُکنی حول فى منزله ، ونفقتها فى مالٍ زوجِها الميّتِ إلى انقضاءِ السنّةِ ، ووجَب على ورثةِ الميتِ ألا يُخْرِجُوهُنَّ قبلَ تمامٍ الحولِ من المسكنِ الذى يَشْكُنَّه، وإن هنَّ ترَكنَ حقّهنَّ مِن ذلك وخرَجْنَ لم تَكُنْ ورثةُ الميتِ مِن خروجِهِنَّ فى حَرَجٍ، ثم إن اللّه تعالى ذكرُه نسَخ النفقةَ بآيةِ الميراثِ، وأَبْطَل مما كان جعَل لهنَّ مِن سُكْنَى حَوْلٍ سبعةَ أشهرٍ وعشرين ليلةً، وردَّهنَّ إلى أربعةِ أشهرٍ وعَشْرٍ، على لسانِ رسولِ اللّهِ عَ لَهُ بحكمِه فى "حديثٍ أختِ) سعدِ () ابنِ مالكِ، وذلك ما حدَّثنى بهْ) محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال : ثنا (١) فى م: ((أهله)). (٢) فى م: (( وصية)). (٣) أخرجه البخارى (٤٥٣١)، وأبو داود (٢٣٠١) من طريق شبل به، وأخرجه النسائى (٣٥٣١) من طريق ابن أبى نجيح به دون قول عطاء. (٤) بياض فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى س: ((عدتها)) . (٥ - ٥) فى م: ((حدثنى)). (٦ - ٦) فى س: ((حديث)). ومكانه بياض فى باقى النسخ، وما أثبتناه أشبه بالصواب واستظهرناه من الحديث التالى. (٧) فى النسخ: ((كعب)). وسعد بن مالك هو أبو سعيد الخدرى. ٤٠٧ سورة البقرة الاية : ٢٤٠ حجَّائج (ابنُ رِشدينَ()، قال: أخبرنا حَيْوةُ بنُ شُريح، عن ابنٍ عَجْلانَ، عن سعدِ بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ ابنِ عُجْرَةَ ، أخبره عن عمَّتِه زينبَ ابنةٍ كعبِ بنِ عُجْرَةَ، عن الفارعةِ(٢) أختِ أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ، أنّ زوجَها خرَج فى طلبٍ عبدٍ له، فلحِقه بمكانٍ قريبٍ، فقاتَلَه وأعانَه عليه أَعْبُدٌّ معَه، فقتلوه، فأتتْ رسولَ اللّهِ مَّهِ فقالتْ: إن زوجَها خرَج فى طلبٍ عبدٍ له ، فلقِيَه ◌ُلوجٌ فقتلوه، وإنى فى مكانٍ ليس فيه أحدٌ غيرِى، وإنَّ أجمعَ لأمرِى أن أَنْتَقِلَ إلى أهْلِى، فقال لها رسولُ اللّهِ وَالِ: ((بل امْكُنِى مكانَكِ حتى يَتْلُغَ الكتابُ أَجَلَه)) (٥) . وأمَّا قولُه: ﴿ مَّتَعًا﴾. فإِن معناه: جعل ذلك لهنَّ متاعًا . أى الوصيةَ التى كتَبها اللّهُ لهنَّ. وإنما نصَب المتاعَ لأَن فى قوله: ﴿ وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمِ﴾. معنى: متَّعهنَّ اللّهُ. فقيلَ: ﴿ مَّتَدعًا﴾ مَصدرًا مِن معناه لا مِن لفظِه . وقولُه: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ فإن معناه أن اللّه تعالى ذكرُه جعَل ما جعَل لهنَّ مِن الوصيةِ متاعًا منه لهنَّ إلى الحوْلِ ، لا إخراجًا مِن مَسكنٍ زوجِها . يعنى: لا إخراجَ فيه(١) منه حتى يَنْقَضِىَ الحوْلُ. فنصَب ﴿غَيْرَ﴾ على النعتِ للمتاعِ؛ كقولٍ القائلِ : هذا قياٌ غيرَ قعودٍ . بمعنى : هذا قيامٌ لا قعودَ معه، أو : لا قعودَ فيه . (١ - ١) فى س: ((عبد الرحمن)). (٢ - ٢) سقط من (( س)). (٣) فى النسخ: ((سعيد)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر: تهذيب الكمال ٢٤٨/١٠. (٤) فى م: ((فريعة)). (٥) أخرجه أبو داود (٢٣٠١)، والترمذى (١٢٠٤) وابن ماجه (٢٠٣١) من طريق سعد به، وينظر الطيالسى (١٧٦٩). (٦) سقط من: س. وفيه: أى فى الحول . ٤٠٨ سورة البقرة الآية : ٢٤٠ وقد زعم بعضُهم أنه منصوبٌ بمعنى: لا تُخْرِ جُوهُنَّ إخراجًا . وذلك خطأً مِن ٥٨٣/٢ القولٍ؛ لأنّ ذلك إذا / نُصِب على هذا التأويلِ، كان نصبُه مِن كلام آخرَ غيرِ الأُولِ، وإنما هو منصوبٌ بما نصَب ((المتاعَ)) على النعتِ له . القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِى ٢٤٠ أَنْفُسِهِننَ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن المتاعَ الذى جعَله اللّهُ لهنَّ إلى الحولِ فى مالٍ أزواجهنَّ بعدَ وفاتِهم(١) وفى مساكنِهم(٢)، ونهَى ورثتَه عن إخراجِهنَّ، إنما هو لهنَّ ما أقمْنَ فى مساكنٍ أزواجهنَّ، وأن حقوقَهنَّ مِن ذلك تَبْطُلُ بخُروجِهنَّ إِن خرَجْنَ مِن منازلٍ أزواجهنَّ قبلَ الحولِ مِن قبَلِ أنفسِهنَّ بغيرِ إخراجٍ مِن ورثةِ الميِّتِ ، ثم أُخْبَر تعالى ذكرُه أنه لا حَرَجَ على أولياءِ الميتِ فى خروجهنَّ، وتركِهنَّ الحدادَ على أزواجهنَّ؛ لأن المُقَامَ حوْلًا فى بيوتٍ أزواجِهنَّ والحدادَ عليه تمامَ حوْلٍ كاملٍ لم يكنْ فرضًا عليهنَّ، وإنما كان ذلك إباحةً مِن اللّهِ تعالى ذكرُه لهنَّ إن أقمْنَ تمامَ الحوْلِ مُحِدَّاتٍ ، فَأَمَّا إن خرَجْنَ ، فلا بُناحَ على أولياءِ الميتِ ولا عليهنَّ فيما فعَلْنَ فى أنفسِهنَّ مِن معروفٍ، وذلك تركُ الحدادِ . يقولُ: فلا حرَجَ عليكم فى التزيّنِ إن تَزَيَنَّ وتَطَّيْنَ وتَزوَّجْنَ؛ لأن ذلك لهنَّ. وإنما قلنا: لا حرَجَ عليهنَّ فى خُروجِهنَّ. وإن كان إنما قال تعالى ذكره: ﴿ فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. لأن ذلك لو كان عليهنَّ فيه جناحٌ، لكان على أولياءِ الرجلِ فيه ◌ُناخٌ بتركهم إياهنَّ والخروجَ، مع قدرتهم على منعِهنَّ مِن ذلك، ولكن لمّ لم (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((وفاتهن)). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣، س: ((مساكنهن)) . ٤٠٩ سورة البقرة الآيتان : ٢٤٠، ٢٤١ يكُنْ عليهنَّ ◌ُناٌٌ فى خُروجِهنَّ وتركِ الحدادِ ، وُضِع عن أولياءِ الميتِ وغيرِهم الحرجُ فيما فعَلْنَ مِن معروفٍ، وذلك فى أنفسِهنَّ. وقد مضَت الروايةُ عن أهلِ التأويلِ بما قلنا فى ذلك قبلُ . وأمَّا قولُه ﴿ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فإنه يعنى تعالى ذكرُه: واللّهُ عزيزٌ فى انتقامِه ممن خالَف أمره ونهيه وتعدَّى حدودَه مِن الرجالِ والنساءِ ، فمنَع مَن كان مِن الرجالِ نساءَهم وأزواجَهم ما فُرِض لهنَّ عليهم فى الآياتِ التى مضَتْ قبلُ مِن المتعةِ والصَّدَاقِ والوصيةِ، وإخراجِهنَّ قبلَ انقضاءِ الحولِ ، وتركِ المحافظةِ على الصلواتِ وأوقاتِها، ومَنَع من كان مِن النساءِ ما ألزمَهنَّ(١) اللّهُ مِن التربُّصِ عندَ وفاةٍ أزواجهنَّ عن الأزواج، وخالَف أمرَه فى المحافظةِ على أوقاتِ الصلواتِ ، حكيمٌ فيما قضَى بينَ عبادِه مِن قضاياه التى قد تقدَّمتْ فى الآياتِ قَبلَ قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . وفى غيرِ ذلك مِن أحكامِه وأقضيتِه . القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى اُلْمُتَّقِينَ ٢٤١ يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولمن طُلِّق مِن النساءِ على مُطلِّقِه(٢) مِن الأزواج متاٌ . يعنى بذلك : ما تَسْتَمْتِعُ به من ثيابٍ وكسوةٍ أو نفقةٍ أو خادمِ وغيرِ ذلك مما يُسْتَمْتَغُ به . وقد بيَّنَّا فيما مضى قبلُ معنى ذلك، واختلافَ أهلِ العلم فيه ، والصوابَ مِن القولِ فى ذلك عندَنا بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِهِ (٢). (١) فى ص: ((ألزمهم)). (٢) فى م: ((مطلقها)). (٣) تقدم فى ص ٢٨٨ وما بعدها . ٤١٠ سورة البقرة الآية : ٢٤١ وقد اخْتَلَف أهلُ العلم فى المعنيَّةِ بهذه الآيةِ مِن المطلقاتِ ؛ فقال بعضُهم: عُنِى ٥٨٤/٢ بها الثَّياتُ اللّواتى قد / مجومِعْنَ. قالوا: وإنما قلنا ذلك لأن أحكامَ ) غيرِ المدخول بهنَّ فى المتعةِ قد بيَّنَها اللّهُ تعالى ذكرُه فى الآياتِ قبلَها، فعلِمْنا بذلك أن فى هذه الآيةِ بيانَ أمرٍ المدخولِ بهنَّ فى ذلك . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى بنُ میمونٍ ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن عطاءٍ فى قوله: ﴿ وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال: المرأةُ الثَّيِّبُ يُتِّعُها زَوْجُها إذا جامَعها بالمعروفِ(٢) . حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه، وزاد فيه: ذكّره شبلٌ، عن ابن أبى تَجِيحٍ، عن عطاءٍ() . وقال آخرون: بل فى هذه الآيةِ دلالةٌ على أن لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعةً ، وإنما أَنْزَلها اللّهُ تعالى ذكرُه على نبيّه عَّ ه لما فيها مِن زيادةِ المعنَى الذى فيها على ما سواها مِن آي المتعةِ ، إِذْ كان ما سواها مِن آي المتعةِ إنما فيه بيانُ حكم غيرِ الممسوسَةِ إذا طُلِّقت ، وفى هذه بيانُ محُكمٍ جميعِ المطلقاتِ فى المتعةِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشَّارِ ، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال : ثنا أيوبُ ، عن سعيد بن جبيرٍ فى (١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣، س، ومكانه بياض فى: ص، وجعله الشيخ شاكر: ((الحقوق اللازمة للمطلقات )). (٢) ينظر المحرر الوجيز ١٥٦/٢. (٣) تقدم فى ص ٢٩٨. ٤١١ سورة البقرة الآية : ٢٤١ هذه الآية: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَحُ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّغِيرَ﴾. قال: لكلِّ مطلَّقةٍ متائعٌ بالمعروفِ حقًّا على المتقين(١). حدَّثنا المُنَّى ، قال : ثنا حبَّانُ بنُ موسى ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ، قال : أُخبرَنا يونسُ، عن الزُّهْرِىِّ فى الأُمَةِ يُطلِّقُها زوجها وهى محُثْلَى ، قال: تَعْتَدُّ فى بيتِها، وقال: لم أَسْمَعْ فى متعةِ المملوكةِ شيئًا أَذْكُرُه، وقد قال اللّه تعالى ذِكرُه: ﴿ مَتٌَ] بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ . ولها المتعةُ حتى تَضَعَ . حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا حبّانُ(٢) بنُ موسى، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ ، قال: أخبرنا ابنُ لجريج، عن عطاءٍ، قال: قلتُ له: أَلِلْأَمَةِ مِن الحُرِّ مُتعةٌ ؟ قال: لا . قلتُ : فالحُرَّةُ عندَ العبدِ؟ قال(٢): لا. وقال عمرُو بنُ دينارٍ: نعم، ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾(٤). وقال آخرون: إنما نزَلت هذه الآيةُ لأن اللّه تعالى ذكرُه لَمَّ أَنْزَل قولَه : ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِرِ قَدَرُؤُ مَتَعَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى اٌلُْحْسِنِينَ﴾. قال رجلٌ مِن المسلمين: فإنّا لاَ نَفْعَلُ إن لم نُرِدْ أن نُحْسِنَ. فَأَنْزَل اللّهُ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ فوجَب ذلك عليهم. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنی یونسُ بنُ عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قوله: ﴿ وَمَتِّعُوُهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَهَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى (١) تقدم تخريجه ص ٢٩٥. (٢) فى النسخ: ((هناد)). (٣) فى م: ((قالا)). (٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٣١٤٧، ١٣١٥٠) عن ابن جريج به . ٤١٢ سورة البقرة الآية : ٢٤١ الْحْسِنِينَ﴾. فقال رجلٌ: فإن أحسنتُ فعَلتُ، وإنَ لم أُرِدْ ذلك لم أَفْعَلْ، فَأَنْزَل (١) اللّهُ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله سعيدُ بنُ مجبيرٍ، مِن أن الله تعالی ذکرُه ٥٨٥/٢ أَنْزَلها دليلًا لعبادِه على / أن لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعةً ؛ لأن الله تعالی ذکرُه ذكَر فى سائرِ آي القرآنِ التى فيها ذكرُ متعةِ النساءِ خصوصًا مِن النساءِ، فبيَّن فى الآيةِ التى قال فيها : ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ ﴾ . وفى قولِه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ما لهنَّ مِن المتعةِ إذا طُلِّقْنَ قبلَ المسيسِ، وبقولِه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجَِ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ ﴾ [الأحزاب: ٢٨] حكمَ المدخولِ بهنَّ، وبَقِى حكمُ الصبايا إذا طُلِّقْنَ بعدَ الابتناءِ بهنَّ، وحكمُ الكوافرِ والإماءِ، فعمَّ اللّهُ تعالى ذِكرُه بقوله: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِّ﴾. ذكرَ جميعِهنَّ، وأخبر بأنَّ لهنَّ المتاعَ، كما أبان (١) المطلقاتِ الموصوفاتِ بصفاتِهن فى سائرٍ آي القرآن ، ولذلك كرّر ذکرَ جمیعِهنَّ فی هذه الآيةِ . وأمَّا قولُه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. فإِنَّا قد بينًا معنى قوله: ﴿حَقًّا﴾ . ووجهَ نصبِه، والاختلافَ مِن أهلِ العربيةِ فيه فى قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. ففى ذلك مُسْتَغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ . فأمَّا ((الْمُتَّقون))، فهم الذين اتقوا اللّهَ فى أمرِه ونَهِهِ وحدودِه ، فقاموا بها على (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٠/١ إلى المصنف. (٢) فى ص: ((أ)) وبعده بياض، وأثبتها الشيخ شاكر: ((خص)). (٣) ينظر ما تقدم فى ص ٣٠٨. ٤١٣ سورة البقرة الآيتان : ٢٤٢، ٢٤٣ ما كلَّفهم القيامَ به؛ خشيةً منهم له، ووَجَلًا منهم مِن عقابِهِ . وقد تقدَّم بيانُ تأويلِ ذلك أيضًا (١) بالرواية. القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٢٤٢ يقولُ تعالى ذكره: كما بيَّنتُ لكم ما يَلْزَمُكم لأزواجِكم، ويَلْزَمُ أزواجكم لكم أيُّها المؤمنون ، وعرَّفتُكم أحكامِى، والحقَّ الواجبَ لبعضِكم على بعضٍ فى هذه الآياتِ ، فكذلك أُبيّنُ لکم سائر الأحكام فى آیاتی التی أنْزَلُھا علی نبِّی محمدٍ فی هذا الكتابِ ؛ لِتَعْقِلوا أيُّها المؤمنون بى وبرسولى حُدُودى، فَتَفْهَموا اللازمَ لكم مِن فرائضِی ، وتَغرِفوا بذلك ما فيه صلامح دینکم ودنياكم، وعاچلکم وآجلِكم، فَتَعْمَلُوا به ؛ لِيصْلُحَ ذاتُ بينكم، وتَنَالوا به الجزيلَ مِن ثوابى فى معادٍ كم . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُونُ حَذَرَ أُلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَخْيَهُمْ ﴾. يعنى تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ : ألم تَعْلَمْ يا محمدُ . وهو مِن رؤيةِ القلبِ لا رؤيةِ العينِ؛ لأن نبيّنا محمدًا عَ لِ لم يُدْرِكِ الذين أخْبَر اللّهُ عنهم هذا الخبرَ. ورُؤيةُ القلبِ ما رآه: عِلْمُه (١٢) به. فمعنى ذلك: ألم تَعْلَمْ يا محمدُ الذين خرجوا مِن ديارِهم وهم ألوفٌ . ثم اخْتَلفَ أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِهِ: ﴿ وَهُمْ أُلُوفُ﴾. فقال بعضُهم: فى العدَدِ ، بمعنى جماعٍ ((ألفٍ)). (١) فى م: ((نصًّا)). وينظر ما تقدم فى ٢٣٧/١ - ٢٣٩. (٢) فى م: (( وعلمه)). ٤١٤ سورة البقرة الآية : ٢٤٣ ٥٨٦/٢ / ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال : ثنا أبى، وحدَّثنا عَمرُو بنُ علىٍّ، قال : ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سفيانُ ، عن مَيْسرةَ النَّهْدِىِّ ، عن المِنْهالِ بنِ عَمٍو ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ﴾. قال: كانوا أربعةَ آلافٍ خرَجوا فرارًا من الطاعونِ ، قالوا: نأتى أرضًا ليس فيها موتٌ. حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا ، قال لهم اللّهُ: موتوا. فمرّ عليهم نبىٌّ من الأنبياءِ، فدعا ربَّه أن يُحْيِيَهم، فأحياهم، فتلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾(١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن مَيْسَرَةَ النَّهْدِىِّ، عن المِنْهَالِ، عن سعيدِ بنِ تجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أَلُوَفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ﴾. [٣١٧/١و] قال: كانوا أربعةَ آلافٍ خرَجوا فرارًا من الطاعونِ ، فأماتهم اللّهُ، فمرّ عليهم نبىٌّ من الأنبياءِ، فدعا ربَّه أن يُخِهم حتى يَعْبُدوه، فأحياهم . حدَّثنا محمدُ بنُ سهل بنِ عَشْكَرٍ ، قال : أخبرَنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ، قال : ثنى عبدُ الصمدِ أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهِ يقولُ: أصاب ناسًا من بنى إسرائيلَ بلاء وشدةٌ من الزمانِ ، فشكَوْا ما أصابهم ، فقالوا: يا ليتنا قد مُنْنا فاسْتَرحنا مما نحن فيه . فأوحى اللّهُ إلى حِزْقِيلَ: إن قومَك صاحوا من البلاءِ، وزعموا أنهم وَدُّوا لو ماتوا فاسْتَراحوا، وأىُّ راحةٍ لهم فى الموتِ ؟ أَيَظُنُون أنى لا أَقْدِرُ أن أبعثَهم بعدَ الموتِ ؟ فانْطَلِقْ إلى جَبَّانِةٍ كذا وكذا، فإن فيها أربعةَ آلافٍ - قال وهبّ: وهم الذين قال (١) أخرجه الحاكم ٢٨١/٢ من طريق وكيع به . ٤١٥ سورة البقرة الآية : ٢٤٣ اللّهُ: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - فَقُمْ فيهم فنادِهم . وكانت عظامُهم قد تفرّقتْ ، فَقَتْها الطيرُ والسِّبَاعُ، فناداهم حِزْقِيلُ، فقال: يا أيّها العظامُ ، إن اللّهَ يأمُرُكِ أن تَجْتُمِعِى. فاجتَمع عظامُ كلِّ إنسانٍ منهم معًا، ثم نادَى ثانيةً حِزْقِيلُ، فقال: يا أَيَّتُها العظامُ، إن اللّهَ يأمُرُكُ(١) أن تَكْتَسِى اللحمَ . فاكْتَستِ اللحمَ ، وبعدَ اللحم جلدًا ، فكانت أجسادًا ، ثم نادَى حِزْقِيلُ الثالثةَ فقال: أيُّها الأرواح، إن اللّهَ يأمُكِ أن تعودى فى(٢) أجسادِك. فقاموا بإذنِ اللّهِ ، وكبّروا تكبيرةً واحدةً(٣). حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ﴾. يقولُ: عددٌ كثيرٌ خرَجوا فِرارًا مِن الجهادِ فى سبيلِ اللهِ، فأماتَهم اللّهُ، ثم أحياهم، وأمرهم أن يُجَاهِدوا عدوَّهم، فذلك قوله: ﴿ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾(١). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن (أَشْعَثَ بنِ أَسْلَمَ البصرىِّ°) ، قال: بينما عمرُ يصلِّى ويهودِيَّان خلفَه - وكان عمرُ إذا أراد أن يركعَ خوَّى(١) - فقال أحدُهما) لصاحبِه: أهو هو؟ فلمَّا انْفَتل عمرُ قال: رأيتَ قولَ (١) فى ص: ((أمرك)). (٢) فى م: ((إلى)). (٣) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٥٧/١، ٤٥٨، وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٢٣٥) من طريق إسماعيل به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٦/٢ (٢٤١٧) عن محمد بن سعد به . (٥ - ٥) فى تاريخ المصنف: ((أشعث، عن سالم النصرى)). وفى نسختين منه كما عندنا. تنظر ترجمته فى الجرح والتعديل ٢٦٨/٢. (٦) خوَّى الرجل : تجافى فى سجوده وفرّج ما بين عضديه وجنبيه . اللسان (خ وى). (٧) فى م، ت ٢: ((أحدهم)). ٤١٦ سورة البقرة الآية : ٢٤٣ أحدٍ كما لصاحبِهِ : أهو هو؟ فقالا: إِنَّا نَجِدُهُ() فى كتابِنا: قَوْنًا(٢) من حديدٍ يُعْطَى ما يُعْطَى حِزْقيلُ الذى أحيا الموتى بإذنِ اللّهِ . فقال عمرُ: ما تَجِدُ فى كتابِ اللّهِ حِزْقيلَ، ولا أحيا الموتى بإذنِ اللّهِ إلا عيسى. فقالا: أمَا تَجِدُ فى كتابِ اللهِ: ﴿﴿ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَْ﴾ [النساء: ١٦٤]؟ فقال عمر: بلى. قالا: وأمَّا إحياء الموتى ٥٨٧/٢ فسَنُحَدِّثُك؛ / إن بنى إسرائيلَ وقَع عليهم الوباءُ، فخرَج منهم قومٌ ، حتى إذا كانوا على رأسٍ ميلٍ ، أماتهم اللّهُ، فبنَوْا عليهم حائطًا، حتى إذا بَلِيت عظامُهم، بعَث اللّهُ حِزْقيلَ، فقام عليهم فقال(٤) ما شاء اللّهُ، فبعثهم اللّهُ له، فَأَنْزَل اللّهُ فى ذلك: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ﴾ الآية(٥). حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن الحَجَاجِ بِنِ أَرْطَاةَ، قال : كانوا أربعةَ آلافٍ(٦) . حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوَفُ﴾. إلى قولِه: ﴿ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾. قال : كانت قريةٌ يقالُ لها: داوَرْدانُ(٧). قِبَلَ واسطَ ، وقَع بها الطاعونُ، فهرَب عامَّةُ أهلِها ، فنزَلوا ناحيةً منها ، فهلَك مَن بقِى فى القريةِ وسلِم الآخرون ، فلم يُتْ منهم كبيرٌ، فلمّا ارتفع الطاعونُ رجَعوا سالمين، فقال الذين بَقُوا : أصحابُنا هؤلاءِ (١) فى م: (نجد)). (٢) القرن : الجبيل المنفرد . اللسان (ق ر ن). (٣ - ٣) فى م: ((ورسلاً لم يقصصهم)) . (٤) سقط من : م. (٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤٥٩/١. (٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١١/١ إلى المصنف. (٧) فى ص: ((دار وردان)). وينظر معجم البلدان ٢/ ٥٤١. ٤١٧ سورة البقرة الآية : ٢٤٣ كانوا أحزَمَ منَّا، لو صنَعْنا كما صنَعوا بقِينا، ولئن وقَع الطاعونُ ثانيةً لَنَخْرُجَنَّ معَهم . فوقَع فى قابلٍ فهرَبوا، وهم بضعةٌ وثلاثون ألفًا ، حتى نزَلوا ذلك المكانَ، وهو وادٍ أفيحُ ، فناداهم ملَكٌ من أسفلِ الوادى، وآخَرُ مِن أعلاه : أن موتوا . فماتوا ، حتى إذا هِلَكوا ويَلِيت(٢) أجسادُهم، مرَّ بهم نبىٌّ يقالُ له: حِزْقيلُ. فلما رآهم وقف عليهم، فجعَل يَتَفَكِّرُ فيهم ويَلْوِى شِدْقَيه(١٢) وأصابعَه، فأوحى اللهُ إليه: يا حِزْقِيلُ، أَتُرِيدُ أن أَرِيَك فيهم كيف أَحْيِيهم؟ ( قال: نعَمُ) . قال: وإنما كان تَفَكِّرُه أنه تعجّب من قدرةٍ اللّهِ عليهم فقال: نعم. فقيل له: نادٍ. فنادَى: يا أَيَُّها العظامُ ، إن اللّهَ يأمُرُكِ أن تجتَمِعى. فجعَلت تطيرُ العظامُ بعضُها إلى بعضٍ حتى كانت أجسادًا من عظامٍ ، ثم أوحى اللّهُ إليه أن نادٍ: يا أيَّتُها العظامُ، إن اللّهَ يأمُرُكِ أن تَكْتَسى لحمًا. فاكْتَست لحمًّا ودمًا وثيابَها التى ماتت فيها وهى عليها، ثم قيل له: نادٍ. فنادَى: يا أيُّها الأجسادُ ، إِن اللّهَ يأمُرُكِ أن تقومى. فقامواً" . حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، فزعَم منصورُ بنُ المُغْتَمِرِ، عن مجاهدٍ أنهم قالوا حين أُعْيُوا: سبحانَك ربَّنا وبحمدِك، لا إلهَ إلا أنت . فرجَعوا إلى قومِهم أحياءٌ، يَعْرِفون أنهم كانوا موتى، سَحْنَةُ الموتِ على وجوهِهم، لا يَلْبَسون ثوبًا إِلَّا عاد(٧) دَسِمًا(٨) مثلَ الكفنِ، حتى ماتوا لآجالِهم (١) أفيح: واسع. تاج العروس (ف وح). (٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((بقيت). (٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((شدقته)). (٤ - ٤) سقط من: م. (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٨/٢ (٢٤٢٢) من طريق عمرو به. وينظر تاريخ المصنف ٤٥٨/١، وتفسير ابن أبى حاتم ٤٥٥/٢ (٢٤٢٠). (٦) السحنة: الهيئة واللون والحال. اللسان (س ح ن). (٧) بعده فى النسخ: (( كفنا)). والمثبت كما فى تاريخ المصنف. (٨) يقال: ثياب دُسْم، يعنى وسخة . الصحاح (د س م). ( تفسير الطبرى ٢٧/٤ ) ٤١٨ سورة البقرة الآية : ٢٤٣ التى كُتِبت لهم(١) . حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عَوْسَجَةَ، عن عطاءٍ الْخُرَاسانيّ: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ﴾. قال: كانوا ثلاثةَ آلافٍ أو أكثرَ(١). حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال : قال ابنُ عباس: كانوا أربعين ألفًا أو ثمانية آلافٍ، حُظِر عليهم حظائرُ، وقد أَرْوَحت أجسادُهم وأَنْتَنوا ، فإنها لتُوجَدُ اليومَ فى ذلك [٣١٧/١ ظ] السِّبْطِ من اليهودِ تلك الريحُ، وهم ألوفٌ ، فرارًا من الجهادِ فى سبيلِ اللهِ ، فأماتهم اللّهُ، ثم أحياهم، فأمَرهم بالجهادِ ، فذلك قوله: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَهِ ﴾ الآية. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن وهبٍ ابنِ مُنَبِّهٍ ، أن كالِبَ بنَ يُوفًا(١٢) لَّ قِبَضه اللّهُ بعدَ يُوشَعَ، خلَف فيهم - يعنى: فى بنى ٥٨٨/٢ إسرائيلَ - حِزْقِيلُ بنُ بوزِى(٤)، وهو ابنُ العجوزِ. / وإنما سُمِّى ابنَ العجوزِ أنها سألت اللّهَ الولدَ وقد كبرت وعقِمت، فوهَبه اللّهُ لها، فلذلك قيل له: ابنُ العجوزِ. وهو الذى دعا للقومِ الذين ذكَر اللّهُ فى الكتابِ لمحمدٍ عَ لَه، كما بلَغنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٥٩، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٥٨/٢ (٢٤٢١) من طريق أسباط به ببعضه . (٢) ينظر تفسير البغوى ٢٩٣/١، والبحر المحيط ٢٥٠/٢. (٣) فى م: ((يوقنا)). وهو مما قيل فى اسمه ، وقيل أيضا: يا فنة ، وقيل : يفنة . وأما كالب فقد قيل فيه: كلاب وكالوب . وقيل غير ذلك. ينظر فهارس تاريخ المصنف ، وعرائس المجالس ص ٢١٣، وجمهرة أنساب العرب ص ٥٠٥، ٥٠٧. وينظر سفر العدد الأصحاح الثالث عشر. وينظر ما سيأتى فى تفسير الآية ١٢، ٢٢ من سورة المائدة . (٤) فى ت ١: ((دورى))، وفى تاريخ المصنف: ((بوذى)). ٤١٩ سورة البقرة الآية : ٢٤٣ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ إِنَّ اَللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ حدَّثنی ابنُ حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : بلَغنى أنه كان من حديثهم أنهم خرجوا فرارًا من بعضِ الأوباءِ؛ من الطاعونِ ، أو مِن سَقَمٍ كان يُصِيبُ الناسَ ، حذرًا من الموتِ ، وهم ألوفٌ ، حتى إذا نزلوا بصعيدٍ من البلادِ، قال لهم اللّهُ: موتوا. فماتوا جميعًا، فعمَد أهلُ تلك البلادِ فحظَروا عليهم حظيرةً دونَ السِّباع، ثم ترَكوهم فيها، وذلك أنهم كثُروا عن أن يُغَيِّبُوا، فمرّت بهم الأزمانُ والدهورُ، حتى صاروا عظامًا نَخِرَةٌ ، فمرّ بهم حِزْقیلُ بنُ بوزى ، فوقَف عليهم فتعجَّب لأمرِهم، ودخَله رحمةٌ لهم ، فقيل له : أَتُحِبُّ أن يُخْبِيَهم اللّهُ؟ فقال: نعم. فقيل له: نادِهم. فقال(١) : أيَّتُها العظامُ الرميمُ التى قد رَمَّت ويَلِيت، لِيَرْجِعْ كلُّ عظم إلى صاحبِهِ . فناداهم بذلك، فنظَر إلى العظامِ تَوَاثَبُ يأخُذُ بعضُها بعضًا، ثم قيل له: قل: أيُّها اللحمُ والعصَبُ والجلدُ، اكْسُ العظامَ بإذنِ ربِّك. قال: فنظر إليها والعصَبُ يَأْخُذُ العظامَ ثم اللحمَ والجلدَ والأشعارَ، حتى استَوَوْا خلقًا ليست فيهم الأرواح، ثم دعا لهم بالحياة، فتغشَّاه(٢) من السماءِ ( شىءٌ كَرَبه" ، حتى غُشِى عليه منه ، ثم أفاق والقومُ جلوسٌ يقولون: سبحانَ اللّهِ! سبحانَ اللّهِ ! قد أحياهم اللّهُ(٥) . (١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٤٥٩، ٤٦٠. (٢) فى تاريخ المصنف: ((فقل)). (٣) فى م: ((فتغشاهم))، وفى ت ٢: ((فبعثناهم)) . (٤ - ٤) فى ص: ((كربه))، وفى م، ت ٢، ت ٣، س: ((كدية))، وفى ت١: ((كدمة)). والمثبت من تاريخ المصنف . (٥) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٦٠. ٤٢٠ سورة البقرة الآية : ٢٤٣ وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾. وهم مُؤْتَلِفون . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُفُ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ ﴾. قال: قريةٌ كانت نزَل بها الطاعونُ، فخرجت طائفةٌ منهم وأقامت طائفةٌ ، فألحَّ الطاعونُ بالطائفةِ التى أقامت ، والتى خرَجت لم يُصِبْهاً ) شىءٌ، ثم ارتفَع، ثم نزَل العامَ القابلَ ، فخرجت طائفةٌ أكثر من التى خرجت أوَّلًا ، فاستحَرَّ الطاعونُ بالطائفةِ التى أقامت ، فلمَّا كان العامُ الثالثُ نزَل ، فخرَجوا بأجمعِهم وتركوا ديارَهم، فقال اللّهُ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُونُ﴾. ليست الفُرقةُ أخرَجتهم كما يُخْرَجُ للحربِ والقتالِ ، قلوبُهم مؤتلفةٌ ، إنما خرَجوا فِرارًا، فلمَّا كانوا حيثُ ذهَبوا يبتَغون الحياةَ، قال لهم اللّهُ: موتوا. فى المكانِ الذى ذهَبوا إليه يبتغون فيه الحياةَ، فماتوا، ثم أحياهم اللّهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. قال: ومرَّ بها رجلٌ وهى عظام تلوح، فوقَف يَنْظُرُ، فقال: ﴿ أَنَّ يُحْيِ هَذِهِ اَللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَانَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ﴾(١). ذکژ هذه(٣) الأخبارِ عمَّن قال: كان خروج هؤلاءِ القوم من ديارِهم فِرارًا من الطاعون / حدَّثنا عَمرُو بنُ علىّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن الأشعثِ، عن الحسنِ ٥٨٩/٢ (١) فى ص، ت ١: (يصبهم)). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١١/١ إلى المصنف . (٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣، س.