النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة البقرة الآية : ٢٣٥
وعَلانيةً. وفى كونِ ذلك عليه مُحَرَّمًا سرًّا وعَلانيةً، ما أبان أن مَعنَى السرِّ فى هذا
الموضعِ غيرُ مَعْنَى إِسْرارِ الرجلِ إلى المرأةِ بِالْمُعَاهَدةِ ألا تَنْكِحَ غيرَه إذا انْقَضَت عدتُها ،
أو يَكونُ - إذا بَطَل هذا الوجهُ - معنى ذلك الخِطْبةَ والنكاحَ الذى وعَدَتِ المرأةُ
الرجلَ أَلا تَعْدُوَه إلى غيرِهِ ، فذلك إذا كان، فإنما يَكونُ بولىٌّ وشهودٍ عَلانيةً غيرَ سرٍّ،
وكيف يَجوزُ أن يُسَمَّى سًا وهو عَلانيةٌ لا يَجوزُ إِسْرائُه؟
وفى بُطولٍ هذه الأوجهِ أن تَكونَ تأويلًا لقولِه: ﴿ وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ اسِرًّا﴾
بما عليه دلَّلْنا مِن الأدلةِ ، وضوح صحةٍ تأويلٍ ذلك أنه بمعنى الغِشْيانِ والجماعِ .
٥٢٦/٢
وإذا كان ذلك صحيحًا، فتأويلُ الآيةِ : ولا جناح عليكم أيُّها الناسُ فيما
عرّضْتُم به للمُعْتَدَّاتِ مِن وفاةِ أَزْواجِهن، [٣٠١/١و] مِن خِطْبةِ النساءِ، وذلك
حاجتكم إليهنَّ، فلم تُصَرِّحوا لهن بالنكاح والحاجة إليهن، إذ أكْنَنتُم فى أنفسكم
فأسْرَرْتُم حاجتكم إليهن وخِطْبتَكم إياهن فى أنفسكم، ما دُمْن فى عِدَدِهنَّ، علِمِ اللَّهُ
أنكم ستَذْكُرون خِطبتَهن وهن فى عِدَدِهن، فأباح لكمُ التَّعْرِيضَ بذلك لهن،
وأسْقَط الحرَجَ عما أُضْمَرَتْه نفوسُكم - حُكمّ (١) منه - ولكن حرَّم عليكم أن
تُواعِدوهن جِماعًا فى عِدَدِهن؛ بأن يقولَ أحدُكم لإحداهن فى عدَّتِها : قد
تزَوَّجْتُكِ فى نفسى ، وإنما أَنْتَظِرُ انْقضاءَ عدتِك. فِيَسْأَ لُها بذلك القولِ إمكانَه مِن
نفسِها الجماعَ والمباضَعةَ، فحرَّم اللَّهُ تعالى ذكرُه ذلك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفَأْ ﴾.
قال أبو جعفرٍ: ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلََّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًاْ ﴾.
فاسْتَثْنَى القولَ المعروفَ مما نهى عنه مِن مُواعَدةِ الرجلِ المرأةَ السرَّ، وهو مِن غيرِ
(١) فى م: ((حلما)).

٢٨٢
سورة البقرة الآية : ٢٣٥
جنسِه، ولكنَّه مِن الاسْتِثْناءِ الذى قد ذكَرْتُ قبلُ ، أنه يَأْتِى بمعنَى خلافٍ الذى قبلَه
فى الصفةِ خاصةً، وتَكونُ ((إلا)) فيه بمعنى ((لكن))(١)، فقولُه: ﴿إِلََّ أَنْ تَقُولُوا
قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ منه، ومعناه: ولكن قولوا قولاً معروفًا. فأباح اللَّهُ تعالى ذكره أن
يَقولَ لها المعروفَ مِن القولِ فى عِدَّتِها، وذلك هو ما أذن له بقولِه: ﴿ وَلَا جُنَاحَ
عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَآِ﴾ .
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، عن
سلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مسلم البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا
مَّعْرُوفًا﴾. قال: يقولُ: إنى فيكِ لَراغبٌ، وإنى لأَرْجُو أن نَجْمِعَ(١) .
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحِ،
عن علىٍّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلََّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ﴾. قال:
هو قولُه : إن رأيتِ أَلا تَسْبِقِينى بنفسِك(١).
حدَّثنى المثنى ، قال: حدَّثنا سُوَيْدٌ ، قال: أُخْبَرَنا ابنُ المُباركِ، عن سفيانَ ، عن
ليثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾. قال: يعنى التَّعْرِيضَ(٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيُجٍ ،
عن مجاهدٍ: ﴿ إِلََّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفَأْ﴾ . قال: يعنى التَّعْرِيضَ.
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَلَا
(١) ينظر ما تقدم فى ١٥٩/٢، ٦٨٦، ٦٨٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٠/٢ (٢٣٣٧) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤/
٢٥٨، والبيهقى ١٧٩/٧ من طريق سفيان به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره ٤٤٠/٢ (٢٣٣٦) من طريق عبد الله بن صالح به بنحوه.
(٤) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٢.

٢٨٣
سورة البقرة الآية : ٢٣٥
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ
أَجَلَمْ﴾. قال: هو الرجلُ يدْخُلُ على المرأةِ وهى فى عدَّتِها، فيقولُ: واللَّهِ إنكم
لَأَكْفاءٌ كرامٌ، وإنكم لَرِعَةٌ(١)، وإنكِ لَّتُعْجِبينى، وإِنْ يُقَدَّرْ شىءٌ يَكُنْ. فهذا القولُ
المعروفُ(٢) .
/حدَّثنا ابنُ محُميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، وحدَّثنى علىّ، قال: حدَّثنا زيدٌ، ٥٢٧/٢
قالا: قال سفيانُ: ﴿إِلََّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ قال: يقولُ: إنى فيكِ
لَراغبٌ، وإنى لأَرْجُو إن شاء اللَّهُ أن تَجْمِعَ(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أَخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ إِلَّا أَن
تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفَأْ﴾. قال: يقولُ: إن لكِ عندى كذا، ولكِ عندى كذا، وأنا
مُعْطِيكِ كذا وكذا . قال: هذا كلُّه وما كان قبلَ أن يَعْقِدَ عُقْدةَ النكاح، فهذا كلُّه
نسَخَه قولُه: ﴿وَلَا تَغْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاجِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ أَجَلَمْ﴾.
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزِيدُ، قال: أْبَرَنا جُوَئِرٌ، عن
الضحاكِ: ﴿إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفُ﴾. قال: المرأةُ تُطَلَّقُ أو يَمُوتُ عنها
زوجها، فيأْتِيها الرجلُ فيقولُ: احْبِسى علىَّ نفسَك، فإن لی بك رغبةً . فتقولُ: وأنا
مثلُ ذلك. فتوقُ(٤) نفسُه لها، فذلك القولُ المعروفُ(٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ
(١) الرعة : الشأن والأمر والأدب ، يقال: هم حسن رعتهم . التاج (ور ع ).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٠/٢ عقب الأثر (٢٣٣٧) من طريق عمرو به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢١٥٩) عن سفيان به .
(٤) فى ص: ((فتوتى)).
(٥) ذكره ابن أبى حاتم في تفسيره ٤٤٠/٢ عقب الأثر (٢٣٣٧) معلقًا. وينظر المحرر الوجيز ١٢٧/٢،
والبحر المحيط ٢٢٧/٢.

٢٨٤
سورة البقرة الآية : ٢٣٥
أَجَلَهُ ﴾
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾. ولا تُصَحِّحوا
عُقْدةَ النكاح فى عدةِ المرأةِ المعتدةِ ، فتُوجِبُوها بينكم وبينَهن ، وتَعْقِدوها قبلَ انْقضاءٍ
العدةِ ، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهٌ ﴾. يعنى: يَتْلُغْنَ أجلَ الكتابِ الذى بيَّنْه اللَّهُ
تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا يَتَرَّبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةً
أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فجعَل بلوغَ الأجلِ للكتابِ، والمعنى: للمُتناكحين، ألا يَتْكِحَ
الرجلُ المرأةَ المعتدةَ ، فَيَعْزِمَ عُقْدةَ النكاح عليها حتى تَنْقَضِىَ عدتُها، فيَبْلُغَ الأجلَ
الذى أجّله اللَّهُ فى كتابِه لانقضائِها .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وعمرُو بنُ علىٍّ ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ ، قال :
حدَّثنا سفيانُ ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، عن الثورىِّ، عن
ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِتَبُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِىَ العدةُ(١).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ قوله: ﴿حَتَّى
يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَهْ﴾. قال: حتى تَنْقَضِىَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ حَنَّی
يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِىَ العدةُ .
حدَّثنی المثنى ، قال : حدَّثنا إسحاقُ ، قال : حدّثنا ابنُ أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
(٣)
الربيعِ مثلَه (٢).
(١) تفسير سفيان ص ٧٠، ومن طريقه عبد الرزاق فى تفسيره ٩٦/١، وفى مصنفه (١٢١٧٢) ، وابن أبى
شيبة ٤٠١/٤ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤١/٢ عقب الأثر (٢٣٤١) من طريق عمرو به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤١/٢ عقب الأثر (٢٣٤١) من طريق ابن أبى جعفر به .

٢٨٥
سورة البقرة الآية : ٢٣٥
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى ، قال: حدَّثنى عمِّى، قال : حدَّثنى أبى ،
عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَهُ﴾. قال: حتى تَنْقَضِىَ العدةُ .
حدَّثنى القاسمُ ، قال : حدَّثْنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنٍ مُرَيجٍ ،
عن عطاءٍ الْخُراسانىّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى
يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَمْ ﴾. قال: حتى تَنْقَضِىَ العدةُ() .
/ حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيْرٍ، عن مجُوَثِيرٍ، عن ٥٢٨/٢
الضَّحّاكِ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ ﴾. قال: لا يَتَرَوَّجُها حتى يَخْلُوَ
أجلُها(٢).
حدَّثْنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا أبو قُتَيْبةَ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ أبى
إسحاقَ، عن الشعبىِّ فى قولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ
أَجَلَهٌ ﴾ . قال : مَخافةَ أن تَتَزَوَّجَ المرأةُ قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ(٢).
حدَّثْنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ: ﴿ وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النَّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ ﴾: حتى تَنْقَضِىَ
ء (٣)
العدةٌ (٣) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثْنا مِهْرانٌ، وحدَّثنى علىّ، قال: حدَّثنا زيدٌ ،
جميعًا عن سُفيانَ قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ ﴾. قال : حتى تَنْقَضِىَ العدةُ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤١/٢ (٢٣٤١) من طريق ابن جريج به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٩١/١ إلى ابن المنذر.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤١/٢ عقب الأثر (٢٣٤١) معلقًا .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠١/٤ من طريق عبد الأعلى به .

٢٨٦
سورة البقرة الآيتان : ٢٣٥، ٢٣٦
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ فَأَعْذَرُوأُ
(٢٣٥
وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ (
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واعْلَموا أيُّها الناسُ أن اللَّهَ يَعْلَمُ ما فى أنفسكم مِن
هَواهُنَّ ونكاحِهن وغيرِ ذلك مِن أمورٍكم، ﴿فَأَحْذَرُوهُ﴾. يقولُ: فاحْذَروا اللَّهَ
واتِّقُوه فى أنفسكم أن تَآتُّوا شيئًا مما نها كم عنه مِن عزمٍ عُقْدةٍ نكاحهن ، أو مُواعَدَتِهِن
السرَّ فى عِدَدِهن، وغيرِ ذلك مما نهاكم عنه فى شأنِهن فى حالٍ ما هن مُعْتَدَّاتٌ ،
وفى غيرِ ذلك، ﴿ وَأَعْلَمُوَأْ أَنَّ اللَّهَ غَفُور ﴾. يعنى أنه ذو سَتْرٍ لذنوب عباده،
وتغطية علیھا فیما تُکِثُه نفوسُ الرجالِ مِن خطبة المعتداتِ ، وذ کرِهم إیاهن فى حالٍ
عددهن، وفى غير ذلك مِن خطاياهم .
وقولُه : ﴿حَلِيمٌ﴾. يعنى أنه ذو أَناةٍ ، لا يَعْجَلُ على عبادِه بعقويتهم على ذنوبهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن ◌َلَّقْتُمُ النِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: لا حرَجَ عليكم، ﴿إِن طَلَّقْتُ
اُلِسَآءَ﴾. يقولُ: لا حرَجَ عليكم فى طلاقِكم نساءَكم وأزواجكم، ﴿مَا لَمْ
تَمَسُّوهُنَّ(١)). يعنى بذلك: ما لم تُجامِعُوهن. والمُماسّةُ فى هذا الموضعِ كنايةٌ عن
اسمِ الجماعِ .
كما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةً ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، وحدَّثنا محمدُ بنُ
بشارٍ، قال : حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قالا جمیعًا : حدّثنا شعبةُ ، عن أبی بشرٍ ، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال : قال ابنُ عباس: المسُّ الجمائُ(١) ، ولكنَّ اللَّهَ يَكْنِى ما شاء"
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٣: ((تماسوهن)). قراءة، وستأتى.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((النكاح)).
(٣ - ٣) فى م: ((ما يشاء))، وفى ت ١، ت ٢، ت٣: ((من شاء)).

٢٨٧
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
(١)
بما شاء).
حدَّثنی المثنى ، قال: حدّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنی معاویةُ ، عن على بن أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المسُّ النكاحُ(١) .
/وقد اخْتَلَفت القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ : ٥٢٩/٢
﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. بفتح التاءِ مِن ﴿تَمَسُوهُنَّ﴾، وبغيرِ ألفٍ (١ ، مِن قولِك:
مَسِئْتُه أَمَشُه مَشًا ومَسِيسًا ومِسِّيسَى. مقصورٌ مُشَدَّدٌ غيرُ مُجْرَى. وكأنهم اختاروا
قراءةَ ذلك إلحاقًا منهم له بالقراءةِ المجتَمَع عليها فى قوله: ﴿ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ﴾
كره
[ آل عمران: ٤٧، مريم: ٢٠] .
وقرّأْ ذلك آخَرون: (ما لم ◌ُماسُوهُنَّ). بضمِ التاءِ، والألفِ بعدَ الميم(٤)، إلحاقًا
منهم ذلك بالقراءةِ المجتمعِ (٥) عليها فى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَسَأَ﴾
[ المجادلة: ٣]. وجعَلوا ذلك بمعنى فِعْلِ كلّ واحدٍ مِن الرجل والمرأةِ بصاحبِهِ، مِن
قولِك : ماسَسْتُ الشىءَ أُماسُهُ(٢) مُماسَّةً ومِساسًا .
والذى نَرَى فى ذلك أنهما قِراءتانٍ صَحيحتا المعنى، مُتَّفِقَتا التأويلِ، وإن كان
فى إحداهما زيادةُ معنّى غيرُ مُوجِبةٍ اختلافًا فى الحكم والمفهوم. وذلك أنه لا
يَجْهَلُ ذو فهم إذا قيل له: مَسِسْتُ زوجتى. أن الممسوسةَ قد لاقَى مِن بدنِها
بدنُ الماسِ ما لاقاه مثلُه مِن بدنِ الماسِ. فكلُّ واحدٍ منهما وإن أَفْرِد الخبرُ عنه
(١) سيأتى فى ٦٣/٧، ٦٤ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٢/٢ (٢٣٤٦) من طريق أبى صالح به.
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وعاصم وابن عامر. ينظر حجة القراءات ص ١٣٧، ١٣٨.
(٤) وهى قراءة حمزة والكسائى . المصدر السابق .
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المجمع)).
(٦) سقط من : م.

٢٨٨
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
بأنه الذى مسَ(١) صاحبه - معقولٌ بذلك(٢) الخبرِ نفسِه أن صاحبه الممسوسَ قد
ماسَّه. فلا وجه للحكم لإحدى القراءتين مع اتفاقٍ معانيهما، وكثرةِ القرأةِ(٢) بكلٌ
واحدةٍ منهما بأنها أولى بالصوابِ مِن الأخرى، بل الواجبُ أن يكونَ القارئُ
بأيِتِهما قرَأ، مُصيبَ الحقِّ فى قراءتهِ .
وإنما عتَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ
تَمَسُّوهُنَّ(٤)﴾ . المطلَّقاتِ قبلَ الإِفْضاءِ إليهن فى نكاحِ قد سُمِّى لهن فيه الصَّداقُ .
وإنما قلْنا : إن ذلك كذلك، لأن كلَّ مَنْكوحةٍ فإنما هى إحدى اثنتين؛ إما
مُسمَّى لها الصداقُ ، أو غيرُ مسمَّى لها ذلك ، فعلِمْنا بالذى يَتْلُو ذلك مِن قولِه تعالى
ذكرُه، أن المعنيةَ بقولِه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ . إنما
هى المسمَّى لها؛ لأن المعنيةَ بذلك لو كانت غيرَ المَفْروضِ(٥) لها الصداقُ، لما كان
لقولِه ٢١: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ ﴾. معنَّى معقولٌ، إذ كان لا معنَى لقولِ قائلٍ :
لا يُناحَ عليكم إِنْ طلَّقْتُم النساءَ ما لم تَفْرِضوا لهن فريضةً فى نكاح(١) لم تُماشوهن
فيه، أو ما لم تَفْرِضوا لهن فريضةٌ. فإذ كان لا معنَى لذلك، فمعلومٌ أن الصحيحَ مِن
التأويلِ فى ذلك : لا يُجناحَ عليكم إن طلّقْتُم المفروضَ لهن مِن نسائِكم الصَّداقُ قبلَ
أن تُماسُوهن، وغيرَ الَفَروضِ لهن قبلَ الفرضِ .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ماس)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((فذلك))، وفى م: ((كذلك)). والمثبت هو الصواب.
(٣) فى م: ((القراءة)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تماسوهن).
(٥) فى ص: ((المفرض))، وفى ت ٢: ((المفوضة)).
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بقوله)).
(٧) بعده فى ت ٢: ((ما)).

٢٨٩
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ﴾: أو تُوجِبوا لهن. وبقولِه :
﴿ فَرِيضَةٌ﴾ : صَداقًا واجبًا .
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى مُعاويةُ، عن علىٍّ، [٣٠٢/١ و]
عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾. قال: الفَريضةُ الصَّداقُ(١).
وأصلُ الفرضِ : الواجبُ، كما قال الشاعرُ(١):
كان الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجْمِ
كانت فريضةُ ما أتَيْتَ كما
يعنى : كما كان الرجمُ الواجبَ مِن حدِّ الزِّناءِ. ولذلك قيل: فَرَض السلطانُ
لفلانٍ فى(١) ألفين. يعنى بذلك: أَوْجَب له ذلك، ورزَقه مِن الدِّيوانِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِرِ قَدَرُهُ﴾ .
/ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: وأعْطُوهن ما يَتَمَتَّعْنَ به مِن ٥٣٠/٢
أموالِكم على أقدارٍ كم ومنازلكم مِن الغِنَى والإقْتارِ .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى مَبْلَغ ما أمَرِ اللَّهُ به الرجالَ مِن ذلك ؛ فقال بعضُهم:
أعلاه الخادِمُ، ودونَ ذلك الوَرِقُ ، ودونَه الكِشْوةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَشَّارِ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٢/٢ (٢٣٤٧) من طريق أبى صالح به .
(٢) هو النابغة الجعدى، وتقدم البيت فى ٤٧/٣، ٦٢.
(٣) سقط من: م.
( تفسير الطبرى ١٩/٤ )

٢٩٠
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
عِكْرمةً، عن ابنِ عباسٍ، قال: مُتْعةُ الطلاقِ أعلاه الخادِمُ، ودونَ ذلك الوَرِقُ،
ودونَ ذلك الكِشوةُ(١) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، عن
عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه .
حدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ ، عن الشعبىِّ
قولَه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُؤَسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾. قلتُ له: ما أَوْسَطُ متعةٍ
المُطَلَّقَةِ؟ قال : خِمارُها ودِرْعُها وجِلْبابُها ومِلْحَفتُها(٢).
حدَّثنی المثنی ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَمَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
اٌلْحْسِنِينَ﴾: فهذا الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولم يُسَمِّ لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها مِن قبلٍ أن
يَتْكِحَها، فأمَر اللَّهُ سبحانَه أن يُمتِّعَها على قدرٍ عُسْرِهِ ويُشْرِهِ ، فإن كان مُوسِرًا متَّعها
بخادم أو شِبهِ ذلك ، وإن كان مُغْسِرًا مثَّعها بثلاثةِ أثوابٍ أو نحوِ ذلك(٢) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبىِّ فى
قوله: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ﴾. قال: قلتُ للشعبىّ: ما
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٦/٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٣/٢ (٢٣٥٠)، وابن حزم ٦٠٧/١١ من
طريق سفيان به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩١/١ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٧٧٦) وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٣/٢ (٢٣٥١) من طريق داود
به، وأخرجه ابن أبى شيبة ١٥٧/٥ عن عبد الأعلى ، عن الشعبى ، ولعله سقط منه داود .
(٣) أخرجه البيهقى ٢٤٤/٧، ٢٥٤، ٢٥٥ من طريق أبى صالح به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٤٤٢/٢ (٢٣٤٩) من طريق أبى صالح، عن الليث، عن معاوية به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٢/١
إلی ابن المنذر .

٢٩١
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
وسَطُ(١) ذلك؟ قال: كِشوتُها فى بيتِها؛ دِرْعُها(١) وخِمارُها ومِلْحَفتُها وجِلْبابُها . قال
الشعبىُّ: فكان شُرَيْحٌ يُمتِّعُ بخمسِمائةٍ().
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ ، أن شُريحًا
كان يُتِّعُ بخمسِمائةٍ . فقلتُ لعامٍ: ما وسَطُ ذلك؟ قال: ثيابُها فى بيتِها ؛ دِرْعٌ
وخِمارٌ ومِلْحَفةٌ وجِلْبابٌ .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أَبِى عَدِىٌّ، عن داودَ ، عن عامر الشعبيّ أنه قال :
وَسَطُّ مِن المتعةِ ثيابُ المرأةِ فى بيتِها؛ دِرْعٌ وخمارٌ ومِلْحَفةٌ وجِلْبابٌ .
حدَّثنا عِمْرانُ بنُ موسى ، قال : ثنا عبدُ الوارثِ ، قال: ثنا داودُ ، عن الشعبىِّ،
أن شُريحًا مثَّع بخمسِمائةٍ . وقال الشعبىُّ: وَسَطْ مِن المتعةِ؛ درعٌ وخِمارٌ وِلْبابٌ
ومِلْحَفةٌ .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
ابنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ
ج
فَرِضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُفْتِ قَدَرُهُ مَتَمَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
اٌلْمُحْسِنِينَ﴾. قال: هو الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولا يُسَمِّى لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن
يَدْخُلَ بها ، فلها مَتائٌ بالمعروفِ ، ولا صَداقَ لها . قال: أَدْنَى ذلك ثلاثةُ أثوابٍ ؛
دِرْعٌ وخمارٌ وجِلْبابٌ وإزارٌ .
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أوسط)).
(٢) فى النسخ: ((ودرعها)). والمثبت موافق لما فى بقية الآثار عنه ومصادر التخريج.
(٣) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة، وقوله : وكان شريح يمتع بخمسمائة . أخرجه سعيد بن منصور فى
سننه (١٧٧٢)، ووكيع فى أخبار القضاة ٢/ ٢٣٤، ٢٦٢ من طريق عن داود به، وأخرجه عبد الرزاق فى
مصنفه (١٢٢٥٨)، ووكيع فى أخبار القضاة ٢٦٢/٢ من طريق جابر، عن الشعبى.

٢٩٢
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
/حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَّا جُنَاحَ
٥٣١/٢
عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: فهذا
فى الرجلِ يَتَزَوَّجُ المرأةً ولا يُسَمِّى لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها ، فلها مَتائٌ
بالمعروفِ ، ولا فَریضةً لها . و کان يُقالُ : إذا کان واجدًا فلا بدَّ مِن مِقْزَرٍ وچِلْبابٍ
ودزعٍ وخمارٍ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدةً، عن صالح بن صالحٍ، قال : سُئِل
عامرٌ : بكم يُمتِّعُ الرجلُ امرأته؟ قال : على قدْرِ مالِه .
حدَّثْنى علىُّ بنُ سهلٍ ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ ،
قال: سمِعْتُ حميدَ بنَ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ يُحَدِّثُ عن أمِّه قالت: كأنى أَنْظُرُ إلى
جاريةٍ سوداءَ حمَّمَها عبدُ الرحمنِ (أمَّ أبى) سلمةَ حينَ طلَّقَها. قيل لشعبةً: ما
حمَّمها ؟ قال : متَّعها(٣) .
حدَّثنا ابنُ المثنى : قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ ،
عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، عن أمِّه ، بنحوِه عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمٌ، عن
أيوبَ، عن ابنِ سِيرينَ ، قال: كان يُمتَّعُ بالخادِمِ أو بالنفقةِ أو الكِشْوةِ . قال : ومتَّع
الحسنُ بنُ علىّ(٢) - أحسَبُه قال: بعشرةِ آلافٍ(٥).
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٦٣) عن معمر ، عن قتادة مختصرًا .
(٢ - ٢) فى م: ((ابن أم)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٧٦٩)، ومن طريقه ابن حزم ١١ / ٦٠٩، من طريق شعبة به .
(٤) بعده فى مصنف عبد الرزاق: ((بمال)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٥٦)، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٧٦٣) والبيهقى
٢٤٤/٧ من طريق منصور ، عن ابن سيرين .

٢٩٣
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمٌ، عن أيوبَ ،
عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، أن عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ طَلَّق امرأتَه فمتَّعها بالخادمِ(١) .
حُدِّثْتُ عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ الْمُقْرِىَّ، عن سعيدِ بنِ أبى أيوبَ، قال: ثنى عُقَيْلٌ ،
عن ابنِ شِهابٍ أنه كان يقولُ فى متعةِ المطلَّقةِ: أَعْلاه الخادمُ، وأدناه الكِشْوةُ
والنفقةُ. ويَرَى أن ذلك على ما قال اللّهُ تعالى ذكره: ﴿عَلَى [٣٠٢/١ظ] الْوُسِعِ قَدَرُهُ
وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُؤُ﴾(١).
وقال آخَرون: مَبْلَغُ ذلك إذا اخْتَلَف الزوجُ والمرأةُ فيه - قدْرُ نصفٍ
صَداقِ مثلِ تلك المرأةِ المنكوحةِ بغيرِ صَداقٍ مُسَمَّ فى عقدِه. وذلك قولُ
أبى حنيفةً وأصحابِهِ .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله ابنُ عباسٍٍ ومَن قال بقولِه مِن أن الواجبَ
مِن ذلك للمرأةِ المُطلَّقةِ على الرجلِ، على قَدْرِ عُشْرِه ويُسرِهِ، كما قال اللَّهُ تعالى
ذكرُه: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ لا على قَدْرِ المرأةِ . ولو كان ذلك
واجبًا للمرأة على قدرٍ صَداقِ مثلها إلى قدرٍ نصفه، لم یکنْ لقِيلِه تعالی ذکرُه :
﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ قَدَرُهُ﴾ معنَى مفهومٌ ، وَلَكان الكلامُ: ومَتِّعُوهن
على قَدْرِهن وقدرِ نصفٍ صَداقٍ أمثالِهِن .
وفى إعلام اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه أن ذلك على قدْرِ الرجلِ فى عُشْرِه ويسرِهِ ، لا
على قَدْرِها وقدرِ نصفٍ صَداقٍ مثلِها ، ما يُبِينُ عن صحةِ ما قلْنا وفسادٍ ما خالَفَه .
وذلك أن المرأةَ قد يكونُ صَداقُ مثلِها المالَ العظيمَ، / والرجلُ فى حالٍ طلاقِه إياها ٥٣٢/٢
(١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٥٣).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٧/٥ عن عبد الله بن يزيد به.

٢٩٤
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
مُقْتِرُ(١) لا يَمْلِكُ شيئًا، فإن قُضِى عليه بقَدْرِ نصفٍ صَداقٍ مثلِها ، أَلْزِمِ ما يَعْجِزُ عنه
ءُ
بعضُ مَن قد وُسِّع عليه، فكيف المقدورُ عليه(١)! وإذا فُعِل ذلك به، كان الحاكمُ
بذلك عليه قد تعدَّى محُكمَ قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِ
قَدَرُهُ﴾. ولكن ذلك على قَدْرِ عُشْرِ الرجلِ ويُسرِهِ، لا يُجاوَزُ بذلك خادِمٌ أو
قيمتُها ، إن كان الزوجُ مُوسِعًا(٢) ، وإن كان مُقتِرًا فأطاق أَدْنَى ما يكونُ كِسْوةً لها ،
وذلك ثلاثةُ أثواب ونحۇُ ذلك ، قُضِی علیه بذلك ، وإن كان عاجزًا عن ذلك فعلى
قدرٍ طاقتِه، وذلك على قدرِ اجْتهادِ الإمام العادلِ عندَ الخصومةِ إليه فيه .
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ . هل هو على الوجوبِ أو
على الندبِ ؟ فقال بعضُهم: هو على الوجوبٍ؛ يُقْضَى بالمتعةِ فى مالِ المُطَلِّقِ، كما
يُقْضَى عليه بسائرِ الدُّيونِ الواجبةِ عليه لغيرِه. وقالوا: ذلك واجبٌ عليه لكلِّ
مطلَّقةٍ ، كائنةٌ مَن كانت مِن نسائه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُّ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال :
كان الحسنُ وأبو العاليةِ يقولان: لكلِّ مُطَلَّقةِ متاع، دخَل بها أو لم يَدْخُلْ بها ، وإن
كان قد فرض لها (1).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ ، عن يونُسَ ، أن الحسنَ كان
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فقير)).
(٢) المقدور عليه: المضيق عليه. من: قدر عليه رزقه. أى: ضُيِّق. وينظر التاج (ق در).
(٣) فى ت ٢: ((الموسر)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٤/٥، ١٥٥ عن يزيد به .

٢٩٥
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
يقولُ: لكلِّ مطلَّقةٍ متاٌ، وللتى طلَّقها قبلَ أن يَدْخُلَ بها ولم يَفْرِضْ لها(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الوهَّابِ ، قال : ثنا أيوبُ ، عن سعيد بن جبيرٍ فى
هذه الآية: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال: لكلِّ مطلَّقةٍ
متاٌ بالمعروفِ حقًّا على المُتَّقِينَ(٣).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةً، عن أيوبَ ، قال : سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ
يقولُ : لكلِّ مطلَّقةٍ متاعٌ(٣).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ،
قال: كان أبو العاليةِ يقولُ: لكلِّ مطلّقةٍ متعةٌ. وكان الحسنُ يقولُ: لكلِّ مُطلَّقةٍ
(٤)
مُتعةٌ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ ، قال: ثناقُرَّةُ ، قال: سُئِل الحسنُ عن رجلٍ
طلَّق امرأته قبلَ أن يَدْخُلَ بها وقد فرَض لها ، هل لها متاعٌ؟ قال الحسنُ: نعم واللَّهِ .
فقيل للسائلِ - وهو أبو بكرِ الهُذَلُّ -: أوَ ما تَقْرأ هذه الآيةَ: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ
قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾؟ قال: نعم،
(٥)
واللَّهِ(٥) .
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١١٧٤)، وابن أبى شيبة ١٥٤/٥، وابن حزم ٦٠٧/١١ من طريق
یونس به .
(٢) أخرجه ابن حزم ٦٠٦/١١ من طريق أيوب به، وأخرجه البيهقى ٢٥٧/٧ من طريق أبى بشر، عن
سعید .
(٣) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٧٨٤) عن ابن علية به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٤/٥ من طريق أبى جعفر، عن أبى العالية وحده . وسقط منه الربيع بن أنس .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٤/٢ (٢٣٥٧) من طريق قرة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٩٢/١ إلی عبد بن حميد .

٢٩٦
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
وقال آخرون: المتعةُ للمطلَّقةِ على زوجِها المطلِّقِها واجبةٌ ، ولكنها واجبةٌ لكلِّ
مطلَّقةٍ سوى المطلّقةِ المفروض لها الصَّداقُ ، فأما المطلّقةُ المَفْروضُ لها الصداقُ إِذا
طُلّقَتِ قبلَ الدخولِ بها ، فإنها لا مُتعةً لها، وإنما لها نصفُ الصَّداقِ الْمُسَتَّى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ ، قال: ثنا عُبِيدُ اللَّهِ ، عن نافع، أن ابنَ
عمرَ كان يقولُ: لكلِّ مطلَّقةٍ متعةٌ ، إلا التى طلَّقها ولم يَدْخُلْ بها وقد فرَض لها،
فلها نصفُ الصَّداقِ ، ولا مُتعةً لها (١).
/ حدَّثنا تَمِيمُ بنُ المُتَصِرِ، قال: أَخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ ثُمَيْرٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ،
عن ابنِ عمرّ بنحوِه .
٥٣٣/٢
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ أُبی عَدِیٍّ وعبدُ الأغْلَی ، عن سعيد ، عن
قَتَادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى الذى يُطَلِّقُ امرأتَه وقد فرَض لها ، أنه قال فى المتاع:
قد كان لها المتاعُ فى الآيةِ التى فى ((الأحزابِ))، فلمَّا نَزَلَتِ الآيةُ التى فى (( البقرةِ))،
جُعِل لها النصفُ مِن صَداقِها إذا سَمَّى، ولا متاعَ لها، وإذا لم يُسَمِّ فلها المتاعُ .
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ وعبدُ الأَعْلَى، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ ،
عن سعيدٍ نحوَه .
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال : كان
سعيدُ بنُ المسيّبِ يقولُ، إذا لم يَدْخُلْ بها: جُعِل لها فى سورةِ ((الأحزابِ)) المتامحُ،
ثم أُنْزِلَتِ الآيةُ التى فى سورةِ ((البقرةِ)): ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٤/٥ من طريق عبيد الله به، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٢٤ -
١٢٢٢٦)، وسعيد بن منصور فى سننه (١٧٧٣)، وابن أبى شيبة ١٥٥/٥ من طريق نافع به.

٢٩٧
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. فنسَخَت هذه الآيةُ ما كان قبلَها إذا
كان لم يَدْخُلْ بها ، وكان قد سمَّى لها صَداقًا، فجعَل لها النصفَ، ولا متاعَ
(١)
لها (١) .
حدَّثنا ابنُ المثنى وابنُ بَشَّارٍ، قالا : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
قَتادةَ، عن سعيدِ [٣٠٣/١و] بنِ المسيَّبِ، قال: نسَخَت هذه الآيةَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ
عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَتِعُوهُنَّ ﴾ [ الأحزاب: ٤٩] الآيةُ التى فى ((البقرةِ)).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ، عن
حُميدٍ ، عن مُجاهدٍ ، قال: لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعةٌ ، إلا التى فارَقَها وقد فرَض لها مِن قبلٍ
أن يَدْخُلَ بها(٢) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مُجاهدٍ فى التى يُفارِقُها زوجها قبلَ أن يَدْخُلَ بها وقد فرَض لها ، قال : ليس لها
متعةٌ (٣).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، قال : ثنا أيوبُ، عن نافع، قال: إذا تزَوَّج
الرجلُ المرأةَ وقد فرَض لها ، ثم طلَّقَها قبلَ أن يَدْخُلَ بها ، فلها نصفُ الصَّداقِ ، ولا
مَتَاعَ لها، وإذا لم يَفْرِضْ لها ، فإنما لها المتاعُ(٤).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١٥٤، ١٥٥ من طريق يزيد به ، والنحاس فى ناسخه ص ٢٥٥ من طريق سعيد
به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٩٢/١ إلى ابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٣٤) عن سفيان به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٢٢٣٥) عن سفيان به ، ولفظه: للمطلقة التى لم يدخل بها متعة.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٥/٥ عن ابن علية به .

٢٩٨
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
حدَّثنا يعقوبُ، قال : ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال : سُئلٍ ابنُ أبى نَجِيحِ وأنا أسْمَعُ، عن
الرجلِ يَتَزَوَّجُ ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها ، وقد فرَض لها ، هل لها مَتاٌ؟ قال : كان
عَطاءٌ يقولُ : لا مَتَاعَ لها (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أُخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن
أيوبَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ فى التى فرَض لها ولم يَدْخُلْ بها ، قال: إن طُلِّقَت
فلها نصفُ الصداقِ ، ولا مُتعةً لها(٢) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
الحكم، عن إبراهيمَ، أن شُريحًا كان يقولُ فى الرجلِ إذا طلَّق امرأته قبلَ أن يَدْخُلَ
بها وقد سمَّى لها صَداقًا، قال: لها فى النصفِ متاعٌ(١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن شعبةَ، عن الحكم، عن إبراهيمَ ،
عن شُريح، قال (٤) : لها فى النصفِ متائٌ .
/وقال آخرون: المتعةُ حقٌّ لكلِّ مطلَّقةٍ ، غيرَ أن منها ما يُقْضَى به على المطلِّقِ،
ومنها ما لا يُقْضَى به عليه، ويَلْزَمُه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ إعطاؤها .
٥٣٤/٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخْبَرَنا مَعْمٌ، عن
الزهرىِّ، قال: مُتْعَتان، إحداهما يَقْضِى بها السلطانُ، والأخرى حقٌّ على المتَّقِين؛
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٧٨٣)، وابن أبى شيبة ١٥٥/٥ عن ابن علية به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٩٥/١، وفى مصنفه (١٢٢٢٤، ١٢٢٢٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٣٢)، ووكيع فى أخبار القضاة ٢٨٢/٢ من طريق شعبة به ، وأخرجه
ابن أبى شيبة ١٥٥/٥، ووكيع فى أخبار القضاة ٢٨٢/٢ من طريق شعبة وابن المبارك عن المسعودى عن الحكم به .
(٤) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إن)).

٢٩٩
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
مَن طلَّق قبلَ أن يَفْرِضَ ويَدْخُلَ، فإنه (١) يُؤْخَذُ بالمتعةِ؛ فإنه لا صَداقَ عليه ، ومَن طلَّق
بعدَ ما يَدْخُلُ أو يَفْرِضُ، فالمتعةُ حقٍّ(٣).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ ، عن يونُسَ، عن ابنٍ
شِهابٍ : قال اللّهُ: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ نَفْرِضُواْ لَهُنَّ
ج
فَرِيضَةٌ وَمَتِعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَهَا بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى
اَلْمُحْسِنِينَ﴾. فإذا تزَوَّج الرجلُ المرأةَ ولم يَفْرِضْ لها ، ثم طلَّقها مِن قبلِ أن يَسَّها،
وقبلٍ أَن يَفْرِضَ لها ، فليس عليه إلا متائٌ بالمعروفِ ، يَفْرِضُ لها السلطانُ بِقَدْرٍ ،
وليس عليها ◌ِدَّةٌ ، وقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ
فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾. فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وقد فرَض لها ،
ولم يَمْسَسْها ، فلها نصفُ صَداقِها ، ولا عِدَّةَ عليها .
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقِىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، قال :
أَخْبَرَنا زُهَيْرٌ، عن مَعْمٍ، عن الزهرىِّ أنه قال: مُتْعَتان ، يَقْضِى بإحداهما السلطانُ ،
ولا يَقْضِى بالأخرى ؛ فالمتعةُّ التى يَقْضِى بها السلطان ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾،
والمتعةُ التى(٢) لا يَقْضِى بها السلطانُ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ .
وقال آخرون : لا يَقْضِى الحاكمُ ولا السلطانُ بشىءٍ مِن ذلك على المطلِّقِ، وإنما
ذلك مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه نَذْبٌ وإرشادٌ إلى أن تُمَّعَ المطلّقةُ.
(١) بعده فى تفسير عبد الرزاق: ((لم)).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٩٥/١، وفى مصنفه (١٢٢٤٣)، وأخرجه أيضًا (١٢٢٤٤) عن ابن جريج ، عن
الزهرى .
(٣) سقط من: م.

٣٠٠
سورة البقرة الآية : ٢٣٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال: ثنا شعبةُ ، عن الحكم ، أن
رجلًا طلَّق امرأته، فخاصَمَته إلى شُرِيحِ، فقرأ هذه الآيةَ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتٌَ
بِالْمَعْرُوفُِّ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. قال: إن كنتَ مِن المتقين فعليك المتعةُ . ولم
يَقْضِ لها . قال شعبةُ : وجَدْتُه مكتوبًا عندى عن أبى الضُّحَى(١).
حدَّثنی يعقوبُ ، قال: ثنا ابنُ علیةً، عن أيوب ، عن محمدٍ ، قال: كان شُريح
يقولُ فى متاع المطلّقةِ: لا تَأْبَ أن تكونَ مِن المحسنين، لا تَأْبَ أن تَكونَ مِن
(٢)
المتقين(٢) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن أبى إسحاقَ ، أن
شُرِيحًا قال للذى قد دخَل بها : إن كنتَ مِن المتقين فمتِّعْ (١).
قال أبو جعفرٍ: وكأن قائلى هذا القولِ ذهَبوا فى تركِهم إيجابَ المتعةِ فرضًا
للمُطلَّقاتِ، إلى أنَّ قولَ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله: ﴿حَقًّا
عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ دلالةٌ على أنها لو كانت واجبةً وجوبَ الحقوقِ اللازمةِ الأموالَ
بكلٌ حالٍ ، لم يُخْصَصِ المتقون والمحسنون بأنها حقٌّ عليهم دونَ غيرِهم ، بل كان
٥٣٥/٢ يكونُ / ذلك معمومًا به كلُّ أحدٍ مِن الناسِ .
وأما مُوجِبوها على كلِّ أحدٍ سوى المطلَّقةِ المفروضِ لها الصداقُ ، فإنهم اعتلُّوا
(١) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٢٦٦/٢، والبيهقى ٢٥٧/٧ من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١٢٢٤٢) من طريق أيوب به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه
(١٧٧٩)، ووكيع فى أخبار القضاة ٣٢٧/٢، ٣٤٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٤٣/٢ (٢٣٥٥) من
طريق محمد به .
(٣) أخرجه وكيع فى أخبار القضاة ٢٧٠/٢ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به .