النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
سورة البقرة : الآية ٢٣١
وتَقَدَّمَ فيه، وقال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾(١).
(١)
حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى الليثُ ، عن يونسَ، عن ابنِ
شهابٍ، قال: قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ
بِمَعْرُفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِعْرُوفٍّ وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِنِعْنَدُواْ﴾: فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ
وبلغتْ أَجلَها ، فَلْيُراجِعْها بمعروفٍ أو لِيُسَرِّحُها بإحسانٍ ، ولا يَحِلُّ له أن يُراجعَها
ضِرارًا [٢٨٨/١ظ] وليست له فيها رَغبةٌ إلا أن يُضَارَّها .
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ
فى قوله: ﴿ وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُواْ﴾. قال: هو فى الرجلِ يَخْلِفُ بطلاقٍ
امرأتِه، فإذا بَقِىَ من عِدَّتِها شىءٌ راجَعها، يُضَارُّها بذلك، ويُطَوِّلُ عليها ، فنهاهم
اللَّهُ عن ذلك(٢) .
حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبى ◌ُوَيسٍ ، عن مالك
ابنِ أنسٍ ، عن ثَورِ بنِ زيدِ الدِّيلِيِّ، أن رجلاً كان يُطَلِّقُ امرأتَه ثم يُراجعُها، ولا حاجةً
له بها ، ولا يريدُ إمساكها، كيما يُطَوِّلُ عليها بذلك العِدَّةَ لِيُضَارَّها، فَأَنزَل اللَّهُ تعالى
ذكرُه: ﴿ وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْنَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَةٌٍ﴾. يُعَظُمُ
ذلك
(٤)
حدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعْتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال : ثنا
عبيدُ بنُ سليمانَ الباهلىُّ، قال: سمِعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا تُمِْكُوهُنَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٥/٢ (٢٢٤٧) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٩٤/١.
(٣) فى م: ((ليعظم))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يظلم))، وفى الموطأ والدر المنثور: ((يعظهم الله بذلك)).
(٤) الموطأ ٥٨٨/٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/١ إلى ابن المنذر.
١٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٣١
ضِرَارًا﴾: هو الرجلُ يُطَلِّقُ امرأته واحدةً، ثم يراجعُها، ثم يُطَلَّقُها، ثم يُراجعُها ، ثم
يُطَلِّقُها، لِيُضَارَّها بذلك لتَخْتَلِعَ منه (١).
حدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ
اُلِسَآءَ فَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِجُوهُنَّ بِعْرُوفٍ وَلَا تُمِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُوْاْ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَ نَفْسَهُمْ وَلَا نَتَّخِذُوْاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُواْ﴾. قال : نزَلتْ فى رجلٍ
من الأنصارِ يُدْعَى ثابتَ بنَ يسارٍ (١) طَلَّق امرأته، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها إلا يومَيْ أو
ثلاثةُ راجَعها، ثم طَلَّقْها، ففَعل ذلك بها، حتى مضَتْ لها تسعةُ أشهرٍ، مُضَارَّةً
يُضَارُّها، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُمنِكُهُنَّ ضِرَارًا لِّيَعْنَدُواْ﴾(١).
حدَّثنى العباسُ بنُ الوليدِ ، قال: أخبرنى أبى ، قال: سمِعْتُ عبدَ العزيزِ يُسألُ
عن طلاقِ الضِّرارِ ، فقال: يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، ثم يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، فهذا الضِّرارُ
الذى قال اللَّهُ: ﴿وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾ .
٤٨٢/٢
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ ، عن
عطيةَ: ﴿ وَلَا تُسِكُوهُنَّ / ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾. قال: الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ تطليقةٌ ، ثم
يتركُها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ثم يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يُمْسِكُ عنها
حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ﴿لِيَعْنَدُوَّأَ﴾. قال: لا يُطَاوِلُ عليهن(٤).
وأَضْلُ التَّشريحِ مِن: سَرْحِ القومٍ، وهو ما أُطْلِقَ من نَعَمِهِم للرَّعْىِ . يقالُ
للمواشِى المُرْسَلَةِ للرَّعمي: هذا سَرْحُ القومِ . يرادُ به مواشيهم المُرْسَلَةُ للَّعْى. ومنه قولُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٥/٢ عقب الأثر (٢٢٤٦) معلقًا .
(٢) فى م: ((بشار)).
(٣) عزاه الحافظ فى الإصابة ٣٩٩/١، والسيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٥/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
١٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٣١
اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا
وَلَكُمْ فِهَا جَمَالُ حِينَ تُرِيِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾ [النحل: ٦،٥].
تَأْكُلُونَ ﴾
يَعنى بقولِه: ﴿ وَحِينَ تَرَحُونَ﴾: حين تُرْسِلُونها للرَّعى. فقيل للمرأةِ إذا خَلَّاها زوجُها
فأبانها منه: سَرَّحَها. تمثيلًا لذلك بتَشْريح المُسَرِّح ماشيتَه للرَّعْي، وتشبيهًا به .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمْ﴾ .
يَعنى تعالى ذكرُه بذلك: ومَن يُراجِع امرأته بعد طلاقِه إيّاها فى الطلاقِ الذى
له(١) فيه عليها الرّجعةُ، ضِرارًا بها، لِيَعْتَدِىَ حدَّ(٢) اللَّهِ فى أمرِها، ﴿فَقَدْ ظَلَّمَ
نَفْسَهُمْ﴾. يعنى: فَأَكْسَبَها بذلك إثْمًا، وأَوجَبَ لها من اللَّهِ عقوبةً بذلك.
وقد بَيَّا معنى الظلم فيما مضى ، وأنه وَضْعُ الشىءٍ فى غيرِ مَوْضِعِه ، وفعلُ ما
(٣) ..
ليس للفاعلِ(٣) فقلُهُ(٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَا نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ .
يَعنى تعالى ذكرُه: ولا تَتَّخِذُوا أعلامَ اللَّهِ وفُصولَه بين حلالِه وحرامِه ، وأمرِهِ
ونهْيِه، فى وخْيِه وتنزيلِه، استهزاءٌ ولَعِبًّا ، فإنه قد بَّنَ لكم فى تنزيله وآي كتابه ما
لكم من الرَّجعةِ على نسائكم، فى الطلاقِ الذى جعَل لكم عليهن فيه الرَّجعةَ، وما
ليس لكم منها، وما الوجهُ الجائزُ لكم منها ، وما الذى لا يجوزُ، وما الطلاقُ الذى
لكم عليهن فيه الرَّجعةُ ، وما ليس لكم ذلك فيه، وكيف وجوهُ ذلك ؛ رحمةٌ منه
بكم، ونعمةً منه عليكم، لِيَجعَلَ بذلك لبعضِكم مِن مكروهٍ - إن كان فيه من
(١) زيادة من: م.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( حق).
(٣) بعده فى ص: ((على)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ١ / ٥٨١.
١٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٣١
صاحبه مما هو فيه - المخرَجَ والمخلَصَ بالطلاقِ والفِراقٍ، وجعَل ما جعَل لكم عليهنَّ
من الرجعةِ سبیلًا لكم إلى الوصولِ إلى ما نازعه إلیه ، ودعاه إلیه هواه بعد فراقه إياهن
منهن، لتُدْرِ كوا بذلك قضاءً أوطارٍ كم منهن ، إنعامًا منه بذلك عليكم ، لا لِتَتَّخِذُوا
ما يَبْتُ لكم من ذلك فى آي كتابى وتنزيلى - تَفَضُّلًا منى ببيانِه عليكم ، وإنعامًا
ورحمةً منى بكم - لَعِبًّا وسُخْرِيًّا .
وبمعنى ما قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلٍ .
ذكرُ من [٢٨٩/١ و] قال ذلك
حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُويَه، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أيوبُ بنُ سليمانَ،
قال : ثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى أُوَيسٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ أبِى عَتِيقٍ
وموسى بنِ عُقبةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سليمانَ بنِ أرْقمَ ، أن الحسنَ حدَّثهم ، أن
الناسَ كانوا على عهدِ رسولِ اللَّهِ عَهِ يُطَلِّقُ الرجلُ أو يُعْتِقُ، فيقالُ: مَا صَنَعْتَ؟
فيقولُ: إنما كنتُ لاعبًا. قال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((مَن طَلَّق لاعِبًا أو أَعْتَقَ لاعِبًّا فقد
جازَ عليه)). قال الحسنُ: وفيه نزَلتْ: ﴿ وَلَا نَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُواْ﴾(١).
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿وَلَا / نَتَّخِذُوَاْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه ،
فيقولُ : إِنما طَلَّقْتُ لاعبًا. ويَتزوَّجُ أو يُعْتِقُ أو يَتَصَدَّقُ فيقولُ: إِنما فعلْتُ لاعبًا. فنُهُوا
عن ذلك، فقال تعالى ذكره: ﴿وَلَا نَنَّخِذُوَأْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُواْ﴾(٢).
حدّثنا أبو گُریبٍ ، قال : ثنا إسحاقُ بُ منصورٍ ، عن عبد السلام بن حربٍ ، عن
٤٨٣/٢
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠٦/٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٥/٢ (٢٢٤٨) من طرق عن الحسن به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٦/٢ عقب الأثر (٢٢٤٨) من طريق ابن أبى جعفر به.
١٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٣١
يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى العلاءِ، عن حُميدٍ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى موسى ،
أن رسولَ اللَّهِ عَلَمِ غَضِب على الأَشْعَرِيِّينَ، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسولَ اللَّهِ ،
غَضِبْتَ على الأَشْعَرِيِّين! فقال: ((يقولُ أحَدُكُم: قد طَلَّقْتُ، قد راجَعْتُ . ليس
هذا طَلَاقَ الْمُسْلِمِين، طَلِّقُوا المرأةَ فى قُبْلٍ عِدَّتِها))(١) .
حدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَةَ، قال: ثنا أبو غَسّانَ النَّهْدِىُّ، قال : ثنا عبدُ السلامِ
ابنُ حربٍ، عن يزيدَ (١) أبى خالدٍ - يعنى الدَّالانيَّ - عن أبى العلاءِ الأوْدِىِّ، عن حُميدِ
ابنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى موسى الأشعرىِّ، عن النبيِّ وَمِ أنه قال لهم(٤): ((يَقولُ
أحَدُكم لامرأته: قد طَلَّقْتُكِ، قد راجَعْتُكِ. ليس هذا بطَلاقِ المُسلِمِين، طَلِّقُوا المرأةَ
فى قُتِلٍ طُهْرِها(٥)).
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ اُلْكِنَبِ
وَالْحِكْمَةِ ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واذكروا نعمةَ اللَّهِ عليكم بالإسلام الذى أَنعَم عليكم
به ، فهدا گم له ، وسائر نعَمِه التی خَصَّکم بها دونَ غیر کم من سائرٍ خَلْقِه ، فاشگروه
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ١، ٢ من طريق عبد السلام بن حرب به، وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤١٤/١
عن المصنف .
(٢) فى النسخ: ((عن)). والمثبت مما سيأتى فى ٦٧/٥، ٧٤/٧، ٤٩/١٥.
(٣) بعده فى النسخ: ((بن)). وهو أبو خالد الدالانى يزيد بن عبد الرحمن، المتقدم فى الإسناد السابق . وينظر
تهذيب الكمال ٢٧٣/٣٣.
(٤) فى سنن البيهقى: ((لم)) من قول النبى عَلَّه.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عدتها)).
والحديث أخرجه البيهقى ٣٢٣/٧ من طريق أبى غسان النهدى مالك بن إسماعيل به .
١٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٣١
على ذلك بطاعته فيما أمَركم به ( ونَهاكم) عنه، واذكرُوا أيضًا مع ذلك ما أَنزَل
عليكم من كتابِه؛ وذلك القرآنُ الذى أَنزَلَه على نبيّه محمدٍ عَّ ◌ِهِ، واذكُروا ذلك
فاعمَلُوا به، واحفَظُوا حدودَه فيه. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ يعنى: وما أنزلَ عليكم من
الحكمةِ، وهى السُّننُ التى علَّمَكُموها رسولُ اللَّهِ يَّهِ وسَنَّها لكم .
وقد ذكَرْتُ اختلافَ المختلِفِين فى معنى الحكمةِ فيما مضى قبلُ فى قولِه :
﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ (٢) الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾. فأَغْنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ يَعِظُكُر ◌ِّ وَتَّقُواْاللَّهَ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٢٣١
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِ﴾: يَعِظُكُم بالكتابِ الذى أَنْزَله
عليكم. والهاءُ التى فى قوله: ﴿بِدَّ﴾ عائدةٌ على الكتابِ. ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾.
يقولُ: وخافُوا اللَّهَ فيما أمَركم به، وفيما نَهاكم عنه، فى كتابِهِ الذى أَنْزلَه عليكم،
وفيما أَنزَلَه فبيَّنه على لسانِ رسولِه عَ لَّ لكم، أن تُضَيِّعُوه وتَتَعَدَّوْا حدوده،
فَتَسْتَوْجِبُوا ما لا قِبَلَ لكم به من أليم عِقَابِهِ ، ونَكَالٍ عذابِه .
وقولُه: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. يقولُ: واعلَمُوا أيها الناسُ أن
ربّكم الذى حدَّ لكم هذه الحدودَ ، وشرّع لكم هذه الشرائعَ، وفرَض عليكم هذه
الفرائضَ فى كتابِهِ وفى تنزيله على رسولِه محمدٍ عَلَه، بكلّ ما أنتم عامِلُوه من خيرٍ
وشرّ، وحسَنٍ وسَبِّىٍّ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، عالمٌ، لا يَحْفَى عليه من ظاهرِ ذلك
وخَفِيِّه، وسِرِّه وجَهْرِه، شىءٌ، وهو مُجازِيكم بالإحسانِ إحسانًا، وبالسَّيِّئَّ سَيِّئًا،
إلا أن يَعْفُوَ ويَصْفَحَ، فلا تَنَعَرَّضُوا لِعِقَابِهِ وَتَظْلِمُوا أنفسكم .
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢ - ٢) فى م: ((ذلك)).
(٣) فى النسخ: (( يعلمكم)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢ / ٥٧٤.
١٨٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
/القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن ٤٨٤/٢
يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِلْمَعْرُوفِ﴾ .
ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلتْ فى رجلٍ كانت له أختِّ كان زوَّجَها من ابنِ عمّ
له (١) ، فطلَّقَها، وترَكها فلم يُراجِعْها حتى انقضتْ عِدَّتُها ، ثم خطَبها منه، فأتى أن
يُزَوِّجَها إيّاه ، ومنَعها منه وهى فيه راغبةٌ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى الرجلِ الذى كان فعَل ذلك فنزَلتْ هذه الآيةُ فيه ؛
فقال بعضُهم: كان ذلك الرجلُ مَعْقِلَ بنَ يَسارِ الْمُنِىّ .
ذكر من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ بَشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الأعلى ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً ، عن
الحسنِ، عن مَعْقِلٍ بنِ يَسارٍ ، قال: كانت أختُه تحتَ رجل فطلَّقها، ثم خَلاً(٢)
عنها، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها خطَبها، فحَمِىَّ مَعْقِلٌ من ذلك أَنَّفًا (٣)، وقال: نخلا(٢)
عنها وهو يَقْدِرُ عليها. فحال بينه وبينها ، فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ
فَبَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَضَوْ بَيْنَهُم بِلْمَعْرُوفِ﴾.
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال : ثنا وَكيعٌ، عن الفضلِ بنِ دَلْهَمِ، عن الحسنِ، عن
مَعْقِلٍ بنِ يَسارٍ ، أن أختَه طلَّقها زوجها، فأراد أن يُراجعَها، فمنعَها مَعْقِلٌ، فأنزل اللَّهُ
تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ
(١) فى م: ((لها)).
(٢) فى صحيح البخارى: (( خلّى)).
(٣) أَنِف من الشىء يأنف أنفًا: إذا كرهه وشرفت نفسه عنه، وأراد به هنا: أخذته الحمية من الغيرة والغضب.
النهاية ٧٦/١.
(٤) أخرجه البخارى (٥٣٣١) من طريق عبد الأعلى به، والدارقطنى ٢٢٤/٣ من طريق سعيد به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٦/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .
١٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
.(١)
إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المخرِّميُ(٢) ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عبّادُ بنُ راشدٍ ،
قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ ، قال : كانت لى أختُّ تُخطَبُ وأَمنعُها
الناسَ، حتى خطَب إلىَّ ابنُ عمّ لى، فأَنكحْتُها، فاصْطَحَبا ما شاء [٢٨٩/١ظ] اللَّهُ،
ثم إنه طلَّقها طلاقًا له رجعةٌ ، ثم ترَكها حتى انقضَتْ عِدَّتُها، ثم خُطِبَتْ إلىَّ،
فأتانى يَخْطُبُها مع الخُطَّابِ ، فقلت له: خُطِبَتْ إلىَّ فمنعْتُها الناسَ، فآتْتُك بها ،
ثم طَلَّقْتَ طلاقًا لك فيه رجعةٌ ، فلمّا خُطِبَتْ إِلىَّ أَتَيْتَنِى تَخطُبُها مع الخُطّابِ ! واللهِ
لا أُنْكِحُها أبدًا. قال: ففىَّ نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَ فَلَ
تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُمْ بِلْمَعْرُوفِ﴾. قال: فكفَّرْتُ عن
يمينى وَأَنكحْتُها إِيَّهِ(٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ
اُلِسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾: ذُكِر لنا أنَّ رجلًا طلَّق
امرأته تطليقةً، ثم خَلا عنها حتى انقضَتْ عِدَّتُها، ثم قَرِب بعد ذلك يخطُبُها ،
والمرأةُ أَختُ مَعْقِلِ / بنِ يَسارٍ ، فَأَنِف من ذلك مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ ، وقال : خلا عنها وهى
فى عِدَّتِها، ولو شاء راجَعها، ثم يريدُ أن يراجِعَها وقد بانَتْ منه. فأتى عليها أن
يُزَوِّجَها إيّاه، وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَِّّهِ لَّا نزَلتْ هذه الآيةُ دعاه فتلاها عليه ، فترَك
الحَمِيَّةَ واستقادَ لأمرِ اللَّهِ .
٤٨٥/٢
(١) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ٢٨٦/١ - ومن طريقه الطبرانى فى الكبير ٢٠٨/٢٠ (٤٧٥)،
والحاكم ٢/ ٢٨٠.
(٢) فى ص: ((المحرمى))، وفى م: ((المخزومى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٥٣٤.
(٣) أخرجه البخارى (٤٥٢٩)، وأبو داود (٢٠٨٧)، والطبرانى ٢٠٤/٢٠ (٤٦٨)، والدار قطنى ٢٢٤/٣،
والبيهقى ١٠٤/٧ من طريق أبى عامر العقدى به، وأخرجه الطيالسى (٩٧٢)، والنسائى فى الكبرى
(١١٠٤١)، والبيهقى ١٠٤/٧ من طريق عباد بن راشد به ..
١٨٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
حدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن يونسَ، عن الحسنِ
قولَه تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ . قال:
نزَلتْ هذه الآيةُ فى مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ . قال الحسنُ : حدَّثنى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ أنها نزَلتْ
فيه . قال: زوَّجْتُ أختَالى من رجلٍ فطلَّقها، حتى إذا انقضتْ عِدَّتُها جاء يَخْطُبُها،
فقلت له : زوَّجْتُكَ، وفَرَشْتُكَ أختى، وأَكْرَمْتُكَ، ثم طَلَّقْتَها، ثم جِئْتَ تخطُها!
لا تعودُ إليك أبدًا. قال: وكان رجلَ صِدْقٍ لا بأسَ به ، وكانتِ المرأةُ تُحِبُّ أن تَرْجِعَ
إليه، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَبَغْنَ أَجَلَهُنَ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ
يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: فقلتُ : الآنَ أَفعلُ يا رسولَ
اللَّهِ . فزوَّجْتُها منه(١).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا أبو بكرِ الهُذَلِيُّ ، عن بكرٍ
ابن عبدِ اللَّهِ الْمُزْنِيٌّ، قال: كانت أختُ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ تحت رجلٍ فَطَلَّقَها، فخطَب
إليه، فمنَعها أخوها (١) ، فنزلتْ: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾. إلى آخرِ الآيةِ .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنٍ تجريجٍ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ
الآية. قال: نزَلتْ فى امرأةٍ من مُزَيْنَ طلَّقها زوجُها وأُبِينَتْ منه، فنكَحها آخرُ،
فَعَضّلها أخوها مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ ، يُضَارُّها خِيفةً أن تَرجِعَ إلى زوجِها الأوَّلِ(٣).
قال ابنُ جريج: وقال عِكرمةُ : نزَلتْ فى مَعْقِلٍ بنِ يَسارٍ ، قال ابنُ جُريجٍ :
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٦/٢ (٢٢٥٤) من طريق أبى جعفر به، وأخرجه البخارى (٥١٣٠،
٥٣٣٠)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٤٢)، والطبرانى ٢٠٤/٢٠ (٤٦٧)، والدارقطنى ٢٢٣/٣،
والحاكم ١٧٤/٢، والبيهقى ١٣٨/٧ من طريق يونس به .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((إخوتها)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
١٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
أختُه ◌ُمْلُ(١) ابنةُ يَسارٍ، كانت تحت أبى البدَّاح، طلَّقَها فانقضَتْ عِدَّتُها،
فخطَبها، فعَضَلها مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ
أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِلْمَعْرُوفِ﴾: نزَلتْ فى امرأةٍ من مُزَينةَ طلَّقها زوجها ،
فَعَضَلها أخوها أن تَرجِعَ إلى زوجها الأولِ، وهو مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ أخوها(١).
حدَّثْنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه ، إلا أنه لم يقلْ فيه : وهو مَعْقِلُ بنُ یَسارٍ .
حدَّثنى المُنَّى ، قال : ثنا حِّانُ بنُ موسى ، قال : أخبرنا ابنُ المبارَكِ ، قال : أخبرنا
سفيانُ، عن أبى إسحاقَ الهَمْدانيّ ، أن فاطمةَ بنتَ يَسارٍ طلَّقها زوجها ، ثم بدا له
فخطَبها ، فأَتَى مَعْقِلٌ، فقال: زوَّجْنَاكَ فطلَّقْتَها وفعلْتَ. فأنزّل اللَّهُ تعالى ذكره:
﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ (١).
/حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
الحسنِ وقتادةً فى قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. قالا : نزَلتْ فى مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ ،
كانت أختُه تحت رجلٍ فطلَّقها، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها جاء فخطَبها، فعضَلها
مَعْقِلٌ، فأتى أن يُنْكِحَها إيّه، فنزَلتْ فيها هذه الآيةُ، يَعنى به الأولياءَ، يقولُ: لا
٤٨٦/٢
(١) فى م، والفتح، والإصابة، نقلا عن المصنف: ((جميل)). وكذا فى الإكمال ١٢٥/٢ وغيره. وترجمها
الحافظ فى الإصابة : جمل، وكذا فى الدر المنثور عن المصنف ، ثم ذكرها الحافظ بالتصغير. وقيل غير ذلك
فى اسمها. ينظر الفتح ٩/ ١٨٦، والإصابة ٥٥٥/٧، ٥٥٦.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/١ إلى المصنف عن ابن جريج.
(٣) تفسير مجاهد ٢٣٧/١.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/١ إلى المصنف.
(٥) فى النسخ: ((قال)). والمثبت من تفسير عبد الرزاق .
١٩١
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
تعضُلوهن أن ينكِحْنَ أزواجَهُنّ(١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ ، عن رجلٍ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ ،
قال : كانت أختى عند رجل فطلَّقها تطليقةً بائنةٌ ، فخطَبها، فأبَيْتُ أن أَزْوُجَها منه ،
فأنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ . الآية .
وقال آخرون: كان ذلك(٢) الرجلُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ الأنصارىَّ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا
تَضَوْ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: نزَلتْ فى جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأنصارىِّ، وكانت له
ابنةُ عمّ فطلَّقها زوجها تطليقةً ، فانقضَتْ عِدَّتُها، ثم رجَع يُريدُ رَجْعَتَها ، فأمّا جابرٌ
فقال: طَلَّقْتَ ابنةَ عمِّنا ثم تُرِيدُ أَن تَنْكِحَها الثانيةَ! وكانتِ المرأةُ تُريدُ زوجها قد
راضَتْه، فنزَلتْ هذه [٢٩٠/١و] الآيةُ(٢).
(* وقال آخرون: نزلت هذه الآيةُ" دَلالةً على نَهْى الرجلِ عن مُضَارَّةٍ وَلِيَتِه من
النساءِ، يَعْضُلُها عن النكاحِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾:
(١) تفسير عبد الرزاق ٩٤/١.
(٢) سقط من: م.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤ - ٤) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
١٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
فهذا فى الرجل يُطَلِّقُ امرأته تطليقةً أو تَطْليقتَيْ، فَتَنْقَضِى عِدَّتُها، ثم يَبْدُو له فى
تزويجِها وأن يُراجِعَها، وتريدُ المرأةُ فيَمْنَعُها أولياؤُها من ذلك، فتَهى اللَّهُ سبحانَه أن
(١)
يَمْتَعُوها(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال : ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ
أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ﴾: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه فتَبِيْنُ منه ويَنْقَضِى
أَجَلُها ، ويريدُ أن يراجِعَها، وتَرْضَى بذلك فيأتَى أهلُها، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ فَلَاَ
تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى ، قال : أخبرنا ابنُ المبارَكِ، عن سفيانَ ،
عن منصورٍ، عن أبى الضُّحَى، عن مَشْروقٍ فى قوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ
أَزْوَجَهُنَّ﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأته، ثم يَبْدُو له أن يَتَزَوَّجَها، فيأْتِى أولياءُ
المرأةِ أن يُزَوِّجوها، فقال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا
تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ﴾ .
٤٨٧/٢
/ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ ، عن أصحابِهِ ، عن إبراهيمَ فى قولِه :
﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾. قال: المرأةُ تكونُ
عند الرجلِ فيُطَلَّقُها، ثم يريدُ أن يعودَ إليها، فلا يَعْضُلْها وَلِيُّها أن يُنْكِحَها إيّاه .
حدّثنی المثُنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح ، قال : ثنی اللیثُ ، عن يونسَ ، عن
ابنِ شهابٍ ، قال اللَّهُ تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا طَلَقْتُ النِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ الآية . فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وهو وَلِيُّها، فانقضَتْ عِدَُّها ،
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/١ إلى المصنف وابن المنذر.
١٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
فليس له أن يَعْضُلَها حتى يَرِثَها وَيَمْنَعَها أن تَسْتَعِفَّ بزوجٍ .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ ، قال : أخبرَنا عُبيدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سَمِعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: هو الرجلُ يُطَلِّقُ امرأته تطليقةً ، ثم يَسْكُتُ عنها، فيكونُ خاطبًا
من الخُطَّابِ ، فقال اللَّهُ لأولياءِ المرأةِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾. يقولُ: لا تَمْتَعُوهُنَّ أن
يَرْجِعْنَ إلى أزواجِهِنَّ بنكاحٍ جديدٍ ﴿إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ ﴾ إذا رَضِيَتِ المرأةُ
وأرادتْ أن تراجعَ زوجها بنكاحٍ جديدٍ .
والصوابُ من القولِ فى هذه الآيةِ أن يقال: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أَنزِلَها دلالةٌ على
تحريمِه على أولياءِ النساءِ مُضَارَّةَ مَن كانوا له أولياءَ من النساءِ؛ بعَضْلِهِنَّ عمَّن أردْن
نكاحَه من أزواج كانوا لهنَّ، فيِنَّ منهم (١) بما تَبِينُ به المرأةُ من زوجِها ، مِن طلاقٍ أو
فسخ نكاحٍ، وقد يجوزُ أن تكونَ نزلتْ فى أمرٍ مَعْقِلٍ بنِ يَسارٍ وأمرٍ أختِه، أو فى أمرٍ
جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وأمرِ ابنةٍ عمِّه، وأىُّ ذلك كان ، فالآيةُ دالَّةٌ على ما ذكَرْتُ .
ويَعنى بقولِه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: لا تُضَيِّقُوا عليهن بمَنْعِكم إياهنَّ أيُّها
الأولياءُ من مراجعةِ أزواجهنَّ بنكاح جديدٍ ، تَبتغُون بذلك مُضَارَّتَهن، يقالُ منه:
عضَلٍ فَلاٌ فلانةَ عن الأزواج ، يَعْضُلُها عَضْلًا. وقد ذُكِر لنا أن حيًّا من أحياءِ العربِ
مِن لغيِها: عضِل يَعضَلُ. فمن كان مِن لغتِه ((عَضِل))، فإنه إن صار إلى ((يفعَلُ)) ،
قال : يَعضَلُ ، بفتح الضادِ ، والقراءةُ على ضمّ الضادِ دون كسرِها ، والضُ مِن لغةٍ
مَن قال : عضَل .
وأصلُ العَضْلِ: الضّيقُ. ومنه قولُ عمرَ رحمةُ اللَّهِ عليه: قد أَعضَل بى أهلُ
(١) فى النسخ: ((منهن)).
( تفسير الطبرى ١٣/٤ )
١٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
العراقِ، لا يَرْضَوْنَ عن والٍ ، ولا يَرضَى عنهم والٍ (١) . يعنى بذلك: حَمَلونى على
أمرٍ ضَيِّقٍ شديدٍ لا أَطِيقُ القيامَ به . ومنه أيضًا: الداءُ العُضالُ. وهو الداءُ الذى لا
يُطاقُ علاجُه لضِيقِه عن العلاج وتَّجاوزِهِ حدَّ الأدواءِ التى يكونُ لها علاجٌ. ومنه قولُ
(٢)
ذى الرُمَّةِ(٢) :
بإِذنٍ (٢) اللَّهِ مُوجِبةٌ عُضَالًا
ولم أَقْذِفْ لمُؤْمِنَةٍ حَصَانٍ
ومنه قيل: عَضَّل الفَضاءُ بالجيشِ لكثرتهم . إذا ضاق عنهم من كثرتهم .
وقيل : عضَّلَتِ المرأةُ . إذا نَشِب الولدُ فى رَحِمِها فضاق عليه الخروجُ منها. ومنه قولُ
أوس بنِ حُجْرٍ (6) :
يَذُمُّكَ إِن وَلَّى ويُرْضِيكَ مُقْبِلاً
وليس أخُوكَ الدَّائِمُ العَهْدِ بالذى
وصاحبُكَ الأَذْنَى إذا الأَمْرُ أَعْضَلَا
/ولكنَّه النَّائِى إذا كُنْتَ آمِنًا
٤٨٨/٢
و﴿أَنْ﴾ التى فى قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾. فى موضعِ نصبٍ بقوله: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ .
ومعنى قوله: ﴿إِذَا تَرَضَوْ[ ٢٩٠/١ ظ ]بَيْنَهُم ◌ِلْمَعْرُوفِ﴾: إذا تراضَى الأزواج
والنساءُ بما يَحِلُّ ويجوزُ أن يكونَ عِوَضًا مِن أَبْضاعِهنّ() ؛ من المهورِ ونكاح جدید
مستأنفٍ .
كما حدَّثنا ابنُ بَشَّارِ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُميرِ بنِ
(١) ذكره ابن سعد ٥٨/٥ عن إبراهيم بن قارظ، عن عمر بلفظ: عضل، وأخرجه المصنف فى تاريخه ١٦٤/٤،
١٦٥ من طريق خليد بن ذفرة ، عن أبيه مطولا وفيه : عضلوا .
(٢) ديوانه ٣/ ١٥٣٤.
(٣ - ٣) فى الديوان: ((بحمد)).
(٤) ديوانه ص ٩٢.
(٥) الأبضاع: جمع بُضْع، وهو الفرج. اللسان (ب ض ع).
١٩٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
عبدِ اللهِ، عن عبدِ الملكِ بنِ المغيرةٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمانىٌّ، قال: قال رسولُ
اللَّهِ عَِّ: (( أَنْكِحُوا الأَّيَامَى)). فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما العلائقُ(١) بينهم؟
قال: ((ما تَراضَى عليه أهْلُوهُم))(٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا محمدُ بنُ
عبدِ الرحمنِ بنِ الْبَيْلَمَانِىٌّ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ عَلَّه بنحوٍ منه" .
وفى هذه الآيةِ الدَّلالةُ الواضحةُ على صحة قولٍ مَن قال: لا نكاح إلا بوليٍّ مِن
العَصَبةِ . وذلك أن اللَّه تعالى ذكرُهُ منَع الوَلِىَّ مِن عَضْلِ المرأةِ إن أرادتِ النكاحَ،
ونهاه عن ذلك ، فلو كان للمرأة إنکامح نفسِها بغيرِ إنکاح وليّها إيّاها ، أو كان لها
توليةٌ مَن أرادت تَوْلِيَتَه فى إنكاحِها ، لم يكنْ لنَهْيِ وليّها عن عَضْلِها معنًى مفهومٌ ، إذ
کان لا سبيل له إلى عَضْلِها ؛ وذلك أنها إن كانت متى أرادتِ النكاح جاز لها إنكاح
نفسِها أو إنكامحُ مَن تُوَكِّلُه بإنكاحِها ، فلا عَضْلَ هنالك لها مِن أحدٍ فيُنْهَى عاضِلُها
عن عَضْلِها .
وفى فسادِ القولِ بأن لا معنَى لنَهْىِ اللَّهِ عمَّا نهَى عنه، صحةُ القولِ بأنَّ لوَلِيٍّ
المرأةِ فى تزويجِها حقًّا لا يَصِحُ عَقْدُه إلا به، وهو المعنى الذى أمَر اللَّهُ به الولىَّ - مِن
تَزويجِها إذا خطَبها خاطبُها ورَضِيَتْ به ، وكان رِضًا عند أوليائها ، جائزًا فى حُكْم
المسلمين لمثلها أن تَنكِحَ مثلَه - ونهاه عن خلافِهِ مِن عَضْلِها، ومَنْعِها عمّا(*) أرادتْ
(١) العلائق: المهور، الواحدة عَلاقة، وعلاقة المهر: ما يتعلقون به على المتزوج. النهاية ٢٨٩/٣.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤/ ١٨٤، والبيهقى ٢٣٩/٧، من طريق عمير بن عبد الله به، وأخرجه سعيد بن
منصور فى سننه (٦١٩)، وابن أبى شيبة ٤ /١٨٦، ١٨٣/١٤، والبيهقى ٢٣٩/٧، من طريق عبد الملك بن
المغيرة به .
(٣) أخرجه البيهقى ٢٣٩/٧ من طريق محمد بن بشار به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/١ إلى ابن مردويه.
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: (( مما).
١٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
من ذلك وتراضَتْ هى والخاطبُ به .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِلّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرُ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾. ما ذُكِر فى هذه الآيةِ من نَهْىِ أولياءِ المرأةِ
عن عَضْلِها عن النكاح. يقولُ : فهذا الذى نَهَيُكم عنه من عَضْلِهِنَّ عن النكاحِ ،
عِظَةٌ منى مَن كان منكم أيُّها الناسُ ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرُ ﴾. يَعنى: يُصَدِّقُ
باللَّهِ، فيُوَحِّدُه ويُقِرُّ بِرُبُوِيَتِه، ﴿ وَأَلْيَوْمِ اَلَخِرُ﴾ . يقولُ: ومَن يؤمنُ باليومِ الآخرِ،
فيُصَدِّقُ بالبعثِ للجزاءِ والثوابِ والعقابِ ؛ ليتقىَ اللَّهَ فى نفسِه فلا يَظْلِمَها بضِرارِ
وَلِيَّتِهِ، ومَنْعِها من نكاحِ مَن رَضِيتْه لنفسِها ممن أَذِنْتُ لها فى نكاحِه .
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ . وهو خطابٌ للجَميعِ،
وقد قال مِن قبلُ: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾؟ وإذا) جاز أن يقالَ فى خطابِ الجميعِ
((ذلك))، أفيجوزُ أن تقولَ لجماعةٍ من الناسِ وأنت تخاطِبُهم: أيُّها القومُ ، هذا
غلامُك وهذا خادمُك . وأنت تُريدُ : هذا خادمُكم وهذا غلامُكم؟
قيل : لا ، إن ذلك غيرُ جائزٍ مع الأسماءِ الموضوعاتِ؛ لأن ما أُضِيفَ إليه
٤٨٩/٢ الأسماءُ غيرُها، فلا يَفهَمُ سامعٌ سَمِع قولَ قائلٍ لجماعةٍ: / أيُّها القومُ، هذا غلامُك.
أنه عنَى بذلك: هذا غلامُكم . إلا على اسْتِخْطاءِ الناطقِ فى مَنْطِقِه ذلك ، فإن طلَب
لمَّطِقِه ذلك وجهًا فى "الصوابِ)، صرّف كلامَه ذلك إلى أنه انْصَرَفَ عن خطابٍ
القوم بما أراد خِطابَهم به ، إلى خطابٍ رجلٍ واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، وتَرَك محاورةً(٣)
(١) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((إن)).
(٢ - ٢) فى م: ((فالصواب)).
(٣) فى م: ((مجاوزة)).
١٩٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
القوم بما أراد محاورَتَهم به من الكلام. وليس ذلك كذلك فى ((ذلك))؛ لكثرةٍ
جَزيٍ ذلك على ألْسُنِ العربِ فى مَنْطِقِها وكلامِها ، حتى صارتِ الكافُ التى هى
كنايةُ اسم المخاطَبِ فيها، كهيئةِ حرفٍ من حروفِ الكلمةِ التى هى متصلةٌ ،
وصارتِ الكلمةُ بها كقولِ القائل: هذا. كأنها ليس معها اسمٌ مخاطَبٌ، فمن
قال: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرُ﴾ . أَقرَّ الكافَ من
ذلك مُوخَّدةً مفتوحةً فى خطابِ الواحدةِ من النساءِ ، والواحدِ من الرجالِ ، والتثنيةِ
والجمعِ، ومَن قال: (ذلكم يُوعَظُ به ). كسَر الكافَ فى خطابِ الواحدةِ من
النساءِ، وفتَح فى خطابِ الواحدِ من الرجالِ ، ("وقال٣) فى خطابٍ الاثنينْ منهم:
ذلكما . وفى خطابٍ الجمع : ذلكم .
وقد قيل: إن قوله: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ، مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. خطابٌ
للنبىِّ عَّه، ولذلك وخَّد، ثم رجَع إلى خطابِ المؤمنين بقولِه: ﴿مَن كَانَ مِنْكُمْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾. وإذا وُجّهَ التأويلُ إلى هذا الوجهِ لم يكنْ فيه مئونةٌ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ ذَالِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ
٢٣٢
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: نكاحُ(٢) أزواجِهنَّ لهنَّ، ومراجعةٌ
أزواجِهنّ إيّاهنّ، بما أباعَ لهنّ من نكاح ومهرٍ جديدٍ ﴿ أَزْكَ لَكُمْ﴾ أيُّها الأولياءُ
والأزواج والزوجاتُ .
(١) فى م: ((مجاوزتهم)).
(٢) بعده فى م: ((بها)).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((فقال)). والمثبت صواب السياق.
(٤) فى م: (( وجه).
(٥) فى ص: (( نكاحهن)).
١٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٢
ويعنى بقوله: ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾: أفضلُ وخيرٌ عند اللَّهِ من فُوْقَتِهِنَّ أزواجهنَّ.
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى الزكاةِ ، فَأَغْنَى ذلك عن إعادته(١).
وأما قولُه: ﴿ وَأَظْهَرٌ ﴾. فإنه يَعنى بذلك: أَطْهَرُ لقلوبكم وقلوبِهِنَّ وقلوبِ
أزواجِهن [٢٩١/١ و] من الرِّيبةِ، وذلك أنهما إذا كان فى نفسٍ كلِّ واحدٍ منهما -
أَعنِى الزوجَ والمرأةَ - علاقةُ حبٍّ، لم يُؤْمَنْ أن يَتجاوزَا ذلك إلى غيرٍ ما أحلَّه اللَّهُ
لهما، ولم يُؤْمَنْ مِن أوليائِهما أن يَسبِقَ إلى قلوبِهم منهما ما لعلَّهما أن يكونا منه
بَرِيقَينْ، فأمَرِ اللَّهُ تعالى ذكرُه الأولياءَ، إذا أراد الأزواجُ التراجعَ بعد البينونةِ بنكاحٍ
مُستأنَفٍ فى الحالِ التى أَذِن اللَّهُ لهما بالتراجع، ألا يَعْضُلَ وَلِيَتَه عمّا أرادت من
ذلك، وأن يُزَوِّجَها؛ لأن ذلك أفضلُ لجميعِهم ، وأطهرُ لقلوبهم مما يُخافُ سُبوقُه
إليها من المعانى المكروهةِ .
ثم أخبر تعالى ذكرُه عبادَه أنه يَعلَمُ مِن سرائرِهم وخَفِيَّاتِ أمورِهم ما لا يعلَمُه
بعضُهم من بعضٍ، ودلّهم بقولِه لهم ذلك فى هذا الموضع أنه إنما أمَر أولياءَ النساءِ
إنكاحِ مَن كانوا أولياءَه من النساءِ، إذا تراضتِ المرأةُ والزوجُ الخاطبُ بينهم
بالمعروفِ ، ونهاهم عن عَضْلِهن عن ذلك ، لِمَ عَلِم مما فى قَلْبِ الخاطبِ والمخطوبةِ من
غلبةِ الهَوى والميلِ مِن كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه بالمَوَدَّةِ والمحبةِ ، فقال لهم تعالى
ذ کژه : افعلُوا ما أمرتكم به إن كنتم تُؤمِنون بی وبثوایی وبعقایی فی معادٍ کم فى
الآخرةِ، فإنى أَعلمُ من قَلبِ الخاطبِ والمخطوبةِ ما لا تَعلَمُونه مِن الهَوى والمحبةِ ،
وفعلُكم ذلك أفضلُ لكم عند اللَّهِ ولهم، وأَزَكَى وأَطهرُ لقلوبكم وقلوبهنّ فى
العاجلِ .
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٣٥/١.
١٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
/القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَاُلْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ ٤٩٠/٢
أَرَادَ أَنْ يُثِّ الرَّضَاعَةَ﴾ .
يَعنى تعالى ذكرُه بذلك: والنساءُ اللواتى بِنَّ من أزواجِهنَّ - ولهنّ أولادٌ قد
وَلَّذْنَهم مِن أزواجِهنَّ قبلَ بَيْنُونَتِهِنَّ منهم بطلاقٍ، أو وَلَّدْنَهم (٢) منهم بعدَ فِراقِهم
إيّاهن مِن وطٍ كان منهم لهن قبلَ البينونةِ - ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾. يَعنى بذلك
أنهنَّ أحقُّ برَضاعِهم من غيرِهنَّ. وليس ذلك بإيجابٍ من اللَّهِ تعالى ذكرُه عليهن
رَضاعَهم، إذا كان المولودُ له ولدّ (٢)، حيَّا مُوسِرًا؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال فى سورةٍ
((النساءِ القُصْرَى))(١): ﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُوْ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. وأخبرَ
تعالى ذكرُه أن الوالدةَ والمولودَ له إن تعاسرًا فى الأَجْرةِ التى تُرضِعُ بها المرأةُ ولدها ،
أن أُخرى سواها تُرضِعُه، فلم يُوجِبْ عليها فرضًا رَضاعَ ولدِها، فكان معلومًا
بذلك أن قوله: ﴿ وَالْوَالِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ دلالةٌ على مبلغٍ غايةِ الرَّضاعِ
التى متى اختلَف الوالدان فى رَضاع المولودِ بعدَهُ(٢)، جُعِل حدًّا يُفْصَلُ به بينهما ، لا
دلالةٌ على أن فرضًا على الوالداتِ رَضاعُ أولادِهنَّ.
وأما قولُه: ﴿ حَوْلَيْنِ﴾. فإنه يعنى به سنتينْ .
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى تَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأْوَزِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٌ ﴾: سنتَيْ(٤).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
(١) فى م: ((أولدنهم)).
(٢) فى النسخ: ((والدا)). والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٣) يعنى سورة الطلاق .
(٤) فى م: (( بعدها)) .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٧/١ إلى المصنف ووكيع وسفيان وعبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وأبى
داود فى ناسخه وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقى .
٢٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٣
مجاهدٍ مثلَه .
وأصلُ الحَوْلِ من قولِ القائلِ: حال هذا الشىءُ . إذا انتقل. ومنه قيل: تَحَوَّلَ
فلانٌ من مكانٍ كذا . إذا انتقل عنه .
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى ذكرٍ ﴿ كَامِلَيْنٍ﴾ فى قوله: ﴿ وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ
أَوْلَدَهُنَ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ ﴾ بعدَ قوله: ﴿ يُرْضِعْنَ﴾ ﴿حَوْلَيْنِ﴾. وفى ذكرِهِ الحَوْلَيْ
مُسْتَغْنِى عن ذكرٍ الكاملَيْ، إذ كان غيرَ مُشْكِلٍ على سامعِ سَمِع قوله: ﴿ وَالْوَلِدَاتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ ﴾ ما يرادُ به، فما الوجهُ الذى مِن أجلِهِ زِيدَ ذكرُ ﴿كَامِلَيْنٍ﴾؟
قيل : إن العربَ قد تقولُ : أقام فلانٌ بمكانٍ كذا حَوْلَيْ، أو يومَينْ ، أو شهرَيْن.
وإنما أقام به يومًا وبعضَ آخَرَ، أو شهرًا وبعضَ آخَرَ، أو حَوْلًا وبعضَ آخَرَ ، فقيل:
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ ﴾ لِيَعْرِفَ سامِعو (١) ذلك أن الذى أُرِيدَ به حَوْلان تامّان، لا حَولٌ
وبعضُ آخَرَ، وذلك كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ فِيَّ أَيَّامٍ
◌َّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةِ ﴾ .
٤٩١/٢ / ومعلومٌ أن المتُعَجِّلَ إنما يَتَعَجَّلُ فى يوم ونصفٍ ، فكذلك ذلك فى اليومِ الثالثِ من أيامٍ
التشريقِ، وأنه ليس منه شىءٌ تام ، ولكنَّ العربَ تَفعَلُ ذلك فى الأوقاتِ خاصةٌ ،
فتقولُ: اليومُ يومان منذُ لم أرَه. وإنما تَعنِى(٢) بذلك يومًا وبعضَ آخَرَ، وقد تُوقِعُ
الفعلَ الذى تفعلُهُ(٢) فى الساعةِ أو اللحظةِ على العامِ والزمانِ واليومٍ ، فتقولُ: زُؤْتُه
عامَ كذا، وقتَل فلانٌ فلانًا زمانَ(٤) صِفِّينَ. وإنما تفعلُ ذلك لأنها لا تَقْصِدُ بذلك
(١) فى م: ((سامع)) .
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يعنى).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يفعله)).
(٤) فى ص، ت ١: (( أزمان )).