النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
أَفْتَدَتْ بِهِءُ﴾. قال: يأْخُذُ أكثرَ مما أَعطاها .
٤٧٢/٢
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ ، قال : ثنا يزيدُ وسهلُ بنُ يوسفَ وابنُ أبى عدىٍّ، عن
حُميدٍ ، قال: قلتُ لرجاءٍ / بنٍ حَيْوَةَ: إن الحسنَ يقولُ فى المختلِعةِ: لا یأخُذُ أكثرَ مما
أَعطاها. ويتأوَّلُ: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾. قال
رجاءٌ: فإِنَّ قَبِيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يُرَخِّصُ أن يأخُذَ أكثرَ مما أعطاها، ويَتَأَوَّلُ: ﴿فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِهُ﴾(١).
وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقولِه: ﴿ وَإِنْ أَرَدَّتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجِ
مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثَهُنَّ قِنَطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾
[ النساء: ٢٠] .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا مجاهدُ بنُ موسى ، قال : ثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارثِ ، قال: ثنا عُقْبةُ
ابنُ أبى الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرًا عن المختلِعةِ أيأْخُذُ منها شيئًا؟ قال: لا. وقرأ:
﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا الحَجَاجُ، قال: ثنا عُقبةُ بنُ أبى الصَّهْباءِ، قال : سألتُ
بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ عن رجلٍ تُريدُ امرأتُه منه الخُلْعَ ، قال: لا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا .
قلتُ : يقولُ اللَّهُ تعالى ذكرُه فى كتابِهِ: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾. قال:
هذه نُسِخَتْ. قلتُ: فَأَنَّى حُفِظَتْ؟ قال: حُفِظَتْ فى سورةِ ((النِّساءِ)) قولِ اللّهِ
تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ أَرَدَّتُمُ أُسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ
(١ - ١) سقط من النسخ .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٣/٥، ١٢٤ عن يزيد عن حميد به .
( تفسير الطبرى ١١/٤ )

١٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
قِنَطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاْ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَا وَإِثْمًا مُّبِينًا ﴾ ..
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إذا خِيفَ مِن الرجل والمرأةِ ألا يُقيما
مُدودَ اللَّهِ على سبيل ما قدَّمْنا البيانَ عنه، فلا حرج عليهما فيما افْتَدَتْ به المرأةُ
نفسَها مِن زوجِها مِن قليلٍ ما تَمْلِكُه وكثيرِهِ مما يجوزُ للمسلمِين أن يَمْلِكُوه، وإنْ أَتَّى
ذلك على جميع مِلْكِها؛ لأن الله تعالى ذكرُه لم يَخُصَّ ما أباحَ لهما من ذلك على
حدِّ لا يُجاوَزُ ، بل أَطْلَق ذلك فى كلِّ ما افتدَتْ به، غيرَ أنى أختارُ للرجلِ استحبابًا لا
تَحتيمًا (٢) - إذا تَبَيَّنَ من امرأتِه أن افتداءَها منه لغيرِ معصيةٍ للَّهِ، بل خوفًا منها على
دينِها - أن يُفارِقَها بغيرٍ فديةٍ ولا جُعْلٍ ، فإِن شَخَّتْ نفسُه بذلك، فلا يَتْلُغْ بما يأخُذُ منها
جميعَ ما آتاها . فأما ما قاله بَكْرُ بنُ عبدِ اللَّهِ مِن أنَّ هذا الحكم فى جميعِ الآيةِ منسوخٌ
بقولِه: ﴿ وَإِنْ أَرَدَّثُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجَ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىهُنَّ قِنِطَارًا فَلَا
تَأْخُذُواْ مِنَّهُ شَيْئًا﴾. فقولٌ لا معنى له، فَتَتَشاغلَ بالإبانةِ عن خَطَئِه ؛ لمعنيْن ؛
أحدُهما، إجماُ الجميع من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من المسلمِين على
تَخطئتِه وإجازةٍ أخذِ الفِدْيةِ من المُفْتَدِيةِ نفسَها لزوجِها، وفى ذلك الكفايةُ عن
الاستشهادِ على خطئِه بغيرِه . والآخرُ، أن الآيةَ التى فى سورةِ ((النِّساءِ)) إنما حرَّم اللَّهُ
فيها على زوج المرأةِ أن يأخُذَ منها شيئًا مما آتاها ، بأن أراد الرجلُ استبدالَ زوجٍ بزوجٍ
من غيرٍ أن يكونَ هنالك خوفٌ من المسلمين عليهما مُقامَ أحدِهما على صاحبِه ألا
يُقيما حدودَ اللَّهِ ، ولا نشوزٌ من المرأةِ على الرجلِ. وإذا كان الأمر كذلك، فقد
ثَبَت (٢) أن أخذَ الزوج مِن امرأته مالًا على وجهِ الإكراهِ لها والإضرارِ بها ، حتى تُعطيَه
شيئًا من مالِها على فِراقِها - حرامٌ، ولو كان ذلك حبّةً فِضّةٍ فصاعدًا .
(١) ذكره النحاس فى ناسخه ص ٢٢٦ عن عقبة به .
(٢) فى ص: ((تحريما)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بينا))، وغير منقوطة فى ص ، والمثبت ما يقتضيه السياق.

١٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
وأما الآيةُ التى فى سورةِ ((البقرةِ))، فإنها / إنما دَلَّتْ على إباحةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه ٤٧٣/٢
له أخذَ الفِدْيةِ منها فى حالِ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حُدودَ اللَّهِ بنُشوزِ المرأةِ ، وطَلَبِها
فِرَاقَ الرجلِ، ورغبتِه فيها، فالأمرُ الذى أَذِن به للزوج فى أخذِ الفديةِ من المرأةِ فى
سورةِ ((البقرةِ)) ضدُّ الأمرِ الذى نُهِىَ من أجلِه عن أخذِ الفديةِ فى سورةِ ((النساءِ))،
كما الحَظْرُ فى سورةِ ((النساءِ)) غيرُ الطلاقِ ) والإباحةِ فى سورةِ ((البقرةِ))، فإنما
يجوزُ فى الْحُكْمَيْنْ أن يقالَ: أحدُهما ناسخٌ. إذا اتفقتْ معانى المحكوم فيه، ثم
خُولِفِ بينَ الأحكام فيه باختلاف الأوقاتِ والأزمنةِ. وأما اختلافُ الأحكام
باختلافٍ معانى المحكوم فيه فى حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، فذلك هو الحكمةُ
البالغةُ ، والمفهومُ فى العقلِ والفطرة، وهو من الناسخ والمنسوخِ بِمَعْزِلٍ .
وأما الذى قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ من أن معنى الآيةِ: فلا جناحَ عليهما فيما افتدتْ
به منه - يعنى بذلك: مما آتَيْتُمُوهُنَّ - فنظيرُ قولِ بَكْرٍ فى دعواه نسخَ قولِه: ﴿فَلَاَ
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾ بقولِه: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ
شَيْئًا﴾ لادِّعائِه فى كتابِ اللَّهِ ما ليس موجودًا فى مصاحفِ المسلمين رَسْمُه.
ويقالُ لمن قال بقولِه: قد قال مَن قد عَلِمْتَ مِن أئمةِ الدينِ: إنما معنى ذلك : فلا
جناحَ عليهما فيما افتدتْ به من مِلْكِها. فهل مِن حُجّةٍ (تَبِينُ بها منهم٢٢ غيرُ
الدَّعْوَى؟ فقد احتجُوا بظاهرِ التنزيلِ، وادَّعَيْتَ فيه خُصوصًا. ثم يُعكَسُ عليه القولُ
فى ذلك ، فلن يقولَ فى شىءٍ من ذلك قولًا إلا أَلْزِمَ فى الآخرِ مثلَه. وقد بيَّا الأدلةً
بالشواهدِ على صحةٍ قولٍ مّن قال: للزوج أن يأخُذَ منها كلَّ ما أَعْطَتْهِ الْمُفْتَدِيةُ التى
(١) كذا فى النسخ. والصواب: ((الإطلاق)) لتكافئ معنى الإباحة إلا أن يكون المصنف أراد بها
((الإطلاق)). وينظر تعليق الشيخ شاكر.
(٢ - ٢) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((تبين تهافتهم)). وما فى ((ص)) أقرب وجوهه إلى الصواب أن يكون
كما أثبتنا ، ومعناه : تفترق وتمتاز بها عنهم.

١٦٤
سورة البقرة : الاية ٢٢٩
أباحَ اللَّهُ لها الافتداءَ فى كتابِنا ((كتابِ اللطيفِ))، فكرِهْنا إعادته فى هذا الموضعِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الظَّالِمُونَ
٢٢٩
يَعنِى تعالى ذكرُه بذلك: تلكَ معالمُ فُصولِه بينَ ما أحلَّ لكم وماً(١) حرّم
عليكم أيُّها الناسُ ، فلا تَعْتَدُوا ما أحلَّ لكم من الأمورِ التى بَيَّنها وفَصَّلَها لكم من
الحلالِ (١) ، إلى ما حرَّم عليكم ، فتُجاوِزُوا طاعتَه إلى معصيتِه .
وإنما عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾: هذه الأشياءُ التى بَّنْتُ لكم
فى هذه الآياتِ التى مضَتْ؛ مِن نكاح المشركاتِ [١٠/٦ و] الوَثَّنِيَّاتِ، وإنكاح
المشركين المسلماتِ، وإتيانِ النساءِ فى المَحِيضِ، وما قد بَيَّنَ فى الآياتِ
الماضيةِ قبلَ قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ مما أحلّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أمَر
ونھی . ثم قال لهم : هذهالأشياء التى بيّنتُ لكم حلالها مِن حرامِها حدودِی . يَعْنى
به معالمَ فصولٍ ما بينَ طاعتى ومعصيتى، ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: فلا تَتجاوَزُوا
ما أَحْلَلْتُه لكم إلى ما حرَّمْتُه عليكم ، ولا ما أمَرْتُكم به إلى ما نَهَيْتُكم عنه، ولا طاعتى
إلى معصيتى ، فإن مَن تَعَدَّى ذلك - يَعنِى مَن تَخَطّاه وتَجاوزَه إلى ما حَّمْتُه عليه أو
نَهَيْتُه - فإنه هو الظالمُ، وهو الذى فعَل ما ليس له فِعْلُه، ووضَع الشىءَ فى غيرِ
مَوْضِعِه .
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى الظلم وأصلِه بشواهدِه الدالةِ على معناه ،
(١) زيادة من: م.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٣: ((الحرام))، وفى ت ٢: ((الجرم)).
* إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه فى ص ١٥٧.

١٦٥
سورة البقرة : الآيتان ٢٢٩، ٢٣٠
فَكَرِهْنا إعادته فى هذا الموضِعِ ) .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويل ، وإن خالَفتْ ألفاظُ تأويلهم ألفاظَ
تأويلِنا، غيرَ أن معنى ما قالوا فى ذلك آيِلٌ(٢) إلى معنى ما قلْنا فيه.
/ذكرُ مَن قال ذلك
٤٧٤/٢
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: يعنى بالحدودِ الطاعةَ.
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوييٍ، عن الضّحّاكِ
فى قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. يقولُ: مَن طلَّق لغيرِ العِدّةِ فقد اعتدَى
وظلَم نفسَه، ﴿وَمَن يَنَعَذَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ
وهذا الذى ذُكِر عن الضّحاكِ لا معنى له فى هذا الموضع؛ لأنه لم يَجْرِ للطلاقِ
فى العِدَّةِ ذِكْرٌّ فيقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الَّهِ﴾. وإنما جرَى ذكرُ العَدَدِ الذى يكونُ للمُطَلِّقِ
فيه الرَّجعةُ، والذى لا يكونُ له فيه الرّجعةُ، دون ذكرِ البيانِ عن الطلاقِ للعِدّةِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
اختلف أهلُ التأويلِ فيما دلَّ عليه هذا القولُ من اللَّهِ عزّ وجلّ ؛ فقال بعضُهم:
دلَّ على أنه إن طلَّق الرجلُ امرأته التطليقةَ الثالثةَ بعد التطليقتَيْن اللَّيْن قال اللَّهُ عز وجل
فيهما: ﴿ الطَّلَقُ مَرَّتَانِ﴾. فإن امرأته تلك لا تَحِلُّ له من (١٤ بعدِ التطليقةِ الثالثةِ حتى
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١ .
(٢) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت٣، ومكانها بياض فى ص.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٢/٢ (٢٢٢٦، ٢٢٢٩) من طريق جويبر به .
(٤) سقط من: ص، م.

١٦٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، يعنى به غيرَ المطلِّقِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُّ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال:
جعَل اللّهُ [١٠/٦ظ] حدّ(١) الطلاقِ ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تَنْقَضِ
العِدَّةُ، وعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، فإن انْقَضَتِ العِدَّةُ قبل أن يكونَ راجعَها، فقد بانتْ
منه بواحدةٍ (١) ، وصارتْ أحقَّ بنفسِها، وصار خاطبًا من الخُطّبِ، فكان الرجلُ إذا
أراد طلاقَ أهلِه نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةً فى قُبْلِ(١) عِدَّتِها عند
شاهدَىْ عدلٍ ، فإن بدا له مراجعتُها راجعَها ما كانت فى عِدَّتِها، وإن تركها حتى
تَنْقَضِىَ عِدَّتُها فقد بانتْ منه بواحدةٍ ، وإن بدا له طلاقُها بعد الواحدةِ وهى فى عِدَّتِها
نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةٌ أُخرى فى قُبْلِ عِدَّتِها، فإن بدا له
مراجعتُها راجعَها، فكانت عنده على واحدةٍ ، وإن بدا له طلاقُها طلَّقها الثالثةَ عند
طُهْرِها ، فهذه الثالثةُ التى قال اللَّهُ عز وجل: ﴿فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا
غَةُ﴾٢.
حدَّثنى المثنَّى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
زَوْبًّا غَيْرَهُ﴾. يقولُ: إِن طلَّقها ثلاثًا، فلا تَمِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه(٤).
(١) سقط من: ص، م، ت١، ت٢.
(٢) سقط من : م.
(٣ - ٣) فى ص: ((لا تحل له حتى تنكح زوجا)). معنى الآية لا نصها، وفى ت ١، ت ٢، ت٣: (( لا))
وباقى الآية كالمثبت .
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/١ إلى عبد بن حميد مختصرًا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٢/٢ (٢٢٣٠)، والبيهقى ٣٧٦/٧، من طريق عبد الله بن صالح،
به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/١ إلى ابن المنذر.

١٦٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
٤٧٥/٢
/حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن
الضّحّاكِ، قال: إذا طلَّق واحدةٌ أو ثِثْتَين، فله الرجعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ . قال :
والثالثةُ قولُه: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا﴾. يعنى الثالثةَ(١) ، فلا رجعةً له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا
غيره .
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: أخبرَنا جُوييرٌ، عن الضّحّاكِ
بنحوه .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَإِنِ
طَلَّقَهَا ﴾. " قال: فإن طلَّقها من٢) بعدِ التطليقتَينْ فلا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه،
و (٣)
وهذه الثالثةُ (٣) .
وقال آخرون: بل دَلَّ هذا القولُ على ما يَلْزَمُ مُسَرِّعَ امرأتِه بإحسان بعد
التطليقتَيْ اللَّيْ قال اللَّهُ فيهما: ﴿ الطّلَقُ مَّتَانٍ﴾. قالوا: وإنَّا بَيْنَّ اللَّهُ جل ثناؤه
بهذا القولِ عن حُكمٍ قوله: ﴿أَوْ تَشْرِيٌ ◌ِإِحْسَانٍ﴾. وأَعلَمَ أنه إن سَرَّح الرجلُ المرأةَ
بعد التطليقتَيْنْ بإحسانٍ (٤) فلا تَحِلُّ له المُسَرَّحةُ كذلك إلا بعدَ زوجٍ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلاَ تَجِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ﴾. قال:
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((بالثالثة)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٣/٢ (٢٢٣٢) من طريق عمرو به .
(٤) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت ٣.

١٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
عاد إلى قولِه: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةً" ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ مثله .
قال أبو جعفرٍ : والذى قاله مجاهدٌ فى ذلك عندنا أوْلَى بالصوابِ ؛ للذی ذکونا
عن رسولِ اللَّهِ عَ لِ فى الخبرِ الذى رَوَيناه عنه أنه قال، أو سُئِل فقيل: هذا قولُ اللَّهِ
تعالى ذكرُه: ﴿ اُلْطَّلَقُ مَّتَانٍ﴾ فأين الثالثةُ؟ قال: ((﴿ فَإِمْسَاكٌ بِعْرُوفٍ أَوْ
تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾))(١) فأخبرَ عَِّ أن الثالثةَ إنما هى قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِحْسَنٍ﴾.
فإذا كان التسريحُ بالإحسانِ هو الثالثةَ، فمعلومٌ أن قولَه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ
بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. مِن الدَّلالةِ على التطليقةِ الثالثةِ بَمَعْزِلٍ، وأنّه إنّما هو بيانٌ
عن الذى يَحِلَّ للمُسَرِّحِ بالإحسانِ إِن سَرَّح زوجته بعد التطليقتَيْنْ، والذى يَحْرِمُ(١)
عليه منها ، والحالِ التى يجوزُ له نكاحُها فيها ، وإعلام عبادَه أنَّ بعدَ التسريح - على ما
وَصَفْتُ - لا رجعةً للرجلِ على امرأتِه .
فإن قال قائلٌ: فأَّ النكاحَينْ عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿ فَلَ تَعِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ
زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. النكاحُ الذى هو جماعٌ، أم النكاحُ الذى هو عَقْدُ تزويج ؟
قيل: كلاهما؛ وذلك أن المرأةَ ("إن نَكَحَتْ رجلًا" نكاحَ تزويجٍ، ثم(٥) لم
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٨٣/١ إلى المصنف.
* إلى هنا ينتهى الجزء السادس من نسخة جامعة القرويين، والتى أشير إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام
صفحات النسخة ت١ بین معکوفین .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ١٣٠.
(٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((حرمه))، وفى ت ١: (( يحرمه)).
(٤ - ٤) فى م: ((إذا نكحت زوجا)).
(٥) سقط من: م.

١٦٩
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
يَطَأْها فى ذلك النكاح ناكخُها، ولم يُجامِعْها حتى يُطَلِّقَها، لم تَحِلَّ للأولِ،
وكذلك إِن وَطِئُها واطئٌ بغيرِ نكاح، لم (١) تَحِلُّ للأولِ بإجماع(١) الأمةِ جميعًا. فإذا
كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن تأويل قوله: ﴿فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا
غَيْرَةٌ﴾ نكاحًا صحيحًا، ثم يجامعَها فيه ، ثم يُطَلِّقَها.
فإن قال : فإنَّ ذِكْرَ الجماع غيرُ موجودٍ فى كتابِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، فما الدَّلالةُ
على أن معناه ما قلتَ ؟
قيل : الدَّلالةُ على ذلك إجماعُ الأمّةِ جميعًا على أن ذلك معناه . وبعدُ ، فإن
اللَّهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَجِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فلو
نكَحَتْ زوجًا غيرَه بعَقِبِ الطلاقِ قبل انقضاءٍ/ عِدَّتِها، كان، لا شكٌّ، أنها ناكحةٌ ٤٧٦/٢
نكاحًا بغيرِ المعنى الذى أباح اللَّهُ تعالى ذكرُه لها ذلك به، وإن لم يكنْ ذكرُ العِدَّةِ
مقرونًا بقولِه: ﴿ فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. لدلالِتِه على أن ذلك
كذلك بقولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ ﴾. وكذلك قولُه :
﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ ﴾ . وإن لم یکنْ مقرونًا به ذ کرُ
الجماع والمباشرةِ والإفضاءِ، فقد دَلّ على أن ذلك كذلك بوَحْيِه إلى رسولِ اللهِ مِ له
وبيانه ذلك على لسانِه لعباده .
ذكرُ الأخبارِ المرويةِ بذلك عن رسولِ اللهِ
حدَّثنى عُبِيدُ اللَّهِ بنُ إسماعيلَ الهَّارىُّ وسفيانُ بنُ وكيع وأبو هشامِ الرِّفاعىُّ،
قالوا: ثنا أبو معاويةً ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن الأسْودِ ، عن عائشةَ ، قالت :
(١) فى م: (( ثم)).
(٢) فى م: ((لإجماع)).

١٧٠
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
سُئِل رسولُ اللَّهِ عَ لَّمِ عن رجلٍ طَلَّق امرأتَه، [٢٨٧/١ ] فتزوَّجَتْ رجلاً غيرَه، فدخَل
بها، ثم طلَّقها قبل أن يُواقِعَها، أتَحِلُّ لزوجِها الأول؟ فقال رسولُ اللَّهِ عَ لامِ: (( لا
تَحِلُّ لَزَوْجِها الأَوَّلِ حتى يَذُوقَ الآخَرُ مُسَيْلَتَها(١) وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَه))(٣) .
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المبارَكِ ، عن هشام بنِ
عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، عن النبيِّ عَ لِّ نحوَهُ ).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيع، قال: ثنا ابنُ عُيَينةً، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُروةَ، عن
عائشةً، قال: سمِعْتُها تقولُ: جاءت امرأةُ رفاعةَ القُرَظِىِّ إلى رسولِ اللَّهِ عَلَه،
فقالت : كنتُ عند رفاعةَ فطلَّقَنِى فِبَتَّ طلاقى، فَتَرَوَّجْتُ عبد الرحمنِ بِنَ
الزَّبيرِ، (" وإن ما) معه مثلُ هُذْبةِ الثَّبِ(٥). فقال لها: «تُرِيدِين أن تَرْجِعِى إلى رِفاعةً؟
لا ، حتى تَذُوقِى عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ))(١) .
حدَّثنی المثنّى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنی الليثُ ، قال : ثنی یونسُ ، عن ابنِ
شهاب ، عن عُروةً، عن عائشةً نحوَهُ(١) .
(١) قال ابن الأثير: شبه لذة الجماع بذوق العسل، فاستعار لها ذوقا، وإنما أنث لأنه أراد قطعة من العسل .
وقيل : على إعطائها معنى النطفة . وقيل: العسل فى الأصل يذكر ويؤنث ، فمن صغره مؤنثا قال : عسيلة ...
وإنما صغره إشارة إلى القدر القليل الذى يحصل به الحل. النهاية ٢٣٧/٣.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٢٧٤، وأحمد ٤٢/٦ (الميمنية)، وأبو داود (٢٣٠٩)، والنسائى (٣٤٠٧)،
من طريق أبى معاوية به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٩/٦ (الميمنية)، والبخارى (٥٣١٧)، ومسلم (١٤٣٣) من طريق هشام به .
(٤ - ٤) فى ص: ((وأنا))، وفى ت ١: ((فإنما)).
(٥) قال ابن الأثير: أرادت متاعه، وأنه رخو مثل طرف الثوب لا يغنى عنها شيئًا. النهاية ٢٤٩/٥.
(٦) أخرجه الحميدى (٢٢٦)، وابن أبى شيبة ٢٧٤/٤، وأحمد ٣٧/٦ (الميمنية)، والدارمى ١٦١/٢،
والبخارى (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣)، والترمذى (١١١٨)، وابن ماجة (١٩٣٢)، والنسائى (٣٢٨٣،
٣٤١١) من طريق ابن عيينة .
(٧) أخرجه مسلم (١٤٣٣) من طريق يونس به .

١٧١
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
حدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى الليثُ ، قال: ثنى عُقَيلٌ،
عن ابنِ شهابٍ ، قال: ثنى مُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أن عائشةَ زوجَ النبيِّ مُبِّهِ أَخْبَرَتْه أن امرأةً
رِفاعةَ القُرِيِّ جاءت رسولَ اللَّهِ ◌َِّ فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ. فذكَر مثلَه(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
الزُّهرِىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رفاعةَ القُرَظَّ طلَّق امرأتَه فَبَتَّ طلاقَها،
فتزوَّجَها بعدُ عبدُ الرحمنِ بنُ الزَّبِيرِ، فجاءتِ النبىَّ ◌َّهِ فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، إنها
كانت عند رفاعةً ، فطلَّقَها آخرَ ثلاثِ تطليقاتٍ ، فتزوَّجَتْ بعدَه عبدَ الرحمنِ بنَ
الزَّبيرِ، وإنه واللهِ ما معه يا رسولَ اللَّهِ إلا مثلُ هذه الهُدْبةِ. فتبسم رسولُ اللَّهِ عَِّثْلِ ، ثم
قال لها: ((لَعَلَّكِ تُرِيدِين أن تَرْجِعِى إلى رِفاعةَ! لا، حتى تَذُوقِى عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ
عُسَيْلَتَكِ)). قالت: وأبو بكرٍ جالسٌ عند النبيِّ ◌َّهِ وخالدُ بنُ سعيدِ بنِ العاصِ ببابِ
الحجرةِ لم يُؤْذَنْ له ، فطفِق خالدٌ ينادِى أبا بكرٍ ، يقولُ: يا أبا بكرٍ، ألا تَزْجُرُ هذه عما
تَجْهَرُ به عندَ رسولِ اللَّهِ عَهٍ؟(٣).
/ حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الأَدَمِىُ (٢)، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيم، عن عُبيدِ اللَّهِ، عن ٤٧٧/٢
القاسم، عن عائشةَ أن رسولَ اللَّهِ مَِّمِ قال: (( لا، حتى يَذُوقَ مِن عُسَيْلَتِها ما ذَاقَ
الأوَّلُ)) .
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعْتُ
عبيدَ اللَّهِ ، قال: سَمِعْتُ القاسمَ يُحدِّثُ عن عائشةَ قالت: قال رسولُ اللَّهِ حَ الٍ :
(١) أخرجه البخارى (٥٢٦٠) من طريق الليث به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١١٣١) ومن طريقه أحمد ٢٢٦/٦ (الميمنية)، ومسلم (١٤٣٣/
١١٣)، وأخرجه البخارى (٦٠٨٤) من طريق معمر به.
(٣) فى م: ((الأودى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨/٢٧.

١٧٢
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
((لا ، حتى يَذُوقَ مِن عُسَيْلَتِها ما ذاقَ صاحبُه)) .
حدَّثنا ابنُ المثنَّى ، قال : ثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّهِ ، قال: ثنا القاسمُ، عن عائشةَ
أن رجلًا طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوَّجَتْ زوجًا، فطلَّقَها قبلَ أن يَسَّها، فسُئِل
رسولُ اللَّهِ عِهِ: أَتَحِلُّ للأوَّلِ؟ قال: ((لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كما ذاقَ
الأوَّلُ))(١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع ، قال : ثنا موسى بنُ عیسى الليثىُّ، عن زائدةً ، عن علىِّ
ابنِ زيدٍ ، عن أمّ محمدٍ ، عن عائشةً، عن النبىِّ عَ لَهِ قال: ((إذا طَلَّقَ الرجلُ امرأته
ثلاثًا، لم تَحِلِّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، فيَذُوقَ كلُّ واحدٍ منهما عُسَيْلَةَ
صاحبِه))(٢).
حدَّثنى العباسُ بنُ أبي طالبٍ ، قال: أخبرَنا سعدُ(٢) بنُ حفصِ الطّلْحِىُّ، قال:
أخبرَنا شَيبانُ ، عن يحيى ، عن أبى الحارثِ الغِفارِىِّ، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللَّهِ
مَله قال: ((حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها))(٤) .
حدَّثنی عُبِيدُ بنُ آدمَ بنِ أبى إياسِ العَسْقلانىُ، قال: ثنا أبى، قال : ثنا شَيْبانُ ،
قال : ثنا يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبى الحارثِ الغِفارىِّ، عن أبى هريرةَ ، قال: قال
رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ فِى المرأةِ يُطَلِّقُها زوجها ثلاثًا(١)، فتزَوَّجُ زوجًا غيرَه، فَيُطَلِّقُها قبل أن
(١) أخرجه مسلم (١٤٣٣)، والنسائى (٣٤١٢) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد ١٩٣/٦
(الميمنية)، والبخارى (٥٢٦١) من طريق يحيى به .
(٢) أخرجه الدار قطنى ٣٢/٤ من طريق زائدة به، وأخرجه الطيالسى (١٦٦٤)، وأحمد ٩٦/٦ (الميمنية) من
طريق على بن زيد به .
(٣) فى النسخ: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ١٠/ ٢٦٠.
(٤) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٢٣/٩ من طريق سعد بن حفص به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٦/٤
من طريق شيبان به . ووقع عند البخارى : سعيد بن حفص .
(٥) زيادة من : م.

١٧٣
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
يَدخُلَ بها، فيريدُ الأولُ أن يراجعَها، قال: ((لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها))(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ الأنماطىُّ ، قال : ثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال: ثنا
محمدُ بنُ دينارٍ ، قال : حدَّثنا يحيى بنُ يزيدَ الهُنَائُ، عن أنسٍ بنِ مالك ، عن النبيِّ
يَ له فى رجلٍ طلَق امرأته ثلاثًا، فتزوَّجَها آخرُ، فطلَّقها قبل أن يدخُلَ بها ، أتَرْجِعُ إلى
زوجِها الأولِ؟ قال: ((لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها وَتَذُوقَ عُسَيْلَتَه))(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ويعقوبُ بنُ ماهانَ ، قالا : ثنا هُشيمٌ ، قال : أخبرنا
يحيى بنُ أبى إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ ، أن
الغُمَيْصاءَ ) أو الرُّمَيْصاءَ جاءت إلى رسولِ اللهِ عَ ◌ِّّهِ تَشكوزوجَها، وتزعُمُ أنه لا يَصِلُ
إليها . قال : فما كان إلا يسيرًا حتى جاء زوجها، فزعَم أنها كاذبةٌ ، ولكنها تريدُ أن
تَرجِعَ إلى زوجِها الأولِ، فقال رسولُ اللّهِ مْ ◌ِّهِ: ((ليس لكِ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ
رجلٌ غيرُه))(٥) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ، عن عَلْقمةَ
ابنِ مَرْتَّدٍ، [٢٨٧/١ظ] عن سالمِ بنِ رَزين الأحمرىِّ(٦)، عن سالمِ بنِ ("عبدِ اللَّهِ ،
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤٠٩/١ عن المصنف.
(٢) أخرجه أحمد ٤٢٢/٢١ (١٤٠٢٤)، والبزار (١٥٠٥ - كشف)، وأبو يعلى (٤١٩٩)، والطبرانى فى
الأوسط (٢٣٧٢)، وابن عدى ٦/(٣٢٠٥)، والبيهقى ٣٧٥/٧ من طريق محمد بن دينار به .
(٣) بعده فى م: ((عن)).
(٤) فى ت ٢، ونسخة من النسائى: ((العميصاء)) بالمهملة، وفى سنن سعيد: ((الرميضاء)).
(٥) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٩٨٤)، وأحمد ٣٣٦/٣ (١٨٣٧)، والنسائى (٣٤١٣)، وفى
الكبرى (٥٦٠٦)، وابن أبي عاصم فى الاحاد والمثاني (٤٠٢)، وأبو يعلى (٦٧١٨) عن هشيم به، وفى سنن
سعيد والمجتبى: ((عبد الله بن عباس)). وكذا أورد الحديث فى مسنده المزى فى التحفة ٤ /٤٦٨ .
(٦) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الأحمدى)). وينظر تهذيب الكمال ١٤٠/١٠.
(٧ - ٧) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبيد الله)).

١٧٤
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
٤٧٨/٢ عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َّ/ فى رجلٍ يَتَزوَّجُ المرأةَ فيُطَلِّقُها
قبلَ أن يَدْخُلَ بها البَنَّةَ ، فَتَتَزوَّجُ زوجًا آخرَ، فيُطَلِّقُها قبلَ أن يدخُلَ بها ، أَتَرجِعُ إلى
الأوَّلِ؟ قال: ((لا، حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَها)) (١).
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ ،
عن رَزينِ الأَحمرىِّ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ◌َه أنه سُئِل عن الرجلِ يُطَلِّقُ امرأته
ثلاثًا، فيَتَزوَّجُها رجلٌ، فأغلَق البابَ ، فطلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها ، أَتَرْجِعُ إلى زوجِها
الآخرِ؟ قال: ((لا، حتى يَذُوقَ حُسَيْلَتَها))(٢).
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْتَدٍ ،
عن سُليمانَ بنِ رَزينٍ، عن ابنِ عمرَ أنه سأل (٢) النبيَّ ◌َه وهو يَخْطُبُ، عن رجلٍ
طلَّق امرأته، فتزوَّجَتْ بعدَه، ثم طلَّقها أو مات عنها، أيَتَزوَّجُها الأولُ؟ قال: ((لا،
حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه))(٤).
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَّرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَنْ يُقِيمَا
حُدُودَ اللَّهِ ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾: فإن طلَّق المرأةَ التى بانتْ مِن زوجِها
(١) أخرجه ابن ماجه (١٩٣٣) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٤٠٦/٩ (٥٥٧١)، والنسائى (٣٤١٤)،
والبيهقى ٣٧٥/٧ من طريق محمد بن جعفر به .
(٢) أخرجه أحمد ٢١٠/٩ (٥٢٧٧)، وابن أبى حاتم فى العلل ٤٢٨/١، والبيهقى ٣٧٥/٧ من طريق
عبد الرحمن بن مهدى به .
(٣) فى مصنف عبد الرزاق وسنن البيهقى: ((سئل)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٩٥/٨، ٢١٠/٩ (٤٧٧٧، ٥٢٧٨) عن أبى أحمد الزبيرى به ، وأخرجه عبد الرزاق فى
مصنفه (١١١٣٥)، وابن أبى شيبة ٢٧٤/٤، والنسائى (٣٤١٥)، وابن أبى حاتم فى العلل ٤٢٩/١ ،
والبيهقى ٣٧٥/٧ من طريق سفيان به .

١٧٥
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
بآخرِ التطليقاتِ الثلاثِ بعد ما نكحَها مُطَلِّقُها الثانى ، زوجها الذى نكَحَها بعد
بَيْنُونَتِها مِن الأَوَّلِ، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلا حرَج على المرأةِ
التى طلَّقها هذا الثانى من بعدِ بَيْنُونَتِها من الأوّلِ، وبعد نكاحِه إيّاها، وعلى الزوجِ
الأولِ الذى كانت حَرُمَتْ عليه بِبَيْنُونَتِها منه بآخرِ التطليقاتِ ، أن يتراجعا بنكاح
جدید .
كما حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح،
عن علىِّ بنٍ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَيْهِمَآ أَن
يَتَرَاجَعَآ﴾. يقولُ: إذا تَزوَّجَتْ بعد الأولِ، فدخَل الآخرُ بها، فلا حَرَجَ على الأُولِ
أن يَتزوَّجَها إذا طلَّقها (١) الآخر، أو مات عنها، فقد حَلَّتْ له (٢).
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمُ، قال : أخبرنا جُويبرٌ، عن
الضّحّاكِ ، قال: إذا طلَّق واحدةً أو ثِنْتَيْ، فله الرَّجْعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ. قال : والثالثةُ
قولُه: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا ﴾، يعنى الثالثةَ، فلا رَجْعةً له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه فَيَدْخُلَ(٤)
بها، ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ هذا الأخيرُ بعدَ ما يدخُلُ بها، ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَآَ
يعنى الأوَّلَ، ﴿إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٥).
وأما قوله: ﴿إِن ظَنَّآ أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. فإن معناه: إن رَجَوَا مَطْمَعًا أن
يُقيما حدودَ اللَّهِ . وإقامتُهما(٦) حدودَ اللَّهِ العملُ بها. وحدودُ اللَّهِ ما أمَرهما به ،
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((طلق).
(٢) أخرجه البيهقى ٣٧٦/٧ من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) فى النسخ: ((هشام)). وتقدم على الصواب فى ص ١٦٧.
(٤) فى ص: ((يدخل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فدخل).
(٥) تقدم أوله فى ص ١٦٧.
(٦) فى ص، ت ١: ((إقامتها)).

١٧٦
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
وأَوْجَبَ لكلِّ(١) واحدٍ منهما على صاحبِهِ، وأَلْزَمَ كلّ واحدٍ منهما بسببِ النكاح
الذی یکونُ بينهما .
وقد بَيَّا معنى الحدودِ ومعنى إقامةِ ذلك، بما أُغَنى عن إعادتِه فى هذا
(٢)
الموضعِ().
وكان مجاهدٌ يقولُ فى تأويلِ قوله: ﴿إِن ظَنَّآ أَنْ يُقِمَا حُدُودَ الَهِ﴾. ما حدَّثنى
به محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾: إن ظَنَّا أنَّ نكاحَهما على غيرِ دُلْسةٍ (١).
٤٧٩/٢
/ حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
وقد وجَّه بعضُ أهلِ التأويلِ (٤) قوله: ﴿إِن ظَنّآً﴾. إلى أنه بمعنى: إِن أَيْقَنا .
وذلك ما لا وَجْهَ له ؛ لأن أحدًا لا يَعلمُ ما هو كائنٌ غیرُ الله تعالی ذ کرُه . فإذا كان
ذلك كذلك، فما المعنى الذى به يُوقِنُ الرجلُ والمرأةُ أنّهما إذا تراجعا أقاماً حدودَ
اللَّهِ؟ ولكنَّ معنى ذلك كما قال تعالى ذكره: ﴿إِن ظَنّاً﴾. بمعنى: طَمِعا بذلك
ورَجَوَاه .
(١) فى م: ((بكل)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٦١/١، ٢٦٧/٣.
(٣) الدُّلْسةُ: الظُّلمة، ويقال: فلان لا يدالس ولا يوالس. أى: لا يظلم ولا يخون، وهو لا يدالسك: لا
يخادعك ولا يُخْفِى عليك الشىء. التاج (د ل س).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٣/٢ (٢٢٣٥) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٨٥/١ إلى عبد بن حميد. وينظر تفسير البغوى ٢٧٣/١.
(٤) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ٧٤/١.

١٧٧
سورة البقرة : الآية ٢٣٠
و﴿أَنْ﴾ التى فى قوله: ﴿أَنْ يُقِيمَا﴾. فى موضع نصبٍ ب﴿ظَنََّ﴾،
و﴿أَنْ ﴾ التى فى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَآَ﴾. جعَلها بعضُ أهلِ العربيةِ فى موضعٍ نصبٍ
بفَقْدِ الخافضِ؛ لأن معنى الكلام: فلا جُناحَ عليهما فى أن يتراجَعا . فلمّا
حُذِفت ((فى)) التى كانت تَخْفِضُها نَصَبها، فكأنّه قال: فلا جُناحَ عليهما
تراجُعَهما .
وكان بعضُهم يقولُ(١) : موضعُه خفضٌ، وإن لم يكنْ معها خافضُها ، وإن
كان محذوفًا فمعروفٌ موضعُه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٢٣٠
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: هذه الأُمورُ التى بَيَّنَها لعبادِه
فى الطلاقِ والرَّجْعةِ والفِذْيةِ والعِدَّةِ والإيلاءِ وغيرِ ذلك، مما يُبَيِّنُه لهم فى هذه
الآياتِ، ﴿ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ : معالمُ فُصولِ حلالِه وحرامِه، وطاعتِهِ ومعصيتِه،
◌ْ يُبَيْنُهَا﴾: يُفَصِّلُها، فيُمَيِّزُ بينها، ويُعَرِّفُهم أحكامَها، لقومٍ يَعْلَمونها إذا بََّها اللَّهُ
لهم ، فيَعْرِفون أنها مِن عندِ اللَّهِ ، فَيُصَدِّقُون بها، ويَعمَلون بما أَوْدَعهم اللَّهُ من علمِه،
دون الذين قد طبَع اللَّهُ على قلوبِهم، وقضَى عليهم أنهم لا يُؤْمِنون بها، ولا
يُصَدِّقُون بأنها مِن عندِ اللَّهِ، فهم يَجْهَلون أنها من اللَّهِ ، وأنها تنزيلٌ من حكيم
حَميدٍ. ولذلك خَصَّ [٢٨٨/١ و] القومَ الذين يَعْلَمون بالبيانِ دون الذين يَجْهلون ،
إذ كان الذين يَجْهَلون أنها من عندِه قد آيسَ نبيَّه محمدًا (٢) كل من(٤) تصدیقٍ کثیر
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ١٤٨.
(٢) هو الكسائى ، فيما نقله الفراء فى معانى القرآن ، الموضع السابق .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((محمد)).
(٤) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)).
( تفسير الطبرى ١٢/٤ )

١٧٨
سورة البقرة : الآية ٢٣١
منهم بها، وإن كان بَنها(١) لهم من وجهِ الحُجّةِ عليهم ولزومِ العملِ لهم بها ، وإنما
أخرَجَها مِن أن تكونَ بيانًا لهم من وجهِ تركِهم الإقرارَ والتصديقَ به .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمِكُهُنَ بِعْرُوفٍ أَوْ
سَرِّجُوهُنَّ بِعْرُوفٍ وَلَا تُنِكُهُنَّ ضِرَارًا لِعْنَدُواْ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وإذا طلَّقْتُم أيُّها الرجالُ نساءَكم، ﴿فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ﴾. يعنى مِيقاتَهنَّ الذى وقَّتُه لهنَّ؛ من انقضاءِ الأقراءِ الثلاثةِ إن كانت من
أهلِ القُرْءِ(٢)، وانقضاءِ الأشهرِ إن كانت من أهلِ الشهورِ، ﴿فَأَمْسِكُهُ ﴾ .
يقولُ: فراجِعُوهن إن أردتُم رَجْعَتَهِنَّ فى الطَّلْقةِ التى فيها رَجْعَةٌ، وذلك إمّا فى
التطليقةِ الواحدةِ أو التَّطليقتَيْنْ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿ الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكُ
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾ .
٤٨٠/٢
/وأما قولُه: ﴿يمَعْرُوفٍ﴾. فإنه عنَى: بما أَذِن به من الرَّجعةِ، مِن الإشهادِ على
الّجعةِ قبلَ انقضاءِ العدةِ ، دونَ الرَّجعةِ بالوطءِ والجماع ؛ لأن ذلك إنما يجوزُ للرجلِ
بعد الرَّجعةِ، وعلى الصُّحبةِ مع ذلك والعِشْرةِ بما أمَر اللَّهُ به وبَيَّنه لكم أيُّها الناسُ،
﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِعْرُوفٍ﴾. يقولُ: أو خَلُّوهُنَّ يَقْضِين تمامَ عِدَّتِهِنَّ، ويَنْقَضِى بقيةُ
أجلِهنَّ الذى أَجَلْتُه لهنَّ لِعِدَدِهنَّ، ﴿بَعْرُوفٍ ﴾. يقولُ: بإيفائِهِنَّ (١) تمامَ حقوقِهنَّ
عليكم، على ما أَلْزَمْتُكم لهنَّ مِن مَهْرٍ ومُتْعةٍ ونَفَقَةٍ وغيرِ ذلك من حقوقِهنَّ قِبَلَكم،
﴿ وَلَا تُمْسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾. يقولُ: ولا تُراجِعُوهُنَّ(٤) إن راجَعْتُموهنَّ فى
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((بينا)).
(٢) فى م: ((الأقراء)).
(٣) فى ص: ((بالفاقهن))؛ وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بإيقافهن)).
(٤) فى ص، ت١، ت٢، ت٣: ((تراجعون)).

١٧٩
سورة البقرة : الآية ٢٣١
عِدَدِهِنَّ مُضارَّةً) لهنَّ، لِتُطَوِّلُوا عليهنَّ مدةَ انقضاءٍ عِدَدِهنَّ، أو لِتَأْخُذُوا منهنَّ
بعضَ ما آتيْتُمُوهنَّ بطَلبِهِنَّ الخَلْعَ منكم لُضَارَّتِكم (١) إِيَّاهِنَّ بإمساكِكم إيّاهنَّ،
ومُراجَعَتِكُمُوهُنَّ ضِرارًا واعتداءً .
وقولُه: ﴿لِتَعْنَدُواْ﴾. يقولُ: لتَظْلِمُوهنَّ بُمُجاوَزَتِكم فى أَمْرِهنَّ حدودِى التى
بَيَنْتُها لكم .
وبمثلِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبى الضُّحَى، عن
مَشْروقٍ: ﴿وَلَا تُمسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا﴾. قال: يُطَلِّقُها حتى إذا كادت(٣) تَنْقَضِى
راجعها، ثم يُطَلِّقُها، فيَدَعُها حتى إذا كادت(٢) تَنْقَضِى عِدَّتُها راجَعها، ولا يُريدُ
إمساكَها، فذلك الذى يُضَارُ ويَتَّخِذُ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًّا(٤).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أبى رجاءٍ، قال : سُئِل
الحسنُ عن قولِهِ: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍّ وَلَا تُنِكُوُ هُنَ ضِرَارًا لِيَعْنَدُوا﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ، ثم يُراجِعُها ،
ثم يُطَلِّقُها، ثم يُراجِعُها، يُضارُّها، فتَهاهم اللَّهُ عن ذلك(٥).
(١) فى ص: ((مصادة))، وفى ت ٢: ((مضادة).
(٢) فى ص، ت ٢: (( لمضادتكم)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((كانت).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٦/٢ (٢٢٤٩) من طريق منصور به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٨٥/١ إلى عبد بن حميد .
(٥) أخرجه البيهقى ٣٦٨/٧ من طريق زياد الأعلم ، عن الحسن .

١٨٠
سورة البقرة : الآية ٢٣١
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُهُنَ بِعْرُوفٍ أَوْ
سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: نهَى (١ عن الضِّرارِ ﴿ضِرَارًا﴾ أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأتَه، ثم
يُراجعَها عند آخرٍ يومٍ يَتْقَى من الأجلِ، حتى يَفِىَ لها تسعةُ أشهرٍ، لِيُضارّها به(٢).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ بنحوِه ، إلا أنه قال: نهى عن الضِّرارِ، والضِّرارُ فى الطلاقِ أن يُطَلِّقَ الرجلُ
امرأتَه " ثم يراجعَها) . وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ محمدِ بنِ عمرو.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى ، قال: حدَّثنى عمى ، قال: حدَّثنی
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُهُنَ بِمَعْرُوفٍ
أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِعْرُوفٍّ وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأته ثم
يُراجعُها قبل انقضاءِ عِدَّتِها، ثم يُطَلِّقُها، يَفعلُ ذلك يُضارُّها ويَعْضُلُها، فَأَنزَل اللَّهُ
ـ(٤)
هذه الآيةَ(٤) .
٤٨١/٢
/حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
فى قولِهِ : ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
وَلَا تُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُواْ﴾. قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً واحدةً ثم
يَدَعُها، حتى إذا ما تكادُ تخلُو عِدَّتُها راجَعها، ثم يُطَلِّقُها، حتى إذا ما كاد تخلُو
عِدَّتُها راجَعها ، ولا حاجةً له فيها ، إنما يريدُ أن يُضَارَّها بذلك، فتَهَى اللَّهُ عن ذلك
(١) بعده فى م: ((الله)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٧، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٥/٢ (٢٢٤٦)، والبيهقى ٣٦٨/٧.
(٣ - ٣) زيادة من: م.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٥/٢ (٢٢٤٥) عن محمد بن سعد به .