النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
وَصفْنا؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد جعَلَ لكلِّ واحدٍ منهما على الآخرِ حقًّا، فلكلِّ
واحدٍ منهما على الآخرِ من أداءِ حقٌّه إليه مثلُ الذى عليه له ، فيدخُلُ حينئذٍ فى الآيةِ ما
قاله الضحاكُ وابنُ عباسٍ وغیرُ ذلك .
٤٥٤/٢
/القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَلِلْرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.
.
اختلَفَ أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنى الدرجةِ التى جعَل اللَّهُ
للرجالِ على النساءِ ، الفضلُ الذى فضَّلهم اللَّهُ عليهنَّ فى الميراثِ والجهادِ وما أشبهَ
ذلك .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ وَ لِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: فضلُ ما فضَّله اللَّهُ به عليها
من الجهادِ ، وفضلُ ميراثِه على ميراثِها، وكلُّ ما فُضِّل به عليها(١) .
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: للرجالِ درجةٌ فى الفضلِ على النساءِ .
وقال آخرون : بل تلك الدرجةُ الإِمْرةُ والطاعةُ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٧/٢ (٢١٩٩) من طريق ابن أبى نجيح به .
(٢) تفسير عبد الرزاق ٩٣/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٨/٢ (٢٢٠٢) عن الحسن بن
یحیی به .
١٢٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثْنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ فى قوله :
﴿ وَ لِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: إمارةٌ(١).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله : ﴿ وَلِلرِّجَالِ
عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾. قال: طاعةٌ. قال: يُطِعْنَ الأزواجُ الرجالَ، وليس الرجالُ
(٢)
يُطيعونَهَّ(٢).
حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا أزهرُ، عن ابنِ عَوْنٍ ، عن محمدٍ فى
قولِه: ﴿ وَلِلْرِجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: لا أعلَمُ إلا أن لهنَّ مثلَ الذى عليهنّ إذا
عرَفنَ تلك الدرجةَ .
وقال آخرون : تلك الدرجةُ له عليها بما ساقَ إليها من الصَّداقِ ، وأنها إذا قذَفتْه
مُدَّتْ، وإذا قَذَفَها لاعَنَ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدةَ، عن الشعبىِّ فى قوله:
﴿ وَ لِرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: بما أعطاها من صَداقِها، وأنه إذا قذَفَها لاعنَها،
وإذا قذَفتْه ◌ُلِدَتْ وَأُقِوَّتْ عندَه(٣) .
وقال آخرون: تلك الدرجةُ التى له عليهاْ [٢/٦و] إِفضالُه عليها، وأداءُ حقِّها
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٧/٢ (٢٢٠١) من طريق سفيان، به .
(٢) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ٩٨.
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٩٨/٢، والبحر المحيط ١٩٠/٢.
· إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه فى ص ١١٩.
١٢٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
إليها، وصفْحُه عن الواجبِ له عليها أو عن بعضِه .
ذِكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن بَشيرٍ (١) بن سلمانَ، عن عكرمةً ، عن ابنِ
عباسٍ، قال : ما أُحِبُّ أن أُسْتَنظِفَ (١) جميعَ حقِّى عليها؛ لأن اللَّهَ تبارَك وتعالَى يقولُ:
﴿ وَلِّجَالِ عَمِنَّ دَرَبَةٌ﴾(٢).
/ * وقال آخرون: بل تلك الدرجةُ التى له عليها أن جعَلَ له لِيَةً وحرَمها ٤٥٥/٢
ذلك .
ذِكر من قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُ، قال: ثنا عبيدُ بنُ الصبّاح، قال : ثنا
&
حُميدٌ، قال: ﴿ وَلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. قال: لِحِيَةٌ(٥)٤).
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن الدرجةَ التى ذكَرَ اللَّهُ
جلَّ ثناؤُه فى هذا الموضعِ الصفحُ من الرجلِ لامرأتِه عن بعضِ الواجبِ له عليها ،
وإغضاؤه لها عنه، وأداءُ كلِّ الواجبِ لها عليه، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قال:
﴿وَلِلْرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ عَقِيبَ قولِه: ﴿ وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعْرُوفِ﴾ . فأخبر
أن على الرجلِ من تركِ ضِرارِها فى مراجعتِهِ إِيَّاهَا فى أقرائِها الثلاثةِ وفى غيرِ ذلك من
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بشر)).
(٢) استنظف : استوفی. التاج (ن ظ ف).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٧/٢ (٢١٩٨) من طريق وكيع، به .
(٤ - ٤) سقط من: الأصل .
(٥) المحرر الوجيز ٩٨/٢ عن حميد، وقال: وهذا إن صح عنه ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها.
١٢٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
أمورِها وحقوقِها ، مثلَ الذى له عليها من تؤكِ ضِرارِه فى كتمانِها إيّاه ما خَلَق اللَّهُ فى
أرحامِهنَّ وغيرِ ذلك من حقوقِه. ثم ندَب الرجالَ إلى الأخذِ عليهنّ بالفضل إذا
تَرَكْنَ أداءَ بعضٍ ما أوجَب اللَّهُ لهم عليهنَّ، فقال: ﴿ وَلِلِرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
بتَفَضُّلِهم عليهن، وصَفْحِهم لهنَّ عن بعضِ الواجبِ لهم عليهنَّ، وهذا هو المعنى
الذى قصَده ابنُ عباسٍ بقولِه: ما أُحِبُّ أن أستنْظِفَ جميعَ حَقِّى عليها؛ لأن اللَّهَ
تبارك وتعالى يقولُ: ﴿وَلِلْرِّجَالِ عَلَيْهِنَ دَرَجَةٌ﴾. ومعنى الدرجةِ الرتبةُ والمنزلةُ .
وهذا القولُ من اللَّهِ جلّ ثناؤه وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ ، فمعناه معنی نَذْبٍ
الرجالِ إلى الأخذِ على النساءِ بالفضلِ ليكونَ لهم عليهنَّ فضلُ درجةٍ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ
٢٢٨)
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واللَّهُ عزيزٌ فى انتقامِه ممن خالَف أمرَه، وتعدَّى
حدودَه ، فأتى النساءَ فى المحيضِ، وجعَل اللَّهَ عرضةً لأيمانِهِ أَن يَبَرَّ ويتَّقِىَ ويصلحَ بين
الناسِ، وعضَل امرأته بإيلائِه، وضارَّها فى مراجَعتِه بعدَ طلاقِه، ومَّنُ كتَم من
النساءِ [٢/٦ظ] ما خلق اللَّهُ فى أرحامِهِنَّ أزواجهنَّ، ونكَحن فى عِدَدِهنَّ، وترَكْنَ
التربصَ بأنفُسِهنَّ إلى الوقتِ الذى حدَّه اللَّهُ لهنَّ، وركِب(١٢) غيرَ ذلك من معاصِيه،
حكيم فيما دبَّرَ فى خلقِه، وفيما حكَم وقضَى بينَهم من أحكامِه .
كما حدَّثنى المُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيعِ فى قوله: ﴿ وَاللّهُ عَبُزُ حَكِيمٌ﴾ . يقول: عزیزٌ فى نقمتِه، حكيم فى
(٣)
أمرِه (٣) .
(١) فى النسخ: ((لمن)). والصواب ما أثبت .
(٢) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ركبن)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧١/٢، ٤١٨، ٤٥٣ عقب الأثر (١٩٥٦، ٢٢٠٤، ٢٣٩٨) من
طريق عبد الله بن أبى جعفر به .
١٢٥
سورة البقرة: الآيتان ٢٢٨ ، ٢٢٩
وإِنما توعّدَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه بهذا القولِ عبادَه؛ لتقديمِه قبلَ ذلك بيانَ ما حرَّم
عليهم أو نَهاهم عنه من ابتداءٍ قولِه: ﴿ وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ﴾ إلى
قوله: ﴿وَ لِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. ثم أَتْبَع ذلك بالوعيدِ ليزدَجِرَ أولُو التُّهَى، وليذَّكَرَ
أولو الحِجًا، فيتَّقُوا عقابَه، ويحذَرُوا عذابَه .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ ﴾
/اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هو دلالةٌ على عَددِ ٤٥٦/٢
الطلاقِ الذى يكونُ للرجلِ فيه الرجعةُ على زوجتِه ، والعدَدِ الذى تَبِینُ به زوجتُه منه .
ذكرُ من قال: إن هذه الآيةَ نزَلتْ لأَنَّ أهلَ الجاهليةِ وأهلَ الإسلامِ قبلَ نزولها لم
يكنْ لطلاقِهم نهايةٌ تَبِينُ بالانتهاءِ إليها امرأتُه منه ، ما راجعها فى عدَّتِها منه ، فجعَل
اللَّهُ لذلك حدًّا حرَّمَ بانتهاءِ الطلاقِ إليه على الرجلِ امرأتَه المطلّقةَ إلَّا بعدَ زوجٍ،
وجعلها أملَكَ حينئذٍ بنفسِها منه .
ذِكرُ الأخبارِ الواردةِ بما قلنا فى ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ، قال : كان
الرجلُ يطلِّقُ ما شاءً ثم إنْ راجَعَ امرأته قبلَ أن تنقضىَ عدَّتُها كانت امرأتَه ، فغضِبَ
رجلٌ من الأنصارِ على امرأتِه ، فقال لها: لا أقرَبُّك ولا تَحِّين مِنِّى. قالت له: كيفَ؟
قال: أُطلِّقُكِ، [٣/٦و] فإذا (١) دَنَا أجلُكِ راجَعتُك، ثم أُطلِّقُك، فإذا دَنَا أجلُك
راجعتُك. قال: فشكَتْ ذلك إلى النبيِّي ◌َّهِ، فأنزل اللَّهُ جلّ ثناؤه: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الآية (٢) .
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حتى إذا)).
(٢) أخرجه مالك ٥٨٨/٢ - ومن طريقه الشافعى ٦٨/٢ (شفاء العى)، والبيهقى ٣٣٣/٧ - وعبد بن =
١٢٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
حدّثنا أبو گُریب ، قال : ثنا ابنُ إدریسَ، قال : ثنا هشام، عن أبيه، قال : قال
رجلٌ لامرأتِه على عهدِ النبيِّ ◌َِّ: لا أُؤْوِيكِ، ولا أدَّعُكِ تَحِلِّين. فقالت له: كيف
تَصنَعُ؟ قال : أَطلِّقُكِ، فإذا دنَا مُضِىُ عِدَّتِكِ راجعتُكِ، فمتى تحلِّينَ؟ فأتت النبىَّ
مَّهِ، فَأَنزَل اللّهُ عزّ وجلّ: ﴿الطّلَقُ مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ }
قال: فاستقبلَه الناسُ جديدًا، من كان طلَّقَ ومَن لم يكن طلِّقَ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الأعلَى ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً ،
قال: كان أهلُ الجاهلية؛ كان الرجلُ يطلِّقُ الثلاثَ والعشرَ وأكثرَ من ذلك، ثم
يُراجِعُ ما كانت فى العِدّةِ، فجعَل اللَّهُ جلَّ ثناؤه حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُّ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً، قال : كان
أهلُ الجاهليةِ يُطلِّقُ أحدُهم امرأتَه ثم يراجِعُها، لا حدٍّ فى ذلك ، هى امرأته ما راجعها
فى عِدّتِها، فجعَل اللَّهُ تبارك وتعالى حدَّ ذلكَ يصيرُ إلى ثلاثةِ قُروءٍ، وجعَّل حدًّ
الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ .
حدَّثنى يُونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿الطَّلَقُ
مَّتَانٍ﴾. قال: كان الطلاقُ، قبلَ أن يجعَلَ اللَّهُ الطلاقَ ثلاثًا ، ليسَ له أمدٌ ؛ يطلِّقُ
الرجلُ امرأته مائةً ، ثم إنْ أرادَ أن يُراجِعَها قبلَ أن تَحِلَّ، كان ذلك له، فطلَّقَ رجلٌ
٤٥٧/٢ امرأته حتى إذا كادَتْ أن تحِلَّ ارْتَجَعها، ثم استأنفَ بها طلاقًا بعدَ ذلك / يُضَارُّها
بتركها، حتى إذا كان قبلَ انقضاءٍ عَّتِها راجَعَها، وصنَع ذلك مرارًا، فلمَّا عِلِمَ اللَّهُ
= حميد - كما فى تفسير ابن كثير ٣٩٩/١ ، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٨/٢ (٢٢٠٦) من طريق هشام به.
(١) أخرجه الترمذى عقب حديث (١١٩٢) عن أبي كريب به، وابن أبى شيبة ٢٦٠/٥ عن ابن إدريس به .
وأخرجه الترمذى (١١٩٢)، والحاكم ٢٧٩/٢ ، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٣٩٩/١، ٤٠٠ -
والبيهقى ٣٣٣/٧ من طرق عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة .
(٢) ينظر تفسير ابن كثير ٤٠٠/١ .
١٢٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
ذلك منه جعَل الطلاقَ ثلاثًا؛ مرّتين، ثم بعدَ المرتينِ إمساك بمعروفٍ أو تسريح
(١)
پاحسانٍ(١).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ اُلْطَّلَقُ مَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾: أما قولُه:
﴿ الطّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ فهو الميقاتُ الذى يكونُ عليها فيه الرجعةُ(١).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةً فى قولِه:
﴿ الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَالِكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: إذا أرادَ الرجلُ أن
يطلِّقَ امرأته فيطلِّقَها تَطليقتيْنْ، فإن أرادَ أن يُراجِعَها كانت له عليها رجعةٌ ، وإن شاءَ
طلّقها أُخرَى، فلم تحِلَّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه(٣).
فتأويلُ الآيةِ على هذا الخبرِ الذى ذكّرنا : عددُ الطّلاقِ الذى لكم أيُّها الناسُ فيه
على أزواجِكم الرجعةُ ، إذا كنَّ مَدخولاً [٣/٦ظ] بهنّ، تَطليقتان، ثم الواجبُ على
من راجَع منكم بعدَ التطليقتيْنِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريح بإحسانٍ؛ لأنه لا رجعةً
له بعد التَّطليقتين إِنْ سرّحها فطلَّقها الثالثةً .
وقال آخرون: إنما أَنزِلتْ هذه الآيةُ علَى نبيّ اللَّهِ مَ لِّ تعريفًا من اللَّهِ جلّ ثناؤه
عبادَه سُنَّةَ طلاقِهم نساءَهم إذا أرادُوا طلاقَهنَّ، لا دلالةٌ على العَدَدِ (*) الذى به تَبِينُ
المرأةُ من زوجِها .
(١) ينظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٠٠.
(٢) أخرجه البيهقى ٣٦٧/٧ من طريق عمرو ، عن أسباط ، عن السدى بإسناده .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٦١/٥ عن أبى الأحوص به .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( القدر)).
١٢٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطرّفٍ، عن أبى (١) إسحاقَ، عن أبى
الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ فى قولِه: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَالِكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ
بِإِحْسَنِ﴾. قال: يُطلَّقُها بعدَ ما تطْهُرُ مِن قبلِ جماع، ثم يدَعُها حتى تَطْهُرَ مرَّةً
أُخرى ، ثم يطلِّقُها إن شاءَ، ثم إنْ أرادَ أنْ يُراجِعَها راجَعَها، ثم إنْ شاءَ طلَّقها، وإلَّا
ترَكَها حتى تُنِمَّ ثلاثَ حِيَضٍ، وتَبَينَ منهُ به (١) .
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ
بِإِحْسَانٍ﴾ . قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأته تطليقتَيْنٍ، فليتَّقِ اللَّهَ فى التطليقةِ الثالثةِ،
فإِنَّا (١٢) يُمسكُها بمعروفٍ فيُحْسِنُ صَحابتَها، أو يسرِّحُها بإحسانٍ، فلا يظلِمُها من
حقِّها شيئً(٤) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمٍو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجِيحِ،
عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ الطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمِسَاءٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ﴾.
قال: يُطلِّقُ الرجلُ امرأته طاهرًا مِن غيرِ جماع، فإذا حاضَتْ ثم طَهُرتْ فقد تمَّ
القرءُ، ثم يطلِّقُ الثانيةَ كما طلَّق(٥) الأولَى، إِن(٦) أحبَّ أنْ يفعَلَ، فإِذا طلَّق الثانيةَ ثم
(١) فى الأصل: ((ابن )).
(٢) أخرجه النسائى (٣٣٩٤، ٣٣٩٥)، وابن ماجه (٢٠٢١)، والدار قطنى ٥/٤، والبيهقى ٣٣٢/٧ من
طریق أبى إسحاق به .
(٣) بعده فى م: ((أن)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٩/٢ (٢٢٠٨، ٢٢٠٩) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٥) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يطلق)).
(٦) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإن)).
١٢٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
حاضت الحيضةً الثانيةَ فهما تطليقتانٍ وقُرْءَان ، ثم قال اللَّهُ تبارك وتعالى فى الثالثةِ :
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌّ بِإِحْسَانٍ﴾. فيطلِّقُها فى ذلك القرءِ كلِّه إن شاءَ حينَ
تجمَعُ عليها(١) ثيابَها(٣) .
حدَّثنى المُثْنَى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ بنحوه، إلّا أنه قال: فحاضَت الحيضةَ الثانيةَ، كما طلَّق الأولَى ، فهاتان
تطليقتانٍ وقُرْءانٍ ، ثم قال : الثالثةُ . وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو،
عن أبی عاصم.
/ فتأويلُ الآيةِ على قولٍ هؤلاءِ: سُنَّةُ الطلاقِ التى سَنَنْتُها وأبَحتُها لكم، إذا ٤٥٨/٢
أردتم طلاقَ نسائِكم، أن تطلقوهنَّ ثِنتينِ فى كلِّ طهرٍ واحدةً ، ثم الواجبُ" بعدَ
ذلك عليكم ، إما أن تمسكوهنّ بمعروفٍ أو تسرّحوهنَّ ياحسانٍ .
فالذى هو أولَى بظاهرِ التنزيلِ ما قاله عُروةُ وقتادةُ ومَن قال مثلَ قولِهما من أنَّ
الآيةَ إنما هى دليلٌ على عددِ الطلاقِ الذى يكونُ به التحريمُ وبُطولُ الرجْعةِ فيه ،
والذى يكونُ فيه الرجعةُ منه، وذلك أن الله تعالى ذِكرُه قال فى الآيةِ التى تتلوها :
﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. فعرَّف عبادَه القدرَ الذى به
تحرُمُ المرأةُ على زوجِها إلّا بعدَ زوجٍ، ولم يبيِّنْ فيها الوقتَ الذى يجوزُ الطلاقُ فيه ،
والوقتّ الذى لا يجوزُ ذلكَ فيه، فيكونَ موجّهًا تأويلَ الآيةِ إلى ما رُوى عن ابنِ
مسعودٍ ومجاهدٍ ومن قال بمثلٍ قولِهما فيه .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عليه)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/ ٢٦١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٨/٢ (٢٢٠٧). من طريق ابن أبى
نجیح به .
* من هنا خرم فى النسخة الأصل، وينتهى عند قوله: فيه الرجعة مرتان . فى ص ١٣٢ .
( تفسير الطبرى ٩/٤ )
١٣٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
وأما قولُه: ﴿ فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإنَّ فى تأويلِه وفيما ◌ُنِى
به اختلافًا بين أهلِ التأويلِ ؛ فقال بعضُهم: عنَى اللَّهُ تعالَى ذكرُه بذلك الدلالةَ على
اللازمِ للأزواج للمطلقاتِ (١) اثنتين بعدَ مُراجعتهم إياهنَّ من التطليقةِ الثانيةِ من
عِشرتِهن بالمعروفِ ، أو فراقِهنَّ بطلاقٍ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابن جريجٍ، قال :
قلتُ لعطاءٍ: ﴿ الطلاقُ مرتان﴾؟ قال: يقولُ: عندَ الثالثةِ إما أن يُمسِكَ بمعروفٍ ،
وإما أن يُسرِّحَ بإحسانٍ. وغيرُهُ(١) قالها . قال: وقال مجاهدٌ : الرجلُ أملكُ بامرأتِه فى
تطليقتين من غيرِهِ، فإذا تكلّمَ الثالثةَ فليستْ منه بسبيلٍ، وتَعتَدُّ لغيرِه (١) .
حدَّثنى أبو السائبِ ، قال: ثنا أبو معاويةً، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبى
رَزِينٍ، قال: أتى النبيَّ عَّه رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ قولَه: ﴿الطَّلَقُ
مَرَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فأين الثالثةُ؟ قال رسولُ اللَّهِ وَلِ:
((﴿فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هى الثالثةُ))(٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ،
قالا : ثناسفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبى رزينٍ ، قال : جاءرجلٌ إلى النبيِّ
(١) فى ص: ((المطلقات)).
(٢) فى م: (( غيرها)).
(٣) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٠٠.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (١٤٥٧)، وابن أبى شيبة ٢٥٩/٥، ٢٦٠، والبيهقى ٣٤٠/٧ من
طريق أبى معاوية به ، وأخرجه سعيد بن منصور (١٤٥٦)، والحارث بن أبى أسامة (٥٠٢ - بغية) ، وابن
مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٤٠٠/١ - من طريق إسماعيل بن سميع به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧٧/١ إلى وكيع وأبى داود فى ناسخه وابن المنذر.
١٣١
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
مَله، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، ﴿الطّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾. فأين الثالثةُ؟ قال: ((﴿فَإِسَاكُ]
بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾)).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
إسماعيلَ، عن أبى رَزِينِ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، يقولُ اللَّهُ: ﴿الَطَّلَقُ
مَنَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، فأين الثالثةُ؟ قال: ((التَّشْریحُ ياحسانٍ)) (١).
/حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريجٍ، عن ٤٥٩/٢
مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: فى الثالثةٍ(٢) .
حدَّثنى المُثُنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرزّاقِ ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ،
قال: كان الطلاقُ ليس له وقتٌ حتى أَنزَل اللَّهُ: ﴿الَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾. قال : الثالثةُ
إِمْسَاكٌ بِعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾(١).
وقال آخرون منهم: بل عنَى اللَّهُ بذلك الدلالةَ على ما يلزَمُهم لهنَّ بعدَ التطليقةِ
الثانيةِ من مُراجعةٍ بمعروفٍ أو تسريح بإحسانٍ ، بتركِ رجْعتهنَّ حتى تنقضىَ عدَّتُهنَّ،
فيصِرْنَ أملكَ بأنفُسِهِنَّ (٤). وأنكروا قولَ الأوَّلين الذين قالوا: إنه دليلٌ على التطليقةِ الثالثةِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ فى قولِه:
(١) تفسير عبد الرزاق ٩٣/١، وفى مصنفه (١١٠٩١) - ومن طريقه النحاس فى ناسخه ص ٢٢٥، ٢٢٦،
وأخرجه عبد بن حميد فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير ٤٠٠/١ - وأبو داود فى المراسيل ص ١٤٥،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٩/٢ (٢٢١٠) من طريق سفيان به .
(٢) ينظر المحرر ٢/ ١٠٠.
(٣) تفسير عبد الرزاق ٩٣/١، وفى مصنفه (١١٠٩٣).
(٤) فى م: ((لأنفسهن)).
١٣٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾: إذا طلَّقَ واحدةً أو اثنتينِ، إما أن
يُمِسِكَ - ويمسكَ: يراجعَ - بمعروفٍ، وإما سكتَ عنها حتى تنقضىَ عدَّتُها،
فتكونَ أحقَّ بنفسِها(١).
حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المحاربيُ، عن مجوييرٍ، عن الضحاكِ :
﴿أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَنٍ﴾: فالتسريحُ أن يدَعَها حتى تمضىَ عِدَّتُها(١).
حدَّثنا يحيى(٢) بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ
فى قوله: ﴿اَلْطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌُ بِمَعْرُوفٍ أَوَ نَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: يعنى
تطليقتيْنٍ بينهما مُراجعةٌ ، فَأَمِر أن يُمسِكَ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ. قال: فإنْ هو طلَّقها
ثالثةً ، فلا تَحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه .
وكأن قائلى هذا القولِ الذى ذكرناه عن السُّدِّىِّ والضحاكِ ذهبوا إلى أن معنى
الكلام : الطلاقُ مرّتانٍ ، فإمساكٌ فى كلِّ واحدةٍ منهما لهنَّ بمعروفٍ ، أو تسريح لهنَّ
پإحسان .
وهذا مذهبٌ مما يحتمِلُه ظاهرُ التنزيل لولا الخبرُ الذى ذكَرتُه عن النبيِّ عَّ ◌َه،
الذى رواه إسماعيلُ بنُ سُميعٍ، عن أبى رَزِينٍ، فإنَّ اتباعَ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ عَ لَتَحِ
أولى بنا مِن غيرِهِ. فإذا كان ذلك هو الواجبَ، فبيِّنّ أن تأويلَ الآيةِ : الطلاقُ الذى
الأزواج النساءِ على نسائهم [٤/٦و] فيه الرجعةُ مرتان، ثم الأمرُ بعدَ ذلك إذا
راجَعوهُنَّ فى الثانيةِ ، إما إمساك بمعروفٍ ، وإما تسريح منهم لهن بإحسانٍ بالتطليقةِ
(١) ينظر المحرر الوجيز ٢/ ١٠٠.
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((على)).
* إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه فى ص ١٢٩.
١٣٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
الثالثةِ حتى يَبِنَّ(١) مِنهم، فيَبطُلَ(٢) ما كان لهم عليهن من الرجْعةِ، ويصِرنَ أملكَ
بأنفسِهنَّ(١) منهم(٤).
فإن قال قائلٌ : وما ذلك الإمساكُ الذى هو بمعروفٍ ؟
قيل : هو ما حدَّثنى به علىُ بنُ عبدِ الأعلَى المحاربيُّ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
محمد المحاربىُّ، عن مجويبٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال :
المعروفُ أن يُحسنَ صُحبتَها .
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾. قال: ليتّقِ اللَّهَ فى
التطليقةِ الثالثةِ ، فإمّا يُسِكُها بمعروفٍ فيحسِنُ صَحابتَها (١) .
فإن قال : فما التسريح الذى هو بإحسانٍ ؟
قيل: هو ما حدَّثنى به المُثُنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى / معاويةُ، عن ٤٦٠/٢
عليّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنِ ﴾: أو يُسرِّحُها فلا
يظلِمُها من حقِّها شيئًا .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه ،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. قال: هو الميثاقُ الغليظُ .
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿أَوْ تَشْرِيٌ
(١) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تبين).
(٢) فى م: ((فتبطل)).
(٣) فى م: ((لأنفسهن).
(٤) فى م: ((منهن)).
(٥) فى الأصل: ((صحبتها). والأثر تقدم تخريجه فى ص ١٢٨.
١
١٣٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
بِإِحْسَانٍ﴾. قال: الإحسانُ أن يوفَّها حقَّها، فلا يُؤْذِيَها ولا يَشتمَها(١).
حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن
جوییرٍ ، عن الضحاك : ﴿أَوْ نَشْرِیٌ ◌ِإِحْسَنٍ ﴾ : فالتسریخ یاحسان أن يدعها حتى
تمضىَ عِدّتُها، ويُعطيَها مَهرًا إِنْ كان لها عليه إذا طلَّقها ، فذلك التسريح بإحسانٍ ،
والمتعةُّ على قَدْرِ الميسرَةِ .
حدَّثنى المُثُنَّى ، قال : ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن ابن جريج،
عن عطاء الخراسانيٌ، عن ابنِ عباسٍٍ فى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًّا
غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]. قال: قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ ◌ِإِحْسَانٍ﴾(١).
فإن قال قائلٌ: فما الرافعُ للإمساكِ والتسريحِ ؟
قيل : محذوفٌ اكتُفِىّ بدلالةٍ ما ظهَر من الكلامِ مِن ذكرِه، ومعناه : الطلاقُ
مرتان ، فالأمرُ الواجبُ حينئذٍ(٢) إمساك بمعروفٍ، أو تسريح بإحسانٍ .
وقد بيَّنَّ ذلك مفسَّرًا فى قوله: ﴿فَانِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍّ﴾ فأغنَى
ذلك عن إعادته فى هذا الموضعِ (1).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا
إِلَّ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾:
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٩/٢ (٢٢١١) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤٣/٤، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٩٠٩/٣ (٥٠٧١) من طريقين ، عن ابن عباس.
(٣) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( به)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ١١٠/٣، ١١١.
١٣٥
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
ولا يَحِلُّ لكم أيُّها الرجالُ أن تأخذوا مِن نسائِكم - إذا أنتم أردتُم طلاقَهن -
لطلاقِكم وفراقِكم إياهنَّ، شيئًا مما أعطيتموهُنَّ من الصّداقِ، وسُقتُم إليهنَّ من
المهر١ِ)، بل الواجبُ عليكم تسريحُهنَّ [٤/٦ ظ] بإحسانٍ، وذلك إيفاؤُهنَّ حقوقَهنَّ
من الصَّداقِ والمتعةِ وغيرِ ذلك مما يجبُ لهنَّ عليكم إلّا أن يخافا ألا يُقيما حدودَ اللَّهِ.
واختلفت القرأةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿إِلََّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا
حُدُودَ اللهِ﴾. وذلك قراءةُ عُظْمِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ(٢) ، بمعنى: إِلَّ أن يخافَ
الرجلُ والمرأةُ أَلا يقيمًا حدودَ اللَّهِ. وقد ذُكِر أن ذلك فى قراءةِ أَتَىِّ بنِ كعبٍ : (إِلَّا أنْ
يَظُنَّا أَلَا يُقِما محدودَ اللَّهِ).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:
أخبرنى ثورٌ، عن ميمونٍ بنٍ مِهرانَ ، قال: فى حرفٍ أَبِيِّ أن الفداءَ تطليقةٌ . قال(٢):
فذكَرتُ ذلك لأيوبَ ، فأتينا رجلًا عندَه مصحفٌ قديمٌ لأبىِّ خرَج من ثقةٍ ، فقر أناه فإذا
فيه : (إِلَّ أَنْ يَظُنَّا أَلَّا يُقِيمًا حُدودَ اللَّهِ، فإنْ ظَنَّا أَلا يُقِيمًا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا
فِيمَا اقْتَدَتْ بِهِ ، لا تحلُّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيرَه) (٤).
والعربُ قد تضعُ الظَّنَّ موضعَ الخوفِ ، والخوفَ موضعَ الظنِّ فى كلامِها؛
لتقارب معنيَيْهما، كما قال الشاعرُ(٥):
/أتانِى كَلامٌ عنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ
ومَا خِفْتُ يا سَلَّامُ أنَّكَ عائبى ٤٦١/٢
(١ - ١) سقط من: ص، م.
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وأبى عمرو والكسائى وخلف. ينظر النشر ١٧١/٢.
(٣) القائل هو معمر كما فى مصنف عبد الرزاق .
(٤) مصنف عبد الرزاق (١١٧٦٣).
(٥) هو أبو الغول الطُّهوى، والبيت فى نوادر أبى زيد ص ٤٦، ومعانى القرآن للفراء ١٤٦/١.
١٣٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
بمعنى : وما ظَننتُ .
وقرأه آخرون من أهلِ المدينةِ والكوفةِ : (إلَّا أنْ يُخافا) (١) . فأما قارئُ ذلك
كذلك من أهلِ الكوفةِ ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرأه كذلك اعتبارًا منه بقراءةِ ابنٍ مسعودٍ ،
وذُكِرَ أنه فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إلَّا أنْ تَخافُوا أَلَّا يُقِيمًا حُدُودَ اللَّهِ)(٢) . وقراءةُ ذلك
[٢٨٢/١ظ] كذلك اعتبارًا بقراءةِ ابنِ مسعودٍ التى ذُكِرتْ عنه خطأ، وذلك أن ابنَ
مسعودٍ إن كان قرَأَه كما ذُكِرَ عنه، فإنما أعملَ الخوفَ فى ((أَنْ)) وحدَها، وذلك
غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، كما قال الشاعرُ(١) :
يُرَوِّى عِظامِى بَعْدَ مَوتى عُرُوقُها
إِذَا مِتُّ فَادْفِّى إلى أَصْلِ كَوْمَةٍ
أخافُ إِذَا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها
ولا تَدْفِتَنِّى بالفَلاةِ فإنَّنِى
فأمّا قارُه : (إلّا أن يُخافَا). بذلك المعنَى، فقد أعمَل الخوفَ(٥) فى متروكةٍ(٦)
تَسميتُه، وفى ((أنْ))، فأعْمَله فى ثلاثةِ أَشياءً ) : المتروكِ الذى هو اسمُ ما لمْ يُسمَّ
فاعلُه، وفى ((أنْ)) التى تنوبُ عن شيئين. ولا تقولُ العربُ فى كلامِها: ظُنّا أنْ
يقوما . لكنّ قراءةَ ذلك كذلك صحيحةٌ على غيرِ الوجهِ الذى قرَأَهُ مَنْ ذَكَرْنا قراءَتَه
(١) وهى قراءة أبى جعفر ويعقوب وحمزة. النشر ١٧١/١.
(٢) البحر المحيط ٢/ ١٩٧.
(٣) هو أبو محجن الثقفى، عمرو بن حبيب. والبيتان فى معانى القرآن للفراء ١٤٦/١، وخزانة
الأدب ٣٩٨/٨، ٣٩٩، ٤٠١، ٤٠٢، وهمع الهوامع ٢/٢.
(٤) فى م: (( جنب)).
(٥) سقط من : ص، م.
(٦) فى الأصل، ص، ت ١، ت ٢: ((متروكه).
(٧) بعده فى الأصل: ((أحدهما)).
١٣٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
كذلك، اعتبارًا بقراءةِ عبدِ اللَّهِ التى وصَفْنَاها)، ولكنْ [٥٥/٦] على أن يكونَ مرادًا
به إذا قُرئَ كذلك: إلا أن يُخافَا بألا يقيما حدودَ اللَّهِ. أو على ألا يقيما حدودَ اللَّهِ.
فيكونَ العاملُ فى ((أن)) غيرَ ((الخوفِ))، ويكونَ ((الخوفُ)) عاملًا فيما لم يُسمَّ
فاعلُه. وذلك هو الصوابُ عندَنا من(٢) القراءةِ؛ لدلالةِ ما بعدَه على صحته، وهو
قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فكان بَيِّنًا أن الأولَ بمعنى: إلّا أن تَخافوا ألا
يُقِيما حدودَ اللَّهِ .
فإن قال قائلٌ : وأيةُ حالِ الحالُ التى يُخافُ عليهما ألا يُقِيما حدودَ اللَّهِ ، حتى
يَجوزَ للرجلِ أَنْ يأخُذَ حينئذٍ منها ما آتاها ؟
قيل : حالُ نُشوزِها وإظهارِها له بِغْضتَه، حتى يُخافَ عليها تركُ طاعةِ اللَّهِ فيما
ألزَمها (٣) لزوجِها من الحقِّ ، ويُخافَ على زوجِها بتقصيرِها فى أداءِ حقوقِه التى ألزَمها
اللَّهُ له تركُه أداءَ الواجبِ لها عليه ، فذلك حينَ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حدودَ اللَّهِ
فيُطِيعاه فيما ألزَمَ كلَّ واحدٍ منهما لصاحبِهِ، والحالُ التى أَباعَ النبىُّ عَلَّهِ لثابتِ بنِ
قيسٍ بِنِ شَمَّاسٍ أخذَ ما كان آتَى زوجته إذْ نَشَرتْ عليه بُغضًا منها له .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، قال : قرأتُ
على فُضيلٍ، عن أبى حَرِيزٍ(٤) ، أنه سأل عكرمةَ: هل كان للخُلع أصلٌ ؟ قال : كان
ابنُ عباسٍ يقولُ: إنَّ أولَ خُلع كان فى الإسلامِ أختُ عبدِ اللهِ بنِ أَتَيِّ ؛ أنها أتتْ
رسولَ اللَّهِ مَ طَهِ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ لا يجمَعُ رأسِى ورأسَه شىءٌ أَبْدًا، إِنِّى رَفَعتُ
جانبَ الخِياءِ فرأيتُه أقبَل فى عِدَّةٍ ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً ، وأقْبُهم
(١ - ١) فى ص، م: ((الذى وصفنا)).
(٢) فى م: ((فى)).
(٣) فى م: ((لزمها)).
(٤) فى النسخ: ((جرير)). وينظر تهذيب الكمال ٤٢٠/١٤.
١٣٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
وجهًا. قال زوجها: يا رسولَ اللَّهِ إنى أعطيتُها أفضلَ مالى حديقةٌ، (" فإنْ ردَّتْ" علىَّ
حديقتى! قال: ما تقولين؟ قالت: نَعم ، وإن شاءَ زِدْتُه . قال: ففرّقَ بينهما(١٢).
٤٦٢/٢
/ حدَّثنى محمدُ بنُ مَعمرٍ ، قال: ثنا أبو عامرٍ ، قال: ثنا أبو عَمٍ و السّدوسِىُّ،
عن عبدِ اللهِ ، يعنى ابنَ أبى بكرٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ ، أن حبيبةَ ابنةً سهلٍ كانت
تحتَ ثابتِ بنِ قيسٍ بِنِ شَمَّاسٍ، فضرَبها فكسر بعضَها(٣)، فأتت رسولَ اللَّهِ مَ اتحمل
بعدَ الصُّبح، فاشْتكتْه إليه (٤)، فدعا رسولُ اللَّهِ ◌ِ ثابتًا، فقال: ((خُذْ بعضَ مالِها
وفارِقْها)). قال: ويصلُحُ ذلك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((نعم)). قال: فإنى أصدَقْتُها
حديقتَيْنِ وهما بيدِها، فقال النبيُّ عَلَّهِ: ((خُذْهُمَا وفارِقْهَا)). ففعَل(٥).
حدَّثنا " ابن بشارٍ)، قال: ثنا روح، قال: ثنا مالكٌ، عن يحيى، [٥/٦ظ] عن
عَمْرةَ، أنها أخبرَته عن حبيبةَ ابنةِ سهلِ الأنصاريةِ أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسٍ بنِ
شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللَّهِ عَه رآها عندَ بابِهِ بالغَلسِ، فقال رسولُ اللَّهِ مَّهِ: ((مَنْ
هَذِه ؟)) قالت: أنا حبيبةُ ابنةُ سهلٍ، لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيسٍ. لزوجها، فلما جاء
(١ - ١) فى م: ((فلتردد)).
(٢) ذكره ابن كثير ٤٠٣/١ عن المصنف، وينظر الإصابة ٥٥٧/٧، وتخريج أحاديث الكشاف ١٤٥/١.
(٣) فى جامع الأصول (٢٠٩٤): ((نغضها))، وذكر الشيخ شاكر أنها كذلك فى نسختين من أبى داود،
والمثبت موافق لما فى مطبوعة سنن أبى داود وتفسير ابن كثير وإن غيرها ناشرو المطبوعة . ولم يذكر غيرها فى
عون المعبود ٢٣٤/٢، وقال ابن الأثير فى جامع الأصول : النغض: أعلى الكتف ، وقيل: هو العظم العريض
الذى يسمى اللوح .
(٤) سقط من : ص، م .
(٥) أخرجه أبو داود (٢٢٢٨) عن محمد بن معمر به، وأخرجه البيهقى ٣١٥/٧ من طريق عبد الله بن
أبى بكر، به، وأخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٧٦٢) من طريق عمرة به ، وذكره ابن كثير فى
تفسيره ١/ ٤٠٢.
(٦ - ٦) فى م: ((أبو يسار)).
١٣٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
ثابتُ بنُ قيسٍ قال له رسولُ اللّهِ مَله: ((هَذِهِ حَيِيبَةُ ابنةُ سَهْلِ تَذْكُرُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ
تَذْكُرَ )). فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللَّهِ، كلُّ ما أعطانِيه عندى. فقال رسولُ اللَّهِ
عَمِ: ((خُذْ مِنْها)). فأخَذ منها وجلَستْ فى بيتِها(١).
حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ ،
عن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ(٢)، عن جميلةً بنتٍ أُبىّ ابنٍ سلولَ، أنها
كانت تحت (١) ثابت بن قيسٍ فنشَزتْ عليه، فأرسَل إليها النبيُ عَ له، فقال: ((يا
جَمِيلَةُ ما كَرِهْتٍ مِنْ ثابِتٍ ))؟ قالت: واللهِ ما كرِهتُ منه دِينًا ولَا خُلقًا ، إِلَّ أنى
كرِهتُ دَمامَتَه. فقال لها: ((أَتَرُدِّين الحَدِيقَةَ؟)) قالت: نعم. فَرَدَّتِ الحديقةَ، وفَّق
(٤)
بينهما(*).
وقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآية نزلتْ فی شأنهما، أعنی فی شأنِ ثابتِ بنِ قیسٍ
وزوجته هذه .
حدَّثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، قال :
نزَلتْ هذه الآيةُ فى ثابتِ بنِ قيسٍ وفى حبيبةً، قال: وقد كانت اشتكَته إلى
رسولِ اللَّهِ لَّهِ، فقال رسولُ اللَّهِ: ((تَرْدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ))؟ فقالت : نعم. فدعاه
النبىُّ ◌َّهِ فذكر ذلك له. فقال: ويطيبُ لى ذلك يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((نعم)). قال
(١) أخرجه مالك ٢/ ٥٦٤- ومن طريقه الشافعى فى الأم ١١٣/٥، وأحمد ٤٣٣/٦ (اليمنية)، وأبو داود
(٢٢٢٧)، والنسائى (٣٤٦٢)، وابن الجارود (٧٤٩)، وابن حبان (٤٢٨٠)، والبيهقى ٣١٢/٧، وأخرجه
الشافعى ١١٣/٥ - ومن طريقه البيهقى ٣١٣/٧ - من طريق يحيى به مختصرا، وأخرجه أبو داود (٢٢٢٨)
من طريق عمرة به .
(٢) فى الأصل: ((زياد)).
(٣) فى ص، م: (( عند).
(٤) أخرجه ابن عبد البر فى الاستيعاب ١٨٠٢/٤ من طريق ابن حميد به .
١٤٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٩
ثابتٌ : قد فعَلْتُ . فنزَلتْ: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلََّ
أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ يُقِيَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِءُ
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾(١).
وأما أهلُ التأويلِ فإنهم اختلفوا فى معنى الخوفِ منهما ألا يُقِيما حدودَ اللَّهِ؛
فقال بعضُهم : ذلك هو أن يظهرَ من المرأةِ سوءُ الخلقِ والعِشرةِ لزوجِها ، فإذا ظهَر
ذلك منها له، حلَّ له أخذُ ما أعطَتْه من فديةٍ على فراقِها .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى علىُ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ ، عن عليّ بنِ أبى
طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: إلّا
أن يكونَ النشوزُ وسوءُ [٥٦/٦] الخلقِ مِن قِبَلِها، فتَدْعوَك إلى أن تَفتدىَ منك ، فلا
جناح علیك فیما افتدَتْ به(٢) .
/حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ ، قال : قال ابنُ نجريج : أخبرنى هِشامُ بنُ
عروةَ ، أن عروةَ كان يقولُ : لا يحِلُّ الفداءُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبَلِها ، ولم يكنْ
يقولُ: ((لا يحِلُّ له)) حتى تقولَ: لا أَبُّ لكَ قَسمًا، ولا أغتسِلُ مِن جنابةٍ(٢).
:
٤٦٣/٢
حدَّثنى يعقوبُ ، قال : ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ نجريج، قال: أخبرنى عمرُو بنُ
دينارٍ، قال: قال جابرُ بنُ زيدٍ: إذا كان الشَّرُ(٤) مِن قِبلِها حلَّ الفداء(١).
(١) أخرجه الدار قطنى ٣/ ٢٥٥، والبيهقى ٣١٤/٧، من طريق عن حجاج، عن ابن جريج، عن أبى الزبير.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٢٠/٢ (٢٢١٧) من طريق أبى صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٠٨/٥ عن ابن علية به .
(٤) فى م: ((النشر)).