النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
إقراءً. وأصلُ القَرءِ فى كلام العربِ الوقتُ لمجىءِ الشىءِ المعتادِ مجيئُه لوقتٍ معلوم ،
ولإدبارِ الشىءِ المعتادِ إدبارُه لوقتٍ معلومٍ ، ولذلك قالت العربُ: أَقرَأَتْ حاجةُ فلانٍ
عندى . بمعنى : دنا قضاؤها، وجاءَ وقتُ قضائِها. وأقرَأَ النجمُ، إذا جاء وقتُ أَقُولِه .
وأَقْرَأْ، إذا جاء وقتُ طلوعِه، كما قال الشاعرُ:
إِذَا ما التُّرِيًّا وقَدْ أَقْرَأتْ
أحَشَّ السِّماكانِ مِنها أُفُولَا
وقيل : أقرأتِ الريحُ. إذا هبَّتْ لوقتها، كما قال الهذلى(١):
إِذَا هَبَّتْ لِقارِئها الرِّيَاحُ
شَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بنى شُلَيْلِ
(٢)
بمعنى : هبَّت لوقتِها وحينَ هُبوبِها .
ولذلك سَمَّى بعضُ العربِ وقتَ مجىءٍ الحيضِ قُرءًا، إذ كان دمًا يُعتادُ ظُهورُه
من فرجِ المرأةِ فى وقتٍ ، وكُمُونُه فى آخرَ، فسمّى وقتُ مَجيئِهِ قُرْءًا ، كما سَمَّى الذين
سَمَّوا وقتَ مَجِىءٍ الريحِ لوقْتِها قُرْءًا. ولذلك قال عََّه لفاطمةَ بنتِ أبى محُبيشٍ:
((دَعِى الصَّلاةَ أيّامَ أَقْرَائِكِ)) (١) . بمعنى: دعِى الصلاةَ أيامَ إقبالٍ دَمُ ) حيضِكِ.
وسَمَّى آخرون من العربِ وقتَ مجىءِ الطَّهرِ قُرءًا ، إذْ كان وقتُ مجيئِه وقتًا
لإدبارِ الدمِ دمِ الحيضِ، وإقبالِ الطَّهْرِ المعتادِ مجيئُه لوقتٍ معلوم ، فقال فى ذلك
الأعشَى ميمونُ بنُ قيسٍ(٥) :
(١) هو مالك بن الحارث الهذلى، والبيت فى ديوان الهذليين ٨٣/٣. وينسبه الجمحى وأبو عبد اللّه إلى تأبط
شرا الفهمى، يجيب به مالكا بن الحارث، ينظر شرح أشعار الهذليين ٢٣٩/١.
(٢) العقر : القصر ، أو هو مكان ، شليل : من بجيلة ، وهو جد جرير بن عبد الله البجلى . شرح أشعار الهذليين.
(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٠)، والنسائى (٢١١)، وابن ماجه (٦٢٠) ولفظه: ((إذا أتى قرؤك فلا تصلى)).
وينظر تلخيص الحبير ١٧٠/١ .
(٤) سقط من : م .
(٥) ديوانه ص ٩١.

١٠٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
تَشُدُّ لِأَقِصَاها عَزِيمَ عَزائِكًا
وفى كُلِّ عامِ أَنْتَ جاشمُ غَزْوَةٍ
لِمَ ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسائگًا
/مُوَرّثةٍ مالاً وفى الذِّكْرِ رِفِعَةٌ
٤٤٥/٢
فجعَل القُرءَ وقتَ الطَّهرِ .
ولما وصَفنا من معنى القرءِ أشكل تأويلُ قولِ اللَّهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَكَةَ قُرُوَةٍ﴾ على أهلِ التأويلِ؛ فرأَى بعضُهم أن الذى أُمِرتْ به
المرأةُ المطلقةُ ذاتُ الأقراءِ من الأقراءِ ، أقراءُ الخَيْضِ - وذلك وقت مجيئِه
لعادتِه التى تجىءُ فيه - فَأَوْجَب عليها تربُّصَ ثلاثٍ حِيَضٍ بنفسِها عن خِطبةٍ
الأزواجِ.
ورأى آخرون أن الذى أُمِرتْ به من ذلك إنما هو أقراءُ الظُّهرِ - وذلك وقت
مجيئه لعادتِهِ التى تجىءُ فيه - فأوجب عليها تربُّصَ ثلاثةِ أطهارٍ .
فإذا كان معنى القرءِ ما وصَفْنا لِمَا بَيَّنا، وكان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد أمَر المريدَ طلاقَ
امرأتِه ألا يُطَلِّقَها إلا طاهرًا غيرَ مُجامَعةٍ، وحرّمَ عليه طلاقَها حَائضًا، وكان اللازمُ
المطلقةَ المدخولَ بها - إذا كانت ذاتَ أقراءٍ - تَرَبُّصَ أوقاتٍ محدودةِ المبلغ بنفسِها
عَقيبَ طلاقٍ زَوجِها إيّاها؛ أن تنظُرَ إلى ثلاثةٍ قروءٍ بين [٢٧٨/١ و] طهرئْ كلٌ قُرْءٍ
منهنَّ قُرةٌ(١)، وهو خلافُ ما احتَسبتْه لنفسِها قروءًا تَتَرَبَّصُهُنَّ(١) ، فإذا انقضَينَ،
فقد حلَّت للأزواج، وانقضَتْ عِدّتُها، وذلك أنها إذا فَعَلتْ ذلك، فقد دخَلتْ
فى عِدادِ مَنْ تَربَّصُ مِن المطلقاتِ بنفسها ثلاثةَ قروءٍ بين طُهرئْ كلِّ قرءٍ(٣)
(١) فى ص: ((قروء).
(٢) فى النسخ: ((فتربصهن)). وينظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الموضع.
(٣) فى ت ٢: ((قروء)).

١٠٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
منهنَّ قرءٌ له مخالفٌ ، وإذا فعَلتْ ذلك كانت مؤديةً ما ألزمها ربُّها تعالى ذكرُه بظاهرٍ
تنزيله .
فقد تبين إذن - إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنَا - أنّ القرءَ الثالثَ من أقرائها -
على ما بينًا - الطهرُ الثالثُ ، وأن بانقضائه ومجىءٍ قرءِ الحيضِ الذى يتلوه ، انقضاءُ
عدَّتِها .
فإن ظنّ ذو غباءٍ - أنّا) إذ كنا قد نُسمِّى وقتَ مجىءٍ الطهرِ قرءًا، ووقتَ
مجىءٍ الحيضِ قرءًا - أنه يُلْزَمُنا أن نَجَعَلَ عدةَ المرأةِ مُنقضيةٌ بانقضاءِ الطَّهرِ الثانى، إذْ
كان الطهرُ الذى طلَّقها فيه ، والحيضةُ التى بعدَه، والطهرُ الذى يتلوها أقراءَ كلَّها ،
فقد ظَنَّ جَهْلًا، وذلك أن الحكم عندنا فى كلِّ ما أنزله اللَّهُ فى كتابِه على ما احتمَلَه
ظاهرُ التنزيلِ ، ما لم يُبيِّنِ اللَّهُ تعالَى ذكرُه لعبادِه أنّ مرادَه منه الخصوصُ؛ إمّا بتنزيلٍ
فى كتابِهِ، أو علَى لسانِ رسولِه عَلَه ، فإذا خصَّ منه البعضَ، كان الذی خَصَّ من
ذلك غيرَ داخلٍ فى الجملةِ التى أوجب الحكمَ بها، و(١) كان سائرُها على عمومِها،
كما (٢) قد بيَّنا فى كتابنا ((كتابٍ لطيفِ القولِ من البيانِ عن أصولِ الأحكامِ)) وغيرِهِ
من كُتبِنا .
فالأقراءُ التى هى أقراءُ الحيضِ بينَ طُهرئْ أقراءِ الطهرِ غيرُ مُحتسَبةٍ من أقراءٍ
المتربِّصةِ بنفسِها بعدَ الطلاقِ؛ لإجماع الجميع من أهلِ الإسلام أن الأقراءَ التى
أوجبَ اللَّهُ عليها تربُّصَهنَّ ثلاثةُ قروءٍ، بينَ كلٌّ قرءٍ منهنّ أوقاتٌ مخالفاتُ المعنَى
لأقرائِها التى تَربَّصُهُنَّ، وإِذْ كنَّ مستحقّاتٍ عندنا اسمَ أقراءٍ، فإن ذلك من إجماع
(١ - ١) فى م: ((غباوة)).
(٢) فى ص، ت ١، ت ٢: ((وإن)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢: ((ما)).

١٠٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
الجميعِ لمْ يُجِزْ لها التربُّصَ إلّ على ما وصَفْنا قبلُ .
وفى هذه الآيةِ دليلٌ واضحٌ على خطأً قولٍ مَن قال: إن امرأةَ المُؤْلِى التى آلَى
مِنها تحِلُّ للأزواج بانقضاءِ الأشهر الأربعة إذا كانت قد حاضتْ ثلاثَ حِيض فى
الأشهرِ الأربعةِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه إنما أُوجَب عليها العدةَ بعدَ عزْمِ المُؤْلِى على
طلاقِها، وإيقاع الطلاقِ بها بقولِه: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ
وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ﴾. فأوجَب تعالى ذكرُه على المرأةِ إذا
صارتْ مُطلّقةً تربُّصَ ثلاثةٍ قروءٍ، فمعلومٌ أنها لم تكُن مُطلَّقةٌ يومَ آلَى مِنها زوجها ؛
الإجماعِ الجميعِ على أن الإيلاءَ ليس بطلاقٍ مُوجِبٍ على المُؤلِى منها العدَّةَ.
٤٤٦/٢
وإِذْ(١) كان ذلك كذلك، فالعدةُ إنما تلزَمُها بعدَ الطلاقِ ، والطلاقُ إنما يلحَقُها
بما قد بتِنَّه قبلُ .
وأمّا معنى قوله: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ ﴾ فإنه: والمخلَّيَّاتُ السبيلِ غير ممنوعاتٍ بأزواجٍ
ولا مخطوباتٍ(٢) .
وقولُ القائل: فلانةُ مطلقةٌ . إنما هو ((مُفَعَّلة))، من قولِ القائلِ: طلَّق الرجلُ
زوجته فهى مُطلّقةٌ. وأما قولُهم: هى طالقٌ. فمن قولهم: طلَّقها زوجُها فطَلُقَتْ
هى، وهى تَطلُقُ طَلَاقًا، وهى طالِقٌ .
وقد حُكِىَ عن بعضٍ أحياءِ العربِ أنها تقولُ : طَلَقَت المرأةُ . وإنما قيلَ ذلك لها
إذا خَلَّاها زوجها ، كما يقالُ للنعجةِ المهملةِ بغيرِ راع ولا كالىٌّ إذا خرَجتْ وحدَها
من أهلِها للرغيِ مُخلَّةً سبيلُها : هى طالقٌ. فَمُثِّلَتِ المرأةُ المخلََّةُ سبيلُها بها،
وسُمِّيت بما سُمِّيتْ به النعجةُ التى وصَفْنا أمرَها. وأما قولُهم: طُلِقَت المرأةُ . فمعنَّى
(١) فى ص: ((إذا)).
(٢) فى ص: ((محفوظات))، وبعدها بياض يسع كلمة .

١٠٥
سورة البقرة : الاية ٢٢٨
غيرُ هذا ، إنما يقالُ فى هذا إذا نُفِسَتْ ، هذا من الطَّلْقِ(١)، والأولُ من الطَّلاقِ، وقد
بيَّنا أن التربُّصَ إنما هو التوقُّفُ عن النكاح، وحبْسُ النَّفسِ عنه، فى غيرِ هذا
(٢)
الموضعِ(١).
القولُ فى تأويل قولِه عزّ ذكرُه: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيّ
أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه : ولا يَحِلُّ لهنَّ -
يعنى للمطلقاتِ - أَن يَكْتُمْنَ ما خلق اللَّهُ فى أرحامِهن من الحيضِ إذا طُلِّقْنَ؛ حَرَّمَ
عَليهِنَّ أنْ يَكْثُمنَ أزواجهنَّ الذين طلَّقوهُنَّ فى الطلاقِ الذى لهنَّ عليهم فيه رجعةٌ ؛
يبتغينَ بذلك إبطالَ حقوقِهم من الرجعةِ عليهنَّ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى المثنى، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى الليثُ ، عن يونسَ، عن ابنٍ
شهابٍ، قال: قال اللَّهُ تعالى ذِكرُه: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوْءٍ﴾
إلى قولِه: ﴿ وَلِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. قال: بلَغَنا أن ما خُلِقَ فى
أرحامِهِنَّ الحملُ ، وبلَغَنا أنه الحيضةُ ، فلا يحِلُّ لهنَّ أَن يَكْتُمْنَ ذلك لتنقضىَ العدةٌ
ولا يملِكَ الرجعةَ إذا كانت له (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن سفيانَ، عن منصورٍ ،
عن إبراهيمَ: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَزْحَامِهِنَ﴾. قال:
(١) الطلق : وجع الولادة. اللسان (ط ل ق ).
(٢) تقدم فى ص ٤٣ .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/١ إلى المصنف.

١٠٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
الحَيْضُ .
حدّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن
إبراهيمَ: ﴿ وَلَا يَحِلُ [٢٧٨/١ ظ ◌َ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَّ﴾ قال:
أكثُ(١) ذلكَ الخَيَضُ(٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ مُطرِّفًا، عن الحكم،
قال: قال إبراهيمُ فى قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَ﴾ .
. (٣)
قال : الخَيْضُ(٣).
٤٤٧/٢
/حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليّةً، قال: ثنا خالدٌ الحذاءُ، عن عكرمةً فى
قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىَ أَزْحَامِهِنَ﴾. قال: الحَيْضُ. ثم قال
ء، (٤)
خالدٌ : الدَّمُ(٤).
وقال آخرون: هو الخَيْضُ، غيرَ أن الذى حرَّم اللَّهُ تعالَى ذِكرُه عليها كتمانَه
فيما خلَق فى رحمِها من ذلك هو أن تقولَ لزوجِها المطلِّقِ وقد أراد رجْعتَها قبلَ
الحيضةِ الثالثةِ: قدْ حِضتُ(٥) الحيضةَ الثالثةَ. كاذبةً؛ لِيَبْطُلَ(١) حقُّه بِقِيلِها الباطلِ
فى ذلك .
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((إذ أكثر)) أو تقرأ ((إذا كثر)).
(٢) ينظر تخريجه فى الصفحة التالية .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٤/٥ عن ابن إدريس به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٣/٥، ٢٣٤ عن ابن علية به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٦/٢
(٢١٩٢) من طريق خالد به .
(٥) بعدہ فی ص: ((فى)).
(٦) فى م: ((لتبطل)).

١٠٧
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدةً بنٍ مُعَنِّبٍ ، عن إبراهيمَ فى
قولِهِ: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَ﴾. قال: الخَيْضُ، المرأةُ تعتدُ
قُرْءَيْنِ، ثم يريدُ زوجها أن يراجعَها، فتقولُ : قد حِضتُ الثالثةَ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يَحِلُ لَنَّ أَنْ
يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَ﴾. قال: أكثَرُ ما عنى به الحَيَضُ(٢).
وقال آخرون : بل المعنى الذى نُهِيتْ عن كتمانِه زوجَها المطلِّقَ الحَبَلُ والحَيْضُ جميعًا .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حُميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا الأشعثُ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الَهُ فِيَّ أَرْحَامِهِنَ﴾:
الحيضُ(٢) والحملُ؛ لا يَحِلُّ لها إن كانت حائضًا أن تكتُمَ حيضَها، ولا يَحِلُّ لها إن
كانتْ حاملًا أن تكثُمَ حملَها(٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ مُطرّفًا، عن الحكم، عن
مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَ﴾. قال: الحمْلُ
(٥)
والحيضُ()).
(١) فى م: ((مغيث))، وغير منقوطة فى ص، وينظر تهذيب الكمال ٢٧٣/١٩.
(٢) أخرجه سعید بن منصور - کما فى الدر المنثور ٢٧٦/١ ، ومن طریقه البیهقی ٤٢٠/٧ - عن جرير به،
وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد .
(٣) فى م: ((من الحيض)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٥/٢ (٢١٩١) من طريق يزيد به .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٤/٥ عن ابن إدريس به .

١٠٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
قال أبو (١) كُريبٍ: قال ابنُ إدريسَ: هذا أولُ حديثٍ سمِعتُه من مُطرِّفٍ .
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مُطرفٍ ، عن الحكم، عن
مجاهدٍ مثلَه ، إلا أنه قال : الحبَلُ .
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزَارِىُّ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ الفزارىُّ، عن
ليثٍ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَّ ﴾.
قال : من الحيضِ والولدِ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى مسلمُ بنُ خالدِ الزَّنْجِئُّ،
عن ابنِ أبى نَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ
أَزْحَامِهِنَ﴾. قال: من الحيضِ والولدِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ
أَزْحَامِهِنَ﴾. قال: لا يحلُّ للمطلقةِ أن تقول: إنى حائضٌ. وليست بحائضٍ ، ولا
تقولَ: إنى حُثْلَى. وليستْ بحبلَى، ولا تقولَ: لستُ بحبلَى. وهى محبلَى(٢).
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحِ، عن
مجاهدٍ مثله .
٤٤٨/٢
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن الحجاجِ ،
(١) فى م: ((ابن)) .
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٦، ومن طريقه ابن أبى شيبة ٢٣٤/٥، والبيهقى ٣٧٢/٧، وأخرجه الشافعى فى
الأم ٢١٣/٥، وعبد الرزاق فى مصنفه (١١٠٥٩) من طريق ابن جريج، عن مجاهد . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٧٦/١ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد .

١٠٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
عن مجاهدٍ ، قال: الحيضُ والحبَلُ. قال: تفسيرُه: ألا تقول: إنى حائضٌ. وليستْ
بحائضٍ ، ولا: لستُ بحائضٍ. وهى حائضٌ، ولا: إنى حُبْلَى. وليست بحُبلَى،
ولا : لستُ بحُبلَى. وهى حُبلَى(١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن الحجاج، عن
القاسِم بنِ نافعٍ، عن مجاهدٍ نحوَ هذا التفسيرِ فى هذه الآيةِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ مثلَه، وزاد فيه : قال:
وذلك كلُّه فى بُغضِ المرأةِ زوجَها وحُبّهُ(٢) .
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ﴿ وَلَا
يَحِلُ لَنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَ﴾. قال(١) : لا يحِلُّ لهن أن يَكْتُمْنَ ما
خلَق اللَّهُ فى أرحامِهنَّ من الحيضِ والحبّلِ ، لا يَحِلُّ لها أن تقولَ: إنى قد حضْتُ . ولم
تَحِضْ، ولا يحلُّ لها أن تقول: إنى لم أُحِضْ. وقد حاضَتْ، ولا يحلُّ لها أن تقولَ:
إنى محُبلى. وليست بُثْلَى، ولا أن تقولَ: لستُ بحُثْلَى. وهى حُبْلَى(٤).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُ
لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَّ أَزْحَامِهِنَ﴾ الآية. قال: لا يَكْتُمْنَ الحَيْضَ ولا الولدَ ،
ولا يَحِلُّ لها أنْ تَكْتُمَه وهو لا يعلَمُ متى تحِلُّ، لئلّا يَرْتَجِعَها؛ تُضارُهُ (٥) .
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٤/٥ من طريق الحجاج، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد به .
(٢) أخرجه البيهقى ٤٢٠/٧ من طريق جرير به .
(٣) فى م: ((يقول)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٦/٢ عقب الأثر (٢١٩١) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به.
(٥) فى م: ((مضارة)). وينظر المحرر الوجيز ٩٦/٢، والبحر المحيط ١٨٧/٢.

١١٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
فى قولِه: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِى أَزْحَامِهِنَ﴾: يعنى الولدَ . قال:
الحيضُ والولدُ هو الذى ائْتُمِنَ عليه النساء(١).
وقال آخرون : بل عنَى بذلك الحبَلَ . ثم اختلَفَ قائلو ذلك فی السبب الذی من
أجلِه نُهيَتْ عن كتمانٍ ذلك الرجلَ ؛ فقال بعضُهم: نُهيت عن ذلك لئلّا يَتْطُلَ حقُّ
الزوجِ من الرجعةِ إن(٢) أرادَ رجْعَتَها قبلَ وضِعِها حملَها .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُتَّى، قال : ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ ، عن قَبَائِ بنِ
رَزِينٍ، عن عُلىٌّ بنِ رباح أنه حدَّثه أن عُمرَ بنَ الخطابِ قال لرجلٍ: اثْلُ هذه الآيةَ.
فتلا ، فقال: إِنّ فلانةَ مَمَّن يَكْتُمْنَ ما خَلَق اللَّهُ فى أرحامِهن. وكانت طُلِّقتْ وهى
حُبِلَى، فكتَمتْ حتى وضَعتْ(٣).
حدَّثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأته تطليقةٌ أو تطليقتَيْ
وهى حاملٌ، فهو (١) أحقُّ برجْعتِها ما لم تَضَعْ حملَها، وهو قولُه: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ
يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوٍَ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ
يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَثِ﴾(٥).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٣٤/٥ من طريق جويبر به .
(٢) فى م: ((إذا)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٥/٢ (٢١٩٠) من طريق قباث به .
(٤) فى ص: ((فهى)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٦/٢ (٢١٩٥)، والبيهقى ٣٦٧/٧، من طريق عبد اللَّه بن
صالح به .

١١١
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
/حدَّثنى المُثُنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنٍ بشرٍ، ٤٤٩/٢
أنه سمِع عكرمةَ يقولُ : الطلاقُ مرَّتان بينهما رجعةٌ ، فإن بدا له أن يطلِّقَها بعدَ هاتين
فهى ثالثةٌ ، وإن طلَّقها ثلاثًا فقد حَرُمتْ عليه حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، إنما اللّتى
ذُكرنَ فى القرآنِ: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَ أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَّهِنَ ﴾ هى التى طُلِّقتْ واحدةٌ أَو ثِنتَيْنِ، ثم كتَمتْ
حملَها لكنْ تَنْجُوَ من زَوجِها ، فأمّا إذا أَبَتَّ الثلاثَ التطليقاتِ فلا رجعةً له عليها
حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه(١).
وقال آخرون : السببُ الذى من أجلِه نُهينَ عن كتمانِ ذلك أنهنَّ فى الجاهليةِ
كُنَّ يَكْتُمْنَه أزواجهنَّ خوفَ مُراجَعِهم(٢) إِياهُنَّ حتى يتزوَّجْنَ غيرَهم، (٢ فيُلْحِقْنَ
نسب٢َ الحملِ - الذى هو من الزوجِ المطلِّقِ - بمَن تزوَّجْنَه، فحرَّم اللَّهُ ذلك عليهن.
ذِکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَزْحَامِهِنَ﴾. قال: كانت المرأةُ إذا
طُلِّقت كتَمتْ ما فى بطنِها وحملَها؛ لتذهبَ بالولدِ إلى غيرِ أبيه، فكرِهِ اللَّهُ ذلك
لهنَّ .
حدَّثنى محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً:
﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَزْحَامِهِنَّ﴾. قال: عِلِمَ اللَّهُ أَنّ منهنَّ كواتمَ
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٦١/٥ من طريق سماك ، عن عكرمة .
(٢) فى ص: ((مراجعة)) .
(٣ - ٣) فى م: ((فيلحق بسببه)).

١١٢
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
يَكْتُمْنَ الولِدَ ، وكان أهلُ الجاهليةِ؛ كان الرجلُ يُطلِّقُ امرأتَه وهى حاملٌ، فَتَكْتُمُ
الولدَ ، فتذهبُ به إلى غيرِهِ، وَتَكْتُمُ مخافةَ الرجعةِ ، فنهَى اللَّهُ عن ذلك وقدَّمَ فيه (١) .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ أَرْحَامِهِنَّ﴾. قال: كانت المرأةُ تَكْتُمُ
حملَها حتى تجعلَه لرجلٍ آخرَ منها (١) .
وقال آخرون : بل السببُ الذى من أجلِه نُهينَ عن كتمانٍ ذلك ، هو أن الرجلَ
كانَ إذا أرادَ طلاقَ امرأتِه سألَها ، هلْ بها حَمِلٌ ؛ لكيلا يُطلِّقَها وهى حاملٌ منه ،
للضَّرَرِ الذى يَلْحَقُه وولَدَه فى فراقِها(٣) ، فأُمِوْنَ بالصدقِ فى ذلك ونُهينَ عن الكذبِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، (٤قال: ثنا عمرٌو٤)، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُدىِّ: ﴿وَلَا يَحِلُ
لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِيَ أَزْحَامِهِنَّ﴾: فالرجلُ يريدُ أنْ يُطَلِّقَ امرأته فيسألَها : هل
بكِ حملٌ؟ فتكتُمُه، إرادةَ أن تُفارقَه ، فيطلِّقُها وقد كَتَمتْه حتى تضعَ، وإذا عِلِمَ
بذلك فإنها تُردُّ إليه عُقوبةً لما كتَمَتْه، وزوجُها أحقُّ برجْعتِها (٥).
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال : الذى نُهيت المرأةُ المطلّقةُ عن
كِتمانِه زوجَها المطلِّقَها تطليقةً أو تطليقتَين، مما خلق اللَّهُ فى رحِمِها، الحيضُ
٤٥٠/٢ والحبَلُ؛ لأنه لا خلافَ بين الجميعِ أن العدَّةَ تنقضِى بوضْعِ / الولدِ الذى خلَقَ اللَّهُ فى
(١) عزاه السيوطى فى الدر ٢٧٥/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) تفسير عبد الرزاق ٩٢/١، وفى مصنفه (١١٠٦٠)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٥/١ إلى ابن المنذر.
(٣) بعده فى م: ((إن فارقها)).
(٤ - ٤) سقط من النسخ .
(٥) ذكره ابن عطية فى المحرر الوجيز ٩٦/٢، ٩٧ عن السدى.

١١٣
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
رحِمِها كما تَنقضِى بالدَّمِ إذا رأتْه بعدَ الطَّهرِ الثالثِ، فى قولٍ مَن قال : القُرءُ الطهرُ.
وفى قولِ مَن قال: هو الحيضُ. إذا انقطَع من الحيضةِ الثالثةِ، فَتَطَّرتْ
بالاغتسالِ(١) .
فإذ كان ذلك كذلك، "وكان٢) اللَّهُ تعالَى ذكرُه إنما حرَّم عليهنَّ كتمانَ
المطلِّقِ الذى وصَفْنا أمْرَه، ما يكونُ بكتمانِهِن إِيَّاهُ بُطُولُ حقِّه الذى جعله اللَّهُ له بعدَ
الطلاقِ عليهنَّ إلى انقضاءِ عِدَدِهنَّ، وكان ذلك الحقُّ يبطُلُ بوضعِهِنَّ ما فى بطونِهن
إن كُثَّ حواملَ ، وبانقضاءِ الأقراءِ الثلاثةِ إن كنَّ غيرَ(١) حواملَ - عُلِمِ أَنَّهنَّ مَنهياتٌ
عن كتمانٍ أزواجِهِنَّ المطلِّقِيهِنَّ(٤) من كلِّ واحدٍ منهما - أعنى من الحيضِ والحبَلِ -
مثلَ الذى هنَّ مَنهياتٌ عنه من الآخرِ ، وألا معنى لخصوصٍ من خَصَّ بأن المرادَ بالآيةِ
من ذلك أحدُهما دونَ الآخرِ ، إذْ كانا جميعًا مما خلق اللَّهُ فى أرحامِهِنَّ، وأنّ فى كلِّ
واحدٍ منهما من معنى بُطُولٍ حقِّ الزوجِ بانتهائِه(٥) إلى غايةٍ مثلَ ما فى الآخرِ. ويُسألُ
مَن خَصَّ ذلك، فجعَلَه لأحدِ المعنييْنِ دونَ الآخرِ ، عن البرهانِ على صحةٍ دعواه من
أصلِ أو حجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها، ثم يُعكَسُ عليه القولُ فى ذلك، فلنْ يقولَ فى
أحدِهما قولًا إلَّا أُلزم فى الآخرِ مثلَه.
وأما الذى قاله الشُّدىُّ من أنه معنىٌّ به نهىُ النساءِ كتمانَ أزواجهنَّ الحبّلَ عند
إرادتِهم طلَاقَهُنَّ، فقولٌ لِما يَدُلَّ عليه ظاهرُ التنزيل مخالفٌ؛ وذلك أن اللّه تعالى
ذكرُه قال: ﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوٍَ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا
(١) فى م: ((للاغتسال)).
(٢ - ٢) فى ص: ((ولو كان)).
(٣) سقط من: ص .
(٤) فى م: ((المطلقين)).
(٥) فى م: ((بالتهائه)) .
( تفسير الطبرى ٨/٤)

١١٤
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
خَلَقَ اللّهُ فِي أَزْحَامِهِنَّ﴾ (١ بمعنى: ولا يحلُّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خلَقَ اللَّهُ فى أرحامِهِنَّ
فى(٢) الثلاثةِ القروءِ إِنْ كنَّ يؤمنَّ باللّهِ واليومِ الآخرِ. وذلك أن اللَّه تعالَى ذكرُه ذكَرَ
تحريمَ ذلك عليهنَّ بعدَ وصفِه إياهُنَّ بما وصَفَهنَّ به من فراقٍ أزواجِهِنَّ بالطَّلاقِ،
وإعلامِهِنَّ ما يلزَمُهُنَّ مِن التَّرَبُّصِ، معرّفًا لهنَّ بذلك ما يَحْرُمُ عليهنَّ وما يَحِلُّ، وما
يَلزمُهنَّ من العِدَّةِ ويجبُ عليهنَّ فيها، فكان مما عرّفهنَّ أنّ مِن الواجبِ عليهنّ ألا
يَكْتُمْنَ أزواجهنَّ الحيضَ والحبَلَ - الذى يكونُ بوضع هذا وانقضاءِ هذا إلى نهايةٍ
محدودة انقطاُ حقوق أزواجهن - ضِرارًا منهن لهم ، فکان نھیُه عمّا نَهاهُن عنه
من ذلك بأنْ يَكُونَ مِن صفةِ ما يليه قبلَه ويتلُوه بعدَه، أَوْلَى من أن يكونَ مِن صفةِ ما
لمْ يَجْرِ له ذِكرٌ قبلَه .
فإن قال قائلٌ: فما معنى قولِه: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾؟ أوَ يَحِلُّ
لهنّ كتمانُ ذلك أزواجهن إن كنَّ لا يؤمنَّ باللّهِ ولا باليومِ الآخرِ حتى خَصَّ النهىُ
عن ذلك المؤمناتِ باللَّهِ واليومِ الآخرِ؟
قيلَ : معنى ذلك على غيرٍ ماذهبتَ إليه، وإنما معناه أن كتمانَ المرأةِ المطلّقةِزوجها
المطلِّقَها ما خلق اللهُفی رحمها من حیضٍ وولدٍ فی أیام عدَّتِها من طلاقِهِضِرارًاله ،ليس
من فعلٍ مَن يؤمنُ باللّهِ واليومِ الآخرِ ولا من أخلاقِهِ، وإنما ذلك من فعلِ مَن لا يُؤْمِنَّ باللَّهِ
ولا باليومِ الآخرِ وأخلاقِهنَّ من النساءِ الكوافرِ ، فلا تَتخلَّقْنَ أيُها المؤمناتُ بأخلاقِهن،
فإن ذلك لا يحِلُّ لَكُنّ إن كنتنَّ تُؤْمِنَّ باللَّهِ واليوم الآخرِ، وكنتنَّ من المسلماتِ، لا أنَّ
المؤمناتِ هنَّ المخصوصاتُ بتحريم ذلك عليهنَّ " دونَ الكوافِرِ ، بل الواجبُ على كلِّ
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) فى م: ((من)).
(٣) فى م: ((عليهم)) .

١١٥
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
مَن لزِمِتْه فرائضُ اللَّهِ من النساء اللواتِى لهنَّ أقراءٌ إذا طُلِّقت بعدَ الدخولِ بها فى عدَّتِها ألَّ
تَكْثُمَ زوجَها ما خلق اللَّهُ فى رحِمِها من الحيضِ والحبلِ .
٤٥١/٢
/ القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَيُعُولَهُنَّ أَحَقٌ بِّهِنَّ فِ ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَحًا﴾ .
والبُعولَةُ جمعُ بعلٍ، وهو زوج المرأةِ، ومنه قولُ جريٍ(١) :
جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وأَنْتُمْ حَلائِلُهْ
أَعِدُّوا معَ الحَلَّيِ المَلَابَ(٢) فإِنَّا
وقد يُجمَعُ البعلُ البعولةَ والبُعولَ، كما يُجمَعُ الفحلُ الفُحُولَ والفُحولَةَ،
والذَّكَرُ الذُّكُورَ والذُّكورَةَ، وكذلك ما كان على مثالٍ فُعولٍ من الجمع ، فإنّ العربَ
كثيرًا ما تُدْخِلُ فيه الهاءَ، فأمَّا ما كان منها على مثالٍ فِعالٍ ، فقليلٌ فى كلامِهم
دخولُ الهاءِ فيه، وقد حُكِىَ عنهم العِظامُ والعِظامَةُ ، ومنه قولُ الراجزِ (٣) :
ثم دفَنْتَ الفَرْثَ والعظامَةْ
وقد قيل: الحجارةُ والحِجارُ، والمهارةُ والمِهارُ، والذِّكارةُ والذِّكارُ للذكورِ.
وأما تأويلُ الكلام فإنه : وأزواجُ المطلقاتِ اللاتِى فَرَضْنا عليهنَّ أن يتربَّصْنَ
بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قروءٍ، وحَرَّمنا عليهنَّ أَن يَكْتُمْنَ ما خلَقَ اللَّهُ فى أرحامِهِنَّ، أحقُّ
وأوْلَى بردِّهن إلى أنفسِهمْ(٤) - فى حالٍ تربُّصِهنَّ إلى الأقراءِ الثلاثةِ وأيامِ الحَبَلِ -
وارتجاعِهن إلى حِبالِهم، مِنهنَّ(٢) بأنفسِهنَّ؛ أَنْ يَمْنَعْنَهم من أنفسِهنَّ ذلك.
كما حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ
(١) ديوانه ٢ / ٩٦٩.
(٢) الملاب: ضرب من الطيب، فارسى. ينظر التاج (ل وب، م ل ب).
(٣) الجمهرة لابن دريد ١٢١/٣، واللسان (ع ظـ م) ، (هـ ذ م) .
(٤) فى ص: (( أنفسهن)) .
(٥) فى م: ((منهم).

١١٦
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
ابنِ أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه [١/٦و]: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِدِهِنَ فِى ذَلِكَ إِنْ
أَرَادُواْ إِصْلَاحًا﴾. يقولُ: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو ثِنْتَينِ وهى حاملٌ، فهو
أحقُّ برجعتِها ما لمْ تَضَعْ(١) .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، عن سفيان ، عن منصورٍ ،
عن إبراهيمَ: ﴿ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَوِهِنَ ﴾. قال: فى العِدَّةِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال: ثنا الحسینُ بنُ واقدٍ ، عن
يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسن البصرىِّ، قالا: قال اللَّهُ تبارك وتعالى:
وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَثَةَ قُرُوَةٍ وَلَا يَحِلُ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِىّ
أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِدِهِنَّ فِ ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ
إِصْلَحًا﴾. وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته كان أحقَّ برجْعتِها وإنْ طلَّقها
ثلاثًا، فنسَخ ذلك فقال: ﴿ اُلْطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ الآية (٢) ..
حدَّثنى محمدُ (١) بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِّهِنَّ فِ ذَلِكَ ﴾: فى عِدَّتِهِنَّ(٤) .
/ حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
٤٥٢/٢
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن ليثٍ ، عن مجاهدٍ ، قال :
* من هنا تبدأ قطعة من نسخة مكتبة القروبين التى اتخذناها أصلاً فيما سبق، وهذه القطعة مقدارها عشر
ورقات، ولعلها من الجزء السادس .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٦/٢ (٢١٩٥)، والبيهقى ٣٦٧/٧ من طريق عبد الله بن صالح به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/١ إلى ابن المنذر.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٧/٢ عقب الأثر (٢١٩٥) معلقًا .
(٣) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((موسى)).
(٤) تفسير مجاهد ص ٢٣٦، ومن طريقه البيهقى ٣٦٧/٧.

١١٧
سورة البقرة : الاية ٢٢٨
فى العِدَّةِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَبُعُولَنْهُنَّ أَحَقُّ
بِرَّهِنَّ فِى ذَلِكَ﴾. أى: فى القروءِ، فى الثلاثِ حِيَضٍ، أو ثلاثة أشهرٍ، أو كانت
حاملاً، فإذا طلَّقها زوجها واحدةٌ أو اثنتينِ راجعها إن شاء ما كانت فى عِدَّتِها .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِرَدِهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. قال: كانت المرأةُ تكتُمُ حملَها
حتى تجعلَه لرجلٍ آخرَ، فنهاهُنَّ اللَّهُ عن ذلك وقال: ﴿ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدَّهِنَّ فِى
ذَلِكَ﴾. قال قتادةُ: أحقُّ برجْعتِهنَّ فى العِدَّةِ(١).
حُدِّثت عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه :
وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُ بِرَّهِنَ فِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فى العِدّةِ ما لم يُطلِّفْها ثلاثًا(٢).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أَسْباطُ ، عن
الشُّدىِّ: ﴿ وَبُعُولَفُهُنَّ أَحَقُّ بِهِنَّ فِ ذَلِكَ﴾. يقولُ: أحقُّ برجْعتِها صاغرةً ، عقوبةً لما
كَتَمتْ زوجَها مِن الحملِ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
﴿ وَبُعُولَهُنَّ[ ١/٦ ظ ] أَحَقُّ بِرَّهِنَ﴾ قال: أحقُّ برجْعِتِهن ما لم تنقضِ(٤) العِدَّةُ.
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالب، قال : ثنا يزيدُ ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ:
وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِهِنَ فِى ذَلِكَ ﴾. قال: ما كانتْ فى العدَّةِ، إذا أرادَ المراجعةَ.
(١) تفسير عبد الرزاق ٩٢/١، وفى مصنفه (١١٠٦٠)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/١ إلى المصنف.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ١١٢ .
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تنقضى)).

١١٨
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
فإن قال لنا قائلٌ: (أفما لزوج المطلّقةِ) واحدةً أو اثنتينِ بعدَ الإفضاءِ إليها ،
عليها رجعةٌ فى أقرائِها الثلاثةِ ، إلّا أنْ يكونَ مُريدًا بالرجعةِ إصلاحَ أمرِها وأمرِهِ ؟
قيل : أمّا فيما بينَه وبينَ اللَّهِ فغيرُ جائزٍ - إذا أرادَ ضِرارَها بالرجعةِ لا إصلاحَ
أمرِها وأمرِه - مراجَعتُها. وأما فى الحكم فإنه مَقضىٌّ له عليها بالرجعةِ نظيرَ(١) مُكْمِنا
عليه بُطُولٍ رجعتِه عليها ، لو كنتَمتْه حملَها الذى خلقه اللَّهُ فى رحِمِها ، أو حيضَها
حتى انقضَتْ عدَّتُها ضِرارًا منها له، وقد نهاها (٢) اللَّهُ عن كتمانِه ذلك، فكان سواءٌ
فی الحکم - فی بُطول رجعة زوجها عليها ، وقد أثمتْ فی کتمانها إيّاه ما کتَمتْه مِن
ذلك حتى انقضَتْ عدَّتُها - هى والتى أطاعت اللَّهَ بتركها كتمانَ ذلك منه، وإن
اختلفتا(٤) فى طاعةِ اللَّهِ فى ذلك ومعصيتِه، فكذلك المراجعُ زوجته المطلّقةَ واحدةً أو
اثنتين بعدَ الإفضاءِ إليها ، وهما محرّان ، وإن أرادَ ضِرار المراجعة برجعتِه، فمحکومٌ له
بالرجعةِ وإن كان آئمًا برَبِّهُ فى فعلِه، ومُقْدِمًا على ما لم يُبخه اللَّهُ له، واللَّهُ ولئُ
مُجازاتِه فيما أتَى من ذلك . فأما العبادُ فإنهم غيرُ جائزٍ لهم الحوْلُ بينَه وبينَ امرأتِه التى
راجَعها بحكم اللَّهِ جلّ ثناؤه بأنها حينئذٍ زَوجتُه، فإِنْ حاوَل ضِرارَها بعدَ المراجعةِ
بغيرِ الحقِّ الذى جعَلُ اللَّهُ له، أُخِذ لها بالحقوقِ التى ألزَم اللَّهُ الأزواجَ للزوجاتِ حتى
يعودَ ضُرّ ما أرادَ من ذلك عليه دونَها .
وفى قولِه: ﴿ وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بَِوِّهِنَ فِي ذَلِكَ ﴾ أبينُ الدلالةِ على صحةٍ قولٍ مَن
٤٥٣/٢ قال: إِنّ المُؤْلِيَ إذا عَزَم / الطلاقَ فطلَّقَ امرأتَه التى آلَى منها ، أن له عليها الرجعةً فى
(١ - ١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فما لزوج))، وفى م: ((فما الزوج طلق)).
(٢) بعده فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (ما)).
(٣) فی ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ( نھی )).
(٤) فى ص، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اختلفا)).
(٥) فى م: (( برأيه )).

١١٩
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
طلاقِهِ ذلك، وعلى فسادٍ قولٍ مَن قال: إن مُضيَّ الأربعةِ الأشهرِ عَزمُ الطلاقِ ، وإنه
تطليقةٌ بائنةٌ ؛ لأن اللَّهَ جلّ ذكرُه إنما أعلَم عبادَه ما يلزَمُهم إذا آلَوا مِن نسائهم، وما
يلزَمُ النساءَ من الأحكام فى هذه الآيةِ بإيلاءِ الرجالِ وطلاقِهم، إذا عزَموا ذلك
وتركوا الفيءَ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه : ولهنّ مِن حسنٍ
الصحبةِ والعشرَةِ بالمعروفِْ على أزواجِهن مثلُ الذى عليهنَّ لهم من الطاعةِ فيما
أوجَب اللَّهُ تعالَى ذکرُه له عليها .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا المُتَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا أبو عاصم ، عن جُويبٍ، عن الضحاكِ
فى قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ﴾. قال: إذا أَطَعْنَ اللَّهَ وأطعنَ
أزواجهنَّ، فعليه أن يُحسنَ صُحبتَها، ويكفَّ عنها أذاه، وينفقَ عليها مِن سَعَتِه (١).
حدَّثنى يونسُ قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَلَّ مِثْلُ
الَّذِى عَلَيْهِنَ بِلْمَعْرُوفِ﴾. قال: يتقونَ اللَّهَ فيهنَّ، كما عليهنَّ أن يتعيّنَ اللَّهَ فيهم(٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولهنّ على أزواجهنَّ من التَّصنَّعِ والمُؤاتاِ(٣) مثلُ
الذى عليهنَّ لهم من ذلك .
· من هنا يبدأ خرم فى مخطوطة الأصل وينتهى عند قوله: وقال آخرون: تلك الدرجة التى له عليها. فى ص ١٢٢.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٧٦/١ إلى المصنف.
(٢) ينظر البحر المحيط ١٨٩/٢.
(٣) المؤاتاة : حسن المطاوعة والموافقة . اللسان (أت ى).

١٢٠
سورة البقرة : الآية ٢٢٨
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال : ثنا أبى، عن بَشِيرٍ (١) بنِ سلمانَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ
عباسٍ ، قال : إنى أُحِبُّ أن أَتَزِيِّنَ للمرأةِ ، كما أُحِبُّ أن تَتَزَّيَّنَ لى؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكرُه
يقولُ: ﴿وَلَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِلْعُرُوفِ﴾(١).
والذى هو أولَى بتأويلِ الآيةِ عندى: وللمطلقاتِ واحدةٌ أو اثنتينِ، بعدَ الإفضاءِ
إليهنَّ، على بُعولتِهنَّ ألا يراجِعوهنَّ) فى أقرائِهن الثلاثةِ إذا أرادُوا رَجعَتَهنَّ فيهنَّ إلَّا أن
يُريدوا " إصلاحَ أمرِهن وأمرِهم وألا يراجعوهن ضِرارًا، كما عليهنَّ لهم إذا أرادُوا
رجعتَهنَّ فيهن ألا يَكْتُمْنَ ما خلق اللَّهُ فى أرحامِهنَّ من الولدِ ودمِ الحيضِ ضِرارًا منهنَّ
لهم لِيَفُتْنَهِمْ(١) بأنفسِهنَّ. ذلك أن اللَّهَ تعالَى ذكرُه نَهَى المطلقاتِ عن كتمانِ أزواجهنَّ
فى أقرائِهِنَّ ما خلق اللَّهُ فى أرحامِهِنَّ إن كنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليومِ الآخرِ، وجعَل أزواجهنَّ
أحقَّ بردِّهنَّ فى ذلك إن أرادُوا إصلاحًا، فحرَّم على كلِّ واحدٍ منهما مُضارَّةً صاحبِهِ ،
وعرّف كلَّ واحدٍ منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ
الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ﴾. فبيّنَ أن الذى على كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه من تركٍ
مُضارَّتِهِ مثلُ الذى له على صاحبِه من ذلك .
فهذا التأويلُ هو أشبهُ بدلالةِ ظاهرِ التنزيلِ مِن غيرِهِ ، وقد يَحتملُ أن يكونَ كلُّ
ما على كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه داخلًا فى ذلك، وإن كانت الآيةُ نزَلتْ فيما
(١) فى م: ((بشر)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤١٧/٢ (٢١٩٦) من طريق وكيع، به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٧٦/١ إلى سفيان بن عيينة ووكيع وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) بعده فى م: ((ضرارًا)).
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يروا)).
(٥ - ٥) فى م: ((فلا)).
(٦) فى م: ((لتيقنهن)) والمعنى: سَبَقْنَهُم إلى حيث لا يبلغونهن، فلا ينالون منهن شيئًا. ينظر التاج (ف وت).