النص المفهرس

صفحات 661-680

٦٦١
سورة البقرة : الآية ٢١٧
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قتَلَ أصحابُ رسولِ اللهِ عَ لِ عمرو بنَ الحَضْرمىٌّ فى
آخرِ ليلةٍ مِن جُمادَى وأوَّلِ ليلةٍ مِن رجبٍ، أرسَل المشركون إلى رسولِ اللهِ عَ لَّه
يُعَيِّرونه بذلك، فقال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾
وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ
أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ﴾ مِن الذى أصابَ أصحابُ(١) محمدٍ عَ(٢).
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا فى الذى ارْتَفَع به قولُه: ﴿ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ﴾. فقال بعضُ نَحْوِّى الكوفيين(٢): فى رفعِه وجهان: أحدُهما، أن يكونَ
((الصدّ)) مَرْدودًا على ((الكبير))، تُريدُ: قل: القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ
وكُفْرٌ به . وإن شِئْتَ جعَلت الصدَّ كبيرًا، تُريدُ به: قُل: القتالُ فيه كبيرٌ، وكبيرٌ
الصدُّ عن سبيلِ اللهِ والكفر به .
قال: فأخطأ - يعنى الفَرَاءَ - فى كلا تَأْويليه، وذلك أنه إذا رفَع ((الصدّ))
عطفًا به على ﴿ كَبِيرٌ﴾، يَصيرُ تأويلُ الكلامِ: قُل: القتالُ فى الشهرِ الحرامِ كبيرٌ،
وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ ، وكفرٌ باللهِ . وذلك مِن التأويلِ خلافُ ما عليه أهلُ الإسلام
جميعًا؛ لأنه لم يدَّع أحدٌ أن الله تبارك وتعالى جعَل القتالَ فى الأشهرِ الحرم كُفرًا
باللهِ ، بل ذلك غيرُ جائزٍ أن يُتَوهَّمَ على عاقلٍ يَعْقِلُ ما يقولُ أن يقولَه، وكيف يجوزُ
أن يقولَه ذو فِطرةٍ صحيحةٍ ، واللهُ جل ثناؤه يقولُ فى أثرِ ذلك: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ
أَكْبُرُ عِندَ اللَّهِ﴾. فلو كان الكلامُ [٢٥٣/١ظ] على ما رآه جائزًا فى تأويله هذا،
لوجب أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، كان أعظمَ عندَ اللهِ
(١) سقط من النسخ والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٦٥٨.
(٣) هو الفراء كما سيصرح به المصنف، وينظر معانى القرآن ١/ ١٤١.

٦٦٢
سورة البقرة : الآية ٢١٧
مِن الكفرِ به، وذلك أنه يقولُ فى أثَرِهِ: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِ﴾. وفى
قيامِ الحُتَّةِ بأن لا شىءَ أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، ما يُبِينُ عن خطأً هذا القولِ.
٣٥٣/٢
وأما إذا / رفع ((الصدّ)) بمعنى ما زعم أنه الوجهُ الآخرُ - وذلك رفعُه بمعنى:
وكبيرٌ صدِّ عن سبيلِ اللهِ. ثم قيل: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِ﴾ - صار
المعنى إلى أن إخراجَ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ ، أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ
باللهِ والصدِّ عن سبيلِه وعن المسجدِ الحرام. ومُتأوّلُ ذلك كذلك داخَلَ مِن الخَطّ
مثلَ الذى دخَل فيه القائلُ القولَ الأوَّلَ ؛ مِن تَصْبِيرِه بعضَ خِلالِ الكُفرِ أعظَمَ عندَ
اللهِ مِن الكفرِ بعينِه، وذلك مما لا يُخِيلُ(١) على أحدٍ خَطؤُه وفسادُه .
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ القولَ الأوَّلَ فى رفع ((الصدّ))،
ويَزْعُمُ أنه معطوفٌ به على ((الكبير))، ويجعَلُ قولَه: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾. مرفوعًا
على الابتداءِ . وقد بينًا فسادَ ذلك وخطاً تأويله .
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى قولِه: ﴿ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ﴾ هل هو مَنسوخٌ أم ثابتُ الحكم؟ فقال بعضُهم:
هو منسوخٌ بقولِ اللهِ جل وعز: ﴿ وَقَائِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَفَّةٌ كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ
كَافَّةُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [ التوبة: ٣٦]، وبقولِه: ﴿ فَاقْتُلُواْ
اُلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ ، عن ابن جريجٍ، قال:
(١) يخيل: يُشكِّل. اللسان (خ ى ل ).

٦٦٣
سورة البقرة : الآية ٢١٧
قال عطاءُ بنُ مَيْسرةَ: أَحَلَّ القِتالَ فى الشهرِ الحرامِ فى ((براءة)) قولُه: ﴿فَلَاَ
تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَائِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً﴾ . يقولُ: فيهن وفى غيرِهن(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أَخْبَر ناعبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن
الزُّهْرِىِّ، قال: كان النبيُّ ◌َّهِ فِيمَا بَلَغْنَا يُحَرِّمُ القِتالَ فى الشهرِ الحرامِ، ثم أُحِلَّ بعدُ(٧).
وقال آخرون : بل ذلك حكمٌ ثابتٌ لا يَحِلُّ القتالُ لأحدٍ فى الأشهرِ الحُرُم بهذه
الآية ؛ لأن اللهَ جعَل القتالَ فيه كبيرًا .
ذِكرُ مَن من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجاج، عن ابنٍ
جريج، "عن مجاهدٍ)، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِيَالٍ
فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. قُلْتُ: ما لهم! وإذ ذاك لا يَحِلُّ لهم أن يَغْزُوا أهلَ
الشركِ فى الشهرِ الحرامِ ، ثم غَزَوهم بعدُ فيه ، فحلَف لى عطاءٌ باللهِ : ما يَحِلُّ للناسِ
أن يَغْزوا فى الشهرِ الحرام، ولا أن يُقَاتِلوا فيه، وما يُسْتَحبُّ. قال: ولا يُدْعَون إلى
الإسلامِ قبلَ أن يُقَاتَلوا، ولا إلى الجزية، تركوا ذلك (٥).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله عطاءُ بنُ مَيْسرةَ ، مِن أن النَّهْىَ عن قتالِ
المشركين فى الأَشْهُرِ الحُرُم مَنْسوخٌ بقولِ اللهِ جل ثناؤه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ
عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَبِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/١ إلى ابن أبى داود .
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٦٥٧.
(٣) فى النسخ: ((الحسن)). وتقدم على الصواب .
(٤ - ٤) كذا فى النسخ، ولعلها زيادة من الناسخ، وينظر مصدر التخريج.
(٥) تفسير الفخر الرازى ٣١/٦ عن ابن جريج، عن عطاء مختصرا .

٦٦٤
سورة البقرة : الآية ٢١٧
٣٥٤/٢
أَرْبَعَةُ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَئِلُواْ الْمُشْرِكِينَ
كَفَّةً ﴾ [التوبة: ٣٦] وإنما قلنا: ذلك ناسخٌ لقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ
قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لتَظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ عَلَّهِ أنه غَزا هوازنَ
بحُنَينِ ، وثقيفًا بالطائفِ ، وأرْسَل أبا عامٍ إلى أوطاسٍ لحربٍ مَن بها مِن المشركين فى
بعضِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وذلك فى شوالٍ وبعضٍ ذى القَعدةِ، وهماً ) مِن الأشهر
الحُم ، فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصيةٌ، كان أبعدَ
الناسِ مِن فعلِهِ عَلَه. وأُخْرَى، أن جميعَ أهلِ العلم بسِيَرِ رسولِ اللهِ عَه لا تَتدافعُ أن
بيعةَ الرِّضْوانِ على قتالٍ قريشٍ كانت فى ١١ ذى القَعْدةِ، وأنه ◌َّهِ إنما دعا أصحابَه
إليها يومَئذٍ؛ لأَنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ قتلَه المشركون إذ أَرْسَله إليهم بما أرسلَه به
مِن الرسالةِ، فبايَع ◌َ لِّ على أن يُناجِزَ القومَ الحربَ ويُحاربَهم، حتى رجَع عثمانُ
بالرسالةِ ، وجرَى بينَ النبيِّ يَّلَّهِ وقريشِ الصُّلْحُ، فكفَّ عن حربهم حينئذٍ وقتالهم ،
وكان ذلك فى ذى القَعْدةِ ، وهو مِن الأشْهُرِ الحُم . فإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ
صحةُ ما قلنا فى قوله: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ
كَبِيرٌ﴾ . وأنه مَنْسوخٌ .
فإن ظنَّ ظانٌّ أن النهىَ عن القتالِ فى الأشهرِ الحرم كان بعدَ استحلالِ النبىِّ
عَلَِّ إياهنَّ؛ لما وَصَفنا من ◌ُروبِه، فقد ظنَّ جهلاً، وذلك أن هذه الآيةَ - أَعْنِى
قولَه: ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِیهِ ﴾ - فی أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جْشٍ
وأصحابِه، و(١) ما كان مِن أمرِهم وأمرِ القَتيلِ الذى قتلوه، فأنزل اللهُ فى أمرِه هذه
(١) فى م: ((هو)).
(٢) بعده فى م: ((أول)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وكان)).

٦٦٥
سورة البقرة : الآية ٢١٧
الآيةَ فى آخرِ جُمادَى الآخرةِ مِن السنةِ الثانيةِ مِن مَقْدَمِ رسولِ اللهِ عَ لِ المدينةَ
وهِجْرتِه إليها ، وكانت وَقْعَةُ حُنَينٍ والطائفِ فى شؤَّالٍ مِن سنةِ ثمانٍ مِن مَقْدَمِه المدينةَ
وهجرتِه إليها ، وبينهما مِن المدةِ ما لا يخْفَى على أحدٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن
دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَظَمُواْ ﴾ .
یغنی تعالی ذِ ◌ْرُه : ولا یزالُ مُشْر کو قریش[٢٠٤/١و] یُقاتلونکم حتی یَردُّو کم
عن دینکم إن قدَرُوا على ذلك .
كما حدَّثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، قال : ثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : ثنى
الزهرىُّ ويزيدُ بنُ رومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ
عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ﴾. أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه غيرَ
تائبين ولا نازعين. يعنى: على أن يَفْتِنوا المسلمين عن دينهم حتى يَرُدُّوهم إلى
الكفرِ، كما كانوا يَفْعلون بمن قَدَروا عليه منهم قبلَ الهِجْرةِ (١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ عز وجل: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَتَّى يَرُدُوكُمْ عَن
دِينِكُمْ إِن أَسْتَطَعُواْ ﴾. قال: كفار قريشٍ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ،
فَيَمُثْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ
(١) تقدم تخريجه فى ص ٦٥٣.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٢. ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٧/٢ (٢٠٣٦)، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٥٢/١ إلى عبد بن حميد.

٦٦٦
سورة البقرة : الآيتان ٢١٧، ٢١٨
(٢١٧)
أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ،﴾: مَن يَرجع منكم
٣٥٥/٢ عن دينه، كما قال / جل ثناؤه: ﴿فَارْتَدًا عَلَّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] يعنى
بقوله: ﴿فَأَرْتَدًا﴾: رجَعا. ومِن ذلك قيل: اسْتَردَّ فلانٌ حقّه مِن فلانٍ . إذا
اسْتَرجعه منه . وإنما أَظْهَر التَّضْعيفَ فى قوله: ﴿ يَرْتَدِدْ﴾؛ لأن لامَ الفعلِ ساكنةٌ
بالجزم ، وإذا سُكُنت فالقياسُ تركُ التَّضْعِيفِ، وقد تُضَغَّفُ وتُدْغَمُ وهى ساكنةٌ ، بِناءً
على التثنية والجمعِ .
وقولُه: ﴿ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. يقولُ: مَن يرجع عن دينه، دينِ الإسلامِ،
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فيَمُتْ قبلَ أن يتوبَ مِن كفرِه، فهم الذين حَبِطَت
أعمالُهم . يعنى بقولِه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ﴾: بطَلت وذهَبت . وبُطُولُها ذهابُ
ثوابِها، وبُطُولُ الأَجرِ عليها والجزاءِ فى دارِ الدنيا والآخرةِ .
وقولُه: ﴿ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعنى: الذين
ارْتَدُّوا عن دينهم فماتوا على كفرِهم، هم أهلُ النارِ المخلِّدون فيها . وإنما جعَلهم
أهلَها؛ لأنهم لا يَخْرجون منها ، فهم سكانُها المُقيمون فيها ، كما يقالُ : هؤلاء أهلُ
مَحَلَّةٍ كذا . يعنى : سكانُها المُقيمون فيها .
ويعنى بقولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾: هم فيها لا بِثون لُبِثًا مِن غيرِ أمدٍ ولا
نهايةٍ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢١٨
يعنى بذلك جل ذِكْرُه : إن الذين صدَّقوا باللهِ وبرسولِه وبما جاء به . وبقولِه :

٦٦٧
سورة البقرة : الآية ٢١٨
﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾: الذين هجروا مُساكنةَ المشركين فى أمصارِهم، ومُجاورتَهم
فى ديارِهم، فتَحوَّلوا عنهم وعن جوارِهم وبلادِهم إلى غيرِها، هجرةً لما انتقل عنه
إلى ما انتقل إليه . وأصلُ المهاجرةِ المفاعلةُ؛ من هجرةِ الرجلِ الرجلَ للشَّخْناءِ تكونُ
بينهما ، ثم تُشْتَعْمَلُ فى كلِّ مَن هجَرَ شيئًا لأمرٍ كرِهه منه . وإِنما سُمِّى المهاجرون مِن
أصحابِ رسولِ اللهِ عَّمِ مهاجرين؛ لما وصَفنا من هجرتهم دُورَهم ومنازلَهم -
كراهةٌ منهم النزولَ بين أظهرِ المشركين وفى سلطانِهم ، بحيثُ لا يَأْمَنون فتنتَهم على
أنفسِهم فى ديارهم - إلى الموضعِ الذى يأمنون ذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿ وَجَهَدُواْ﴾ فإنه يعنى: وقاتلوا وحارَبوا. وأصلُ المجاهدةِ
المفاعلةُ؛ من قولِ الرجل: قد جهَد فلانٌ فلانًا على كذا - إذا كرَبه وشقَّ عليه -
يَجْهَدُهُ جَهْدًا . فإذا كان الفعلُ من اثنين، كلُّ واحدٍ منهما يُكابدُ من صاحبِه شدَّةً
ومشقَّةٌ ، قيل: فلانٌ يُجَاهِدُ فلانًا. يعنى أن كلَّ واحدٍ منهما يَفْعَلُ بصاحبِه ما
يَجْهَدُه ویَشُقُّ علیه ، فهو يُجاهِدُه مجاهدةً وجهادًا .
وأَمَّا سبيلُ اللهِ : فطريقُه ودينُه .
فمعنى قولهِ إذن: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: والذين
تحوَّلوا من سلطانِ أهلِ الشركِ؛ هجرةً لهم، وخوفَ فتنتِهم على أديانِهم،
وحارَبوهم فى دينِ اللهِ لِيُدْخِلوهم فيه، وفيما يُرْضِى اللهَ، ﴿أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ
رَحْمَتَ الَّهِ﴾. أى: يَطْمَعون أن يَرْحَمَهم اللهُ فيُدْخِلَهم جَّتَه بفضلٍ رحمته
إِيَّاهِم، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾. أى: ساترٌ ذنوبَ عبادِه بعفوه عنها، متفضلٌ عليهم
بالرحمةِ .
/ وهذه الآيةُ أيضًا ذُكرَ أنها نزَلتْ فى عبدِ اللهِ بن جحش وأصحابه .
٣٥٦/٢

٦٦٨
سورة البقرة : الآية ٢١٨
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ ، عن أبيه ، أنه
حدَّثه رجلٌ ، عن أبى السّؤَّارِ ، يُحدِّثُه عن جندبِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: لما كان من أمرٍ
عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِهِ، وأمرِ ابنِ الحضْرَميِّ ما كان، قال بعضُ المسلمين: إن
لم يكونوا أصابوا فى سفرِهم - أظنُّه قال : - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ. فأنزل اللهُ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ
اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١).
حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال : ثنى الزُّهرىُّ ويزيدُ
ابنُ رومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، قال: أَنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ القرآنَ بما أنزل من الأمرِ،
وفرّجَ اللهُ عن المسلمينَ فى أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِهِ - يعنى فى قتلِهم ابنَ
الحَضْرميِّ - فلمَّا تجلّى عن عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِهِ ما كانوا فيه حين نزَل
القرآنُ، طَمِعُوا فى الأجرِ ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ ، أَنطمعُ أن تكونَ لنا غزوةً نُعْطَى
فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
فوَقَفهم (٢) اللهُ من ذلكَ على أعظم الرجاءِ. (١).
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، [٢٥٤/١ظ] عن قتادةَ،
قال: أثنَى اللهُ على أصحابٍ نبيِّهِ محمدٍ عَّهِ أحسنَ الثناءِ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٨/٢ (٢٠٤٠) من طريق المعتمر به. وتقدم فى ص ٦٥٥، ٦٥٦.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فوصفهم))، وفى سيرة ابن هشام: ((فوضعهم)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٨/٢ (٢٠٤٢) من طريق ابن إسحاق به ، وهذا اللفظ أيضا عند ابن
هشام فى السيرة، كما تقدم فى ص ٦٥٠ - ٦٥٣ .

٦٦٩
سورة البقرة : الآيتان ٢١٩،٢١٨
:
ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الَّهِ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. هؤلاء خيارُ هذه الأمةِ، ثم جعَلهُمُ اللهُ أهلَ رَجاءٍ كما
تسمعون (١)، وإنه مَن رَجَا طَلَب، ومَنْ خاف هرَب(٢) .
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع مثلَه(١) .
القول فى تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلّ
فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًّ﴾ .
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه : يسألُك أصحابُك يا محمدُ عن الخمرِ وشُرْبِها .
والخمرُ كلُّ شرابٍ خامَر العقلَ فستَره وغَطَّى عليه، وهو من قولِ القائلِ:
خمَرْتُ الإِناءَ . إذا غطَّيْتَه. وخَمِرَ الرجلُ . إذا دخلَ فى الخَمَرِ(٤). / ويقالُ: هو فى
خُمَارِ النَّاسِ وغُمارِهم . يرادُ به: دخَل فى مُرْضِ الناسِ. ويقالُ للضَّبع: خامرِى
أَّ عامٍْ . أى : استرِى(٢). وما خامَر العقلَ من دَاءٍ وسُكْرٍ فخالَطه وغمَره فهو
خَمْرٌ، ومن ذلك أيضًا خِمارُ المرأةِ، وذلك لأنها تسترُ به (٧) رأسَها فتغطِّيه. ومنه
يقالُ: هو يمشى لك الخمّرَ. أى مُستخْفِيًّا، كما قال العجاجُ(٨):
٣٥٧/٢
(١) فى ت ١: ((يسمعون))، وفى ت ٢، ت ٣: (( يستمعون).
(٢) فى ت ٢: ((طلب)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/١ إلى عبد بن حميد .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٨/٢ (٢٠٤١) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) الخَمَرُ من الناس: جماعتهم وكثرتهم. الوسيط (خ م ر).
(٥ - ٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خامرنى أمر)).
(٦) فى ت ٢، ت ٣: ((استرنى)).
(٧) زيادة لازمة .
(٨) ديوانه ص ٢٦.

٦٧٠
سورة البقرة : الآية ٢١٩
فى لامع العِقْبانِ لا يأتى الحَمَرْ
يُوجّهُ الأرْضَ(١) ويَشْتاقُ الشَّجَرْ
ويعنى بقولِه: لا يأتى الخمَر: لا يأتى مُستخفيًا ولا مُسارقَةً، ولكن ظاهرًا
برایاتٍ وجيوشٍ . والعِقبانُ جمعُ عُقابٍ ، وهى الرایاتُ .
وأما الميسرُ فإنها المفعِلُ، من قولِ القائلِ: يَسَرلى هذا الأمرُ. إذا وجَب لى،
فهو يَيْسِرُ لى يَسَرًّا ومَيسِرًا . والياسرُ الواجبُ، بقداح وجَبَ ذلك أو مباحهٍ (١) أو غيرِ
ذلك. ثم قيل للمُقامرِ: ياسرٌ ويَسَرّ. كما قال الشاعرُ():
يُقَلِّبُ بعدَ ما اخْتُلِعَ ) القِدَاحا
فَبِتُّ كأنَّنِى يَسَرُّ غَبِيْنٌ
وكما قال النابغةٌ(٥) :
أَوْ ياسِرٌ ذَهَبَ القِداحُ بوَفْرِه(١)
أَسِفٌ تآكَلُهُ(٧) الصَّديقُ مُخَلَّعُ
يعنى بالياسرِ المقامِرَ. وقيل للقِمارِ : مَيسِرٌ.
وكان مجاهدٌ يقولُ نحوَ ما قلنا فى ذلك .
حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أُبی
(١) وجّه الأرض: صيّرها وجها واحدا . اللسان (وج هـ).
(٢) فى ت ٣: ((ماحه)) واستصوب الشيخ شاكر أنها فُتاحة، وفى حاشية المطبوعة: لعله محرف عن ممانحة،
وهى المعاونة والمرافدة .
(٣) هو النابغة الذبيانى، والبيت فى ديوانه ص ٢٥٠.
(٤) اختلع: أُخذ ماله. التاج (خ ل ع).
(٥) لم نجده فى ديوانه، وينظر التبيان ٢/ ٢١٢.
(٦) الوفر : المال الكثير الواسع. التاج (وف ر).
(٧) فى م: ((بأكله))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يأكله)). والمثبت من التبيان.

٦٧١
سورة البقرة : الآية ٢١٩
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾. قال: القِمارِ،
وإنما سُمّىَ الميسرَ ؛ لقولِهم: أيْسِرُوا واجزُرُوا. كقولك: ضع كذا وكذا (١).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ليثٍ ، عن
مجاهدٍ ، قال: كلُّ القمارِ من الميسرٍ ، حتى لَعِبُ الصبيانِ بالجوْزِ(٢).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن عبدِ الملكِ
ابنِ عُميرٍ ، عن أبى الأحوصِ ، قال: قال عبدُ اللهِ: إياكم وهذه الكِعابَ(٢) الموسومةَ
التى تزجُرُونَ زجرًا، فإنهنَّ من الميْسِرِ .
حدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُّ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، عن أبى الأحوصِ مثلَه .
حدثنا محمدُ بنُ المثنى ، قال: ثنا محمدُ بنُّ نافع، قال : ثنا شعبةُ ، عن يزيدَ بنِ
أبى زيادٍ ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ أنه قال: إياكم وهذه الكِعابَ التى
(١) تفسير مجاهد ص ٢٣٢، ومن طريقه أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٠/٢ (٢٠٥١)، وعزاه
السیوطی فی الدر المنثور ٢٥٢/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٨/ ٦٥٣، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٩٧/٤ (٦٧٤٩) من طريق سفيان به،
وأخرجه معمر فى جامعه ٤٦٧/١٠ (١٩٧٢٨)، وعبد الرزاق فى تفسيره ١ / ٨٨، والبيهقى ٢١٣/١٠ من
طريق ليث به .
(٣) الكعاب جمع الكعب الذى يلعب به، وهو فص النرد. التاج (ك ع ب).
(٤) زاد ناشرو المطبوعة بعدها: (( بها)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٤٩/٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٩٦/٤ (٦٧٤٦) من طريق سفيان به،
وأخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٢٧٠)، والبيهقى فى الشعب (٦٥٠٢)، من طرق عن عبد الملك بن
عمير به، وأخرجه معمر فى جامعه ٤٦٧/١٠ (١٩٧٢٧)، وأحمد ٢٩٨/٧ (٤٢٦٣)، وابن عدى فى
الكامل ٢١٦/١، والبيهقى ٢١٥/١٠، وفى الشعب (٦٥٠١، ٦٥٠٣) من طرق عن أبى الأحوص به ،
وقد روى مرفوعًا وموقوفًا، ورجح الدار قطنى فى العلل ٣١٥/٥، ٣١٦ الرواية الموقوفة.

٦٧٢
سورة البقرة : الآية ٢١٩
تزْبجرون(١) زَجرًا، فإنها مِن الميسرٍ(١).
/ حدثنى علىُ بنُ سعيدِ الكِندىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مُسهِرٍ، عن عاصم، عن
محمدٍ بنٍ سيرينَ، قال: القمارُ ميسوُ(٣).
٣٥٨/٢
حدثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا أبو عامرٍ ، قال : ثنا سفيانُ، عن عاصم الأحول ، عن
محمدِ بنِ سيرينَ ، قال: كلِّ شىءٍ له خَطَرٌ(٤)، أو فى خَطَرٍ - أبو عامرٍ شكّ - فهو من
(٥)
الميسرٍ(٥) .
حدثنا الوليدُ بنُ شجاع أبو همامٍ ، قال: ثنا علىٍّ بنُ مُسهرٍ، عن عاصم، عن
محمدِ بنِ سيرينَ، قال: كلّ قِمارٍ ميسرٌ، حتى اللعبُ بالَّردِ على القيامِ،
والصياح، والريشةُ يجعلُها الرجلُ فى رأسِه .
حدثنا ابنُ حمیدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن عاصم ، عن ابن سیرین، قال : كلُّ لعب
فيه قِمارٌ من شُربٍ أو صِياحٍ أو قيامٍ ، فهو من الميسرِ(١).
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعلَى ، قال : ثنا خالدُ بنُ الحارثِ ، قال : ثنا الأشعثُ ،
عن الحسن أنه قال: الميسرُ القمارُ).
(١) زاد ناشرو المطبوعة بعدها: ((بها)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٨٨، والخرائطى فى مساوئ الأخلاق (٧٥٦) من طريق يزيد بن أبى
زیاد به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٣/٨، وابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (١١٤) من طريق حماد بن نجيح، عن ابن
سیرین به .
(٤) الخطر: السبق الذى يُتراهن عليه، والجمع أخطار مثل سبب وأسباب. المصباح المنير (خ ط ر).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٣/٨ من طریق سفیان به .
(٦) أخرجه ابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (١١٧) من طريق جرير به، وأخرجه الخرائطى فى مساوئ الأخلاق
(٧٦٠) من طريق آخر عن ابن سيرين، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٢٠/٢ إلى أبى الشيخ.
(٧) أخرجه ابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (١١٦) من طريق الفضل بن دلهم، عن الحسن.

٦٧٣
سورة البقرة : الآية ٢١٩
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا المعتمرُ، عن ليثٍ ، عن طاوسٍ وعطاءٍ،
قالا : كلُّ قمارٍ فهو من الميسرِ، حتى لعِبُ الصبيانِ بالكِعابِ والجوزِ(١).
حدثنا ابنُّ محُميدٍ ، قال : ثنا حَكَامٌ، عن عَمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ ، قال :
(٢)
الميسر القمارُ(١).
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا هشيمٌ ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ ،
عن أبى الأحوصِ، عن عبدٍ (١) اللهِ، قال: إيّاكم وهاتين الكَعْبتينِ، يُزجرُ بهما زَجرًا ،
فإنهما من الميسرِ) .
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليّةَ ، عن ابنِ أبى عروبةَ ، عن قتادةَ ،
قال: أمّا قولُه: ﴿ وَالْمَيْسِ ﴾ فهو القمارُ كلُّه(٥).
حدثنى يونسُ بنُ عبدِ الأُعلَى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى يحيى بنُ
عبدِ اللهِ بنِ سالمٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، أنه سمِعَ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ يقولُ للقاسم بنِ
محمدٍ : الثَّردُ ميسرٌ، أرأيتَ الشِّطْرَنْجَ مَيسرٌ هو ؟ فقال القاسمُ: كلَّ ما أَلْهَى عن ذكرٍ
اللهِ وعن الصلاةِ فهو (١) ميسرٌ(١).
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٣/٨، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١١٩٧/٤ (٦٧٤٩)، وابن أبى الدنيا فى ذم
الملاهی (١١٥) من طرق عن لیث به .
(٢) أخرجه الآجرى فى تحريم النرد والملاهى (٤٥) من طريق عطاء به .
(٣) فى م: ((عبيد)).
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٦٧١.
(٥) أخرجه الآجرى فى تحريم النرد والملاهى (٤٦) من طريق شيبان ، عن قتادة ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٣١٦/١ إلى عبد بن حميد .
(٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) أخرجه ابن أبى الدنيا فى ذم الملاهى (٩٧)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩١/٢ (٢٠٥٦)، والآجرى فى
تحريم النرد والملاهى (٢٥)، والبيهقى فى الشعب (٦٥١٩) من طريق عبيد اللّه بن عمر به.
: (تفسير الطبرى ٤٣/٣)

٦٧٤
سورة البقرة : الآية ٢١٩
حدثنى علىٍّ بنُ داودَ ، قال: ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: الميسرُ القمارُ، كان الرجلُ فى الجاهليةِ يُخاطرُ على (١) أهلِه ومالِهِ،
فأيُّهما قمَر صاحبه، ذهَب بأهلِه ومالِه(٢) .
حدثنى موسى [٢٥٥/١و] بنُّ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا
أسباطُ، عن الشّدىِّ، قال: الميسرُ القمارُ(١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال : أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ ، قال: الميسر القمارُ(٤).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
ليثٍ ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، قالا: الميسرُ القمارُ كلَّه، حتى الجوزُ الذى
يلعَبُ به الصبيانُ(٥) .
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال: سمِعتُ
عُبيدَ بنَ سليمانَ يُحدِّثُ عن الضحاكِ قولَه: ﴿ وَاَلْمَيْسِرِ ﴾. قال: القمارِ.
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، قال: الميسرُ
القمار.
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)).
(٢) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٣٥٩، ٣٦٠، وأبو جعفر النحاس فى ناسخه ص ١٨٦، والأجرى فى
تحريم الفرد والملاهى (٤٤) من طرق عن عبد الله بن صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٠/٢ عقب الأثر (٢٠٥١) من طريق عمرو به.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٨٨/١.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٨، وأخرجه معمر فى جامعه ٤٦٧/١٠ (١٩٧٢٨) - ومن طريقه
البيهقى ٢١٣/١٠ - عن ليث، عن مجاهد وحده .
٢

٦٧٥
سورة البقرة : الآية ٢١٩
/ حدثنا المثنى، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو بدرٍ شجاعُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا ٣٥٩/٢
موسى بنُ عقبةَ، عن نافع، أن ابنَ عُمرَ كان يقولُ: القمارُ من الميسرٍ(١).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ ، قال: الميسرُ قِداح العربِ وكِعابُ فارسَ (١) . وقال ابنُ مجريج: وزعَم عطاءُ
ابنُ ميسرةَ أنَّ الميسرَ القمارُ كلُّه(٣).
حدثنا ابنُ البرقيّ ، قال : ثنا عمرُو بنُ أبى سَلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ،
قال : قال مكحولٌ : الميسرُ القمارُ.
حدثنا الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارعُ، قال: ثنا الفضلُ بنُ سليمانَ وشجاُ بنُ
الوليدِ ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال : الميسرُ القمارُ.
وأما قولُه: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ فإنه يعنى بذلك جلّ
ثناؤه: قلْ يا محمدُلهم: ﴿فِيهِمَا﴾ يعنى: فى الخمرِ والميسرِ ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فالإثمُ
الکبیرُ الذی فیهما ما ذُكِرَ عن السدیِّ فیما حدَّثنی به موسی بنُ هارونَ ، قال: ثنا
عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ
كَبِيرٌ﴾ . فإنمُ الخمرِ أن الرجلَ يشرَبُ فيشْكَرُ فيؤذِى الناسَ، وإثمُ الميسرِ أن يُقامرَ
الرجلُ فيمنعَ الحقَّ ويظلمَ .
حدثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أُبی
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٠/٢ (٢٠٥٠) من طريق شجاع بن الوليد به، وأخرجه البخارى
فى الأدب المفرد (١٢٦٠)، والبيهقى ٢١٣/١٠ من طريق موسى بن عقبة به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٥٢/١ إلى أبى عبيد وابن المنذر.
(٢) بعده فى م: ((قال)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٣١٤، ومن طريقه البيهقى ٢١٣/١٠.

٦٧٦
سورة البقرة : الآية ٢١٩
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. قال: هذا أولُ مَا عِيبَتْ به
= (١)
الخمرُ.
حدثنى علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىِّ بنِ أبي طلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. يعنى : ما
يَنقُصُ من الدِّينِ عندَ مَن يَشربُها (١) .
والذى هو أولى بتأويلِ الآيةِ بالإثمِ(٣) الكبيرِ الذى ذكر اللهُ جلَّ ثناؤه أنه فى
الخمرِ والميسرِ مما (٢) قاله السُّدىُّ، زوالُ عقلٍ شاربِ الخمرِ إِذا سكِرَ من شُرْبِهِ إِيّاها ،
حتى يَعزُبَ عنه معرفةُ ربِّه، وذلك أعظمُ الآثامِ ، وذلك معنى قولِ ابنٍ عباسٍ إن شاءَ
اللهُ. وأما فى الميسرِ فما فيه من الشُّغُلِ به عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ ، ووقوعِ العداوةِ
والبغضاءِ بين المتياسِرِينَ بسبَبِهِ، كما وصَف ذلك به ربُّنا جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِىِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
وَعَنِ الصَّلَوَةِ﴾ [المائدة: ٩١].
وأما قولُه: ﴿ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾. فإنّ منافعَ الخمرِ كانت أثمانَها قبلَ تحرِيمِها ،
وما يَصِلونَ إليه بشربها من اللذةِ ، كما قال الأعشى فى صفتِها (٥) :
وذِكْرَى هُمُومِ ما تَغِبُّ(١) أَذَاتُها
لَنا مِن ضُحاها خُبْتُ نَفْسٍ وكأَبةٌ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٣/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩١/٢ (٢٠٥٩) من طريق أبى صالح به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٥٣/١ إلى ابن المنذر والنحاس.
(٣) فى م: ((الإثم)).
(٤) فى م: ((فالخمر ما)).
(٥) ديوانه ص ٨٣، ٨٥ باختلاف .
(٦) فى م: (( تفك)).

٦٧٧
سورة البقرة : الآية ٢١٩
ومالٌ كثيرٌ عِدَّةٌ() نشوَاتُها
وعندَ العَشىِّ(١) طِيبُ نَفْسٍ وَلَدَّةٌ
وكما قال حسانُ(٣) :
فَنَشْرَبُها فتتركُنا مُلُوكًا وُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا (٤) اللِّقَاءُ
٣٦٠/٢
/ وأمَّا منافعُ الميسرِ، فما يصيبون فيه(٥) من أنصباءِ الجَزُورِ، وذلك أنهم كانوا
يُياسِرُونَ على الجزورِ، وإذا أفلَج ١) الرجلُ منهم صاحبه نحرَه، ثم اقْتسموا أعشارًا
على عَددِ القِداحِ، وفى ذلك يقولُ أعشى بني ثعلبةً(٧) :
ونياطُ(١٠) مُقْفِرَةٍ أخافُ ضَلالَهَا
وجَزُورٍ أَيْسارٍ(٨) دَعَوْتُ ( إِلى النَّدَى)
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عَمروٍ ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ ، قال: المنافعُ هلهنا ما يُصيبون من الجَزُورِ(١١).
(١) فى م: ((العشاء)).
(٢) فى ت١، ت٢، ت٣: ((عدد))، وفى الديوان: ((غدوة)).
(٣) ديوانه ص ٧٣.
(٤) نهنهه عن الشىء: زجره وكفه. الوسيط (ن هـ ن ).
(٥) فى ت ٢، ت٣: (( به).
(٦) أفلج الرجل: أى ظفر على صاحبه. الوسيط (ف ل ج ).
(٧) ديوانه ص ٢٧.
(٨) أيسار: جمع ياسر، وهو الضارب بالقداح، والمتقامر على الجزور، والذى يلى قسمة جزور الميسر. التاج
(ی س ر).
(٩ - ٩) فى الديوان: ((لحتفها)).
(١٠) النياط من المفازة: بُعد طريقها، كأنها نيطت بمفازة أخرى لا تكاد تنقطع. التاج (ن وط ).
(١١) تفسير مجاهد ص ٢٣٢ ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٢/٢ (٢٠٦٢).

٦٧٨
سورة البقرة : الآية ٢١٩
حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ : أما مَنافعُهما ، فإن منفعةَ الخمرِ فى لذتِه وثمنِه، ومنفعةَ الميسرِ فيما يصابُ
من القمارِ .
حدثنا أبو هشام ) الرفاعىُّ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌّ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾. قال: منافعُهما قبلَ
(٢)
أن يُحرّماً(٢) .
حدثنا علىُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾. قال: يقولُ: فيما يُصيبون من لذَّتِها وفرحِها إِذا
(٣)
شَرِبوها (٢) .
واختلف القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأه عُظْمُ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين
والبصريين: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرُ﴾ بالباءِ، بمعنى: قُلْ: (٢ فى شُرْبٍ" هذه،
والقمارِ هذا، كبيرٌ من الآثام، أى: عظيمٌْ). وقرأه آخرون من أهلِ المِصْرَيْنِ؛
البصرةِ والكوفةِ: (قُلْ فِيهمَا إِثْمٌ كَثِيرٌ ). بمعنى الكثرةِ من الآثام ، وكأنهم رأوا أنَّ
الإثمَ بمعنى الآثامِ ، وإنْ كان فى اللفظِ واحدًا ، فوصفوه بمعناه من الكتّرةٍ(١) .
وأَوْلى [٢٥٥/١ظ] القراءتين فى ذلك بالصوابِ ) قراءةُ من قرَأَه بالباءِ: ﴿قُلّ
(١) فى ت١، ت٣: ((هاشم))، وفى ت٢: ((عاصم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٢/٢ (٢٠٦٣) من طريق ابن أبى زائدة به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٢/٢ (٢٠٦١) من طريق أبى صالح به .
(٤ - ٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((شربها)).
(٥ - ٥) سقط من: م.
(٦) والذى قرأ بالثاء من الكثرة: حمزة والكسائى، وقرأ الباقون بالباء من الكبر. حجة القراءات ص ١٣٢.
(٧) القراءتان متواترتان ، وليست إحداهما أولى بالصواب من الأخرى .

٦٧٩
سورة البقرة : الآية ٢١٩
فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. لإجماع جميعِهم على قولِه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن
نَّفْعِهِمًا﴾ وقراءتِه بالباء، وفى ذلك دلالةٌ بيّةٌ على أن الذى وُصف به الإثمُ الأولُ من
ذلك هو العِظَمُ والكِبَرُ، لا الكثرةُ فى العَدَدِ ، ولو كان الذى وُصفَ به من ذلك
الكثرةَ، لقيل: وإنّمُهما أكثرُ من نفعِهما .
القولُ فى تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمًا﴾.
يعنى بذلك عزَّ ذكرُه : والإثمُ بشُربٍ هذه، والقمارُ هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرَّةً
عليهم من النفْع الذى يتناولون بهما . وإنما كان ذلك كذلك لأنهم كانوا إذا سَكِرُوا
وتَب بعضُهم على بعضٍ، وقاتَل بعضُهم بعضًا، وإذا ياسَرُوا وقَع بينهم فيه بسببِهِ
الشّرُ، فأدّاهم ذلك إلى ما يأثّمون به .
ونزلت هذه الآيةُ فى الخمرِ قبل أن يُصرَّحَ بتحرِيمِها ، فأضاف الإثمَ جلّ ثناؤه
إليهما ، وإنما الإثمُ بأسبابِهما ، إذْ كان عن سبَبِهما يحدُثُ .
/ وقد قال عَددٌ مِن أهلِ التأويلِ: معنى ذلك: وإثمُهما بعد تحريمهما أكبرُ من ٣٦١/٢
نفعِهما قبلَ تحريمهما .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّ﴾. قال: منافعُهما قبلَ
التّحريم، وإنمُهما بعدَ ما حُرِّمًا(١) .
حُدِّثتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ وَمَنَفِعُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٩٢/٢ (٢٠٦٥) عن محمد بن سعد به .

٦٨٠
سورة البقرة : الآية ٢١٩
لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَّا﴾: يُنزِّلُ المنافعَ قبلَ التحريم، والإثمُ بعدَ ما
حرَّم .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ ، قال: أخبرنى عُبيدُ بنُ سليمانَ ،
قال : سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمًا﴾. يقولُ:
إثمُهما بعدَ التحريم أكبرُ من نفعِهما قبلَ التحريم (١).
حدثنى علُّ بنُ داودَ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ،
عن علىّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍٍ قوله: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمًا﴾ .
يقولُ: ما يَذهبُ من الدِّينِ، والإثمُ فيه أكبرُ مما يصيبونَ فى فرَحِها إذا
(٣)
شربوها (٣) .
وإنما اخترنا ما قلنا فى ذلك من التأويل؛ لتواتُرِ الأخبارِ وتظاهُرِها بأنّ هذه
الآيةَ(٤) نزَلتْ قبلَ تحريم الخمرِ والميسرِ، فكان معلومًا بذلك أن الإثمَ الذى ذكَرَه اللهُ
فى هذه الآيةِ فأضافه إليهما ، إنما عنَى به الإثمَ الذى يحدُثُ عن أسبابِهما(*) ، على ما
وصَفْنا، لا الإثمَ بعدَ التحريمِ .
ذِكرُ الأخبارِ الدَّالةِ على ما قَلْنا مِن أنَّ هذه الآيةَ
نزَلَت قبلَ تَحريمِ الْخَمْرِ
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا قيسٌ، عن سالم، عن
(١) فى ت ١: ((بترك))، وفى ت ٢، ت ٣: ((يترك)).
(٢) أخرجه النحاس فى الناسخ والمنسوخ ص ١٤٦ من طريق آخر عن الضحاك.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٦٧٦.
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٣.
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أسبابها)).