النص المفهرس

صفحات 641-660

٦٤١
سورة البقرة : الآية ٢١٥
عَدَسْ(١)! ما لِعَبَّادٍ عليكِ إِمارَةٌ أُمِنْتِ وهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
فـ ((تحملين)) مِن صلةِ ((هذا)). فيكونُ تأويلُ الكلام حينئذٍ: يَشْألونك ما
الذى يُنْفِقون .
والآخرُ مِن وَجْهَى الرفع، أن تَكونَ ﴿ مَاذَا﴾ بمعنى: أىُّ شىءٍ؟ فَيُرِفَعَ ﴿مَاذَا﴾
وإن كان قولُه : ﴿ يُنفِقُونَ﴾ واقعًا عليه ، إذ كان العاملُ فيه وهو ﴿ يُنفِقُونَ﴾ لا
يَصْلُغُ تَقديمُهُ قبلَه، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوزُ تَقْدِيمُ الفعلِ فيه قبلَ حرفٍ
الاستفهام، كما قال الشاعرُ(٢):
أنَحْبٌ (٢) فِيُقْضَى أم ضلالٌ وباطلُ
ألا تَسْأَلانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ
وكما قال الآخر(٤):
وما كُلُّ مَنْ يَغْشَى (٥) مِنَّى أنا عارفُ
وقالوا تَعَرَّفْها المَنَازِلَ مِن مِنِى
فرفَع ((كل)) ولم يَنْصِبْه بـ ((عارف))، إذ كان معنى قولِه: وما كلُّ مَن يَغْشَى
مِنَّى أنا عارفٌ. جحودَ معرفةٍ مَن يَغْشَى منَّى ، فصار فى معنى: ما أحدٌ .
وهذه الآيةُ فيما ذُكِر نزَلت قبلَ أن يَفْرِضَ اللهُ الزكاةَ فى) الأموالِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال : ثنا أسباطُ ، عن
(١) عدس: زجر البغال فى الأصل، وعدس أيضا: اسم للبغل، سموه بتسمية الزجر وسببه. التاج (ع دس).
(٢) هو لبيد بن ربيعة، والبيت فى شرح ديوانه ص ٢٥٤.
(٣) النحب : النذر. التاج (ن ح ب ).
(٤) هو مزاحم العقيلى ، شعر مزاحم العقيلى ص ١٠٥.
(٥) فى شعر مزاحم العقيلى: ((وافى)).
(٦ - ٦) فى م: ((زكاة)).
( تفسير الطبرى ٤١/٣ )

٦٤٢
سورة البقرة : الآية ٢١٥
السدىِّ: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونِّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ لم تَكُنْ زكاةٌ، و(١) هى النفقةُ يُنفِقُها الرجلُ على أهلِه،
والصدقةُ يَتَصدَّقُ بها، فنَسَختها الزكاةُ(٢) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ
جريج: سأل المؤمنون رسولَ اللهِ مِ له أين يَضَعون أموالهم، فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُونِّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْتَ وَالْسَلِكِينِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾. فذلك النفقةُ فى التطوُّع، والزكاةُ سِوى ذلك كلِّه(١).
قال: وقال مجاهدٌ: سألوا فأفتاهم فى ذلك: ﴿مَآ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
وَاُلْأَقْرَبِينَ﴾. وما ذُكِرَ معهما(٤) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، قال :
سمِعت ابنَ أبى نجيح فى قولِ اللهِ: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾. قال: سألوه
فأفتاهم فى ذلك: ﴿ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وما ذُكِرَ معهما(1).
حدَّثنى يونسُ ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ وسألتُه عن قولِه :
قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِينَ﴾. قال: هذا(١) مِن النوافلِ [٩٨/٥ظ].
٣٤٤/٢ قال(١): يقولُ: هم أحقُّ بفضلِك مِن / غيرِهم.
(١) فى م: ((وإنما)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨١/٢ (٢٠١٠) من طريق عمرو به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٣/١ إلى المصنف وابن المنذر.
(٤) سقط من : الأصل .
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨١/٢ (٢٠٠٨) من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد.
(٥) فى الأصل: ((هذه)).
(٦) سقط من : الأصل.
:
:

٦٤٣
سورة البقرة : الآيتان ٢١٥، ٢١٦
وهذا الذى قاله الشُّدِّىُّ مِن أنه لم تَكُنْ يومَ نزَلَت هذه الآيةُ زكاةٌ ، وإنما
كانَت نفقةٌ(١) يُنْفِقُها الرجلُ على أهلِه، وصدقةٌ يَتَصَدَّقُ بها، ثم نسَخَتْها
الزكاةُ - قولٌ تُمْكِنٌ أن يَكونَ كما قال، وتُمْكِنٌ غيرُه، ولا دَلالةَ فى الآيةِ على
صحة ما قال؛ لأنه ممكنٌ أن يَكونَ قولُه: ﴿ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ
وَاُلْأَقْرَبِينَ﴾ الآية. حَثَّ مِن اللهِ جل ثناؤه على الإنفاقِ على مَن كانت نفقتُه
غيرَ واجبةٍ مِن الآباء والأمهاتِ والأَقْرِباءِ، ومَن سمَّى معهم فى هذه الآيةِ،
وتَعْرِيفًا مِن اللهِ عبادَه مَواضعَ الفضلِ التى تُصْرَفُ فيها النَّفَقاتُ ، كما قال
فى الآيةِ الأُخرى: ﴿وَءَالَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِى الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَالَى الزَّكَوَةَ﴾
[ البقرة: ١٧٧]. وهذا القولُ الذى قلْناه هو (٢) قولُ ابنٍ مُرَيْج الذى حكَيْناه.
وقد بيًّّا معنى المَسْكنةِ، ومَن ابنُ السبيلِ فيما مضى، فأُغْنَى ذلك عن إعادتِه
(٣)
ههنا (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ كُتِبَ عَلَيَكُمُ الْقِتَالُ
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾: فُرِض عليكم القِتالُ.
يعنى قتالَ المشركين، ﴿وَهُوَ كُرْهُ نَّكُمْ
واخْتَلَف أهلُ العلم فى الذين عُنُوا بفرضِ القتالِ ؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك
أصحابُ رسولِ اللهِ عَ لَِّ خاصةً دونَ غيرِهم.
(١) فى الأصل: ((نفقته)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى)).
(٣) تقدم فى ٢٦/٢، ٢٧، ١٩٢، وفى ص ٨٢ من هذا الجزء.

٦٤٤
سورة البقرة : الآية ٢١٦
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : حدثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حجاج ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ ،
قال: سألْتُ عطاءً قلتُ له: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ﴾ أواجبٌ
الغَزْوُ على الناسِ مِن أجلِها؟ قال: لا ، كُتِب على أولئك حينئذٍ(١).
(٢حدّثنا أبو کُرَیب ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا خالدٌ ، عن
حسينِ بنِ قيسٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وَهُوَ كُزٌُّ لَّكُمْ﴾. قال: نسَخَتْها: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً﴾(١).
وهذا قولٌ لا معنى له ؛ لأن نسخَ الأحكامِ مِن قِبَلِ اللهِ جل وعز لا مِن قِبَلٍ
العبادٍ، وقولُه: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً﴾. خبرٌ مِن اللهِ عن عبادِه المؤمنين، وأنهم
قالوه، لا نسخٌ منه " .
حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو إسحاقَ
الفَزَارِىُّ، قال: سأَلْتُ الأوزاعيَّ عن قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ
لَّكُمْ﴾. أواجبٌ الغَزْؤُ على الناسِ كلِّهم؟ قال: لا أَعْلَمُه، ولكن لا يَنْبَغِى للأئمةِ
والعامّة تركُه، فأما الرجلُ فى خاصةِ نفسِه فلا .
وقال آخَرون : هو على كلِّ أحدٍ حتى يَقومَ به مَن فى قيامِه به الكِفايةُ ، فيَشْقُطُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٢/٢ (٢٠١٤) من طريق حجاج به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٤٤/١ إلى ابن المنذر.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل، وموضعه فى ت ١، ت ٢، ت٣ بعد قوله: ﴿ قل قتال فيه كبير﴾ فى ص
٦٣٣. ولعل موضعه فى الأصل كما فى هذه النسخ، ولكن هذا الجزء من الأصل ليس بين أيدينا .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٤/١ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٢/٢
(٢٠١٣) من طريق حسين بن قيس، عن عكرمة قوله، وعزاه السيوطى إلى ابن المنذر.

٦٤٥
سورة البقرة : الآية ٢١٦
فرضُ ذلك حينئذٍ عن باقى المسلمين؛ كالصلاةِ على الجنائزِ، ودفنِ الموتى،
وغسلِهم .
٣٤٥/٢
وهذا قولُ عامةِ علماءِ المسلمين . وذلك هو / الصوابُ عندَنا؛ لإجماع الحُجَّةِ
على ذلك، ولقوله جلّ ثناؤه: ﴿ فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ
دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اَللَّهُ الْحُسْنَىّ﴾ [ النساء: ٩٥]. فأخْبَر جل ثناؤُه أن الفضلَ للمُجاهِدِين،
وأن لهم وللقاعِدِين الحُسْنَى، ولو كان القاعدون مُضَيِّعين فرضًا ، لكان لهم الشُوأَى
لا (١) الحُسْنَى.
وقال آخرون : هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيامِ الساعةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا حُبَيْشُ(٢) بنُ مُبَشِّرٍ(٢)، قال: ثنا رَوْجُ بنُ عُبادةَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
داودَ بنِ أبى عاصمٍ، قال : قلتُ لسعيدِ بنِ المسيبِ : قد أعْلَمُ أن الغَزْوَ واجبٌّ على
الناسِ. فسكت ، وقد أعْلَمُ أن لو أنكَر ما قلتُ لبيَّن لى .
وقد بيَّنَّا فيما مضَى معنى قوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ بما فيه الكِفايةُ() .
القولُ فى تأويلٍ قولِه عز ذكرُه: ﴿ وَهُوَ كُزَّهُ لَّكُمّ﴾ .
يعنى بذلك جل ثناؤُه: وهو ذو كُرْهٍ لكم. فترَك ذكرَ ((ذو)) اكْتِفاءً بدلالةٍ
(١) إلى هنا ينتهى الجزء الخامس من مخطوط جامعة القرويين والتى أشير إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام
المخطوط ت١ بين معقوفين .
(٢) فى النسخ: ((حسين)). والمثبت من تاريخ بغداد ٢٧٢/٨. وينظر تهذيب الكمال ٤١٥/٥.
(٣) فى م: ((ميسر)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ١٠٢، ١٠٣.

٦٤٦
سورة البقرة : الآية ٢١٦
قوله: ﴿كُرْهُ لَّكُمْ﴾ عليه، كما قال: ﴿ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ﴾ [يوسف: ٨٢].
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك رُوِى عن عطاءٍ فى تأويله .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ مجرَيْجٍ، عن
عطاءٍ فى قوله: ﴿وَهُوَ كُرُّهُ لَكُمْ﴾. قال: كُرّهَ إليكم حينئذٍ .
والكُوْهُ بالضمّ هو ما حمَل الرجلُ نفسَه عليه مِن غيرِ إْراهِ أحدٍ إِياه عليه ،
والكرهُ بفتح الكافِ هو ما حمَله عليه غيرُه فأدْخَله عليه كَرْهًا .
وثمَّن محُكِى عنه هذا القولُ مُعاذُ بنُ مُشْلِمٍ.
حدَّثْنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبی حمادٍ ، عن
مُعاذٍ بنِ مسلم، قال: الكُرْهُ المَشَقَّةُ، والكَرْهُ الإجبارُ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: الكُرْهُ والكَوْهُ لغتان بمعنَّى واحدٍ ، مثلَ
الغُسْلِ والغَسْلِ، والضُّعْفِ والضَّعْفِ ، والمُّهْبِ والرّهْبِ .
وقال بعضُهم : الكُوُهُ بضمّ الكافِ اسمٌ، والكَرْهُ بفتحِها مصدرٌ.
القولُ فى تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿ وَعَسَىّ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمٌّ
وَعَسَى أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤه : ولا تَكْرَهوا القِتالَ ، فإنكم لعلكم أن تگرهوه وهو خيرٌ
لكم، ولا تُحِيُّوا تَرْكَ الجهادِ ، فلعلكم أن تُوه وهو شر لكم .
كما حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسْباطُ ،
عن السُّدِّئِّ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرُّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ

٦٤٧
سورة البقرة : الآيتان ٢١٦، ٢١٧
خَيْرٌ لَّكُمٌّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ﴾: وذلك لأن المسلمين كانوا
يَكْرَهون القِتالَ، فقال: ﴿ وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمٌ﴾. يقولُ:
إن(١) فى القتالِ الغَنيمةَ والظُّهورَ والشَّهادةَ، ولكم فى القعودِ ألا تَظْهَروا على
المشركين، ولا تَسْتَشْهِدوا، ولا تُصِيبوا شيئًا(٢).
/ حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ السُّلَمِىُّ، قال: ثنى يحيى بنُ [٢٥١/١ظ] محمدِ بنِ ٣٤٦/٢
مجاهدٍ، قال: أَخْبَرنى عبيدُ اللهِ بنُ أبى هاشم الجُغْفِىُّ، قال: أخْبَرنى عامرُ بنُ
وَائِلَةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كنتُ رِدْفَ النبيِّ عَّهِ، فقال: ((يا بنَ عباسٍ، ارْضَ
عن اللهِ بما قدَّرَ، وإن كان خِلافَ هواك، فإنه مُثْبَتٌ فى كتابِ اللهِ)). قُلْتُ: يا رسولَ
اللهِ ، فأين وقد قرأتُ القرآنَ؟ قال: ((فى قوله: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمِّ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾))(١)
(٣)
(٢١٦)
القولُ فى تأويل قوله عز ذِكْرُه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
يعنى بذلك جل ثناؤه: واللهُ يعلمُ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرّ لكم، فلا تَكْرهوا
ما كتبتُ عليكم مِن جهادٍ عدوّ كم ، وقتالٍ مَن أمرْتُكم بقتالِه ، فإنى أعلمُ أنّ قتالَكم
إياهم هو خيرٌ لكم فى عاجلِكم ومعادٍ كم، وتركَكم قتالَهم شرّ لكم، وأنتم لا
تعلمون مِن ذلك ما أعلمُ . يَخُضُّهم جل ذكرُه بذلك على جهادِ أعدائِه ، وُرغُِّهم
فی قتالِ مَن کفَر به .
القولُ فى تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَّامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ
قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ،
(١) سقط من: ت ١، ت ٢، وبعده فى م: ((لكم)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٣/٢ (٢٠١٩) من طريق عمرو به .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٤/١ إلى المصنف.

٦٤٨
سورة البقرة : الآية ٢١٧
مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِّ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِّ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤه: يسألُك يا محمدُ أصحابُك عن الشهرِ الحرام - وذلك
رجب - عن قتال فيه .
وخفضُ ((القتالِ)) على معنى تَكْرِيرِ ((عن)) عليه. وكذلك كانت قراءةُ
عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فيما ذُكِرَ لنا (١).
وقد حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ
قولَه: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيهٌ ﴾ . قال: يقولُ : يسألونك عن قتالٍ
فيه. قال: وكذلك كان يقرؤُها : (عن قتالٍ فيه)(٢).
قال أبو جعفرٍ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿قِتَالٌ فِيهِ ﴾ يعنى: فى الشهرِ الحرامِ،
كَبِيرٌ﴾ أى: عظيمٌ عندَ اللهِ استحلالُه، وسفكُ الدماءِ فيه .
ومعنى قوله: ﴿قِتَالٌ فِيةٍ ﴾: قُل : القِتالُ فيه كبيرٌ.
وإنما قال: ﴿قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ ؛ لأن العربَ كانت لا تَقْرِعُ فيه الأسِنَّةَ،
فِيَلْقَى الرجلُ قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فلا يَهِيجُه؛ تعظيمًا له، وتُسَمِّيه مُضَرُ الأُصمّ،
لشكوتٍ (٢) أصواتِ السلاحِ وقَّعْقَعتِه فيه.
وقد حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصْرىُّ، قال: ثنا شعیبُ بنُ
٣٤٧/٢ الليثِ، قال: ثنا الليثُ، / قال: ثنا أبو ) الزبير، عن جابرٍ، قال: لم يَكُنْ رسولُ اللهِ
-
(١) المصاحف ص ٥٨. وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥٢/١ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٥/٢ عقب الأثر
(٢٠٢٤) من طريق ابن أبى جعفر به، وهى قراءة ابن عباس والربيع والأعمش. ينظر البحر المحيط ١٤٥/٢.
(٣) فى م: ((لسكون)).
(٤) سقط من: م، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ابن)). والمثبت من المسند، وينظر تهذيب الكمال ٤٠٢/٢٦.

٦٤٩
سورة البقرة : الآية ٢١٧
عَ لَّمِ يَغْزو فى الشهرِ الحرام إلا أنْ يُغْزَى، أو يَغْزوَ حتى إذا حضَر ذلك أقام حتى
.(١)
يَْسَلِغَ(١).
وقولُه جل ثناؤُه: ﴿ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ومعنى الصدِّ عن الشىءِ: المنعُ
منه والدَّفْعُ عنه . ومنه قيل: صدَّ فلانٌ بوجهه عن فلانٍ . إذا أُعْرَض عنه فمنَعه مِن
النظرِ إليه .
وقولُه: ﴿وَكُفْرَّ بِهِ،﴾. يعنى: وكفرٌ باللهِ. والباءُ فى ﴿يِهِ، ﴾ عائدٌ على
اسمِ اللهِ الذى فى ﴿سَبِيلِ اللّهِ﴾ .
وتأويلُ الكلام : وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ ، وكفر به، وعن المسجدِ الحرامِ، وإخراج
أهلِ المسجدِ الحرامِ - وهم أهلُه وولاتُه - أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتالِ فى الشهرِ الحرامِ .
فـ ((الصدُّ عن سبيلِ اللهِ)) مرفوعٌ بقولِه: ﴿أَكْبُرُ عِندَ اللَّهِ﴾. وقولُه :
﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ﴾ عطفٌ على ((الصدِّ)). ثم ابْتَدأ الخبرَ عن الفِتْنَةِ فقال:
﴿ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اُلْقَتْلِ﴾. يعنى: الشركُ أعظمُ وأكبرُ مِن القتلِ . يعنى: مِن
قتلِ ابنِ الحَضْرَميِّ الذى اسْتَنْكرتم قتلَه فى الشهرِ الحرامِ .
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ(٢) يَزْعُمُ أن قوله: ﴿ وَاُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾.
معطوفٌ على ((القتالِ))، وأن معناه: يسألونك عن الشهرِ الحرامِ، عن قتالٍ فيه،
وعن المسجدِ الحرامِ. فقال اللهُ جل ثناؤه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللّهِ﴾ مِن
القتالِ فى الشهرِ الحرامِ .
وهذا القولُ مع خروجِهِ مِن أقوالِ أهلِ العلم ، قولٌ لا وجه له؛ لأن القومَ لم
(١) أخرجه أحمد ٤٣٩/٢٢، ٦٠/٢٣ (١٤٥٨٣، ١٤٧١٣) من طريق الليث به .
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ١٤١.

٦٥٠
سورة البقرة : الآية ٢١٧
يكونوا فى شكُ مِن عظيم ما أتَى المشركون إلى المسلمين فى إخراجهم إياهم مِن
منازلهم بمكةً، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسولَ اللهِ يَّمِ عن إخراج المشركين إياهم
مِن منازلهم ، وهل ذلك كان لهم، بل لم يَدَّع ذلك عليهم أحدٌ مِن المسلمين ، ولا
أنهم سألوا رسولَ اللهِ مَ ◌ّهِ عن ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، فلم يكنِ القومُ
سألوا رسولَ اللهِ عَّهِ إلا عما ارتابوا بحُكْمِه، كارتيابِهم فى أمرٍ قتلِ ابنِ الحَضْرَمِىِّ،
إذ اذَّعَوا أن قاتلَه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ عَّهِ قتلَه فى الشهرِ الحرامِ ، فسألوا عن أمرِهِ
الارتيابِهم فى حُكْمِه، فأما إخراج المشركين أهلَ الإسلامِ مِن المسجدِ الحرامِ، فلم
يكنْ فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان ظلمًا منهم لهم فيسألوا عنه.
ولا خلافَ بينَ أهل التأويل جميعًا أن هذه الآية نزلت على رسولِ اللهِ مِّ فی
سببٍ قتلِ ابنِ الحَضْرمىِّ وقاتِلِه .
ذِكْرُ الرِّوايةِ عمَّن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنٍ إسحاقَ ، قال : ثنى
الزُّهرىُّ ويزيدُ بنُ رُومانَ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، قال: بعَثَ رسولُ اللهِ مََّمِ عبدَ اللهِ
ابنَ جَحْشٍ فى رَجَبٍ مَقْفَلَه مِن بدرٍ الأولى ، وبعث معه بثمانيةِ رَهْطٍ مِن المهاجرین ،
ليس فيهم مِن الأنصارِ أحدٌ، وكتَب له كتابًا، وأمرَه ألا يَنْظُرَ فيه حتى يَسِيرَ يومين،
ثُم يَنْظُرَ فيه فيَمْضِىّ لما أمَرِه ، ولا يَسْتكرِهَ مِن أصحابِه أحدًا . وكان أصحابُ عبدِ اللهِ
ابنِ جحشٍ مِن المهاجرينِ؛ مِن بنى عبدِ شمسٍ: أبو حُذَيفَةً بنُ (٣ عُثْبَةً بِن٣ٍ
(١) فى النسخ: ((ولم)). والمثبت هو الصواب.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)).
(٣ - ٣) سقط من النسخ، وسيأتى على الصواب، وينظر الإصابة ٨٧/٧.

٦٥١
سورة البقرة : الآية ٢١٧
ربيعة بنِ عبدِ شمس ، ثم مِن حلفائهم : عبدُ اللهِ بنُ جخشٍ بن ریاپٍ ، وهو أمیرُ
القومِ، وعُكَاشةُ بنُ مِخْصَنٍ [٢٥٢/١و] بنِ حُرْثانَ، / أحدُ بنى أسدِ بنِ خُزَيمَةَ، ومِن ٣٤٨/٢
بنى نوفلٍ بنِ عبدِ منافٍ: عُثْبةُ بنُ غَزْوانَ ، حليفٌ لهم ، ومِن بنى زُهْرةَ بنِ كلابٍ :
سعدُ بنُ أبى وقاصٍ ، ومِن بنى عدىٌّ بنِ كعبٍ : عامرُ بنُ ربيعةً، حليفٌ لهم ، ووَاقِدُ
ابنُ عبدِ اللهِ بنِ ("منافٍ بن عَرِينٍ(٢) بنِ ثَعْلَةَ بنِ يَرْبوعِ بنِ حنظلةَ، وخالدُ بنُّ البكيرِ
أحدُ بنى سعدٍ بن ليثٍ ، حليفٌ لهم ، ومِن بنى الحارثِ بنِ فهرٍ: سُهَيلُ ابنُ بيضاءَ .
فلما سار عبدُ اللهِ بنُ جَخْشٍ يومين فتَح الكتابَ ونظَر فيه، فإذا فيه : ((إِذا نظَرت
فى(٢) كتابى هذا، فَسِرْ حتى تَنزِلَ نَخْلَةَ بينَ مكةَ والطائفِ ، فتَرصُدَ بها قريشًا ،
وتَعلَمَ لنا مِن أخبارِهم)). فلما نظَر عبدُ اللهِ بنُ جَخْشٍ فى الكتابِ قال: سمعًا
وطاعةً . ثم قال لأصحابه : قد أمَرنى رسولُ اللهِ عَّهِ أَن أَمْضِىَ إلى نَخْلَ فَأَرْصُدَ بها
قريشًا ، حتى آتيَه منهم بخَبٍ ، وقد نهانى أن أُسْتَكرِه أحدًا منكم ، فمَن كان منكم
يُريدُ الشَّهادةَ ويَرغبُ فيها فلْيَنْطلِقْ ، ومَن كَرِه ذلك فَلْيَرجِعْ، فأما أنا فماضٍ لأمرٍ
رسولِ اللهِ عَه . فمضَى ومضَى أصحابُه معه، فلم يتخلَّفْ عنه أحدٌ ، وسلَك على
الحجازِ، حتى إذا كان بمَعْدِنٍ فوقَ الفُرْع، يقالُ له : بُخْرانُ(٤) . أضلَّ سعدُ بنُ أبى
وقاصٍ وعتبةُ بنُ غَزْوانَ بعيرًا لهما(٥) كانا عليه يَعْتَقِبانه، فتخلَّفا عليه فى طلبِهِ ،
ومضَى عبدُ اللهِ بنُ جَخْشِ وبقيةُ أصحابِه حتى نزَل بنَخْلةَ ، فمرَّت به عِيرٌ لقريش
(١) بعده فى النسخ: ((ومن بنى أمية)). والمثبت كما فى سيرة ابن هشام، وينظر جمهرة أنساب العرب
ص ٧٦، ٧٧.
(٢ - ٢) فى النسخ: ((مناة بن عويم)). والمثبت من سيرة ابن هشام، وينظر الإصابة ٦/ ٥٩٥.
(٣) فى النسخ: ((إلى)). والمثبت من سيرة ابن هشام، وهو الموافق لما فى بقية المصادر.
(٤) فى النسخ: ((نجران)). والمثبت من تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام. وينظر معجم البلدان ٤٩٨/١.
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((إنما)).

٦٥٢
سورة البقرة : الآية ٢١٧
تَحمِلُ زبيبًا وأَدَمًا وتجارةً مِن تجارةٍ قريشٍ، فيها منهم: عمرُو بنُ الحَضْرميِّ، وعثمانُ
ابنُ عبدِ اللهِ بنِ الْمُغيرةِ ، وأخوه نَوفلُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ ، المخزوميان ، والحكمُ بنُ
كَيْسانَ مولی هشام بنِ المُغيرةِ. فلما رآهم القومُ هابوهم ، وقد نزلوا قريبًا منهم،
فَأَشْرَف لهم عُكّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، وقد كان حلَق رأسَه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا :
عُمَّارٌ، فلا بأسَ علينا منهم. وتشَاور القومُ فيهم، وذلك فى آخرِ يومٍ مِن جُمادَى (١)،
فقال القومُ : واللهِ لئن تَرَكْتُم القومَ هذه الليلةَ لِيَدْخُلُنَّ الحَمَ فليَمْتَنعُنَّ به منكم ، ولئن
قَتلتُموهم لتَقْتُلُنَّهم فى الشهرِ الحرامِ . فتَرَدَّد القومُ فهابوا الإقدامَ عليهم، ثم شجّعوا(١)
عليهم، وأْمَعوا على قتلٍ مَن قَدَروا عليه منهم ، وأخْذِ ما معهم، فرمَى واقدُ بنُ
عبدِ اللهِ التَّمِيمِىُّ عمرو بنَ الحَضْرمىِّ بسهم فقَتَله، واسْتَأْسَر عثمانَ بنَ عبدِ اللهِ
والحكمَ ابنَ كيسانَ ، وأَقْلَت نَوْفلُ بنُ عبدِ اللهِ فأعْجَزَهم ، وقَدِم عبدُ اللهِ بنُ جَخْشٍ
وأصحابُه بالعِيرِ والأُسيرَيْنِ حتى قَدِموا على رسولِ اللهِ عَ لَه بالمدينةِ. وقد ذَكَر بعضُ
آلِ عبدِ اللهِ بنِ جَخْشٍ أَن عبدَ اللهِ بنَ جَخْشٍ قال لأصحابه: إن لرسولِ اللهِ عَ لَّه مما
غَنِمْتم الخُمُسَ. وذلك قبلَ أن يُفْرَضَ الخُمُسُ مِن الغَنَائِم، فعزَل لرسولِ اللهِ عَ لَه
خُمُسَ العِيرِ ، وقسَم سائرَها بينَ(١٢) أصحابِهِ، فلما قَدِموا على رسولِ اللهِ عَ لَه قال:
((ما أَمَرْتُكم بقِتالٍ فى الشهرِ الحرامِ )). فوقَف العِيرَ والأسِيرَيْن، وأَتَى أَن يَأْخُذَ مِن
ذلك شيئًا ، فلما قال رسولُ اللهِ عَّمِ ذلك، سُقِط فى أَيْدِى القوم ، وظَنُّوا أنهم قد
هلَكوا ، وعَنَّفَهم الْمُسْلِمون فيما صَنَعوا ، وقالوالهم: صَنَعتم ما لم تُؤْمروا به ، وقاتلْتم
فى الشهرِ الحرامِ ولم تُؤمروا بقتالٍ . وقالت قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُه
(١) كذا فى النسخ، وفى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: ((رجب))، وسيأتى ما يدل على أن الرواية هنا هكذا.
(٢) فى تاريخ المصنف: ((تشجعوا))، وفى سيرة ابن هشام: ((شجعوا أنفسهم)).
:
(٣) فى م، ت ٣: ((على)).

٦٥٣
سورة البقرة : الآية ٢١٧
الشهرَ الحرامَ ، فسَفَكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموالَ، وأَسَروا (١). فقال مَن يَرُدُّ ذلك
عليهم مِن المسلمين ممن كان بمكةً: إنما أصابوا ما أصابوا فى جُمادَى(١) . وقالت
يهودُ - تَتَفاءلُ(٢) بذلك على رسولِ اللهِ عَظ له - : عمرُو بنُ الحَضْرَميِّ قتَله وَاقِدُ بنُ
عبدِ اللهِ؛ عمرٌو: عَمَرتِ الحربُ، والحَضْرَمِىُّ: حَضَرت الحربُ، وواقدُ بنُ
عبدِ اللهِ: وَقَدتِ الحربُ. فجعَل اللهُ عليهم ذلك (٤)وبهم)) . فلما أَكْثَر الناسُ فى
ذلك، أَنزَل اللهُ جل وعز على / رسولِه: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾
أى: عن قتالٍ فيه، ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ
اُلْقَتْلِ﴾. أى : إن كنتم قتَلتم فى الشهرِ الحرامِ فقد صَدُّوكم عن سبيلِ اللهِ، مع
الكفرِ به، وعن المسجدِ الحرامِ . وإخراجكم عنه - إذ أنتم أهلُه وؤُلاتُه - أكبرُ عندَ اللهِ
مِن قتلٍ مَن قَتَلتُم منهم، ﴿ وَأَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اٌلْقَتْلُّ﴾. أى: قد كانوا يَفْتِنون
المسلمَ عن دينه حتى يَردُّوه إلى الكفرِ بعدَ إِيمانِه ، وذلك أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتلِ،
﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ ﴾. أى: هم
مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه ، غيرَ تائبين ولا نازِعِين . فلما نزَل القرآنُ بهذا مِن
الأمرٍ، وفَرَّج اللهُ عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَقِ(٥)، قَبَض رسولُ اللهِ وَهِ العِيرَ
والأسيرَيْن(١).
٣٤٩/٢
(١) بعده فى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: ((فيه الرجال)).
(٢) فى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: ((شعبان)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((يقال)). وفى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: ((تفاءل)).
(٤ - ٤) فى تاريخ المصنف وسيرة ابن هشام: ((لا لهم)).
(٥) الشفق: الخوف . التاج ( ش ف ق ).
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤١٠/٢ - ٤١٣، وذكره ابن هشام فى سيرته ٦٠١/١ - ٦٠٥. وفيهما
زيادة عما هنا .
=

٦٥٤
سورة البقرة : الآية ٢١٧
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ يَشَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ : وذلك أن
رسولَ اللهِ عَ لَه بعَث سَرِيَّةً وكانوا سبعةَ نَفَرٍ (١)، عليهم عبدُ اللهِ بنُ جَحْشِ الأسَدِىُّ،
وفيهم عَمارُ بنُ ياسرٍ ، وأبو محُذَيفةَ بنُ عُتْبَةَ بنِ رَبيعةَ، وسعدُ بنُ أبى وقاصٍ، وعُثْبةُ
ابنُّ غَزْوانَ السُّلَمِىُ، حَلِيفٌ لبنى تَوْفلٍ ، وسُهَيلُ ابنُ بَيْضَاءَ، وعامرُ بنُ فُهَيرةَ ، وَوَاقِدُ
ابنُ عبدِ اللهِ اليَزبوعى، حليفٌ لعمرَ بن [٢٠٢/١ط] الخطابِ . و کتب مع ابنِ جَخْشٍ
كتابًا ، وأمَرِه ألا يَقْرَأَه حتى ينزِلَ بطنَ(٢) مَلَلٍ، فلما نزَل ببطنِ مَلٍ فَتَح الكتابَ ، فإذا
فيه : ((أَنْ سِرْ حتى تَنزِلَ بَطْنَ نَخْلةَ)). فقال لأصحابِهِ: مَن كان يُريدُ الموتَ فَلْيَمضِ
ولْيُوصٍ ، فإنى مُوصٍ وماضٍ لأَمرِ رسولِ اللهِ مَ ◌ّهِ. فسار، وتَخلَّف عنه سعدُ بنُ أبى
وقاصٍ وُتبةُ بنُ غَزْوانَ ، أضاًّا(٣) رَاحلةٌ لهما، فَأَتَيَا بُحْرانَ(٤) يَطْلُبانها ، وسار ابنُ
جَحْشٍ إِلى بَطْنِ نَحْلَةَ ، فإذا هم بالحكم بنِ كَيْسانَ، وعبدِ اللهِ بنِ المُغيرةِ ، والمغيرةِ بنِ
عثمانَ، وعمرو بنِ الحَضْرمِيِّ، فَاقْتَتَلوا، فأَسَروا الحَكَمَ بنَ كَيْسانَ وعبدَ اللهِ بنَ
المُغيرةِ ، وانْقَلَت المغيرةُ ، وقُتِلَ عمرُو بنُ الحَضْرمىِّ ؛ قتَله واقدُ بنُ عبدِ اللهِ ، فكانت
أوَّلَ غَنيمةٍ غَنِمها أصحابُ محمدٍ عَلَهِ. فلما رجَعوا إلى المدينةِ بالأسيرَيْن وما غَنِموا
= وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٣/ ١٨، ١٩ من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق ، عن يزيد وحده
مختصرًا .
وأخرج بعضه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٨٥، ٣٨٦ (٢٠٢٤، ٢٠٣٤، ٢٠٣٨) من طريق سلمة
وعبد الله بن إدریس ، عن ابن إسحاق به .
(١) بعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وأمر)).
(٢) سقط من النسخ، والمثبت مما بعده، ولما فى تاريخ المصنف .
وملل: اسم موضع فى طريق مكة بين الحرمين. معجم البلدان ٤/ ٦٣٧.
(٣) فى م: ((أضل)).
(٤) فى النسخ: ((نجران)). وتقدم مثله فى ص ٦٥١ .

٦٥٥
سورة البقرة : الآية ٢١٧
مِن الأموالِ، أراد أهلُ مكةَ أن يُفَادوا بالأسيرَيْن، فقال النبيُّ عَلَّهِ: (( حتى نَنْظُرَ ما
فَعَل صاحبانا)). فلما رجَع سعدٌ وصاحبُه فادَى بالأسيرين، ففَجَر (١) عليه المشركون
وقالوا: محمدٌ يَزْعُمُ أنه يَتَبَعُ طاعةَ اللهِ ، وهو أوَّلُ مَن اسْتحلَّ الشهرَ الحرامَ، وقَتَل
صاحبَنا فى رجبٍ . فقال المسلمون : إنما قَتَلناه فى جُمادَى - وقيلَ: فى أوَّلِ ليلةٍ من
رَجَبٍ، وآخرٍ ليلةٍ مِن جُمَادَى - وغَمَد (٢) المسلمون سيوفَهم حينَ(٣) دخَل رَجَبٌ ،
فأنزل اللهُ جل وعز يُعَيِّرُ أهلَ مكةَ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ قُلْ قِتَالٌ
فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ لا يَحِلَّ، وما صَنَعتم - أنتم يا معشرَ المشركين - أكبرُ مِن القتلِ فى
الشهرِ الحرامِ، حين كفَرتم باللهِ، وصَدَدْتم عنه محمدًا وأصحابَه. وإخراجُ أهلِ
المسجدِ الحرامِ منه - حينَ أخْرجوا محمدًا - أكبرُ مِن القتلِ عندَ اللهِ . والفِتْنَةُ - هى
الشركُ - أعظمُ عندَ اللهِ مِن القتلِ فى الشهرِ الحرامِ . فذلك قوله: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلٍ
اللَّهِ وَكُفْرًا بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِّ وَاَلْفِتْنَةُ
أَكْبَرُ مِنَ اُلْقَتْلِ﴾().
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانىُ، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سُليمانَ التَّئْمِىُّ،
عن أبيه ، أنه حدَّثه رجلٌ، / عن أبى السَّوَّارِ ، يُحدِّثُه عن مجْدَبِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ٣٥٠/٢
رسولِ اللهِ مَِّلِ أنه بعَث رَهْطًا، فبعَث عليهم أبا عُبَيدةَ، فلما أخَذ لينْطلِقَ بِكَى صَبابةٌ
إلى رسولِ اللهِ وََّمِ، فبعَث رجلاً مكانَه يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ. وكتَب له
كتابًا ، وأَمَره ألََّ يَقْرأَ الكتابَ حتى يَبْلُغَ كذا وكذا، «ولا تُكْرِهَنَّ أحدًا مِن أصحابِك
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣، ونسخة من تاريخ المصنف: ((ففخر)).
(٢) فى م، ت ٢، ونسخة من تاريخ المصنف: ((أغمد)).
(٣) فى ت ٢، ت ٣: ((حتى)).
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٤١٣/٢، ٤١٤ مختصرا عما هنا. وأخرج جزءا منه دون القصة ابن أبى حاتم
فى تفسيره ٣٨٥/٢ (٢٠٢٧) من طريق عمرو به .

٦٥٦
سورة البقرة : الآية ٢١٧
على السيرِ معك)). فلما قرَأ الكتابَ اسْتَرْجَع وقال: سمعًا وطاعةً لأُمرِ اللهِ ورسولِه .
فخَبَّرهم الخبرَ، وقرَأ عليهم الكتابَ، فرجَع رجلان ومضَى بقيتُهم، فلَقُوا ابنَ
الحَضْرمىِّ فَقَتَلوه، ولم يَدْروا ذلك اليومُ من رجبٍ أو مِنْ جُمادَى، فقال
المشركون للمسلمين: فَعلتم كذا وكذا فى الشهرِ الحرامِ. فَأَتَوا النبيَّ عَلَّهِ فحدَّثوه
الحديثَ ، فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ
كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ
عِندَ اللَّهِّ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُ﴾ والفتنةُ هى الشركُ.
وقال بعضُ الذين - أظُتُّه قال - : كانوا فى السَّرِيَّةِ: واللهِ ما قتَله إلا واحدٌ .
فقال : إن يَكُنْ خيرًا فقد وَلِيتُ، وإِن يَكُنْ ذنبًا فقد عَمِلْتُ(٢) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبى نَجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿يَسَْلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ ﴾ . قال: إن رجلاً
من بني تميمٍ أرسَله النبىُّ عَ لَِّ فِى سَرِيَّةٍ ، فمرّ بابنِ الحَضْرِمِيِّ يَحْمِلُ خَمْرًا مِن الطائفِ
إلى مكةَ ، فرَماه بسَهْم فقَتله، وكان بينَ قريشٍ ومحمدٍ عَقْدٌ ، فقتله فى آخرٍ يومٍ من
جُمادَى الآخرةِ ، وأولِ يوم من رجبٍ، فقالت قريشٌ: فى الشهرِ الحرامِ، ولنا
عهدٌ؟! فأنزل اللهُ عز وجل: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرًا
بِهِ﴾، وصدٌّ عن ﴿ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهُ﴾ مِن قتلِ
(١) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٢) فى ت ٢، ت ٣، ونسخة من تاريخ المصنف: ((علمت)).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٤١٥/٢. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٨٤، ٣٨٧ (٢٠٢٢،
٢٠٣٥) من طريق المعتمر به. وأخرجه أبو يعلى (١٥٣٤)، والطبرانى (١٦٧٠)، والبيهقى ٩/ ١٢،١١ من
طرق عن المعتمر به بزيادة فى آخره .

٦٥٧
سورة البقرة : الآية ٢١٧
ابنِ الحَضْرِمِيِّ، ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ﴾ كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ ، أكبرُ مِن هذا كلِّه(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهرىِّ
وعثمانَ الجَزَرِىِّ، عن مِقْسَمِ مَوْلَى ابنِ عباسٍ ، قال: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ عمرو بنَ
الحَضْرَميِّ فى أوّل ليلةٍ من رجبٍ، وهو يَرَى أنه مِن جُمادَى، فقَتَله، وهو أوَّلُ قتيل
مِن المشركين، فعَيَّر المشركون المسلمين فقالوا: أَتَقْتلون فى الشهرِ الحرامِ؟ فأَنزَل
اللهُ: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ النَّهْرِ الْحَرَمِ قِتَالٍ فِيَةِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ الَّهِ
وَكُفْرٌ بِهِ، وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾. يقولُ: وصدِّ عن سبيلِ اللهِ، وكُفْرٌ باللهِ
﴿ وَاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: وصدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ
اللّهِ﴾ من قتلِ عمرو بنِ الحَضْرمِىِّ، ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ ﴾. يقولُ: الشركُ الذى أنتم فيه
أكبرُ مِن ذلك أيضًا. قال الزهرىُّ: وكان النبيُّ عَّهِ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ فى الشھرِ
الحرامِ ثم أُحِلِّ(٢) بَعْدُ(٣).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی أبی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِیهِ
كَبِيرٌ﴾: وذلك أن المشركين صدُّوا رسولَ اللهِ عَ لَه وردُّوه عن المسجدِ الحرامِ فى
شهرٍ حرامٍ ، ففتَح اللهُ على نبيّه فى شهرٍ حرامٍ / مِن العامِ المُقَبلِ، فعابَ الْمُشْرِكون على ٣٥١/٢
رسولِ اللهِ عَّهِ القِتالَ فى شهرٍ حرامٍ، فقال اللهُ جل وعز: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهَّ﴾ مِن القتلِ فيه .
(١) تفسير مجاهد ص ٢٣١، ٢٣٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/١ إلى الفريابى وعبد بن حميد
وابن المنذر .
(٢) بعده فى عبد الرزاق وابن أبى حاتم ((له)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٨٧/١، ٨٨، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٤/٢ (٢٠٢٣) عن الحسن به،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/١ إلى أبى داود فى ناسخه .
( تفسير الطبرى ٤٢/٣ )

٦٥٨
سورة البقرة : الآية ٢١٧
وإن محمدًا بعَث سَرِيَّةٌ ، فَلَقُوا عمرَو بنَ الحَضْرمىِّ وهو مُقْبِلٌ مِن الطائفِ آخرَ ليلةٍ مِن
جُمادَى، وأَوَّلَ ليلةٍ مِن رَجَبٍ، وإنَّ أصحابَ محمدٍ عَّهِ كانوا يَظُنون أن تلك
الليلةَ مِن جمادَى، وكانت أوَّلَ رجبٍ ولم يَشْعُروا، فَقَتَله رجلٌ منهم واحدٌ ، وإن
المشركين أرْسَلوا يُعَيِّرونه بذلك، فقال اللهُ جل وعز: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْخَرَامِ
قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك [٢٥٣/١ و] أكبرُ منه، ﴿ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ
اُللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ﴾ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ
أكبرُ مِن الذى أصاب(١) أصحابُ(٢) محمدٍ، والشّرْكُ باللهِ أشَدُّ(٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن حُصَينٍ ،
عن أبى مالكٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ
كَبِيرٌ﴾. إلى قوله: ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اُلْقَتْلُ﴾. استكبَروه(٤) ، فقال:
وَاُلْفِتْنَةُ﴾: الشِّرْكُ الذى أنتم عليه مُقِيمون ﴿أَكْبَرُ﴾ مما اسْتَكبرتم .
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُّ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن
مُحصَين، عن أبى مالكِ الغفارىِّ، قال: بعَث رسولُ اللهِ عَلِ عبدَ اللهِ بنَ جَخْشٍ فى
جيشٍ، فَلَقِىَ ناسًا مِن المشركين يبَطْنِ نَخْلةَ، والمسلمون يَحْسَبون أنه آخرُ يومٍ مِن
جُمادَى، وهو أولُ يومٍ مِن رجبٍ ، فَقَتَلَ المسلمون ابنَ الحَضْرمِيِّ ، فقال المشركون :
(١) فى ت ١: ((أصحاب)).
(٢) سقط من النسخ، والمثبت من تفسير ابن أبى حاتم .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢/ ٣٨٥، ٣٨٦ (٢٠٢٦، ٢٠٢٨، ٢٠٣١، ٢٠٣٢) من طريق
محمد بن سعد به .
(٤) كذا فى النسخ فى هذا الموضع وما بعده؛ من الاستكبار - وهو استعظام الشىء - وتقدم فى كلام
المصنف فى ص ٦٤٩: قتل ابن الحضرمى الذى استنكرتم. وهى كذلك فى تفسير مجاهد فى الأثر الآتى :
استنكرتم .

٦٥٩
سورة البقرة : الآية ٢١٧
ألستم تَزْعُمون أنكم تُحرِّمون الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ ، وقد قَتَلتم فى الشهرِ الحرامِ ؟
فَأَنزَل اللهُ: ﴿ يَسْشَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَكْبُ عِندَ اللَّهِ﴾
من الذى اسْتَكْبرتم(١) مِن قتلِ ابنِ الحَضْرِمِيِّ، ﴿وَاَلْفِتْنَةُ ﴾ التى أنتم عليها
مُقِيمون، يعنى الشركَ، ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُّ﴾.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ ، قال - وكان
يُسَمِّيهما (١) - يقولُ: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّمِيمِىُّ عمرو بنَ الحَضْرِمِيِّ يبَطْنِ نَخْلَةَ
فقتله .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريج، قال :
قُلْتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةٍ﴾ فى مَن نزَلت ؟ قال :
لا أَدْرِى. قال ابنُ مُرَيج: وقال ◌ِكْرمةُ ومجاهدٌ: فى عمرو بنِ الحَضْرَمِيِّ . قال ابنُ
مجرَيجٍ: وأخْبَرنا ابنُ أبى تحسينٍ، عن الزُّهْرِىِّ(٤) ذلك أيضًا .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جُرَيجٍ، قال :
قال مُجاهدٌ: ﴿قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرَّ بِهِ، وَاُلْمَسْجِدِ
اُلْحَرَامِ ﴾. قال: يقولُ: صدِّ عن المسجدِ الحرام، وإخراج أهلِه منه، فكلُّ هذا أكبرُ
مِن قتلِ ابنِ الحَضْرِمِيِّ، ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اٌلْقَتْلُ﴾، كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ
أكبرُ مِن هذا كلِّه .
(١) فى تفسير ابن أبى حاتم: ((استنكرتم)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٣٢ من طريق حصين به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٥١/١ إلى عبد بن
حمید .
(٣) فى م، ت٢، ت٣: ((يسميها))، وفى ت١: ((يسمها))، والمثبت هو الصواب.
(٤) فى ت ١، ت ٣: ((الزبيرى)).

٦٦٠
سورة البقرة : الآية ٢١٧
٣٥٢/٢
حُدِّثْتُ عن الحُسينِ بنِ الفرج، قال : سمِعتُ أبا معاذِ الفَضْلَ بنَ خالدٍ ، قال :
أَخْبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهلىُّ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ فى قولِه :
﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيَةِ / قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾: كان أصحابُ
محمدٍ مِّ الِ قَتَلوا ابنَ الحَضْرمىِّ فى الشهرِ الحرامِ ، فَعَيَّرَ المشركون المسلمين بذلك ،
فقال اللهُ : قتالٌ فى الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وأكبرُ مِن ذلك صدِّ عن سبيلِ اللهِ و کفرٌ به
وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ .
وهذان الخبران اللذان ذَكَرناهما عن مجاهدٍ والضحاكِ يُنْبِئان عن صِحَّةٍ ما قُلْنا
فى رفعِ (الصدّ)) به (١)، وأن رافِعَه ﴿أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾. وهما يُؤْكِّدان صحةَ ما روَينا
فى ذلك عن ابنِ عباسٍٍ، ويَدُلَّان على خطأً مَن زعَم أنه مرفوعٌ على العطفِ على
(الكبير)). وقولِ مَن زعم أن معناه: وكبيرٌ صدِّ عن سبيلِ اللهِ. وزعم أن قولَه:
﴿وَإِخْرَجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهُ ﴾. خَبِرٌ مُنْقِطِعٌ عما قبلَه مبتدأٌ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أُخْبَرنا إسماعيلُ بنُ سالم،
عن الشَّغْبىِّ فى قوله: ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُ﴾. قال: يعنى به الكُفْرَ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِخْرَاجُ
أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللَّهُ﴾ مِن ذلك. ثم عَيَّر المشركين بأعمالِهِم أعمالِ السُّوءِ
فقال: ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اٌلْقَتْلُ﴾. أى: الشركُ باللهِ أكبرُ مِن القتلِ(٢).
وبمثلِ الذى قُلْنا مِن التأويلِ فى ذلك رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ .
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی ابی ، عن
(١) كذا فى النسخ، ولعل صواب الكلام: فى رفع الصد والكفر به. وينظر ما تقدم فى ص ٦٤٩.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٦/٢ عقب الأثر (٢٠٣١) من طريق شيبان، عن قتادة نحوه .