النص المفهرس
صفحات 621-640
٦٢١ سورة البقرة : الآية ٢١٣ اللَّهُ بأنهم كانوا أمّةً واحدةً ؛ فقال بعضُهم: هم الذين كانوا بينَ آدمَ ونوحٍ، وهم عَشَرةُ قرونٍ ، كلُّهم كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاختلفوا بعدَ ذلك . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن عِكرمةً، عن ابنِ عباسٍ ، قال : كان بينَ نوحٍ وآدمَ عشَرةُ قرونٍ ، كلَّهم على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاخْتَلَفوا، فبعث اللَّهُ النَّبِينَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرين. قال: وكذلك هى فى قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (كان الناسُ أُمَةً واحدةً فاختلفوا)(٢). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أَخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةٌ ﴾. قال: كانوا على الهُدَى جميعًا، فاخْتَلِفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِّرِينَ / وَمُنذِرِينَ﴾. فكان أولَ نبيِّ يُعِثَ (٣) نوعٌ(). ٣٣٥/٢ فتأويلُ الأُمةِ على هذا القولِ الذى ذكرناه عن ابنِ عباسٍ، الدِّينُ، كما قال النابغةُ الذُّيْيانِىُّ(٤) : حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرِكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةٌ وَهَلْ يَأْثُمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طائِعُ (١ - ١) فى م، ت٢: (( بن منبه). (٢) أخرجه الحاكم ٥٤٦/٢ من طريق محمد بن بشار به، وأخرجه البزار (٢١٩٠ - كشف)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٦/٢ (١٩٨٣) من طريق همام به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى ابن المنذر . (٣) تفسير عبد الرزاق ٨٢/١، وأخرجه أيضًا ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٦/٢ (١٩٨٥) عن الحسن بن يحيى به، وأخرجه أيضًا (١٩٨٧) من طريق سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة . (٤) ديوانه ص ٥١. ٦٢٢ سورة البقرة : الآية ٢١٣ يعنى ذا الدينٍ. فكان تأويلُ الآيةِ على معنى قولٍ هؤلاء: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً مُجْتمِعةً على مِلةٍ واحدةٍ(١) ودينٍ واحدٍ، فاخْتَلَفوا، فبعث اللَّهُ النَّبِين مُبشِّرين ومُنْذِرين . وأصلُ الأُمَّةِ الجماعةُ تَجْتْمِعُ على دينٍ واحدٍ ، ثم يُكْتَفَى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ ﴾ [المائدة: ٤٨]. يُرادُ به أهلُ دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ . فوجَّه ابنُ عباسٍ فى تَأْوِيلِه قولَه: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ إلى أن الناسَ كانوا أهلَ دينٍ واحدٍ حتى اختلَفوا . وقال آخرون : بل تأويلُ ذلك: كان آدمُ على الحقِّ إمامًا لذُرِّيتِهِ ، فبعَث اللَّهُ النَّبِين فى ولدِه . ووَجَهوا معنى الأَمةِ إلى الطاعةِ للَّهِ والدُّعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِهِ، من قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿ إِنَّ إِبْرَهِيمَ كَانَ أُمَّةً فَانِنًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [ النحل: يعنى بقوله: ﴿أُمَّةً﴾: إمامًا فى الخيرِ يُقْتدَى به، ويُتَبعُ عليه . ذِكْرُ مَن قال ذلك [٩٢/٥ط] حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾. قال: آدمُ(١). حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن ابنٍ جُرَيج، عن مجاهدٍ مثلَه (٤). (١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٢) سقط من: الأصل . (٣) تفسير مجاهد ص ٢٣١. (٤) تفسير سفيان ص ٦٦، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٥/٢ (١٩٨١)، وعزاه السيوطى فى = ٦٢٣ سورة البقرة : الآية ٢١٣ حدَّثْنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾. قال: آدمُ. قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عشَرةُ أنبياءَ، فبعَث اللَّهُ النَِّين مُبشِّرِين ومُنذرِين، ( يقالُ: فنشَر من آدمَ الناسَ، فبعَث فيهم النَّبِينَ مُبشِّرِين ومنذرِين). قال مجاهدٌ: آدمُ أُمّةٌ واحدةٌ . وكأن مَن قال هذا القولَ اسْتَجاز تَسْمِيةً(٢) الواحدِ باسم الجماعةِ، لاجتماع خِلالِ (٢) الخيرِ التى(٤) تكونُ فى الجماعةِ المتفرقةِ فى من سمَّه بالأُمّةِ. كما يقالُ : م فلانٌ أمةٌ (وحدَه. بمعنى أنهْ) يَقومُ مَقامَ الأَمةِ. وقد يَجوزُ أن يكونَ سمَّاه بذلك؛ لأنه سَببٌ لاجتماع الأشتاتِ (١) مِن الناسِ على ما دعاهم إليه من خِلالِ (١) الخيرِ، فلما كان آدمُ صلى اللَّهُ عليه سببًا لاجتماع مَن اجْتَمع على دينِه مِن ولدِه إلى حالٍ اخْتِلافِهم ، سمَّاه بذلك أُمّةً . وقال آخرون : بل معنى ذلك : كان الناسُ أَمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ ، يومَ اسْتخرجَ ذُرِّيّةَ آدمَ مِن صلبِهِ ، فعرَضهم على آدمَ . ذِكْرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿كَانَ = الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى وكيع وعبد بن حميد. (١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت٢، ت ٣. (٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بتسمية). (٣) فى م: ((أخلاق))، وفى ت ٢: ((خلاف). (٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الذى)). (٥ - ٥) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((واحدة)). (٦) فى م، ت!، ت٢، ت٣: ((الأسباب)). ٦٢٤ سورة البقرة : الآية ٢١٣ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ . وعن أبيه، عن الربيع، عن أبى العاليةِ، عن أبىِّ بنِ كعبٍ، قال: كانوا أمةً واحدةً، حيثُ عُرِضُوا على آدمَ، فَطَرهم(١) اللَّهُ(٢) يومَئذٍ على ٣٣٦/٢ الإسلام، وأقرُّوا له بالعُبودةِ، وكانوا أَمةً واحدةً مُسْلمِين كلَّهم / ثم اخْتلَفوا مِن بعد آدمَ، فكان أُبِّ يقرَأُ : ( كان الناسُ أمةً واحدةً فاختلفوا فبعث اللَّهُ النبيين مبشرين ومنذرين ) إلى (فيما اختلفوا فيه ) وأنّ اللَّهَ إنما بعث الرسلَ، وأَنزَل الكتبَ عندَ (٣) ٠ الاختلاف حدّثنى يونُسُ، قالَ: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةٌ﴾ . قال: حينَ أُخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّـ غيرَ ذلك اليومِ، ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِينَ﴾. قال: هذا حين تَفْرَّقَتِ الأُمُ(٤). وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ نظيرُ تأويلٍ ١٢ مَن قال بقولِ ابنِ عباسٍ ، أن الناسَ كانوا على دينٍ واحدٍ فيما بينَ آدمَ ونوحٍ. وقد بيَّنا معناه هنالك ، إلا أن الوقت الذى كان الناسُ فيه أَمةٌ واحدةٌ مُخالفٌ الوقتَ الذى وَقَّتَه ابنُ عباسٍ. وقال آخرون بخلافٍ ذلك كلِّه، وقالوا: إنما معنى قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾: " كان الناسُ أُمّةً واحدةً على الكفرِ بِاللَّهِ) ، فبعث اللَّهُ النَِّين. (١) فى الأصل: ((فطرهم)). (٢) زيادة من تفسير ابن أبى حاتم . (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٦/٢ (١٩٨٢، ١٩٨٤) من طريق أبى جعفر به. (٤) ينظر تفسير القرطبى ٣٠/٣، والبحر المحيط ١٣٥/٢. (٥) بعده فى م: ((قول)). (٦ - ٦) سقط من: ت١، ت٢، ت٣، وفى م: ((على دين واحد)). ٦٢٥ سورة البقرة : الآية ٢١٣ ذِكْرُ مَن قال ذلك [٩٣/٥و] حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال : ثنى أبِى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً ﴾. يقولُ: (١ كانوا كفارًا)، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَِّنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾(١). وأوْلَى التأويلاتِ فى هذه الآيةِ بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ عز وجل أخْبرَ عبادَه أن الناسَ كانوا أَمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ . كما حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً ﴾. يقولُ: دينًا واحدًا؛ على دينٍ آدمَ، فاخْتَلفوا، ﴿ فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾. وكان الدينُ الذى كانوا عليه دينَ الحقِّ، كما قال أُبِىُّ بن كعبٍ . وكما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: هى فى قراءة ابن مسعودٍ: (اخْتَلَفوا " عنه): عن٣ الإسلامِ(٤). قال أبو جعفر : فاختلَفوا فى دينهم ، فبعث اللَّهُ عندَ اختلافِهم فى دينهم النَِّينَ مُبشرينَ ومُنذرين ، وأَنزَل معهم الكتابَ ليحكُمَ بينَ الناسِ فيما اختلفوا فيه، رحمةً منه جل ذِْرُه بخلقِه واعتذارًا منه إليهم . (١ - ١) فى م: (( كان دينا واحدا)). (٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٥/١ عن العوفى، عن ابن عباس، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم من طريق العوفى، عن ابن عباس، وهو فى تفسير ابن أبى حاتم ٣٧٦/٢ (١٩٨٣) من طريق عكرمة ، عن ابن عباس . (٣ - ٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فيه على)). (٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٣/١ إلى المصنف، وابن المنذر. ( تفسير الطبرى ٤٠/٣ ) ٦٢٦ سورة البقرة : الآية ٢١٣ وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك الوقتُ الذى كانوا فيه أمةً واحدةً ، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوح عليهما السلامُ، كما روَى (١) عِكرمةُ، عن ابن عباسٍ، وكما قاله قتادةُ. وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللهُ بالأمةِ آدمَ). وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك حينَ عَرَض على آدمَ خلقَه . وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك فى وقتٍ غيرِ ذلك، ولا دلالةَ من كتابِ اللَّهِ ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ على أىِّ هذه الأوقاتِ كان ذلك. فغيرُ جائزٍ أن نقولَ(٢) فيه إلا ما قال اللّهُ عز وجل فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً ، فبعث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتَلَفوا - الأنبياء والرسلَ. ولا يَضرُّنا الجهلُ بوقتٍ ذلك، كما لا ينفعُنا العلمُ به؛ إذ لم يَكُنِ العلمُ به للَّهِ طاعةٌ ، غيرَ أنه أُّ ذلك كان ، فإن دليلَ ٣٣٧/٢ القرآنٍ واضحٌ على أن الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم / أنهم كانوا أُمةً واحدةً، إنما كانوا أُمّةٌ واحدةٌ على الإيمانِ ودين الحقِّ دونَ الكفرِ باللَّهِ والشركِ به، وذلك أن اللَّهَ جلّ وعزّ قال فى السورةِ التى يُذْكَرُ فيها ((يُونسُ)): ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَّةً وَحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن زَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. فتَوَّد جل ذكرُه على الاختلافِ لا على الاجتماعِ، ولا على كونهم أمةً واحدةً، ولو كان اجتماعُهم قبلَ الاختلافِ کان علی الکفرِ ، ثم كان الاختلافُ(٤) بعدَ ذلك، لم يَكُنْ إلا بانتقالِ بعضِهم إلى الإيمانِ ، ولو كان ذلك كذلك، لكان الوَعدُ أُوْلَى بحكمتِهِ جل ثناؤه فى ذلك الحالِ مِن الوَعيدِ ؛ لأنها [٩٣/٥ظ] حالُ إنابةِ بعضِهم إلى طاعتِه، ومُحالٌ أن يَتَوَّدَ فى حالِ التوبةِ والإنابةِ ، ويَتركَ ذلك فى حالٍ اجتماع الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ . (١) بعده فى الأصل: ((عن)). (٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٣) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: ((يقول)). (٤) فى الأصل: ((اختلاف)). ٦٢٧ سورة البقرة : الآية ٢١٣ وأما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِنَ مُبَشِرِينَ﴾. فإنه يعنى أنه أرسَل رسلًا يُبشِّرون مَن أطاع اللَّهَ بجزيلِ الثوابِ وكريمِ المآبِ . ويعنى بقولِه: ﴿ وَمُنذِرِينَ﴾: ينذرون مَن عصَى اللَّهَ فكفَر به بشدةِ العقابِ ، وسوءِ الحسابِ، والخُلودِ فى النارِ، ﴿وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيَّةٍ ﴾. يعنى بذلك: لَيَحْكُمَ الكتابُ وهو التوراةُ بينَ الناسِ فيما اخْتَلَف المُختلِفون فيه . فأضاف جل ثناؤُه الحُكْمَ إلى الكتابِ ، وأنه الذى يَحكُمُ بينَ الناسِ دونَ النَّبِين والمُرسلين، إذ كان مَن حكَم مِن النَّبِين والمُرسلين بحُكمٍ(١) ، إنما يَحْكُمُ بما دلَّهم عليه الكتابُ الذى أنزله اللَّهُ تبارك وتعالى، فكان الكتابُ بدَلالتهِ على ما دلّ (١) على صِخَّتِه من الحُكْم، حاكمًا بينَ الناسِ ، وإن كان الذى يَفْصِلُ القضاءَ بينَهم به (٣) غيرَه . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوْتُوُهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تُهُمُ اٌلْبَيِّنَتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَمَا أُخْتَلَفَ فِيهِ﴾: وما اخْتَلَف فى الكتابِ الذى أَنزَله وهو التوراةُ ، ﴿ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ ، يعنى بذلك اليهودَ مِن بنى إسرائيلَ، وهم الذين أوتوا التوراةَ والعلمَ بها. والهاءُ فى قوله: ﴿فِيهِ﴾. عائدةٌ على الكتابِ الذى أنزلَه اللَّهُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾. يعنى بذلك: مِن بعدِ ما جاءتهم حججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذى اخْتَلَفوا فيه وفى أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ ، وأنه الحقُّ (١) فى الأصل: ((يحكم)) . (٢) بعده فى م: ((وصفه) . (٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣. (٤) فى م: ((أوتوه)) . ٦٢٨ سورة البقرة : الآية ٢١٣ الذى لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه ، ولا العملُ بخلافٍ ما فيه . فأخبر تعالى ذِكْرُه عن اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ أنهم خالَفوا حكم (١) التوراة، واخْتلَفوا فيه على علم منهم بخطأ (٢) ما يَأَتُّون، مُتَعمدِين الخلافَ على اللَّهِ فيما خالَفوه فيه مِن أمرِه و(٣) حكمٍ کتابه . ثم أُخْبَر جل ثناؤه أن تَعمَّدَهم الخطيئةَ التى أَتَوها(٢) ، ورُكوبَهم المعصيةَ التى رَكِبُوها مِن خِلافِهم أمرَه ، إنما كان منهم بغيًا بينَهم . والبغىُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بَغَى فلانٌ على فلانٍ بغيًّا. إذا طَغَى [٩٤/٥ و] واعتدَى عليه فجاوز حدَّه، ومِن ذلك قيلَ للجرح إذا اشتدَّ وتورَّم: بغَى يبغِى بَغْيًا)، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى . كلُّ ذلك بمعنى واحدٍ ، وهى زيادتُه وتجاوزُه حدَّه. فمعنَى قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ﴾. مِن ذلك، يقولُ: لم يَكُنِ اختلافُ هؤلاءِ المُختلِفين مِن اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ فی کتابی ٣٣٨/٢ الذی أنزلتُه مع نبئٍ عن جهلٍ منهم به ، بل / کان اختلافُھم فیه وخلافُ حُكمِهِ مِن بعدِ ما ثَّبَت حجتُه عليهم بغيًا بينهم، طَلَبَ الرياسةِ مِن بعضِهم على بعضٍ، واستذلالًا مِن بعضِهم لبعضٍ . كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن (١) فى م: ((الكتاب)). (٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣. (٣) سقط من: الأصل. (٤) فى م، ت١، ت٣: ((أنزلها)). (٥ - ٥) فى م: ((أمد)). ٦٢٩ سورة البقرة : الآية ٢١٣ الربيعِ، قال: ثم رجَع إلى بنى إسرائيلَ فى قوله: ﴿ وَمَا أُخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾. يقولُ: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلمَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تُهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَاً بَيْنَهُمَّ﴾. يقولُ: بغيًّا على الدنيا، وطَلَبَ مُلْكِها وزُخْرِفِها وزينتِها ، أَيُّهم يكونُ له الملكُ والمَهابةُ فى الناسِ، فبغَى بعضُهم على بعضٍ، وضرَب بعضُهم رقابَ (٢) بعضٍ(٢). ثم اخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى ﴿مِنْ﴾ التى فى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ اَلْبَيِّنَتُ﴾ ما حكمُها ومعناها؟ وما المعنى المستثنى من قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ﴾؟ فقال بعضُهم: المستثنى () مِن ذلك الذين(٥) أوتوا الكتابَ، وما بعدَه صلةٌ له. غيرَ أنه زعم أن معنى الكلام: وما اخْتَلف فيه إلا الذين أُوتوه بغيًّا بينهم مِن بعدٍ ما جاءتهم البيناتُ . وقد أنكر ذلك بعضُهم فقال: لا مَعْنَى لما قال هذا القائلُ، ولا لتَقْدِيمِ البَغْيِ قبلَ ﴿مِنْ﴾؛ لأن ﴿ مِنْ﴾ إن(١) كان الجالِبُ لها البَغْىَ، فخطأً أن يتقدَّمَه(٢)؛ لأن البغىَ مَصْدرٌ، ولا تَتقدَّمُ صلةُ المَصدرِ عليه. وزعَم منكِرُ ذلك أن ﴿ الَّذِينَ ﴾ مُسْتَثْنَى، (١ - ١) فى الأصل: ((يضرب)). (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٧/٢ (١٩٩٠، ١٩٩١) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية ، عن أبى بن كعب . (٣ - ٣) فى م: ((المنتسق فى)). (٤) سقط من : م. (٥) فى م: ((للذين)). (٦) فى م: ((إذا)). (٧) فى م: (( تتقدمه)). ٦٣٠ سورة البقرة : الآية ٢١٣ وأن ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ﴾. مُسْتَنَّى، وأن ﴿بَغْيَا﴾ مستثنَى، وأن كلَّ حرفٍ من ذلك مستثنى باستثناءٍ غيرِ الاستثناءِ الآخرِ ، وأن تأويلَ الكلامِ : وما اْتَلَف فيه إلَّ الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه(٢) إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ. فكأنه كرّر الكلامَ توكيدًا . وهذا القولُ الثانى أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن القومَ لم يَخْتلِفوا إلا مِن بعدٍ قيامٍ الحجة عليهم ومجىءٍ البيناتِ مِن عندِ اللَّهِ ، وكذلك لم يختلفوا [٩٤/٥ظ] إلا بغيًا . فذلك أشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ . القولُ فى تأويلِ قِولِه: ﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِهِ مِنَ الْحَقِّ ٣ بِإِذْنِهِ، وَاَللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرٍَّ مُسْتَقِيمٍ يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾: فوقَّق اللَّهُ الذين آمنُوا - وهم أهلُ الإِيمانِ باللّهِ وبرسولِه محمدٍ عَ لِّ المُصدِّقين به وبما جاء به أنه مِن عندِ اللَّهِ - لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه . وكان اختلافُهم الذى خذَلهم اللَّهُ فیه، وهدی له الذين آمنوا بمحمدٍ مِّه، فوقَّقهم لإصابتهِ، الجُمُعةَ؛ ضَلُّوا عنها وقد فُرْضَتْ عليهم كالذى فُرِضَ علينا، فجعَلوها السبتَ، فقال ◌َ له: ((نحن الآخِرُون السَّابِقون، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتِيناه مِن بعدِهم، وهذا(٢) اليومُ الذى اخْتَلَفوا فيه ، فهدانا اللَّهُ له ، فلليهودِ غدًا، وللنصارَى بعدَ غدٍ)) . حدَّثنا بذلك (٤)ابنُ حُميد٤ٍ) ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابنِ إِسحاقَ ، عن عياضٍ بنِ (١ - ١) سقط من ت١، ت٢، ت ٣، وفى م: ((باستثناء آخر)). (٢) سقط من: ت١، ت٢، ت ٣. (٣) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: ((هو). (٤ - ٤) فى م: ((أحمد بن حميد))، وفى ت١: ((حمد بن حميد)). ٦٣١ سورة البقرة : الآية ٢١٣ دينارِ الليثيّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسم عَلَه. فذكر (١) الحديثَ(١) . حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أْبرَنا مَعْمرٌ، عن الأَعْمَشِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ: ﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾. قال: قال النبىُ / عَ ◌ّهِ: ((نحن الآخِرون الأوَّلون يومَ ٣٣٩/٢ القيامةِ، نحن أولُ الناسِ دُخولًا الجنةَ، يَيْدَ أنهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتيناه مِن بعدِهم، فهدانا اللَّهُ لما اخْتَلَفوا فيه مِن الحقِّ بإذنِه، فهذا اليومُ الذى هدانا اللهُ له ، والناسُ لنا فيه تَبَعّ، غدًا لليهودِ، وبعدَ غدٍ للنصارى))(٢). وكان مما اخْتلَفوا فيه أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ، وهو ما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. للإسلام، واختلفوا فى الصلاةِ، فمنهم مَن يُصَلَّى [٩٥/٥,] إلى المشرقٍ، ومنهم مَن يُصلِّى إلى بيتِ المقدسِ، فهدانا اللَّهُ للقِبْلةِ. واخْتلَفوا فى الصيامِ ، فمنهم مَن يَصومُ بعضَ يومٍ ، وبعضُهم بعضَ ليلةٍ ، وهدانا اللَّهُ له . واخْتلَفوا فى يومِ الجُمعةِ ، فأخَذت اليهودُ السبتَ وأخَذت النصارَى الأَحدَ ، فهدانا اللَّهُ له . واخْتَلَفوا فى إبراهيمَ، فقالت اليهودُ: كان يهوديًّا. وقالت النصارى: كان نصرانيًّا . (١) أخرجه الحميدى (٩٥٤، ٩٥٥)، وأحمد ٢٦٠/١٢، ٣٦١ (٧٣١٠، ٧٣٩٩)، والبخارى (٢٣٨، ٨٧٦، ٢٩٥٦، ٦٨٨٧، ٧٤٩٥)، ومسلم (٨٥٥)، وأبو يعلى (٧٢٦٩)، والنسائى (١٣٦٦)، وابن خزيمة (١٧٢٠)، والبيهقى ٣/ ١٧٠، ١٧١ من طريق الأعرج وطاوس، عن أبى هريرة. (٢) تفسير عبد الرزاق ٨٢/١، ومن طريقه أحمد ١٣٥/١٣ (٧٧٠٦)، ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٧/٢ (١٩٩٢)، وأخرجه أحمد ٣٦٣/١٢ (٧٤٠١)، ومسلم (٨٥٥) من طرق عن الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٢/١ إلى ابن المنذر. ٦٣٢ سورة البقرة : الآية ٢١٣ فبَأه اللَّهُ مِن ذلك، وجعَله حنيفًا مسلمًا، فهدَى اللَّهُ أمةَ محمدٍ عَلِّ للحقِّ من ذلك، وقال: ﴿مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيَّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمَاً() وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] الذين يدَّعونه مِن أهلِ الشركِ. واختلفوا فى عيسى ، فجعَلته اليهودُ لِفِريةٍ ، وجعلَته النصارى ربًّا، فهدانا اللَّهُ للحقّ فيه. فهذا الذى قال اللَّهُ: ﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾(١). قال(٣): فكانت هدايةُ اللَّهِ جل ثناؤه الذين آمنوا بمحمدٍ عَ لَّهِ وبما جاء به لِما اخْتَلف هؤلاء الأحزابُ مِن بنى إسرائيلَ الذين أُوتُوا الكتابَ فيه مِن الحقِّ بإذنِه، أن وَقَّقهم لإصابةِ ما كان عليه مِن الحقِّ مَن كان قبلَ المُختلِفِين الذين وصَف اللَّهُ صِفْتَهم فى هذه الآيةِ إذ كانوا أَمَّةً واحدةً ، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ ، فصاروا بذلك أمةٌ واحدةٌ(٤) وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم ، ليكونوا شهداء على الناسِ . كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِهِ﴾: فهداهم اللَّهُ عندَ الاختلافِ؛ أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسلُ قبلَ الاختلافِ ، أقاموا على الإخلاص للَّهِ وحدَه وعبادتِه لا شريكَ له ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاةِ ، فأقاموا على الأمرِ الأولِ الذى كان قبلَ الاختلافِ، واعْتَزلوا الاختلافَ وكانوا شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ؛ كانوا شهداءَ على قومٍ نوحٍ، [٩٥/٥ ] وقوم هودٍ، وقومٍ صالحٍ، (١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣. (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٨/٢ (١٩٩٤) من طريق يونس ، عن ابن وهب عن ابن زيد، عن أبيه . (٣) سقط من: الأصل. (٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣. ٦٣٣ سورة البقرة : الآية ٢١٣ وقوم شعيبٍ ، وآلٍ فرعونَ، أَن رُسُلَهم قد بَلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم .. وهى (٢) قراءةٍ أَتَىٌّ بنِ كعبٍ : ( "وليكونوا" شهداء على الناسِ يومَ القيامةِ واللَّهُ يَهْدِی مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم ). فكان أبو العاليةِ يقولُ: فى هذه الآيةِ المَخْرُجُ مِن الشُّبُهاتِ والضلالاتِ والفتنِ(٤) . حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾. يقولُ: اختلف الكفارُ فيه ، فهدَى اللَّهُ الذين آمنوا للحقِّ مِن ذلك. وهى فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ : (فهدَى اللَّهُ الذين آمنوا لما اختلفوا (°عنه): عنْ) الإسلامِ(١). وأما قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى جل ثناؤه: بعلمِه (بهم لِما هداهم له. وقد بيَّنَّا معنى الإذنِ إذا كان بمعنى العلم فى غيرِ هذا الموضع، بما أغنى عن إعادته هلهنا (*). وأما قولُه: ﴿ وَاللّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإنه يعنى به: واللَّهُ يُسَدِّدُ مَن يَشاءُ مِن / خلقِه، فيُرشدُه إلى الطريقِ القويم، على الحقِّ الذى لا اعوجاجَ ٣٤٠/٢ (١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٦٥/١ عن الربيع، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٨/٢ (١٩٩٣) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية ، عن أبى . (٢) زيادة من: م. (٣ - ٣) فى م: ((لتكونوا)). (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٨/٢ (١٩٩٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية . (٥ - ٥) فى م: ((فيه على))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((فيه عن)). (٦) ينظر ما تقدم فى ص ٦١١. (٧ - ٧) فى م، ت١: ((بما)). (٨) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((إذ)). (٩) ينظر ما تقدم فى ٣٦٠/٢. ٦٣٤ سورة البقرة : الآية ٢١٣ فيه، كما هدَى الذين آمنوا بمحمدٍ عَّ الِ لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه بغيًا بينَهم ، فسدَّدهم لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيه . وفى هذه الآيةِ البيانُ الواضحُ على صحةِ ما قاله أهلُ الحقِّ مِن أن كلَّ نعمةٍ على العبادِ فى دينهم أو دنياهم ، فمِن اللَّهِ . فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾. أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟ فإن كان هداهم للاختلافِ فإنما أضلَّهم، وإن كان هداهم للحقِّ فكيف قيلَ: ﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِیهِ ﴾ ؟ قيل : إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ذهَبْتَّ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى اللَّهُ الذين آمنوا للحقِّ مها (١) اختلف فيه مِن كتابِ اللَّهِ الذين أُوتوه، فكفَر بتَبْديلِه بعضُهم ، وثبت على الحقِّ والصوابِ فيه بعضُهم ، وهم أهلُ التوراةِ الذين بدَّلوها ، فهدَى اللَّهُ للحقِّ مما بدَّلوا وحرّفوا الذين آمنوا مِن أَمةِ محمدٍ عَلِّ . قال أبو جعفرٍ : فإِن أَشْكَل ما قُلْنا على ذى غَفْلةٍ ، فقال: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ذلك كما قُلْتَ، و﴿ مِنَ﴾ إنما هى [٩٦/٥و] فى كتابِ اللَّهِ فى ﴿الْحَقِّ﴾، واللامُ فى قوله: ﴿لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ فى ﴿الْحَقِّ﴾، و﴿ مِنَ﴾ فى ((الاختلافِ))، فى التأويلِ الذى تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا ؟ قيل : ذلك فى كلام العربٍ موجودٌ مُسْتَفيضٌ، واللَّهُ تبارك وتعالى إنما خاطَبهم بِمَنْطقِهم، فمِن ذلك قولُ الشاعرِ(٢): (١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيما)). (٢) تقدم فى ص ٤٨. ٦٣٥ سورة البقرة : الآيتان ٢١٣ ، ٢١٤ كانَتْ فَرِيضَةُ ما تَقُولُ كما كانَ الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجمِ وإنما الرجمُ فريضةُ الزِّناء، وكما قال الآخر(١): إِنَّ سِرَاجًا لكرِيمٌ مَفْخَرُهْ تَحْلَى(٢) به العَينُ إذا ما تَجْهَرُهْ وإنما السّرائجُ الذى يَحْلَى(١) بالعين، لا العينُ بالسراجُ. وقد قال بعضُهم: إن معنى قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أُخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ ﴾ أن أهلَ الكتبِ الأولِ اختلفوا، فكفَر بعضُهم بكتابٍ بعضٍ، وهى كلٌّ (٤) مِن عندِ اللَّهِ، فهدَى اللَّهُ أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ عَظِهِ للتصديقِ بجميعِها. وذلك قولٌ ، غيرَ أن الأولَ أصحُ القولين؛ لأن اللَّهَ إنما أخبَر باختلافِهم فى كتابٍ واحدٍ . القولُ فى تأويل قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ (٢١٤ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهُّ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبُ أما قولُه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾. فإنه(٥) اسْتَقهم بـ(( أَمْ)) فى ابتداءٍ لم يَتقدَّمْه حَرْفُ اسْتِفهامٍ ، لشُبوقٍ(١) كلامٍ هو به مُتَصِلٌ، ولو لم يَكُنْ قبلَه كلامٌ يكونُ به متصلًا وكان ابتداءً ، لم يكن إلا بحرفٍ مِن حروفِ الاستفهام؛ لأن قائلًا لو كان قال مبتدئًا كلامًا لآخرَ: أم عندَك أخوك. لكان قائلًا ما لا معنى له، ولكن لو قال: / أنت رجلٌ ٣٤١/٢ (١) فى الأصل: ((الراجز)). وتقدم البيت فى ص ٤٨. (٢) فى الأصل: ((تجلا)). (٣) فى م: ((بسراج)) . (٤) فى م: (( كلها)) . (٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: (( كأنه)). (٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لمسبوق)). ٦٣٦ سورة البقرة : الآية ٢١٤ مُدِلٌّ بقُوتِك أم عندَك أخوك ينصُرُك. كان مُصِيبًا . وقد بيًَّا بعضَ هذا المعنى فيما مضَى مِن كتابنا هذا بما فيه الكفايةُ عن (١) إعادتِهُ) . [٩٦/٥ظ] فمعنى الكلام: أحسبتم أنكم أيُّها المؤمنون باللهِ ورسوله(١) تَدْخلون الجنةَ ولم يُصِبْكم مِثْلُ ما أصاب مَن قبلَكم مِن أتباع الأنبياءِ والرسلِ مِن الشدائد والمحنِ والاخْتِبارِ، فَتُبْتَلُوا بما ابتُلوا واخْتُبِروا به مِن البأساءِ، وهى شدَّةُ الحاجةِ والفاقةِ ، والضراءِ، وهى العِلَلُ والأوصابُ، ولم تُزلزلوا زلزالَهم. يعنى: ولم يُصِبْهم مِن أعدائِهم مِن الخوفِ والرُّعْبِ شِدةٌ وجَهٌ شديدٌ حتى يَسْتبطئَ القومُ نصرَ اللهِ إياهم، فيقولوا: متى اللهُ ناصرُنا. ثم أخبرهم اللهُ أن نصرَه منهم قريبٌ ، وأنه مُعْلِيهم على عدوّهم، ومُظْهِرُهم عليه، فنجَز(١) لهم ما وعدَهم، وأَعْلَى كلمتَهم، وأطفأ نارَ حرب الذين كفروا . وهذه الآيةُ - فيما يَزْعُمُ أهلُ التأويلِ - نزَلت يومَ الخندقِ ، حین لَقِى المؤمنون ما لَّقُوا مِن شِدَّةِ الجَهْدِ ، مِن خوفِ الأحزابِ ، وشدةِ أذى البردِ ، وضيقِ العَيْشِ الذى كانوا فيه يومئذٍ، يقول اللهُ جل وعز للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِهِ مَ له: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَذْكُرُوْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَمَّ تَرَوَّهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴿ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَأْ ١٠ هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالَا شَدِيدًا﴾ [ الأحزاب: ٩ - ١١]. (١) ينظر ما تقدم فى ٤١٢/٢، ٤١٣، ٥٨٥، ومعانى القرآن للفراء ١٣٢/١. (٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رسله)). (٣) فى الأصل: ((فينجز)). ٦٣٧ سورة البقرة : الآية ٢١٤ ذِكْرُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ يومَ الخندقِ(١) حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السُّدىِّ: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِلُواْ﴾. قال: أصابهم(١) هذا يومَ الأحزابِ، حتى(٢) قال قائلُهم: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قنادةَ فى قولِهِ: ﴿ وَلَمَا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرّآءُ﴾. قال: نزَلت فى يوم الأحزابِ، أصابَ رسولَ اللهِ عَ لَهِ وأصحابَه بلاءٌ وحصْرٌ، فكانوا كما قال اللهُ جل وعز: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠]. وأما قولُه: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ﴾. فإن عامةَ أَهلِ [٩٧/٥و] العربيةِ يَتَأوَّلونه بمعنى: ولم يَأْتِكُمْ. ويَزْعُمون أن ((ما)) صِلَّةٌ وحَشْوٌ . وقد بَّنْتُ القولَ فى (( ما )) التى تُسَمِّيها أهلُ العربيةِ صِلةً ، ما حُكمُها ، فی غیرِ هذا الموضعِ بما أَعْنَى عن إعادتِه(١). وأما معنى قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾. فإنه يعنى: شَبَهُ الذين خَلَوا فمضَوا قبلَكم . (١) فى م: ((الأحزاب)). (٢) فى م: ((نزل))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نزلت)). (٣) فى م: ((حين)). (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٨٠/٢ (٢٠٠٤) من طريق عمرو به. (٥) تفسير عبد الرزاق ٨٣/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٣/١ إلى ابن المنذر. (٦) ينظر ما تقدم فى ٤٢٩/١، ٤٣٠، ٢٣٤/٢، ٢٣٥. ٦٣٨ سورة البقرة : الآية ٢١٤ وقد دَلَّلتُ فى غيرِ هذا الموضع على أن المثَّلَ الشَّبَهُ(١). وبنحوِ الذى قُلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذِكْرُ مَن قال ذلك ٣٤٢/٢ حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ / اُلْجَنَّةَ﴾. إلى قوله: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ﴾. قال: يقولُ: أم حسبتم أن تدخُلوا الجنةَ ولما تُبتَلُوا، يقولُ: ﴿ وَلَمَا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾. يقولُ: سُننُ الذين من قبلكم، ﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَآءُ وَزُلْزِلُواْ ﴾. حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال : حدثنى حجاجٌ ، عن عبدِ الملكِ بنِ جُرَيجٍ، قال قوله: ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ . قال: هو خيرُهم وأعلمُهم باللهِ . وفى قوله: ﴿ حَّ يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ وجهان مِن القراءةِ؛ الرفعُ، والنصبُ (٣). فمَن رفَع يقولُ، فإنه لمّا كان يَحْسُنُ فى موضعِه ((فَعَل)) (٩) بطَل(٢) عملُ ((حتى)) فيها، لأن ((حتى)) غيرُ عاملةٍ فى ((فعل))، وإنما تَعْملُ فى ((يفعل))، وإذا تَقدَّمها ((فعل))، وكان الذى بعدَها ((يفعل))، وهو مما قد فُعِلَ وفُرِغَ منه، وكان ما قبلَها مِن الفعلِ غيرَ مُتطاولٍ، فالفصيحُ مِن كلامِ العربِ حينئذٍ الرفعُ فى ((يفعل))، وإبطالُ (١) ينظر ما تقدم فى ٤٢٨/١ وما بعدها . (٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٩/٢ (١٩٩٨) من طريق ابن أبى جعفر به. (٣) بالرفع قرأ نافع وحده، وقرأ الباقون بالنصب. ينظر السبعة لابن مجاهد ص ١٨١. (٤) أى : صيغة الماضى . (٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أبطل)). ٦٣٩ سورة البقرة : الآيتان ٢١٤، ٢١٥ عملِ ((حتى)) عنه، وذلك كقولِ القائلِ: قُمْتُ إلى فلانٍ حتى أضربُه . فالرفعُ هو الكلامُ الصحيحُ فى ((أضربُه))، إذا أراد: قُمْتُ إليه حتى ضَربتُه. إذا كان الضربُ قد كان وفُرِغَ منه، وكان القيامُ غيرَ مُتَطاولِ المُدةِ. فأما إذا كان ما قبلَ ((حتى)) مِن الفعلِ على لفظِ ((فَعَل)) متَطاولَ المُدةِ ، وما بعدَها مِن الفعلِ على لفظٍ غيرِ مُنْفَضٍ، فالصحيحُ مِن الكلامِ نَصْبُ ((يفعل)) وإعمالُ ((حتى))، وذلك نحوُ قولِ القائلِ: ما زال فلانٌ يَطْلُبُك حتى يُكَلِّمَك، وجعَل يَنظُرُ إليك حتى يُثْتَك. فالصحيحُ مِن (١) الكلامِ الذى لا يَصِحُ غيرُه النَّصْبُ بـ ((حتى))، كما قال الشاعرُ(١): [٩٧/٥ظ] مَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ فَتَصَب ((تَكِلَّ)) والفعلُ الذى بعد ((حتى)) ماضٍ؛ لأن الذى قبلَها مِن المَطْوِ مُتَطاوِلٌ . والصحيحُ مِن القراءةِ - إذا كان ذلك كذلك -: ﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾. بِنَصْبٍ (٢) ﴿يَقُولَ﴾، إذ كانت الزَّلزلةُ فِعلاً مُتَطاوِلًا، مِثْلَ المَطْوِ بالإبلِ، وإنما الزَّلزلةُ فى هذا الموضع الخوفُ مِن العدوِّ، لا زلزلةُ الأرضِ، فلذلك كانت مُتطاولةً، وكان النصبُ فى ﴿ يَقُولَ﴾، وإن كان بمعنى ((فعل))، أفْضَحَ وأصحَّ مِن الرفعِ فيه . القولُ فى تأويل قوله: ﴿ يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَّ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِينَ وَاَلْتَ وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، (١) فى الأصل: ((فالفصيح)). (٢) هو امرؤ القيس، والبيت فى ديوانه ص ٩٣. (٣) والقراءتان كلتاهما صواب مقروء بهما . (٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((نصب)). ٦٤٠ سورة البقرة : الآية ٢١٥ ٢١٥١ عَلِيمٌ يعنى جل ثناؤه بذلك: يسألُك أصحابُك يا محمدُ ، أىُّ شىءٍ يُنْفقون مِن أموالهم فيتَصدقون به، وعلى مَن يُثْفِقونه، و(١) فيما يُنْفقون ويَتَصدقون به؟ فقُلْ لهم: ما أَنْفَقتم مِن أموالكم وتَصدَّقتم به فأنْفِقُوه وتَصدَّقوا به واجعَلوه لآبائِكم وأمهاتكم وأقْرَبِيكم ، ولليتامى منكم والمساكين وابن السبيلِ ، فإنكم ما تأتوا مِن خيرٍ ٥ وتَصْنعوه إليهم ، فإن الله به عليمٌ ، وهو مُخْصِيه لكم حتى يُوفيكم أجورَ كم عليه يومَ القيامةِ ، ويُثبتَكم على ما أُطَعْتموه باحتسابِكم فى نفقتِكم عليهم . والخيرُ الذى قال جل ثناؤُه فى قوله: ﴿قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ﴾. هو المالُ الذى سأل رسولَ الله عَ لِ أصحابُه عن (١) النفقةِ منه، فأجابهم الله تبارك وتعالى عنه بما أجابَهم به فى هذه الآيةِ . وفى قوله: ﴿ مَاذَا﴾ وجهان مِن الإعرابِ؛ أحدُهما، أن يكونَ ﴿ مَاذَا﴾ ٣٤٣/٢ بمعنى: أيَّ شىءٍ؟ فيكونَ نصبًا بقولِه: / ﴿ يُنفِقُونَ﴾. فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ : يسألونك أىَّ شىءٍ يُنْفِقون؟ ولا يُنْصَبُ بـ ﴿يَسْئَلُونَكَ والآخرُ [٩٨/٥و] منهما، الرفعُ. وللرفع فى ذلك وجهان؛ أحدُهما ، أن يكونَ ((ذا)) الذى مع ((ما)) بمعنى الذى، فُترفَعُ ((ما)) بـ ((ذا))، و((ذا)) بـ((ما))، و ((يُنْفِقون)) مِن صلةِ ((ذا))، فإن العربَ قد تَصِلُ ((ذا)) و((هذا))، كما قال الشاعرُ): (١) سقط من: م. (٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: « پاحسانكم عليه)). (٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)). (٤) هو يزيد بن مفرغ الحميرى، والبيت فى معانى القرآن للفراء ١/ ١٣٨، والأغانى ١٨/ ٢٧٠، واللسان (ع د س ).