النص المفهرس

صفحات 581-600

٥٨١
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابنُ جريج فى
قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَى﴾. قال: إذا غَضِب.
فمعنى الآيةِ: وإذا خرَج هذا المنافقُ من عندِك يا محمدُ غَضْبانَ ، عَمِل فى
الأرضِ بما حرَّم اللَّهُ عليه، وحاول فيها معصيةَ اللَّهِ ، وقَطْعَ الطريقِ، وإفسادَ السُبلِ
على عبادِ اللَّهِ، كما قد ذكَرْنا آنفًا من فعلِ الأخنسِ بنِ شَرِيقِ الثَّقَفِىِ، الذى ذكر
السدِّىُّ أن فيه نزلَتْ هذه الآيةُ؛ من إحراقِهِ زُروعَ المسلمِین وقَتْلِه ◌ُمُرَهم .
والسَّعْىُ فى كلام العربِ: العملُ ، يقالُ منه: فلانٌ يَشْعَى على أهلِه . يعنى
به : يَعْمَلُ فيما يعودُ عليهم نفعُه. ومنه قولُ الأعشى(١):
قَيْسٌ فِضَرَّ عَدُوَّها وبَنَى لهَا
وسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْىَ غيرِ مُوَاكِلٍ
يعنى بذلك : عَمِل لها فى المكارمِ .
وكالذى قلْنا فى ذلك كان مجاهدٌ يقولُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: [٥٨١/٥] ﴿وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِى الْأَرْضِ﴾. قال:
(٢)
عَمِلُ(٢) .
/ واختلف أهلُ التأويل فى معنى الإفسادِ الذى أضافَه اللَّهُ إلى هذا المنافقِ؛ ٣١٧/٢
فقال بعضُهم : تأويلُه ما قلْنا فيه من قَطْعِه الطريقَ وإخافته السبيلَ ، على ما قد ذكونا
(١) ديوانه ص ٣١ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٦/٢ (١٩٢٦) من طريق ابن أبى نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٩/١ إلى عبد بن حميد مطولًا.

٥٨٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
قبلُ من فعلِ الأُخنسِ بنِ شَرِيقٍ .
وقال بعضُهم: بل معنى ذلك: قَطْعُ الرَّحِمِ وسَفْكُ دماء المسلمين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حَجّاجْ، عن ابنٍ جريج فى قوله :
﴿َسَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: قَطَعَ الرَّحِمَ، وسَفَكَ الدماءَ؛ دماء المسلمين،
فإذا قيل: لِمَ تَفعلُ كذا وكذا؟ قال: أَتَقرَّبُ به إلى اللَّهِ.
والصوابُ من القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف هذا المنافقَ بأنه إذا
تولَّى مديرًا عن رسولِ اللَّهِ عَلَّه عَمِل فى أرضِ اللَّهِ بالفسادِ، وقد يَدخُلُ فى الإفسادِ
جميعُ المعاصى، وذلك أن العملَ بالمعاصى إفسادٌ فى الأرضِ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ
وصْفَه ببعضٍ معانى الإفسادِ دونَ بعضٍ. وجائزٌ أن يكون ذلك الإفسادُ منه كان
بمعنى قَطْع الطريقِ، وجائزٌ أن يكونَ كان يقطَعُ الرحمَ ويسفِكُ الدماءَ)، وجائزٌ أن
يكونَ كان غيرَ ذلك، وأىُّ ذلك كان منه فقد كان إفسادًا فى الأرضِ ؛ لأن ذلك
كان منه للَّهِ معصيةٌ ، غيرَ أن الأَشبهَ بظاهرِ التنزيلِ أن يكونَ كان يقطعُ الطريقَ،
ويُخِيفُ السبيلَ ؛ لأن اللَّهَ وصَفَه فى سياقِ الآيةِ بأنه يسعَى فى الأرضِ ليُفسِدَ
فيها ، ويُهلِكَ الحرثَ والنَّسْلَ، وذلك بفعلٍ مُخيفى السُّئُّلِ، أشبهُ منه بفعلِ قُطّاع
الرَّحِم .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلِ﴾ .
اختلف أهلُ التأويلِ فى وجهِ إهلاكِ هذا المنافقِ - الذى وصَفَه اللَّهُ بما وصَفَه به
(١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.

٥٨٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
من صفتِه (١) - الحرثَ والنسلَ ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك منه إحراقًا لزرع قومٍ من
المسلمين، وعَقْرًا لحُمُرِهم .
حدَّثنى بذلك موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدى(٢).
وقال آخرون بما حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا عَّامٌ، قال: ثنا النَّصْرُ بنُ عَرَبِىِّ ،
عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ
وَالنَّسْلُّ ﴾ الآية. قال: إذا ولَّى(٣) سعى [٨١/٥ظ] بالعَدَاءِ(٤) والظلم، فيَحبِسُ اللَّهُ
بذلك القطرَ ، فيُهْلِكُ الحرثَ والنسلَ ، واللَّهُ لا يحبُّ الفسادَ. قال: ثم قرأ مجاهدٌ :
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيَدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]. قال: ثم قال: أَمْ واللَّهِ ما هو بَخْرَكم هذا، ولكنْ
كلُّ قريةٍ على ماءٍ جارٍ فهو بَخْرٌ(١).
والذى قاله مجاهدٌ وإن كان مذهبًا من التأويلِ تَحتمِلُه الآيةُ ، فإن الذى هو أشبهُ
بظاهرِ التنزيلِ من التأويلِ ما ذكَرْنا عن السدِّىِّ ، فلذلك اخترناه .
وأما الحرثُ فإنه الزريُ، والنسلُ: العَقِبُ والولَدُ، وإهلاكُه الزرعَ: إحراقُه.
وقد يجوزُ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ باحتباسِ القطرِ من أجلِ معصيتهِ ربَّه، وسَغْيِهِ
بالإِفسادِ فى الأرضِ . وقد يحتمِلُ أن يكونَ كان بقَتْلِه القُوَّام به والمتعاهدِین له، حتى
(١) فى م: ((صفة إهلاك)).
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥٧٢ .
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((تولى)). وهما بمعنى.
(٤) فى م: ((فى الأرض بالعدوان)).
(٥) فى م، ت: ((أما)). و((أم)) هنا حرف افتتاح للتنبيه بمنزلة ((ألا)) و((أما)). ينظر خزانة الأدب ٦٤/١١.
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٧/٢ (١٩٣١) من طريق النضر بن عربى به مختصرًا، وسيأتى مرة
أخرى فى تفسير الآية (٤١) من سورة الروم .

٥٨٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
فسَد فهلَك. وكذلك جائزٌ فى معنى إهلاكِه النسلَ أن يكونَ كان بِقَتْلِهِ أُمّهاتِه أو
آباءَه التى منها يكونُ النسلُ، فيكونُ فى قتلِه الآباء والأمهاتِ انقطاعُ نسلِهما .
وجائزٌ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ ، غير أن ذلك وإن کان محتمِلتُه الآیةُ ، فالذی هو
أَوْلَى بظاهرِها ما قاله السدىُّ، غيرَ أن السدىَّ ذكَر أن الذى نزلتْ فيه هذه الآيةُ إِنما
نزلتْ فیه(١) فی قتله حُمرًا لقوم / مسلمین، وإحراقِه زرعًا لهم . وذلك وإن كان جائزًا
أن يكونَ كذلك، فغيرُ فاسدٍ أن تكونَ الآيةُ نزَلتْ فيه والمرادُ بها كلُّ مَن سَلَك سبيلَه
فى قتلٍ كلِّ ما قتل من الحیوانِ الذى لا يَحِلُّ قتلُه بحالٍ ، والذی یحِلُّ قتلُه فى بعضِ
الأحوالِ ، إذا قتَله بغيرِ حقٍّ ، بل ذلك كذلك عندى؛ لأن اللَّهَ لم يَخْصُصْ من ذلك
شيئًا دونَ شىءٍ ، بل عَمَّه .
٣١٨/٢
وبالذى قلْنا فى عمومِ ذلك قالتْه جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَّارٍ، قال : ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا : ثنا سفيانُ، عن
أبى إسحاقَ، عن التَّميمِىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ
قال : "الحرثُ الحرثُ، والنسلُ) نَسْلُ كلِّ دايّةٍ .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ،
عن التميمىٌّ، أنه سأل ابنَ عباسٍ، قال: قلتُ: أرأيتَ قولَه: ﴿اُلْحَرْثَ
وَالنَّسْلُّ﴾؟ قال: الحرثُ حرثُكم، والنسلُ نسلُ كلِّ دايّةٍ(٣).
(١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٧/٢ (١٩٣٠، ١٩٣٣) من طريق إسرائيل به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٣٩/١ إلى وكيع والفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.

٥٨٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكَامٌ، عن عَنْبَسةً، عن أبى إسحاقَ ، عن
التميمىّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ [٨٢/٥و] عن الحرث والنسلِ، فقال : الحرثُ مما
تَحَرْتُون، والنسلُ نسلُ كلِّ دَابّةٍ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطرِّفٍ، عن أبى
إسحاقَ ، عن رجلٍ من تميمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ﴾: أَمَّا النسلُ، فَتَسْلُ كلِّ
دابّةٍ ، والناسِ أيضًاً(١) .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنى عيسى ، عن ابن أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾. قال: نباتَ الأرضِ،
﴿ وَالنَّسْلِّ﴾: مِن كلِّ شىءٍ(٢) من الحيوانِ، من الناسِ والدوابِّ(٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُّ ﴾ قال: (٢الحرثُ الحرثُ)، والتّسلُ
نسلُ كلِّ شيءٍ(٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا هُشَیمٌ ، عن جوییٍ ،
عن الضّحّاكِ، قال : الحرثُ النباتُ ، والنسلُ نسلُ كلِّ دابيّةٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٧/٢ (١٩٣٤) عن محمد بن سعد به .
(٢) فى م: ((دابة تمشى))، وفى ت١، ت٢، ت ٣: (( دابة شىء)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٩/١ إلى عبد بن حميد.
(٤ - ٤) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((نبات الأرض)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨١.

٥٨٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٥
حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ:
﴿ وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾. قال: الحرثُ الذى يَحْرُتُه الناسُ؛ نباتُ الأرضِ،
﴿ وَالنَّسْلِّ ﴾ : نسلُ كلِّ دابَةٍ(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجْ، عن ابنٍ نجريجٍ، قال :
قلتُ لعطاءٍ: ﴿ وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلِّ﴾. قال: الحرثُ الزرعُ، والتَّسلُ من
الناسِ والأنعام. قال: يَقتُلُ نسلَ الناسِ والأنعام (١) . قال: وقال مجاهدٌ: يَتَغِى فى
الأرضِ هلاكَ الحرثِ؛ نباتِ الأرضِ، والنسلِ مِن كلِّ شيءٍ من الحيوانِ(٣).
حدَّثنى يحيى بنُ أبى طالبٍ ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جويبرٌ، عن
الضّحّاكِ فى قوله: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلِّ﴾. قال: الحرثُ الأصل،
والنسلُ نسلُ(٤) كلِّ دابّةٍ ، والناسُ منهم (١).
/ حدَّثنى ابنُ عبدِ الرحيم البَرْقِىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، قال : سُئل
سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ عن فسادِ الحرثِ والنسلِ، وما هما، و"أَىُّ حرثٍ وأيُّ نسلٍ؟
قال سعيدٌ: قال محكولٌ: الحرثُ ما تحرُثون، وأما النسلُ فنسلُ كلِّ دايةٍ(٨).
٣١٩/٢
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٧/٢ عقب الأثر (١٩٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٦/٢ (١٩٢٧) من طريق حجاج به مختصرًا .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٧/٢ عقب الأثر (١٩٣٤) معلقًا.
(٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٧/٢ (١٩٣٢) من طريق على بن الحكم، عن الضحاك مختصرًا .
(٦) فى م: ((عمر)).
(٧) سقط من : م.
(٨) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((شىء).
والأثر ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٧/٢ عقب الأثر (١٩٣٠، ١٩٣٣) معلقًا .

٥٨٧
سورة البقرة : الآيات ٢٠٤ - ٢٠٦
وقد قرأ بعضُ القرأةِ: ( ويُهْلِكُ الحَثَ والَّسْلَ)(١) برفع ((يُهْلِكُ)) بمعنى:
ومن النَّاسِ مَنْ يُعجِئُك قولُه فِى الحياةِ الدُّنيا ، ويُشهِدُ اللَّهَ على ما فِى قلبِه وهو ألَّدُّ
الخصام ، ويُهْلِكُ الحرثَ والَّسلَ، وإذا تولَّى سعَى فى الأرضِ ليُفسِدَ فِيها، واللَّهُ لا
يُحِبُّ الفسادَ. فيَرُدُّ ((وَيُهْلِكُ)) على ﴿وَيُشْهِدُ﴾ عطفًا به عليه .
وذلك قراءةٌ عندى غيرُ جائزةٍ وإن كان لها مَخرجُ فى العربيةِ ؛ لمخالفتِها ما عليه
الحجةُ مُجمِعةٌ من القراءةِ فى ذلك(٢) ، وأن ذلك فى قراءةٍ أَبيِّ بنِ كعبٍ ومُصْحفِه
فيما [٨٢/٥ظ] (٣ ذُكِر لنا٢): (ليُفْسِدَ فيها ولِيُهْلِكَ الحرثَ والنسلَ)(٤). وذلك من
أدلِّ الدليلِ على تصحيح قراءةٍ من قرَأ ذلك: ﴿ وَيُهْلِكَ ﴾ بالنصبِ عطفًا به على
﴿ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ
(٢٠٥
يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: واللَّهُ لا يحبُّ المعاصىَ، وقطعَ السبلِ، وإخافةً
الطرقِ ، "والفسادَ).
والفسادُ : مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: فسَد الشىءُ يفسُدُ . نظيرُ قولِهم: ذهَب
يَذْهَبُ ذَهابًا. ومن العربِ مَن يجعَلُ مصدرَ ((فسَد)) فُسُودًا، ومصدرَ ((ذَهَب
يَذْهَبُ )) ذُهوبًا .
القولُ فى تأويل قولِه: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِّ فَحَسْبُهُ
(١) البحر المحيط ١١٦/٢.
(٢) بعده فى م: ((قراءة ويهلك الحرث والنسل))، وبعده فى ت ١، ت٢، ت ٣: ((ويهلك الحرث والنسل)).
(٣ - ٣) فى م: ((ذكرنا)).
(٤) القراءة غير متواترة، ينظر إعراب القرآن للنحاس ١/ ٢٥٠، والبحر المحيط ١١٦/٢.
(٥ - ٥) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.

٥٨٨
سورة البقرة : الآية ٢٠٦
جَهَزٌَّّ وَلَيْسَ الْمِهَادُ
يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: وإذا قيل لهذا المنافقِ الذى نَعَت نعتَه لنبيِّه ◌ِ لَهِ، وأخبرَه
أنه يُعجِبُه قولُه فى الحياةِ الدنيا: اتَّقِ اللَّهَ، وخَفْه فى إفسادِك فى أرضِ اللَّهِ، وسَغْيِك
فيها بما حرَّم اللَّهُ عليك من معاصِيه، وإهلاكِك حُروثَ المسلمين ونسلَهم . اسْتَكْبرَ
ودخلَتْه ◌ِزَّةٌ وحَمِيَّةٌ بما حرَّم اللَّهُ عليه، فتمادَى فى غَيِّه وضلالِه . قال اللَّهُ جل ثناؤه :
فکفاه عقوبةً من غَيِّه وضلالِه صِلُّ نارٍ جهنمَ ، وبئسَ المِهادُ هی لصالِيها .
واختلف أهلُ التأويلِ فى مَن عَنَى بهذه الآيةِ ؛ فقال بعضُهم: عَنَى بها كلَّ
فاسقٍ(١) منافقٍ .
(١)
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيع، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ ، قال : ثنا
بِسْطامُ بنُ مسلم ، قال: ثنا أبو رَجاءِ العُطارِدىُّ، قال: سمِعتُ عليًّا فى هذه الآيةِ :
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾. قال علىِّ: اقْتَتَلا وربِّ الكعبةِ(٢).
حدَّثْنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْرِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ
بِالْعِبَادِ﴾. قال: كان عمرُ بنُ الخطابِ / إذا صلّى الشُبْحَةَ(١) وفرَغ، دخَل
٣٢٠/٢
(١) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: (( و)).
(٢) أخرجه الخطيب ١٣٥/١١ من طريق جعفر بن سليمان به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٨/٢
(١٩٣٧) من طريق أبى رجاء العطاردى به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/١ إلى وكيع وعبد بن حميد
والبخاری فى تاريخه .
(٣) السبحة: صلاة النافلة. اللسان (س ب ح ).

٥٨٩
سورة البقرة : الآيتان ٢٠٦، ٢٠٧
مِرْبَدًا (١) له ، فَأَرْسَل إلى فتيانٍ قد قرَءوا القرآنَ، منهم ابنُ عباسٍ وابنُ أخى عُيَيْنَةً .
قال: فَيَأْتُون فيَقْرَءون القرآنَ [٨٣/٥و] وَيَتدارَسونه، فإذا كانت القائلةُ انْصَرف.
قال: فمروا بهذه الآية: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾، ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَهُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال ابنُ
زيدٍ : وهؤلاء المجاهدون فى سبيلِ اللهِ . فقال ابنُ عباسٍ لبعضٍ مَن كان إلى جنبِه :
اقْتَل الرجلان . فسمِع عمرُ ما قال ، فقال: وأىَّ شىءٍ قلتَ ؟ قال : لا شىءَ يا أميرَ
المؤمنين. قال : ماذا قلتَ : اقْتَتل الرجلان ؟ قال : فلمَّا رأى ذلك ابنُ عباس قال :
أَرَى هلهنا مَن إذا أُمِر بتقوى اللَّهِ أخَذتْه العِزَّةُ بالإثم ، وأَرَى مَن يَشْرِى نفسَه ابتغاءَ
مرضاةِ اللَّهِ، يَقومُ هذا فَيَأْمُرُ هذا بتقوى اللَّهِ ، فإذا لم يَقْبَلْ وأخَذتْه العَزَّةُ بالإثم ، قال
هذا: وأنا أَشْرِى نفسى. فقاتَلَه، فَاقْتَتَل الرجلان . فقال عمرُ: للَّهِ تِلادُكُ(٢) يابنَ
(٣)
عباسٍ(٣) .
وقال آخرون : بل عنَى بها الأخنسَ بنَ شَرِيقٍ ، وقد ذكَرْنا مَن قال ذلك فيما
مضَى .
وأمَّا قولُه: ﴿ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ فإنه يعنى به: لبئسَ الفِراشُ والوِطاءُ جهنَمُ
التى أَوْعَدها جلَّ ثناؤه هذا المنافقَ، ووطَّأها لنفسِه بنفاقِه وفجورِه وتمُّدِه على ربِّه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ
اللَّهِ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ومِن الناسِ مَن يبيعُ نفسَه بما وعَد اللَّهُ المجاهدين فى
(١) المربد: كالحجرة فى الدار. اللسان (رب د ).
(٢) فى ت٢: ((بلادك)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/١ إلى المصنف.

٥٩٠
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
سبيله، وابتاع به أنفسَهم بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُمْ بِأَنَ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾ [التوبة:
وقد دلَّلْنا على أن معنى ((شرَى)): ((باع))، فى غيرِ هذا الموضعِ بما أغنَى عن
(١)
إعادتِه(١).
وأمَّا قولُه: ﴿ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. فإنه يعنى أن هذا الشارىَ يَشْرِى إذا
شرّى، طلَبَ مرضاةِ اللَّهِ . ونُصِب قولُه: ﴿أَبْتِغَاءَ﴾ بقولِه: ﴿يَشْرِى﴾. كأنه
قال : ومِن الناسِ مَن يَشْرِى مِن أجلِ ابتغاء مرضاةِ اللَّهِ. ثم ترَك ((من أجلٍ)) وعمِل
فيه الفعلُ .
وقد زَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنه نصَب ذلك على الفعلِ (١) على ﴿ يَشْرِى﴾.
كأنه قال: لابتغاء مرضاةِ اللَّهِ. فلمَّا نزَع اللامَ عمِل الفعلُ. قال: ومثلُه: ﴿حَذَرَ
اُلْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩]. قال: وقال الشاعرُ وهو حاتم (":
وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ
وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَِّيمِ تَكْوُّما
وقال: لمَّ أَذْهَب اللامَ أعْمَل فيه الفعلَ .
وقال بعضُهم: "إنما ذلك" مصدرٌ وُضِع موضعَ الشرطِ وموضعَ ((أن))،
فيَحْسُنُ فيها الباءُ واللامُ، فيقولُ: أتيتُك مِن خوفِ الشرِّ، ولخوفِ الشرّ، وبأن
خِفتُ الشرّ. فالصفةُ غيرُ معلومةٍ ، فحُذِفت وأَقِيمَ المصدرُ مُقامَها . قال: ولو كانت
الصفةُ حرفًا واحدًا بعينِه لم يَجُزْ حذفُها، كما غيرُ جائزٍ لمن قال : فعلتُ هذا لك
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٤٦/٢، ٢٤٧.
(٢) أى: على أنه مفعول لأجله .
(٣) ديوانه ص ٨١.
(٤ - ٤) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((أيما).

٥٩١
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
ولفلانٍ . [٨٣/٥ظ] أن يُشْقِطَ اللامَ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى مَن نَزَلت هذه الآيةُ فيه ومَن عُنِى بها؛ فقال
بعضُهم: نزَلت فى المهاجرين والأنصارِ، وعُنِى بها المجاهدون فى سبيلِ اللهِ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٣٢١/٢
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
قال: هم المهاجرون والأنصارُ(١).
وقال بعضُهم : بل نزَلت فى رجالٍ مِن المهاجرين بأعيانِهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْحٍ، عن
عكرمةَ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾. قال:
أَنْزِلت فى صُهَيْبٍ بنِ سِنَانٍ وأبى ذرِّ الغفارىِّ جُنْدُبٍ بن السَّكَنِ، أَخَذ أهلُ أبى ذَرّ أبا
ذَرِّ، فانْفَلت منهم، فقدِم على النبيِّ سَ لَّهِ، فلمّا رجَع مُهاجِرًا عَرَضُوا له، و كانوا مرّ
الظّهرانِ، فانفلَت أيضًا حتى قَدِمَ على النبيِّ عَ لَّه، وأمَّا صُهَيْبٌ فأخَذه أهلُه،
فاقْتَدى منهم بمالِه، ثم خرَج مهاجرًا فأدركَه قُنفذُ(٢) بنُ عُمَيرِ بنِ بُدْعَانَ، فخرَج له
ممّا بقِى من مالِه، وخلَّى سبيلَه(٣).
(١) تفسير عبد الرزاق ص ٨١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٩/٢ (١٩٤٢) عن الحسن بن يحيى به .
(٢) فى م: ((منقذ)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٠/١ إلى المصنف والطبرانى عن عكرمة. وأخرجه الطبرانى
(٧٢٨٩) - ومن طريقه ابن عساكر ٢٢٩/٢٤ - من طريق محمد بن ثور، عن ابن جريج به ليس فيه =

٥٩٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
حُدِّثتُ عن عمَّارٍ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع
قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الَّهِ﴾ الآية. قال:
" كان رجلٌ مِن أهل مكةَ أَسْلَمَ، فأراد أن يأتىَ النبيَّ مَ ◌ّهِ وَيُهَا جرَ إلى المدينةِ ، فمنَعوه
وحبسوه، فقال لهم: أَعْطِيكم دارى ومالى وما كان لى مِن شىءٍ فخَلُّوا عَنِّى،
فَأَلْحَقَ بهذا الرجلِ . فأبَوْا ، ثم إن بعضَهم قال لهم : خُذوا منه ما كان له مِن شىءٍ،
وَخَلَّوا عنه. ففعلوا، فأعطاهم دارَه ومالَه، ثم خرَج فَأَنْزَل اللَّهُ على النبيِّ عَِّ
بالمدينةِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ﴾ الآية. فلمَّا دنا مِن المدينةِ تلقَّاه ◌ُمرُ
فى رجالٍ، فقال له عُمرُ: ربح البيعُ. قال: وبيعُك فلا يَحْسَرُ، وما ذاك؟ قال: أَنْزَل
اللَّهُ فيك كذا وكذا (١).
وقال آخرون : بل عُنِی بذلك كلُّ شار نفسَه فى طاعةِ اللهِ وجهادٍ فی سبیلِه ،
أو أمرٍ بمعروفٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : حدثنى حسينُ بنُ الحسنِ أبو عبدِ اللهِ ، قال : ثنا
ابنُ عَوْنٍ ، عن محمدٍ ، قال : حمَل هشامُ بنُ عامرٍ على الصفِّ حتى خرَقه ، فقالوا :
أَلْقَى بيدِه . فقال أبو هريرةً: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ
اُلّهِ ﴾().
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدَامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن
= عكرمة. وأخرجه الطبرانى أيضا (٧٢٩٠) - ومن طريقه ابن عساكر ٢٢٩/٢٤ - من طريق محمد بن
ثور، عن ابن جريج ، عن عكرمة بقصة صهيب وحده مختصرا .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٨/٢، ٣٦٩ عقب الأثر (١٩٣٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤٠/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
٠.٤٠٠

٥٩٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن قيسٍ بنِ أبى حازمٍ ، [٨٤/٥و] عن المغيرة، قال: بعَث
عمرُ جيشًا فحاصَروا أهلَ حصنٍ ، فتقدَّم رجلٌ مِن بَجيلةَ فقَاتَلَ ، فقُتِل، فأكثَرَ الناسُ
فيه؛ يقولون: أَلْقَى بيدِه إلى التهلكةِ . قال: فبلغ ذلك عمرَ بنَ الخطابِ ، فقال :
كَذَبوا، أليس اللَّهُ يقولُ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ
وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾(١)؟.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا هشام، عن قتادةَ، قال: حمَل
هشامُ بنُ عامٍ على / الصفِّ حتى شقَّه، فقال أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن ٣٢٢/٢
يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اَللَّهِ ﴾
حدَّثْنَا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِىُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٌّ ، قال: ثنا
حزمُ(١) بنُ أَبِى حزم، قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. أَتدرون فيمَ أَنْزِلت ؟ أَنْزِلت فى أن
المسلمَ لقِى الكافرَ فقال له : قلْ: لا إلهَ إلاّ اللَّهُ، فإذا قلتَها عصَمتَ دمَك ومالَك إلَّ
بحقِّهما . فأتى أن يقولَها، فقال المسلمُ : واللَّهِ ، لَأَشْرِيَنَّ نفسى للَّهِ. فتقدَّم فقاتَل
حتى قُل(٢) .
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال: ثنا أبو نُعَيْم ، قال : ثنا زيادُ بنُ أبى مسلم ، عن
أبى الخليلِ، قال: سمِع عمرُ إنسانًا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾. قال: اسْترجَعَ عمرُ فقال: إنا للَّهِ وإِنَّا إليه
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٩/٢ (١٩٤٠) من طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٤٠/١ إلى وكيع والفريابى وعبد بن حميد.
(٢) فى م: (( حزام)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/١ إلى المصنف وابن المنذر.
( تفسير الطبرى ٣٨/٣ )

٥٩٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٧
راجعون، قام رجلٌ يأمُرُ بالمعروفِ ويَنْهَى عن المنكرِ فَقُتِلُ(١).
والذى هو أولى بظاهر هذه الآيةِ مِن التأويلِ ما رُوِى عن عمرَ بنِ الخطابِ
وعن عليّ بن أبى طالبٍ وابنٍ عباسٍ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، مِن أن يكونَ عُنِى بها الآمِرُ
بالمعروفِ ، والناهى عن المنكرِ، وذلك أن اللّهَ وصَف صفةً فريقين؛ أحدُهما منافقٌ
يقولُ بلسانِه خلافَ ما فى نفسِه، وإذا اقْتَدَر على معصيةِ اللَّهِ ركِبها ، وإذا لم يَقْتَدِرْ
رامَها، وإذا نُهِى أَخَذتْه العزةُ(١) بما هو به آثمّ ، والآخرُ منهما بائعٌ نفسَه طلبَ رضا
اللَّهِ . فكان الظاهرُ مِن التأويلِ أن الفريقَ الموصوفَ بأنه شرَى نفسَه للَّهِ، وطلَب
رضاه، إنما شراها للوثوبِ بالفريقِ الفاجرِ طلبَ رضا اللَّهِ ، فهذا هو الأغلبُ الأظهرُ
مِن تأويلِ الآيةِ .
وأمَّا ما رُوِى مِن نزولِ الآيةِ فى أمرٍ صُهَيْبٍ ، فإن ذلك غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، إذ كان
غيرَ مدفوعٍ جوازُ نزولٍ آيةٍ من عندِ اللَّهِ على رسولِ اللَّهِ عَمِ بسببٍ مِن الأسبابِ،
والمعنىُّ بها كلُّ مَن شمِله ظاهرُها .
فالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ : إن اللَّهَ وصَف شاريًا نفسَه ابتغاءً
مرضاتِه، فكلُّ مَن باع نفسَه فى طاعتِه حتى قُتل فيها ، أو (١) اسْتَقْتَل وإن لم يُقْتَلْ،
فمَعْنٌّ بقولِه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اٌللَّهِ﴾. فى
جهادٍ عدوٌّ المسلمين كان ذلك منه، أو فى أمرٍ بمعروف أو نهي عن منكرٍ .
٢٠٧
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/١ إلى المصنف ووكيع وعبد بن حميد.
(٢) بعده فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((بالإثم)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((و)).

٥٩٥
سورة البقرة : الآيتان ٢٠٧، ٢٠٨
قد دلَّلْنا فيما مضى على معنى الرأفةِ بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضع، وأنها
رِقَّةُ الرحمةِ (١) . فمعنى ذلك: واللَّهُ ذو رحمةٍ واسعةٍ بعبدِه الذى شرَی نفسه له فى
جهادِ مَن حادَّه [٨٤/٥ظ] فى أمرِهِ، مِن أهلِ الشركِ والفسوقِ ، وبغيرِه مِن عبادِه
المؤمنين فى عاجلِهم وآجلِ مَعَادِهم ، فمُجزلٌ لهم الثوابَ على ما أبْلَوْا فى طاعته فى
الدنيا، ومُشْكِنُهم ◌ِنانَه على ما عمِلوا فيها مِن مرضاتِه .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُدْخُلُواْ فِ اُلْسِّلْمِ
كَانَّةٌ﴾ .
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى السّلْم فى هذا الموضعِ ؛ فقال بعضُهم: معناه:
الإسلامُ .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٣٢٣/٢
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
تَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَافَّةٌ ﴾ . قال: ادْخُلوا فى
(٢)
الإسلامِ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ،
عن قتادةَ فى قوله: ﴿أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَافَّةٌ﴾. قال: ادْخُلوا فى
(٣)
الإسلام(٢).
حدّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمِّی ، قال : ثنی أمی ، عن
(١) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٦٥٤.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢٣١.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٢.

٥٩٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿اَدْخُلُواْ فِى السِّلْمِ﴾. قال: السّلْمُ الإسلامُ(١).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشُّدِّىِّ: ﴿أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ ﴾. يقولُ: فى الإسلامِ(١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ: ادْخُلُوا
فى الإسلامِ .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه:
﴿ أَدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ ﴾. قال: السّلمُ الإسلامُ(٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال :
ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ يقولُ: ﴿ آدْخُلُواْ فِى السِّلْمِ ﴾: فى
(٤)
الإسلام .
وقال آخرون : بل معنى ذلك: ادْخُلوا فى الطاعةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمَّارِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿أَدْخُلُواْ فِى
اُلْسِلْمِ﴾. يقولُ: ادْخُلوا فى الطاعةٍ(٥).
وقد اختَلَفت القَرأةُ فى قراءةِ ذلك ، فقرَأَته عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ : (ادْخُلُوا فِى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/٢ (١٩٤٧) عن محمد بن سعد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/٢ عقب الأثر (١٩٤٧) من طريق عمرو به.
(٣) ينظر تفسير ابن كثير ٣٦١/١.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/٢ عقب الأثر (١٩٤٧) معلقًاً.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٧٠/٢ عقب الأثر (١٩٤٦) من طريق ابن أبى جعفر به .

٥٩٧
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
السَّلْمِ) بفتح السينِ. وقرَأَته عامَّةُ قَرَأةِ الكوفيين بكسرِ السين (١) . فأمَّا الذين فتحوا
السينَ مِن ((السَّلْم))، فإنهم وجَّهوا تأويلها إلى المسالمةِ، بمعنى: ادْخُلوا فى الصلح
والمسالمةِ) وتوكِ الحربِ بإعطاءِ الجزية . وأما الذين قرَءوا ذلك بالكسرِ مِن السينِ
فإنهم مختلفون فى تأويله؛ فمنهم مَن يُوَجِّهُه إلى الإسلامِ، بمعنى: ادْخُلوا فى
الإسلام كافَّةً. ومنهم مَن يُوَجِّهُه إلى الصلح، بمعنى: ادخلوا [٨٥/٥ر] فى
الصلح. ويَسْتَشْهِدُ على أن السينَ تُكْسَرُ وهى بمعنى الصلحِ، بقولِ زُهَيْرِ بنِ
أبى سُلْمَى(٣) :
بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الأُمْرِ نَشْلَم
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا
وأَوْلَى التأويلاتِ بقولِه: ﴿ادْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ﴾. قولُ مَن قال : معناه:
ادْخُلوا فى الإسلامِ كافَّةً .
وأمَّا الذى هو أَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ(٤) فى قراءةِ ذلك ، فقراءةُ مَن قرَأْ بكسرٍ
السينِ؛ لأن ذلك إذا قُرِئ كذلك وإن كان قد يَحْتَمِلُ معنى الصلح، فإن معنى
الإسلام ودوامِ الأمر الصالحِ عندَ العربِ عليه أغلبُ مِن الصلح والمسالمةِ، وَيُنْشَدُ
بيتُ أخى كِنْدَةً(٥):
٣٢٤/٢
/ دَعَوْتُ عَشِيرَتى للسِّلْم لمًَّ
رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا
(١) بفتح السين قرأ ابن كثير ونافع والكسائى، وبكسر السين قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو وابن عامر. ينظر
السبعة لابن مجاهد ص ١٨٠.
(٢) فى م: ((المساومة)).
(٣) ديوانه ص ١٦.
(٤) القراءتان صواب ، مقروء بهما .
(٥) هو امرؤ القيس بن عابس الكندى ، المؤتلف والمختلف للآمدی ص ٥، والوحشیات ص ٥٩ وفيه ابن عامر
الكندى .

٥٩٨
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
بكسرِ السين، بمعنى: دعوتُهم للإسلام لمّ ارتدُّوا. وكان ذلك حينَ ارتدَّت
كندةُ مَع الأشعثِ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ عَه .
وقد كان أبو عمرو بن العلاءِ يقرأُ سائرَما فى القرآنِ مِن ذكْرِ ((السلم)) بالفتحِ،
سوى هذه التى فى سورةٍ ((البقرة))، فإنه كان يَخُصُّها بكسرٍ سينِها، توجيهًا منه
لمعناها إلى الإسلامِ دونَ ما سواها .
وإنما اختَوْنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ فى قوله: ﴿ادْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
وصرَّفْنا معناه إلى الإسلام ؛ لأن الآيةَ مخاطَبٌ بها المؤمنون ، فلن يعدوَ الخطابُ - إذ
كان خطابًا للمؤمنين - مِن أحدٍ أمرينٍ؛ إِمَّا أن يكونَ خطابًا للمؤمنين بمحمدٍ
المُصَدِّقِين به وبما جاء به ، فإن يكنْ كذلك، فلا معنى لأن يقالَ لهم وهم أهلُ إيمانٍ :
ادْخُلوا فى صلح المؤمنين ومُسالمتِهم. لأن المسالمةَ والمصالحةَ إنما يُؤْمَرُ بها مَن كان
حَرْبًا بتركِ الحربِ. فأمَّا الولىُ فلا يجوزُ أن يقالَ له : صالِحْ فلانًا . ولا حربَ بينَهما
ولا عداوةَ. أو يكونَ خطابًا لأُهلِ الإيمانِ بِمَن قبلَ محمدٍ عَّهِ مِن الأنبياءِ، المصدِّقِين
بهم وبما جاءوا به مِن عندِ اللَّهِ، المنكرين محمدًا عَلَه ونُبُوَّتَه، فقيل لهم: ﴿ادْخُلُواْ
فِي السِّلْمِ﴾. يعنى به الإسلامَ لا الصلحَ؛ لأن اللَّهَ إنما أمَر عبادَه بالإيمانِ به وبنبيّه
محمدٍ عَ اله وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم دونَ المسالمةِ والمصالحةِ، بل نهَى نبيَّه عَلَّه
فى بعضِ الأحوالِ عن دعاءِ أهلِ الكفرِ إلى السَّلْمِ (١)، فقال: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدْعُواْ إِلَى
السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وإنما أباح له عَِّ فى بعضِ الأحوالِ
إذا دعَوْه إلى الصلح ابتداءً المصالحةَ، فقال له جلٍّ وعزَّ: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ
لَمَا ﴾ [الأنفال: ٦١]. فأمَّا دعاؤهم إلى الصلح ابتداءً فغيرُ موجودٍ فى القرآنِ ، فيجوزَ
(١) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((الإسلام)).

٥٩٩
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
توجيهُ قولِه : (ادْخُلُوا فى السَّلْم ) إلى ذلك .
فإن قال قائلٌ: فأىَّ هذين الفريقينِ دعًا إلى الإسلام كافَّةً ؟
قيل: قد اخْتُلِف فى (١) ذلك؛ فقال [٨٥/٥] بعضُهم: دُعِى إليه المؤمنون
بمحمد لته وما جاء به .
وقال آخرون: قيل: بل دُعِى إليه المؤمنون بمَن قبلَ محمدٍ عَظِلّهِ مِن الأنبياءِ،
المُكَذِّبون بمحمدٍ عِهِ .
فإن قال: فما وجهُ دعاءِ المؤمنين بمحمدٍ عَّه وبما جاء به إلى الإسلامِ؟
قيل : وجهُ دعائِه إلى ذلك الأمرُ له بالعملِ بجميعِ شرائعِه ، وإقامةٍ جميعٍ
أحكامِه وحدودِه ، دونَ تضييعِ بعضِه والعملِ ببعضِه، وإذا كان ذلك معناه ، كان
قولُه: ﴿كَافَةٌ﴾ مِن صفةِ السِّلْم، ويكونُ تأويلُه: ادْخُلوا فى العملِ بجميعٍ
معانى السلم، ولا تُضَيِّعوا شيئًا منه يا أهلَ الإِيمانِ بمحمدٍ عَ لَّه وبما جاء به.
وبنحوِ هذا المعنى كان يقولُ عكرمةُ فى تأويلٍ ذلك .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿آدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَافَّةٌ ﴾ . قال: نزَلت فى ثَعْلَبَةً وعبدِ الله بنِ
سَلَامٍ وابنِ يَامِينَ وأسدٍ وُسَيْدِ اثْنَىْ كعبٍ وسَمْيَةً(٣) بن عمرو (٤) وقيسٍ بنِ زيدٍ ،
(١) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((تأويل)).
(٢) فى م: ((المؤمن)).
(٣) فى الأصل، م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((شعبة))، وفى الدر المنثور: ((سعيد)). وينظر فهارس سيرة ابن
هشام، ونصب الراية ٣/ ٤٠٠.
(٤) فى الأصل: (( عمر)).

٦٠٠
سورة البقرة : الآية ٢٠٨
كلَّهم مِن يهودَ ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ، يومُ السبتِ يومٌ كثَّا نُعَظِّمُه، فَدَعْنَا فَلْتَسْبِتْ
فيه ، وإن التوراةَ كتابُ اللَّهِ، فَدَعْنا فَلْنَقُمْ بها بالليلِ. فنزَلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِى السِّلْمِ كَافَةٌ وَلَا تَتَبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾(١).
٣٢٥/٢
فقد صرَّح عكرمةُ بمعنى ما قلنا فى ذلك مِن أن تأويلَ ذلك دعاءٌ / للمؤمنين إلى
رفضٍ جميعِ المعانى التى ليست مِن حكمِ الإسلامِ ، والعملِ بجميعٍ شرائعِ الإسلامِ،
والنهي عن تضييعٍ شىءٍ مِن حدودِه .
وقال آخرون : بل الفريقُ الذى دعَا إلى السّلْم فقيل لهم: ادْخُلوا فيه . بهذه
الآيةِ ، هم أهلُ الكتابِ ، أُمِروا بالدخولِ فى الإسلامِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجَّاجْ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال :
قال ابنُ عباسٍ فى قولِهِ: ﴿ أُدْخُلُواْ فِىِ السِّلْمِ كَافَّةً ﴾. يعنى: أهلَ الكتابِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرج ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ ، قال :
أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضَّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿أَدْخُلُواْ فِى
اُلْسِلْمِ كَافَّةٌ﴾. قال: يعنى أهلَ الكتابِ.
والصوابُ مِن القولٍ فى ذلك عندى أن يقالَ : إن اللَّهَ جل ثناؤه أمَر الذين
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/١ إلى المصنف. وقال ابن كثير فى تفسيره ١/ ٣٦٢: وفى ذكر
عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ بعد أن يستأذن فى إقامة السبت ، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه
وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٤١/١ إلى المصنف. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٩/٢
(١٩٤٤) من طريق عكرمة، عن ابن عباس: مطولًا، وفيه أنه قرأها بالنصب .