النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازم الغفارىُّ، قال: ثنا أبو نُعَيم، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن
حَمّادٍ ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ نحوَه .
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا المُحاربِىُّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : ثنا
أبو أحمدَ، جميعًا عن سفيانَ ، عن حَمّادٍ ، عن إبراهيمَ ، عن عبدِ اللَّهِ فى قولِه :
﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخََّ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال: قد غُفِر
له .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن سفيانَ، عن حَمّادٍ ، عن إبراهيمَ فى
قولِه: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: قد غُفِر
له (١).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : ثنا شعبةُ ، عن حَمّادٍ ، عن
إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال فى هذه الآية: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآَ [٧٥/٥ظ]
إِنْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهٌ ﴾ . قال: بَرِئَ من الإثمِ .
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلمةَ، عن
علىِّ بنِ زيدٍ ، عن الحسنِ، عن ابنِ عمرَ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ
وَمَن تَأَخََّ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ . قال: رجَع مغفورًا له(١) .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن لَيثٍ ، عن مجاهدٍ فى
قولِه: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِىِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ . قال:
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦١/٢، ٣٦٢ عقب الأثر (١٨٩٨، ١٩٠٣) معلقًا .
(٢) سقط من : الأصل .
والأثر أخرجه البيهقى ١٥٢/٥ من طريق حماد بن سلمة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/١ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
( تفسير الطبرى ٣٦/٣ )
٥٦٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
قد غُفِر له (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن جابرٍ ،
عن أبى عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ . قال :
قد غُفِرٍ له ، إنهم يَتَأوَّلُونها على غيرِ تأويلها ، إن العُمرةَ لَتُكَفِّرُ ما معها من الذنوبِ ،
فكيف بالحجّ(٢)؟
/ حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى
حَصين، عن إبراهيمَ وعامٍ : ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ
◌ِثْمَ عَلَيَّةِ﴾. قالا: غُفِر له (١) .
٣٠٨/٢
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال :
ثنى مَن أَصدِّقُه، عن ابنٍ مسعودٍ قولَه: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾. قال: خرَج من الإِثْم
كلِّه. ﴿ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيّْةٍ ﴾. قال: بَرِئَّ من الإثم كلِّه، وذلك فى الصَّدَرِ
عن الحجّ. قال ابنُ جريج: وسَمِعْتُ رجلًا يُحدِّثُ(٤) عطاءَ بنَ أبى رَباحِ، عن
علىّ بن أبى طالبٍ، أنه قال: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةِ﴾. قال: غُفِر له ﴿ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَآّ
إِثْمَ عَلَيَّةِ ﴾: غُفِرِ له(٥) .
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيم، قال: ثنا " أسودُ بنُ سَوادةً)
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٥٨ - تفسير) من طريق يزيد بن أبى مريم عن مجاهد به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/١ إلى المصنف.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦١/٢، ٣٦٢ عقب الأثر (١٨٩٨، ١٩٠٣) معلقًا .
(٤) بعده فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((عن)).
(٥) قول ابن مسعود عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/١ إلى المصنف وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد ،
وقول علی عزاه إلى المصنف .
(٦ - ٦) كذا فى النسخ، والصواب: ((سوادة بن أبى الأسود)). ينظر تهذيب الكمال ٢٣١/١٢ ومصدر التخريج.
٥٦٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
القَطّانُ ، قال : سمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةً قال : خرّج مِن ذنوبِه (١) .
وقال آخرون : معنى ذلك: فَمَن تَعَجَّلَ فى يومَيْن فلا إثمَ عليه ، ومَن تأخّر فلا
إثمَ عليه فيما بينه وبين السَّنةِ التى بعدَها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا إسحاقُ(١) بنُ يحبى
ابنِ طلحةً ، قال: سألتُ مجاهدًا عن قولِ اللَّهِ عز وجل: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ
فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٌ ﴾. قال: لمَن فى الحجّ ، ليس عليه إِثم
حتى الحجّ من عامٍ قابلٍ() .
وقال آخرون : بل معناه : فلا إثمَ عليه إن اتَّقَى اللَّهَ فيما بَقِىَ من عُمُرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ بنِ
أنس ، عن أبى العاليةِ: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ
عَلَيَّةٌ﴾. قال: ذهَب إنّمُه [٧٦/٥و] كلَّه إن اتَّقَى فيما بَقِىَ ().
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع، عن أبى
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٦٠/٤ من طريق سوادة بن أبى الأسود به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/١
إلی و کیع وابن المنذر .
(٢) فى ت١، ت٢، ت٣: ((أبو إسحاق)). وينظر تهذيب الكمال ٤٨٩/٢.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤ / ٦٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦١/٢، ٣٦٢ (١٨٩٩، ١٩٠٥) من طريق
إسحاق بن يحيى به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/١ إلى وكيع.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٣/٢ (١٩٠٨) من طريق أبى جعفر به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٣٧/١ إلى عبد بن حميد .
٥٦٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
العاليةِ مثلَه .
حُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن المغيرةِ ، عن إبراهيم
مثله .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَمَن
تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٌ ﴾. قال: لمن اتَّقَى،
بشرطِ .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدِّىِّ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا جُناعَ عليه، ومَن تأخّر إلى
اليومِ الثالثِ فلا جُناعَ عليه لمن اتَّقَى . وكان ابنُ عباسٍ يقولُ : وَدِدْتُ أَنِّى من هؤلاء
ممن يُصيبُه اسمُ التَّقْوَى .
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: ثنى حَجّاجْ ، قال: قال ابنُ جريج:
هى فى مصحفِ عبدِ اللهِ: (لمن اتَّقَى اللهَ)(١).
٣٠٩/٢
/ حدثنى علىٍّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخََّ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ : فلا
حَرَجَ عليه. يقولُ: لمن(٢) اتَّقَى معاصىَ اللَّهِ(٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمَن تَعَجَّل فى يومَيْن من أيامِ التَّشْرِيقِ فلا إِثْمَ
عليه . أى: فلا حَرَجَ عليه فى تعجيلِهِ النَّفْرَ إِن هو اتَّقَى قتلَ الصيدِ حتى يَنْقَضِىَ اليومُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/١ إلى المصنف وابن المنذر. والقراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف.
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٣/٢ (١٩٠٦) من طريق أبى صالح عبد الله بن صالح به .
٥٦٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
الثالثُ، ومَن تأخّر إلى اليومِ الثالثِ فلم يَنْفِرْ، فلا حرَجَ عليه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنا هُشَيمٌ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ أبى
صالح: لمن اتَّقَى أن يُصِيبَ شيئًا من الصيدِ حتى يَمْضِىَ اليومُ الثالثُ .
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: ولا يحِلُّ له أن
يَقْتُلَ صيدًا حتى تَخْلُوَ أيامُ التَّشْرِيقِ .
وقال آخرون : بل معناه: فمَن تَعَجَّلَ فى يومَيْن من أيام التشريقِ فنفَر فلا إثمَ
عليه، أى: مغفورٌ له، ومَن تأخّر فنفَر فى اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه، أى: مغفورٌ له،
إن اتَّقَى على حَجِّه أن يُصيبَ فيه شيئًا نهاه اللَّهُ عنه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِمَنِ
اتَّقَّ﴾. قال: يقولُ: لمن اتَّقَى [٧٦/٥ظ] على حَجِّه. قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن ابنَ
مسعودٍ كان يقولُ: مَن اتَّقَى فى حَجِّه غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبه، أو ما سلَف من
(١)
ذنبِه(١).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: تأويلُ ذلك: فمن تَعَجَّل فى
يومَيْن من أيامٍ مِنِّى الثلاثةِ ، فنفَر فى اليومِ الثانى ، فلا إثمَ عليه لِحَطِّ اللَّهِ ذنوبَه، إن
كان قد اتَّقَى اللَّهَ فى حجّه، فاجتنَب فيه ما أمَره اللَّهُ باجتنابِهِ ، وفعَل فيه ما أمَرِه اللَّهُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٦/١ إلى المصنف.
٥٦٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
بفعلِه ، وأطاعَه بأدائِه على ما كَلَّفه من حدودِه. ومَن تأخّر إلى اليومِ الثالثِ منهن،
فلم يَنْفِرْ إلى النَّفْرِ الثانى حتى نفَر من غدِ النَّفْرَ الأولَ ، فلا إثمَ عليه لتكفيرِ اللَّهِ له ما
سلَف من آثامِه وأجرامِه ، إن كان اتَّقَى اللَّهَ فى حجّه بأدائِه بحدودِه .
وإنما قلْنا : إن ذلك أَوْلَى تأويلاتِه به؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ يَِِّّ أنه
قال: ((مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُتْ ولم يَفْسُقْ، خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كيومٍ وَلَدَتْه
أُه))(١).
وأنه قال عَّه: ((تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرَةِ، فإنهما يَنْفِيان الذُّنُوبَ كما يَنْفِى
الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ ».
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدِ الكِنْدىُّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال : ثنا
عمرُو بنُ قيسٍ، عن عاصم، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللهِ ، قال: قال رسولُ اللَّهِ سَ ائِهِ:
٣١٠/٢ ((تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ،/ فإنَّهما يَنْفِيان الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كما يَنْفِى الكِيرُ خَبَثَ
الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ ، وليس للحََجَّةِ المَبْرُورةِ ثوابٌ دُونَ الجَنَّةِ))(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرو بنٍ قيسٍ، عن
عاصم، عن زِرٌّ، عن عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ عَ لِ بنحوِه.
حدَّثْنا الفضلُ بنُ الصّاح، قال: ثنا ابنُ عُبينةَ، عن عاصم بنِ عُبيدِ اللَّهِ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ بنِ ربيعةً، عن أبيه، عن عمرَ يَبْلُغُ به النبيَّ ◌َ لَّهِ قال: ((تابعُوا بِينَ
(١) ينظر ما تقدم تخريجه فى ص ٤٨٩ وما بعدها .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤/ ٧٤، وأحمد ١٨٥/١٦ (٣٦٦٩)، والترمذى (٨١٠)، والنسائى (٢٦٣٠)،
وفى الكبرى (٣٦١٠)، وأبو يعلى (٤٩٧٦، ٥٢٣٦)، وابن خزيمة (٢٥١٢)، وابن حبان (٣٦٩٣)،
والطبرانى (١٠٤٠٦)، وأبو نعيم فى الحلية ١١٠/٤، والبغوى (١٨٤٣) من طرق عن أبى خالد الأحمر
سليمان بن حيان به . وينظر السلسلة الصحيحة (١٢٠٠).
٥٦٧
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّ (١المتابعةَ بينهمَا) ينفيان(٢) الفَقْرَ والذُّنوبَ كما يَنِفِى الكِيرُ
الخَبَثَ، أَوْ خبثَ الحديدِ ))(٢) .
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ ، قال: ثنا ابنُ أبى
الزِّنادِ ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن صالحِ مولى التَّوْأمةِ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : قال
رسولُ اللَّهِ ◌َِّهِ: ((إذا قَضَيْتَ حَجَّكَ فَأنْتَ مِثْلُ مَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ)) .
وما أَشبةَ ذلك من الأخبارِ التى يطولُ بذكرٍ جميعِها الكتابُ، مما يُنْبِئُ
عن أنَّ مَن حجَّ فقضاه بحدودِه على ما أمَره اللّهُ، فهو خارجٌ مِن ذنوبِه، كما
قال جل ثناؤه: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةِ لِمَنِ أَنَّقَىَّ﴾(٤) فى حجّه، فكان فى ذلك من
قولِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ ما يُوَضِّحُ عن أن معنَى قولِه جل وعز: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيَّةٌ ﴾ أنه
خارجٌ من ذنوبِهِ، [٧٧/٥و] محطوطةٌ عنه آثامُه، مغفورةٌ له أجرامُه. و(أنه لاْ) معنى
لقولٍ مَن تأوَّل قولَه: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٌ ﴾ : فلا حرج عليه فى نَفْرِهِ فِى اليومِ الثانى،
ولا حرَجَ عليه فى مُقَامِه إلى اليومِ الثالثِ؛ لأن الحرَجَ إنما يُوضَعُ عن العاملِ فيما كان
علیه ترك عمله ، فیرځّمُ له فى عمله بوضع الحرج عنه فى عمله، أو فیما كان عليه
عملُه، فيُرَخَّصُ له فى تركِه بوضع الحرج عنه ١ . فأما ما كان على العامل عملُه ، فلا
(١ - ١) فى م: ((متابعة ما بينهما)).
(٢) فى م، ت٢: ((ینفی )).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٨٨٧)، والحميدى (١٧)، وأبو يعلى فى (١٩٨) من طريق سفيان بن عيينة به ،
وأخرجه ابن ماجه (٢٨٨٧) من طريق عبيد الله بن عمر، عن عاصم به، وأخرجه أحمد ٣٠٣/١ (١٦٧)
عن سفيان به، ولم يذكر فى الإسناد عامر بن ربيعة .
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الله)) .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((ألا))، وفى ت٢، ت٣: ((أن لا)).
(٦) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فی تر که)).
٥٦٨
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
وَجْهَ لوضعِ الحرّجِ عنه فيه إن هو عَمِله، وفرضُه عملُه؛ لأنه محالٌ أن يكونَ المؤدِّى
فرضًا عليه حَرِجًا بأدائِه، فيجوزَ أن يقالَ: قد وضَعْنا عنك فيه الحَرَجَ .
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الحائجُ لا يخلُو عندَ مَن تأوَّلَ قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ
عَلَيْهِ﴾: فلا حَرَجَ عليه ، أو فلا جناحَ عليه؛ من أن يكونَ فرضُه النَّفْرَ فى اليومِ الثانى
من أيام التشريقِ، فوُضِع عنه الحَرَجُ فى المُقَامِ ، أو أن يكونَ فرضُه المُقامَ إلى اليومِ
الثالث منها ، فوضع عنه الحرج فی نفره فى اليوم الثانى ، فإن يَكُنْ فرضُه فى اليوم
الثانى من أيامِ التشريقِ المُقامَ إلى اليومِ الثالثِ منها ، فؤُضِع عنه الحَرجُ فى نَفْرِه فى
اليومِ الثانى منها ، وذلكَ هو التَّعَجّلُ الذى قيل: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ
عَلَيْهِ﴾. فلا معنى لقولِه على تأويلِ مَن تأوَّلَ ذلك: ﴿ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ : فلا
جُناحَ عليه، ﴿ وَمَنْ تَأَخَّ فَلاّ إِثْمَ عَلَيَّةِ﴾؛ لأن المتأخِّرَ إلى اليوم الثالثِ إنما هو
متأخّرٌ عن (١) أداءٍ فرض عليه، تاركٌ قَبولَ رخصةِ النَّفْرِ، فلا وجهَ لِأَنْ يُقالَ : لا حَرَجَ
عليك فى مُقامِك على أداء الواجبِ عليك. لما وصَفْنا قبلُ، أو يكونَ فرضُه فى اليومِ
الثانى النَّفْرَ، فرُخِّص له فى المُقامِ إلى اليومِ الثالثِ ، فلا معنى أن يُقالَ: لا حَرَجَ
عليك فى تَعَجِّلِكَ النَّفْرَ الذى هو فَوْضُك وعليك فعلُه . للذى قَدَّمْنا من العِلّةِ .
وكذلك لا معنى لقولٍ مَن قال: معناه: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ
عَلَيْهِ﴾ : فلا حرَجَ عليه فى نَفْرِهِ ذلك، إن اتَّقَى قتلَ الصيدِ إلى انقضاءِ اليومِ
٣١١/٢ الثالثِ؛ لأن ذلك لو كان تأويلاً مسلَّمًا لقائلِه، لكان / فى قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاّ
إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. ما يُنْطِلُ دَعْواه؛ لأنه لا خلافَ بينَ الأُمّةِ فى أن الصيدَ للحاجّ بعدَ
نَفْرِه من مِنَّى فى اليومِ الثالثِ حلالٌ ، فما الذى من أجلِه وُضِع عنه الحرَجُ بقولِه :
(١) فى الأصل: ((على)).
٥٦٩
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
﴿وَمَنْ تَأَخََّ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾. إذا هو تأخّر إلى اليومِ الثالثِ ثم نَفَر، هذا معَ إجماعِ
الحُبَّةِ على أن المُحْرِمَ إذا رمَى وذبَح وحلَق وطاف بالبيتِ فقد حَلَّ له كلُّ شيءٍ ،
وتَصْريخُ الروايةِ المرويَّةِ عن رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ بنحوِ ذلك، التى حدَّثنا بها هَنّادُ بنُ
السَّرىِّ الحَنْظَلِىُّ ، قال : ثنا عبدُ الرحیمِ بنُ سليمان ، عن حجّاج ، عن أبی بکرِ بنِ
محمدِ بنِ عمرو بنِ حزمٍ ، عن عَمرةً ، قالت : سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، متى يُحِلَّ
المُخْرِمُ؟ فقالت: قال رسولُ اللّهِ عَ لَّهِ: ((إذا رَمَيْتُمْ [٧٧/٥ظ] وذَبَعْتُم وحَلَقْتُمْ حَلّ
لكم كُلُّ شىءٍ إلا النساءَ)) (١). قال: وذكَر الزُّهْرِىُّ، عن عَمرةً، عن عائشةَ، عن
النبيِّ عَ لِّ مثلَه (٢).
وأما الذى تأوَّل ذلك أنه بمعنى : فلا إثمَ عليه إلى عامٍ قابلٍ . فلا وجهَ لتحديد
ذلك بوقتٍ ، وإسقاطِهِ الإثمَ عن الحاجِّ سنةٌ مستقبَلَةً ، دونَ آثامِه السالفةِ؛ لأنَّ اللَّهَ
جل ثناؤه لم يَخْصُرْ ذلك على نَفْىِ إثمِ وقتٍ مستقبَلٍ بظاهرِ التنزيلِ ، ولا على لسانِ
الرسولِ عليه الصلاةُ والسلامُ، بل دلالةٌ ظاهرِ التنزيلِ تُبِينُ عن أنَّ المتعجّلَ فى
اليومَيْن والمتأخِّرَ لا إثمَ على كلٌّ واحدٍ منهما فى حالِه التى هو بها دونَ غيرِها من
الأحوالِ، والخبرُ عن النبيِّ مِلّهِ يُصرِّحُ بأنه بانقضاءٍ حجِّه على ما أُمِر به خارج من
ذنوبه كيومٍ ولَدَتْه أمُّه. ففى ذلك من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، وصريح قولِ الرسولِ معَ له
دلالةٌ واضحةٌ على فسادٍ قولٍ من قال: معنى قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ : فلا إثمَ عليه
من وقتِ انقضاءِ حجِّه إلى عامٍ قابلٍ .
(١) أخرجه الدار قطنى ٢٧٦/٢ من طريق عبد الرحيم بن سليمان به، وأخرجه الدار قطنى ٢٧٦/٢، والبيهقى
١٣٦/٥ من طرق عن الحجاج ابن أرطاة به .
(٢) أخرجه أبو داود (١٩٧٨) من طريق الزهرى به، وقال أبو داود : هذا حديث ضعيف ، الحجاج لم ير
الزهرى ولم يسمع منه .
٥٧٠
سورة البقرة : الآية ٢٠٣
فإن قال لنا قائلٌ: ما الجالبُ للَّم فى قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وما معناها؟
قيل : الجالبُ لها معنى قوله: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيَّةٍ ﴾؛ لأن فى قوله : ﴿ فَلَآ إِثْمَ
عَلَيَّةٌ ﴾ معنى: حطَطْنَا ذُنوبَه وكفَّرْنا آثامَه، فكان فى ذلك معنى: جعَلْنا تكفيرَ
الذنوبِ لمن اتَّقَى اللَّهَ فى حجّه. فتُرك ذِكْرُ: جعَلْنا تكفيرَ الذنوبِ . اكتفاءً بدلالةٍ
قوله: ﴿فَلَاّ ◌ِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .
وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصةَ فقد أخبر عن
أمرٍ، فقال: ﴿لِمَنِ أَتَّقَىُّ﴾ أى: هذا لمن اتَّقَى.
وأَنْكَرَ بعضُهم ذلك من قولِه ، وزعَم أن الصفةً(١) لا بدَّ لها من شىءٍ تَتَعلَّقُ به؛
لأنها لا تقومُ بنفسِها، ولكنها فيما زعَم من صلةٍ قولٍ متروكٍ ، فكان معنى الكلام
عنده(٢): قلْنا: مَن تأخّر فلا إثمَ عليه لمن اتَّقَى. وقام قولُه: ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاّ إِثْمَ
عَلَيَّةٌ ﴾ مَقامَ القولِ .
وزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن موضعَ طَرْحِ الإثم فى المتعجّلِ ، فُعِل فى المتأخِرِ -
وهو الذى أَدَّى ولم يُقَصِّرْ - مثلُ ما جُعِل على المقصِّرِ، كما يقالُ فى الكلام: إن
تصدَّقْتَ سرًّا فحَسَنٌّ، وإن أَظْهرْتَ فحَسَنٌّ. وهما مختلفان؛ لأن المتصدِّقَ علانيةٌ
إذا لم يَقْصِدِ الرياءَ فحَسَنٌّ، وإن كان الإِسرائُ أحسنَ، وليس فى وصفِ حالتَّ
المتصدِّقَيْن بالحُسْنِ وصفُ إحداهما بالإثم ، وقد أخبرَ اللَّهُ عز وجل عن النافرَيْن بنفي
الإثم عنهما ، ومُحالٌ أن يَنْفِىَ عنهما إلا ما كان فى تَوْكِه الإثمُ ، على ما تأْوَّله قائلو
هذه المقالةِ . وفى إجماع الجميع على أنهما جميعًا لو تَرَكا النَّفْرَ، وأقاما بمِنَّى لم يكونا
(١) يعنى بالصفة : حرف الجر ..
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((ما)).
٥٧١
سورة البقرة : الآيتان ٢٠٣ ، ٢٠٤
آثْمَيْن، ما يدُلَّ على فسادِ التأويلِ الذى تأوَّلَه مَن حَكَيْنا عنه هذا القولَ .
وقال أيضًا: وفيه وجةٌ آخرُ، وهو معنى نَهْىِ الفريقَيْن عن [٧٨/٥ و] أَن يُؤَثِّمَ
أحدُ الفريقَيْن الآخرَ، كأنه / أراد بقولِه: ﴿فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾: لا يَقُلِ المتعجّلُ
للمتأخّرِ : أنتَ آثمٌ. ولا المتأخِّرُ للمتعجّلِ: أنتَ آثمٌ. بمعنى: فلا يُؤَثِّمَنّ أحدُهما
الآخرَ .
٣١٢/٢
وهذا أيضًا تأويلٌ لقولٍ جميع أهلِ التأويلِ مخالِفٌ ، وكَفَى بذلك شاهدًا على
خَطَئِهِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٢٠٣)
يعنى بذلك جل ثناؤه : واتقوا اللَّهَ أيها المؤمنون فيما فرَض عليكم مِن فرائضِه،
فخافُوه فى تَضْبِيعِها والتفريطِ فيها، وفيما نهاكم عنه فى حَجِّكم ومَناسِكِكم أن
تَوْتَكِبُوه أو تَأْتُوه، وفيما كَلَّفكم فى إحرامِكم لحجِّكم أن تُقَصِّرُوا فى أدائِه والقيامِ
به ، واعلموا أنكم إليه تُحشَرون، فمُجازِيكم هو بأعمالِكم؛ المحسنَ منکم یإحسانِه،
والمُسِىءَ بإساءته، ومُوَفِّ كلَّ نفسٍ منكم ما عَمِلتْ وأنتم لا تُظْلَمون.
القولُ فى تأويل قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، ﴾ .
وهذا نعتٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه للمنافقين، يقولُ جلَّ ثناؤُه : ومن الناسِ مَن
يُعجِبُك يا محمدُ ظاهرُ قولِه وعلانيتُه، ويَستشهِدُ اللَّهَ على ما فى قلبِهِ، وهو ألدُّ
الخصام ، جَدِلٌ بالباطلِ .
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى مَن نَزَلت فيه هذه الآيةُ ؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ فى
الأَخْنَسِ بنِ شَرِيقٍ، قَدِم على النبيِّ مِلَّهِ، فزعَم أنه يريدُ الإسلامَ، وحلَف أنه ما قَدِم
٥٧٢
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
إلا لذلك، ثم خرَج فأفسدَ أموالاً من أموالٍ المسلمين .
ذکر مَن قال ذلك
حدَّثنی موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدىِّ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَ مَا
فِي قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾. قال: نزَلتْ فى الأخنسِ بنِ شَرِيقِ الثَّقَفِىٌّ، وهو
حليفٌ لبنى زُهْرةَ، وأَقبَلَ إلى النبيِّ عَ لَّه بالمدينةِ، فأظهر له الإسلامَ، فأعجب النبىّ
عَ لَّه ذلك منه، وقال: إنما جئتُ أريدُ الإِسلامَ، واللَّهُ يعلَمُ أنى صادقٌ.
وذلك قولُه: [٧٨/٥ظ] ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَ مَا فِى قَلْبِهِ، ﴾. ثم خرج من عندِ النبىِّ
◌َّه، فمَّ بَرْعٍ لقومٍ من المسلمينِ وحُمُرٍ، فَأَحرَقَ الزرعَ، وعقَرِ الحُمُرَ، فأنزلَ اللَّهُ:
﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلِ﴾. وأما
﴿أَلَدُّ الْخِصَاءِ﴾: فَأَعْوَجُ(١) الخِصامِ، وفيه نزَل: ﴿ وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَقٍ لُمُزَةٍ ﴾
[الهمزة: ١]. ونزَلتْ فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ﴾ إلى ﴿عُتُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ
زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١٣].
وقال آخرون : بل نزَل ذلك فى قوم من أهلِ النفاقِ ، تكلّموا فى السَّرِيّةِ التى
أُصِيبتْ لرسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ بِالرَّجِيعِ.
(١) فى الأصل: ((فاعوجاج)).
(٢) سقط من: الأصل .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٤/٢ - ٣٦٧ (١٩١٣، ١٩١٧، ١٩٢٣) وعقب (١٩٣٠) من
طريق عمرو به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/١ إلى ابن المنذر دون الآيات فى آخره، وقد عزاها
السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٥٠، ٣٩٢ إلى ابن أبى حاتم .
٥٧٣
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
٣١٣/٢
/ ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابن إسحاقَ ، قال : حدَّثنی
محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو (١) عكرمةُ،
عن ابنِ عباسٍٍ ، قال: لما أَصِيبت هذه الشَّرِيةُ، أصحابُ خُبَيْبٍ، بالرَّجيعِ بينَ مكةً
والمدينةِ، قال(٢) رجالٌ من المنافقين: يا ويحَ هؤلاء المقتولين الذين هَلَكوا هكذا،
لا هم قعَدوا فى بيوتهم ، ولا هم أدَّوْا رسالةَ صاحبِهم. فأنزل اللَّهُ فى ذلك من قولٍ
المنافقين، وما أصاب أولئك النَّفَرَ من الشهادةِ والخيرِ من اللّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾: أى: بما) يُظهِرُ بلسانِه من الإسلام،
﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلِهِ﴾ أى: من النفاقِ، ﴿ وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَامِ ﴾ أى: ذو
جدالٍ إذا كلَّمَك وراجَعَك، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أى: خرَج من عندِك، ﴿سَعَى فِى
اُلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أى: لا
يُحِبُّ عملَه ولا يرضاه، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِآلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ
جَهَنَّمٌ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتٍ
٠٦
اللَّهُ﴾. الذين شَرَوْا أنفسَهم للَّهِ بالجهادِ فى سبيلِه، والقيامِ بحقِّه حتى هلكوا على
ذلك؛ يعنى هذه السَّرِيةً .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن
محمدِ بنِ أبی محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةَ مولی ابنِ عباسٍ، أو عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : لما أَصيبتِ السَّريةُ التى كان فيها عاصمٌ ومَرثٌ
(١) فى الأصل: ((و)).
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فقال)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((ما)).
:
٥٧٤
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
بالرَّجيعِ، قال رجالٌ من المنافقين. ثم ذكَّر نحوَ حديثٍ أبى كُرِيبٍ(١).
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك جميعَ المنافقِين، وعَنَى بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن
يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلْبِهِ.﴾ . اختلافَ سَریرتِه
وعَلانیتِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ أَبِى مَعْشَرٍ، قال: أخبرَنى أبى أبو مَعْشَرٍ نَجَيح، قال :
سَمِعْتُ سعيدًا المَقْبُرِئَّ يُذاكرُ محمد بن كعبٍ ، فقال سعيدٌ : إن فى بعضِ الكتبِ
أن للَّهِ عبادًا ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقُلوبُهم [٧٩/٥ و] أمرُّ من الصَّيرِ، لَبِسوا
لِباسَ(٢) مُشوكٍ(٣) الضَّأَنِ من الِّينِ، يَجْتَزُون الدنيا بالدينِ، قال اللَّهُ: أعلىَّ
يَجْتَرِتُون ، وبى يَعْتَُون؟ وعِزَّتِى لِأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ منهم حيرانَ. فقال
محمدُ بنُ كعبٍ : هذا فى كتابِ اللَّهِ . فقال سعيدٌ : وأين هو من كتابِ اللَّهِ؟ قال :
قولُ اللَّهِ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا
وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا
٢٠٤
فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُ وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. فقال سعيدٌ: قد عرَفْتُ فى مَن
أُنزِلتْ هذه الآيةُ. فقال محمدُ بنُ كعبٍ : إن الآيةَ تَنزِلُ فى الرجلِ ، ثم تكونُ بعدَه
=(٤)
عامّةٌ(٤).
(١) سيرة ابن هشام ١٧٤/٢، ١٧٥، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٣/٢ - ٣٦٩، (١٩١٠، ١٩١٤،
١٩٤١،١٩٣٥،١٩٢٤،١٩١٨) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٣٨/١ إلى ابن المنذر.
(٢) فى م: ((للناس)).
(٣) المسوك، جمع المَشْك، وهو الجلد. اللسان (م س ك ).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٣٦١ - تفسير ) - ومن طريقه البيهقى فى الشعب (٦٩٥٦) - =
٥٧٥
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرَنى الليثُ
ابنُ سعدٍ ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبى هلالٍ، عن القُرَظِىِّ، عن نَوْفٍ،
وكان يقرأُ الكتبَ ، قال: إنى لأَجِدُ صفةً ناسٍ من هذه الأُمّةِ فى كتابِ اللَّهِ المنزَّلِ،
قومٌ يحتالون الدنيا بالدينِ ، ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ،
يَلْبَسون (١) لباسَ مُسُوكِ الضّأْنِ، وقلوبُهم قلوبُ الذئابِ، فعلىَّ يَجْتَرِئُون، وبى
/ يَغْتَرُّون؟ حلَفْتُ بنفسى لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تتركُ الحليمَ فيها(١) حيرانَ. قال
القُرَظِىُّ: تَدَبَّرْتُها فى القرآنِ فإذا هم المنافقون، فوجَدْتُها: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن
يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِى الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرُّ أَطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١].
٣١٤/٢
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا
فِى قَلْبِهِ، ﴾. قال: هو المنافقُ(٤).
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ ﴾. قال: علانيتُه فى الدنيا ،
﴿ وَ يُشْهِدُ اللَّهَ ﴾ فى الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ (٥).
= عن أبى معشر به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٤/٢ (١٩١٢) من طريق حمزة بن جميل الربذى،
عن أبى معشر به مرفوعًا .
(١) بعده فى م: ((للناس)).
(٢) فى م: ((فيهم)) .
(٣) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٥٩/١ عن المصنف .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٨١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٤/٢ (١٩١٦) عن الحسن به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٤/٢ (١٩١٥) من طريق ابن أبى نجيح به .
٥٧٦
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع قولَه: ﴿ وَمِنَ
النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِ قَلْبِهِ، وَهُوَ أَلَدُ
اُلْخِصَامِ﴾. قال: هذا عبدٌ كان حسنَ القولِ سيِّئَ العملِ، كان(١) يَأْتِى رسولَ اللَّهِ
عَلَه فيُحسِنُ له القولَ، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾(١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : ثنى حجّاجٌ، عن ابنٍ جريج ، قال :
قلتُ لعطاءٍ: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا
فِي قَلْبِهِ،﴾. قال: يقولُ قولًا، فى قلبِه [٧٩/٥ظ] غيرُه، واللَّهُ يعلَمُ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: وفى قوله: ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ﴾ وجهان مِن
القراءةِ ؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ ﴾. بمعنى أن المنافقَ الذى
يُعْجِبُ رسولَ اللَّهِ مَهِ قولُه، يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ على ما فى قلبِهِ أن قولَه موافقٌ اعتقادَه،
وأنه مؤمنٌ بالله ورسوله، وهو كاذبٌ .
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَمِنَ
النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُ فِىِ الْحَيَوَةِ الذُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ ﴾ إلى:
﴿وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: كان رجلٌ(٢) يَأْتِى إلى النبيِّ مَّ ◌َهِ، فيقولُ: أَىْ رسولَ
اللَّهِ، أَشهدُ أنك جئتَ بالحقِّ والصدقِ من عندِ اللَّهِ. قال: حتى يُعْجَبَ النبيُّ عَلَّه
بقولِه، ثم يقولُ: أما واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ ) إن اللَّهَ ليَعلمُ أن ما فى قلبى مثلُ ما نطَق به
لسانى. فذلك قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَ مَا فِىِ قَلْبِهِ،﴾. قال: هؤلاء المنافقون .
وقرَأَ قولَ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ﴾. حتى بلَغ:
(١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٣/٢ (١٩١١) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية .
(٣) سقط من: الأصل، ت٢، ت ٣.
٥٧٧
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
﴿إن المنافقين لكاذبون ﴾ [المنافقون: ١]. بما يَشْهَدُون أنك رسولى(١).
وقال السدىُّ: ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ، ﴾. يقولُ: اللَّهُ يَعلَمُ أنى
صادقٌ ، أنى أريدُ الإسلامَ .
حدَّثنى بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ،
(٢)
عنه (١) .
وقال مجاهدٌ : ويُشهِدُ اللَّهَ فى الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ .
حدَّثنى بذلك محمدُ بنُّ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن
ابنِ أبى تَجِيحٍ، عنه (٣).
وقرأ ذلك آخرون : ( وَيَشْهَدُ اللَّهُ على ما فى قلبه). بمعنى: واللَّهُ يَشْهَدُ على
الذى فى قلبه من النفاق، / وأنه مُضْمِرٌ فى قلبه غیر الذى يُبدِیه بلسانه ، وعلى كذبه ٣١٥/٢
فى قيلِه (١) . وهو قراءةُ ابنِ مُحَيْصِن(٥) . وعلى ذلك المعنی تأوّله ابنُ عباسٍ، وقد
ذگونا الرواية عنه بذلك فیما مضی فی حدیث أبی کریپ ، عن يونس بنِ بُگیرٍ ، عن
محمدِ بنِ إسحاقَ الذى ذكَرْناه آنفاً .
(١) ينظر تفسير ابن كثير ٣٥٩/١.
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٤/٢ (١٩١٧) من طريق عمرو به. وينظر ما تقدم فى ص ٥٧٢.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٥٧٥ .
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((قلبه)) .
(٥) قرأ بها أيضًا الحسن، ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ٩٤، وابن محيصن هو محمد بن عبد الرحمن بن
محيصن السهمى ، مقرئ أهل مكة مع ابن كثير . مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بمكة ، وقال القصاع وسبط
الخياط : سنة اثنتين وعشرين. ينظر غاية النهاية ١٦٧/٢.
( تفسير الطبرى ٣٧/٣ )
٥٧٨
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
والذى نختارُ فى ذلك من القراءةُ قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا
فِى قَلْبِهِ، ﴾. بمعنى: يَسْتشهِدُ اللَّهَ على ما فى قلبِه؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه.
٢٠٤
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
والأَلَدُّ من الرجالِ: الشديدُ الخصومةِ، يقالُ فى ((فعَلْتَ)) منه: قد لَدِدْتَ یا
هذا ولم تكنْ أَلَدَّ، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدادةٌ. فأما إذا غلَب مَن خاصمَه ، فإِنما يقالُ فيه :
لدَدْتَ يا فلانُ فلانًا فأنتَ تلُدُّه لَدًّا، ومنه قولُ الشاعرِ(١) :
[٨٠/٥ر] ثُمّ ("ازدٍ بِى وبهما٢) مَنْ تُرْدِى
ثَلُهُ (٤) أَقْرَانَ الْخُصُومِ اللُّدِّ
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ ذلك ؛ فقال بعضُهم : تأويلُه أنه ذو جِدالٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ ، قال : ثنى
محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. أى: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجعَك(٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ
الْخِصَامِ﴾. يقولُ : شديدُ القسوة فى معصيةِ اللَّهِ ، جَدِلٌ بالباطلِ ، إذا شِئْتَ رأيتَه
(١) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((قول القرأة)).
(٢) معانى القرآن للفراء ١٢٣/١ بتقديم الثانى على الأول ، غير منسوبين، والبيت الثانى فى اللسان (ل دد).
(٣ - ٣) فى م، ت١: ((أردى وبهم))، وفى ت٢، ت٣: ((أردى وبهما)).
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((تلد))، وفى معانى القرآن: ((اللد))، وفى اللسان: ((ألد)) ..
(٥) تقدم مطولًا فى ص ٥٧٣ .
٥٧٩
سورة البقرة : الآية ٢٠٤
عالمَ اللسانِ ، جاهلَ العملِ، يتكلَّمُ بالحكمةِ ، ويعملُ بالخطيئةٍ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿ وَهُوَ أَلَذُّ الْخِصَامِ﴾. قال: جَدِلٌ بالباطلِ(٣) .
وقال آخرون: معنى ذلك أنه غيرُ مستقيم الخصومةِ ولكنه مُعْوَجُها .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾. قال: ظالمٌ لا يَستقيمُ .
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حَجّاجٌ، عن ابنٍ جریجٍ،
قال: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: ((الأَلَدُّ الخصام)): الذى لا
يستقيمُ على خصومةٍ(٤).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال : ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىٍّ: ﴿أَلَكُّ الْخِصَامِ﴾: أَغْوَجُ الخصامِ (٥) .
/قال أبو جعفر: وكلا هذين القولين متقارِبُ المعنى؛ لأنَّ الاعوجاجَ فى ٣١٦/٢
الخصومةِ من الجدالِ واللَّدَدِ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٥/٢ (١٩٢٢) من طريق شيبان ، عن قتادة بنحوه .
(٢) تفسير عبد الرزاق ص ٨١.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٥/٢ (١٩٢١) من طريق ورقاء، عن ابن أبى نجيح به، وعزاه
السیوطی فی الدر المنثور ٢٣٩/١ إلى عبد بن حميد.
(٤) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ص ١١٤ بنحوه .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٥/٢ (١٩٢٣) من طريق عمرو به .
:
٥٨٠
سورة البقرة: الآيتان ٢٠٤ ، ٢٠٥
وقال آخرون : معنى ذلك : وهو كاذبٌ فی قولِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسینُ ، قال : ثنا و کیڤ، عن بعض أصحابه، عن
الحسنِ، قال: ((الأَلَّدُ الخِصامِ)): الكاذبُ القولِ(١).
وهذا القولُ يَحتمِلُ أن يكونَ معناه معنى القولَيْنِ الأَوَّلَيْن، إن كان أراد به قائلُه
أنه يُخاصِمُ بالباطلِ من القولِ والكذبِ منه؛ جدَلًا واْوٍ جاجًا عن الحقِّ .
وأما الخِصائمُ، فهو مصدرٌ [٨٠/٥ظ] من قولِ القائل: خاصَمْتُ فلانًا خِصامًا
ومُخاصمةً. وهذا خبرٌ من اللَّهِ تبارك وتعالى عن المنافقِ الذى أخبر نبيَّه محمدًاً مِ لّه
أنه يُعجِبُه - إذا تكلَّمَ - قِيلُه ومَنْطِقُه، ويَسْتشهِدُ اللَّهَ على أنه مُحِقٌّ فى قِيلِه ذلك ؛
بشدةِ خصومتِه وجدلِه بالباطلِ والزُّورِ من القولِ .
القولُ فى تأويل قوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ﴾
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾: وإذا أَدْبَر هذا المنافقُ من عندِك يا
محمدُ مُنْصَرِفًا عنك .
كما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ ، قال : ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال : ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ ، قال : ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَى﴾. قال: يعنى: وإذا خرَج من عندِك سَعَى(١).
وقال بعضُهم: معناه : وإذا غَضِب .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٦٥/٢ (١٩٢٠) من طريق عاصم، عن الحسن به ..
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥٧٤ .