النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
سورة البقرة : الآية ١٩٥
اللَّهِ: ﴿ وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ الآية . فقال عَبيدةُ : كان
الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ - قال: حسِبتُه قال : العظيمَ - فَيُلْقِى بيدِه فِيَسْتَهْلِكُ ، زاد
يعقوبُ فى حديثه: فتُهوا عن ذلك، فقيل: ﴿ وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَبَدِيكُمْ
إِلَى النَُّكَةِ ﴾(١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال : أخبَرَنا هشامٌ، عن ابنٍ
سِيرِينَ ، قال : سألتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن ذلك، فقال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ
فِيَسْتَسْلِمُ فَيُلْقِى بيدِه إلى الثَّهلُكةِ، ويقولُ: لا توبةَ له. يعنى قوله: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ
بِأَيَدِيكُمْ إِلَى النَّْكَةِ﴾ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ ، عن
محمدٍ، عن عَبيدةً فى قوله: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾. قال: كان الرجلُ
يُصيبُ الذنبَ فيُلْقِى بيدِه .
حدَّثنا ابنُ وَكيع، قال : ثنا أبى ، عن ابنِ عَونٍ ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةً :
﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾. قال: القُنوطُ(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا عمرُو بنُ عَونٍ ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ ، عن يونسَ وهشامٍ
عن ابنِ سيرينَ ، عن عَبيدةَ السَّلمانىِّ ، قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ ،
يقولُ : لا توبةَ لى . فيُلْقِى بيدِه .
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: ٢٠٤/٢
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٢/١ عقب الأثر (١٧٤٨)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/١
إلی عبد بن حميد .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/١ إلى وكيع.
( تفسير الطبرى ٢١/٣ )
:

١
٣٢٢
سورة البقرة : الآية ١٩٥
حدَّثنى أيوبُ ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةً أنه قال : هى فى الرجلِ يصيبُ الذنبَ
العظيمَ ، فَيُلْقِى بِيَدِه ويَرَى أَنَّه قد هلَك(١) .
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأَنْفِقُوا فى سبيل اللَّهِ ولا تَتْرُكوا الجهادَ [١٤/٥ ظ]
فی سبیلِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنى حْوَةُ ، عن یزیدَ بنِ أبی
حَبيبٍ ، عن أسلمَ أبى عِمرانَ ، قال: غزَوْنا المدينةَ، يُرِيدُ القُسْطَنْطِينِيَّةَ ، وعلى أهلِ
مصرَ عُقْبةُ بنُ عامٍ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ . قال : فصفَفْنا
صَفَّين، لم أرَ صفَّين قَطُّ أعرَضَ ولا أطوَلَ منهما، والرومُ مُلصِقون ظُهورَهم بحائطٍ
المدينةِ . قال : فحمَل رجلٌ منا على العدوِّ، فقال الناسُ: مَهْ! لا إلهَ إلا اللَّهُ، يُلْقِى
بيدِه إلى الثَّهْلُكَةِ. فقال أبو أيوب الأنصارىُّ: إنما تَأوَّلون هذه الآيةَ هكذا أنْ حمَل
رجلٌ (٢) يُقاتِلُ يَلْتَمِسُ الشهادةَ أَو يُثْلِى مِن نفسِه، إنما نزَلت هذه الآيةُ فينا معشرَ
الأنصارِ ، إنا لمّ نصَر اللَّهُ نبيّه، وأظهرَ الإِسلامَ، قلنا بينَنا معشرَ الأنصارِ خَفِيًّا مِن
رسولِ اللَّهِ مَ لِهِ: إِنّا قد كنّا ترَكنا أهلَنا وأموالَنا أَنْ نُقيمَ فيها ونُصْلِحَها حتى نصَر اللَّهُ
نبيّه، هَلُمَّ نقيمُ فى أموالِنا ونُصْلِحُها. فَأَنزَل اللَّهُ الخبرَ مِن السماءِ: ﴿ وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَّكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾ الآية. والإلقاءُ بالأيدى إلى التَّهْلُكَةِ أَن نُقِيمَ فى
أموالِنا ونُصْلِحَها، ونَدَعَ الجهادَ. قال أبو عِمرانَ: فلم يَزَلْ أبو أيوبَ يُجاهدُ فى سبيلٍ
اللَّهِ حتى دُفِن بالقُسْطَنْطِنِيَّةِ(٢).
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٤.
(٢) بعده فى الأصل: ((على رجل)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٠/١ من طريق يونس، عن ابن وهب، عن حيوة وابن لهيعة به .=

٣٢٣
سورة البقرة : الآية ١٩٥
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدىُّ وعبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ ، قالا: ثنا أبو
عبدِ الرحمنِ(١) عبدُ الله بنُ يزيدَ، قال: أخبرنى حَيْوةُ وابنُ لَهيعةَ ، قالا : ثنا يزيدُ بنُ أبى
حَبِيبٍ ، قال: حدَّثنى أسلمُ أبو عِمرانَ مولى تُجَبَ (٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وعلى
أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرِ الجُهَنىُ صاحبُ رسولِ اللهِ يَِّ، وعلى أهلِ الشامِ فَضالةُ بنُ
عُبَيْدٍ صاحبُ رسولِ اللَّهِ ◌ِّهِ، فخرَج مِن المدينةِ صفّ عظيمٌ مِن الرومِ . قال:
وصفَفْنا صفًّا عظيمًا مِن المسلِمينَ، فحمَل رجلٌ مِن المسلِمينَ على صفِّ الرومِ حتى
دَخَل فيهم، ثم خرَج إلينا مُقبِلًا ، فصاح الناسُ وقالوا: سبحانَ اللَّهِ ، أَلْقَى بيدِه إلى
الشَّهْلُكَةِ! فقام أبو أيوبَ الأنصارىُّ صاحبُ رسولِ اللَّهِ وَّمِ فقال: أيُّها الناسُ، إنكم
تَأْوَّلون هذه الآيةَ على هذا التأويل، وإَّا أَنْزِلَت هذه الآيةُ فينا معشر الأنصارِ ، إنا لما
أعزَّ اللَّهُ دينَه وكثَّر ناصرِيه، قلنا فيما بينَنا بعضُنا لبعضٍ سِرًّا مِن رسولِ اللهِ ◌ِ له: إنَّ
أموالَنا قد ضاعت، فلو أنَّا أَقَمْنا فيها فأصْلَحْنا ما ضاع منها. فأنزل اللَّهُ فى كتابِه يَرُدُّ
علينا ما همَمْنا به، فقال: ﴿ وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ
﴾.
بالإقامةِ التى أَرَدْنا أن نُقِيمَ فى الأموالِ [١٥/٥و] ونُصْلِحَها، فأمرَنا بالغزوِ . فما زال أبو
أيوبَ غازيًا فى سبيلِ اللهِ حتى قبضه اللَّهُ(٣).
وأخرجه أبو داود (٢٥١٢)، والحاكم ٢/ ٨٤، والبيهقى ٩٩/٩ من طرق عن ابن وهب عن حيوة به ،
=
ورواية أبى داود مقرونة بابن لهيعة. وأخرجه الطيالسى (٦٠٠)، والترمذى (٢٩٧٢)، والنسائى فى الكبرى
(١١٠٢٨، ١١٠٢٩)، وابن حبان (٤٧١١)، وابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٢٦٩، ٢٧٠ من طرق
عن حيوة به .
وأخرجه الثعلبى فى تفسيره - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ١٢٠/١ من طريق الليث عن يزيد به .
وعزاه الزيلعى إلى أحمد وإسحاق بن راهويه والسيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/١ إلى عبد بن حميد وأبى يعلى
وابن المنذر وابن مردويه .
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٠/١٦.
(٢) فى الأصل، ت ٢، ت ٣: ((تجوب)). وينظر تهذيب الكمال ٢/ ٥٢٨.
(٣) أخرجه الطبرانى (٤٠٦٠) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة وابن لهيعة به .
=

٣٢٤
سورة البقرة : الآية ١٩٥
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يُقالَ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أمَر بالإنفاقِ فی
سبيله بقوله: ﴿ وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وسبيلُه: طريقُه الذى شرَعه لعبادِه وأُوضَحَه
لهم .
ومعنى ذلك: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وأنْفِقوا فى إعزازِ دينى الذى
٢٠٥/٢ شرَعْتُه لكم بجهادِ عدوٌّ كم النّاصِبينَ لكم الحربَ على الكفرِ بى. / ونهاهم أن يُلْقُوا
بأيدِيهم إلى الثَّهْلُكةِ، فقال: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾ . وذلك مَثَلٌ،
والعربُ تقولُ للمُسْتَشْلم للأمرِ: أعطَى فلانٌ بَيَدَيْه. وكذلك يُقالُ للمُمَكِّنِ مِن
نفسِه مما أُرِيد به : أعطَى بيدَيْه .
فمعنى قوله: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيَدِيَّكُمْ إِلَى الَُّكَةِ﴾: ولا تَسْتَسْلِمِوا للهَلَكَةِ
فُتُعْطُوها أَزِمَّتَكُمْ فَتَهْلِكوا، والتاركُ النفقةِ فى سبيلِ اللَّهِ عندَ وجوبٍ ذلك عليه
مُسْتَسْلِمٌ للهَلَكَةِ بتركِه أداءَ فرضِ اللَّهِ عليه فى مالِهِ، وذلك أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه جعَل
أحدَ سِهامِ الصدقاتِ المفروضاتِ الثمانيةِ فى سبيلِه، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ
لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾. إلى قوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ اُلسَّبِيلِّ﴾ [التوبة: ٦٠].
فمن ترَك إنفاقَ ما لزِمه مِن ذلك فى سبيلِ اللَّهِ على ما لزِمه كان للهَلَكَةِ مستسلِمًا ،
وبيدَيْه للتَّهْلُكَةِ مُلْقِيًا ، وكذلك الآيسُ مِن رحمةِ اللهِ لِذنبٍ سلَف منه مُلْقٍ بیدَیه إلى
الشَّهْلُكَةِ ؛ لأنَّ اللَّهَ قد نَهى عن ذلك فقال: ﴿ وَلَا تَأْيِّئَسُواْ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأيْكَسُ
مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [ يوسف: ٨٧]. وكذلك التاركُ غزوٍ المشركين
وجهادِهم فى حالٍ وُجوبِ ذلك عليه فى حالٍ حاجةِ المسلمين إليه ، مُضَيِّعٌ فرضًا،
وأخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح مصر ص ٢٦٩، ٢٧٠، والحاكم ٢٧٥/٢، والبيهقى ٤٥/٩،
=
والواحدى فى أسباب النزول ص ٣٨ من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، عن حيوة - وحده - به .
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٣٢٥
سورة البقرة : الآية ١٩٥
مُلْقٍ بِيدِه إلى التَّهْلُكَةِ .
فإذا كانت هذه المعانى كلُّها يَحْتَمِلُها قولُه: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَُّكَةِ﴾
ولم يكنِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ خصَّ منها شيئًا دون شىءٍ ، فالصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن
يُقالَ: إِنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه نهى عن الإلقاءِ بأيدِينا لما فيه هلاكُنا والاستسلام للهَلَكَةِ -
وهى العذابُ - بتركٍ ما لزِمَنا مِن فرائضِه ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ منا الدخولُ فی شیءٍ
يَكْرَهُه اللَّهُ منا مما نَسْتَوْجِبُ بُدُخولِنا فيه عذابَه ، غيرَ أنَّ الأمرَ وإن كان كذلك ، فإنَّ
الأغلبَ مِن تأويلِ الآية : وأَنْفِقُوا أيها المؤمنون فى سبيلِ اللَّهِ ، ولا تَتْرُكوا النفقةَ فيها
فتَهْلِكُوا باستحقاقِكم [١٥/٥ ظ] بتركِكم ذلك عذابى.
كما حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا مُعاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ
عباسٍ قوله: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّلْكَةِ﴾. قال: التَّهْلُكَةُ عذابُ اللَّهِ(١).
فيكونُ ذلك إعلامًا منه لهم، بعد أمرِه إياهم بالنفقةِ ، ما لمن ترَك النفقةَ
المفروضةَ عليه فى سبيلِه مِن العقوبةِ فى المعادِ .
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الباءِ فى قوله: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَدِيكُمْ﴾ وقد
علِمتَ أنَّ المعروفَ مِن كلامِ العربِ: ألقَيتُ إلى فلانٍ درهمًا. دونَ: ألقَيتُ إلى
فلانٍ بدرهم ؟
قيل : قد قِيل : إنها زِيدت نحوَ زيادةِ القائل الباءَ فى قولِه : جذَبتُ الثوبَ ،
وجذَبتُ بالثوبِ، وتعَلَّقْتُ به، وتعلَّقْتُه، و﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وإنما
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٢/١ (١٧٤٩) من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢٠٨/١ إلى ابن المنذر.
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى).

٣٢٦
سورة البقرة : الآية ١٩٥
هو : تُنِبِتُ الدُّهْنَ .
وقال آخرون: الباءُ فى قولِهِ: ﴿ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيَكُمْ إِلَى النَّلُكَةِ﴾ أصلٌ لِلكَلِمةِ؛
لأنَّ كلَّ فعلٍ واقعٍ(١) كُنِى عنه فهو مُضْطرّ إليها، كنحوِ قولك فى رجلٍ كلَّمتّه،
فأرَدتَ الكنايةَ عن فعلِه ، فإذا أُرَدتَ ذلك ، قلتَ : فعلتُ به. قالوا: فلما كانت الباءُ
هى الأصلَ جاز إدخالُ الباءِ وإخراجها فى كلِّ فعلٍ سبيلُه سبيلُ كَلِمَتِه .
وأمّا التَّهْلُكةُ ، فإنها التَّفْعُلُةُ مِن الهلاكِ.
.:
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
١٩٥)
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَأَحْسِنُوَّا﴾: أحسِنوا أيُّها المؤمنون فى أداءٍ ما
٢٠٦/٢ أَلَمْتُكُم مِن فرائضى، وَجَتُبٍ / ما أمَرتُكم بتَجَنَّبِهِ مِن معاصىَّ، وفى (٢) الإنفاقِ فى
سبيلى ، وعَوْدِ القوىِّ فيكم(٢) على الضعيفِ ذى الخَلَّةِ(٤) ، فإنى أُحبُّ المحسنين فى
ذلك .
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ ، قال : أخبَرَنا
سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن رجلٍ مِن الصحابةِ فى قولِ اللَّهِ: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: أداءُ الفرائضِ.
(١) الفعل الواقع أو المجاوز، هو الفعل المتعدى؛ لأن أثره لم يقتصر على الفاعل، وإنما جاوزه إلى المفعول به ،
فوقع مدلوله عليه. ينظر معانى القرآن للفراء ١٦/١، وشرح ابن عقيل ٥٣٤/١، والمصطلح النحوى
ص ١٨٠.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((منكم)) .
(٤) الخلة : الحاجة والفقر. اللسان (خ ل ل).
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/١ إلى المصنف.

٣٢٧
سورة البقرة : الآيتان ١٩٥، ١٩٦
وقال بعضُهم: معناه : أحسِنوا الظنّ باللَّهِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: أخبَرَنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحكم
ابنِ أبانٍ، عن ◌ِكْرمةَ: ﴿ وَأَحْسِنُوْاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال: أحسِنوا
الظنّ باللّهِ ( يَرَّ بكم) .
وقال آخرون: أحسِنوا بالعَوْدِ على المحتاجِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَأَحْسِنُوْاْ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: [١٦/٥و] عُودُوا على مَن ليس بيدِه شىءٌ .
" حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ عَيّشٍ، قال:
٢)
قال زيدُ بنُ أسلمَ: قال لِمَن فى يدِه فضْلٌ: ﴿وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: أتُمُّوا الحجّ
بمناسكِه وسننِه، وأتُّوا العمرةَ (" إلى البيتِ " بحدودِها وسننِها .
(١ - ١) فى م، ت ١: ((يبركم))، وفى ت ٢: ((بتركم))، وفى ت ٣: ((تبركم)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٣/١ (١٧٥٢) من طريق حفص بن عمر به، وعزاه السيوطى
فی الدر المنثور ٢٠٨/١ إلی عبد بن حميد .
(٢ - ٢) سقط من: م. وتقدم الأثر بأطول من هذا فى ص ٣١٨، ٣١٩.
(٣ - ٣) سقط من: م.

٣٢٨
سورة البقرة : الآية ١٩٦
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَارىُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ ثُمَيرٍ، عن الأعمشِ،
عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ فى قولِه: ﴿ وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: هى فى قراءةٍ
عبدِ اللَّهِ: (وأتُّوا (١) الحجّ والعمرةَ إلى البيتِ) قال: لا تَجَاوَزوا بالعمرةِ البيتَ. قال
إبراهيمُ : فذكرتُ ذلك لسعيدِ بنِ مجبیٍ ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ " .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال : ثنا سفيانُ ، عن
منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قرأ: (وأقِيمُوا(٢) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ)(٤).
٢٠٧/٢
/ حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن
إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ أنه قرَأ : (وأتُّوا (١) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ ).
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ
عباسٍ: ﴿وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُهْرَةَ لِلَّهِ ﴾ يقولُ: مَن أحرَم بحجّ أو بعُمرةٍ فليس له أن يَحِلُّ
حتى يُتِمَّها ، تمامُ الحجّ يومُ النحرِ ، إذا رمَى جمرة العقبةِ وزارَ البيتَ، فقد حلَّ مِن
إحرامِه كلِّه، وتمامُ العُمرةِ إذا طاف بالبيتِ والصفا والمروةِ، فقد حَلّ " .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أقيموا)).
(٢) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١٦٣، ١٦٤، وسعيد بن منصور فى سننه (٢٨٧ - تفسير)، وابن
أبى شيبة ص ١٣٣، ١٣٤، ٢٤٩، ٢٨٠ (القسم الأول من الجزء الرابع)، والطحاوى ٢/ ٢٥٠، ٢٥١،
وابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٤٠، ٣٤١ (١٧٥٩، ١٧٦٦، ١٧٧٦، ١٧٨٧، ١٧٩٤)
من طريق الأعمش به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى.
(٣) فى الأصل: ((وأتموا)).
(٤) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٥٥ من طريق عبد الرحمن به ص ٥٦ من طريق قبيصة عن سفيان
به ، والقراءة شاذة .
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/١ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٣٣٤/١.

٣٢٩
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال: ثنا أبو عاصم ، قال : حدَّثنی عيسى ، وحدّثنی
المُنَّى ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ وَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَ ﴾. قال: ما أُمِروا فيهما(١).
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع
قولَه: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: قال إبراهيمُ ، عن عَلْقَمَةَ بنِ قَيْسٍ ، قال :
الحجُ : مناسكُ الحجّ ، والعمرةُ لا تُجَاوِزْ بها البيتَ(٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿ وَأَنِقُواْ
الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: تقضى مناسك الحجِّ؛ عرفَةَ والمزدلِفَةَ ومواطنَها ، والعمرةُ
للبيتِ "إنما هى تَطَّوَّف٢ُ) بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ ثم تَحِلُّ .
وقال آخرون : تمامُهما أن تُحْرِمَ بهما مفردَينٍ من دُوَيرةِ أهلِك .
ذكرُ مَن قال ذلك
[١٦/٥ظ] حدَّثنا ابنُ المثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن
عمرٍو بنٍ مُرَّةً، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، عن علىٍّ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿ وَأَنِعُواْ الْحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾: أن تُحرِمَ مِن دُوَيرةِ أهلِك(٤) .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ ، عن عَنْبَسةً، عن شعبةً ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٢٢٤، وتفسير سفيان ص ٦٠، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) تقدم تخريجه فى الصفحة السابقة .
(٣ - ٣) فى م: ((أن يطوف))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أما يطوف)).
(٤) أخرجه البغوى فى الجعديات (٦٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٣/١ (١٧٥٥)، والنحاس فى ناسخه
ص ١٢٦، ١٢٧، والحاكم ٢/ ٢٧٦، والبيهقى ٣٠/٥ من طريق شعبة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٨/١ إلى وكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى شيبة، وعبد الله بن سلمة صدوق تغير حفظه .

٣٣٠
سورة البقرة : الآية ١٩٦
عمرٍو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ ، قال: جاء رجلٌ إلى علىّ، فقال: أرأيتَ قولَ
اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿ وَأَيْقُوْ اْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِّهِ ﴾. قال: أن تُحِمَ من دُوَيْرَةِ أهلِك.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةً، عن
سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، قال: من تمامِ العُمرةِ أن تُحِمَ من دُوَيرَةِ أهلِك(١).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ثَوْرِ بنِ يزيدَ ، عن سليمانَ بنِ موسَی ،
عن طاوسٍ، قال: تمامُهما إفرادُهما مُؤْتَنَفَيْنٍ(١٢) مِن أَهلِك.
حدَّثْنى المُنَّى ، قال : ثنا (٣أبو نُعيمِ الفَضْلُ بنُ دُكَينِ، قال: ثنا٢) سفيانُ، عن
ثورٍ ، عن سليمانَ بنِ موسَى ، عن طاوسٍ: ﴿ وَتِقُواْ الَّْ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَّ ﴾. قال: تُفْرِدُهما
مُؤْتَنَفَين(٤) مِن أهلِك، فذلك تمامُهما (٥).
/وقال آخرون: تمامُ العُمرةِ أَن تُعْمَلَ فى غيرِ أشهرِ الحَجِّ ، وتمامُ الحجِّ أن يُؤْنَى
٢٠٨/٢
بمناسِكِه كلِّها حتى لا يَلْزَمَ عامَلَه دمٌ بسببٍ قِرانٍ ولا مُتعةٍ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَّ ﴾. قال: تمامُ العُمرةِ ما كان فى غيرِ أشهرِ الحجّ، وما كان
فى أشهرِ الحجّ ، ثم أقامَ حتى يَحُجّ فهى مُتْعَةٌ ، عليه فيها الهَدْىُ إن وجَدَ ، وإلا صامَ
(١) تفسير سفيان ص ٦٠.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مؤتنفتين)). والائتناف والاستئناف بمعنى الابتداء، واستأنفت الشىء:
أخذت فيه وابتدأته . المصباح المنير (أن ف ).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م: ((موقتتين))، وفى ت ١: ((مرتقتين)).
(٥) تفسير سفيان ص ٦٠.

٣٣١
سورة البقرة : الآية ١٩٦
ثلاثةَ أيامٍ فى الحجّ، وسبعةً إذا رجَع(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ فى
قوله: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. قال: ما كان فى غيرِ أشهرِ الحجِّ فهى عُمرةٌ تامَّةٌ ،
وما كان فى أشهرِ الحجِّ فهى مُتْعَةٌ وعليه الهَدْىُ .
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَونٍ ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ
محمدٍ يقولُ: إنَّ العُمرةَ فى أشهرِ الحجِّ ليست بتامَّةٍ . قال: فقيل له : العُمرةُ فى
المُحُرَّمِ؟ قال: كانوا يَرَوْنَها تَامَّةً(٢) .
وقال آخرون : إتمامُهما أن تَخْرُجَ مِن أَهلِك ولا تُريدُ غيرَهما .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى رجلٌ، عن سفيانَ ، قال :
هو - يعنى تمامَهما - أن تَخْرُجَ مِن أهلِك لا تريدُ إلا الحجّ والعُمرةَ، وتُهِلَّ مِن
الميقاتِ ، ليس أن نَخْرُجَّ لتجارةٍ ولا لحاجةٍ ، حتى إذا كُنْتَ قريبًا مِن مكةَ قلتَ : لو
حَجَجْتُ أو اعتَمَرْتُ. وذلك يُجزِئُ، ولكنَّ التَّمامَ أن تَخْرُجَ له لا تَخْرُجُ لغيرِه (١٢).
وقال آخرون : بل معنى ذلك: أتُّوا الحَجّ والعُمرةَ للَّهِ إذا دخَلتم فيهما .
ذكرُ مَن قال ذلك
[١٧/٥و] حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ليست
العُمرةُ واجبةٌ على أحدٍ مِن الناسِ. قال: فقلتُ له: قولُ اللَّهِ: ﴿وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُْرَةَ
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢١٧/١ عن قتادة .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦/٤ من طريق ابن عون به مقتصرا على آخره.
(٣) ذكره النحاس فى ناسخه ص ١٢٧، والبغوى فى تفسيره ٢١٧/١ مختصرا.

٣٣٢
سورة البقرة : الآية ١٩٦
لِلّهِ﴾. قال: ليس مِن الخَلقِ أحدٌ ينبغى له (إذا دخَلَ) فى أمرٍ إلا أن يُتِمَّه، فإذا
دَخَل(٢) فيها لم يَنْبَغ له أن يُهِلَّ يومًا أو يومَين ثم يَرْجِعَ، كما لو صامَ يومًا لم يَنْبَغِ له أن
يُفْطِرَ فى نصفِ النهارِ .
وكان الشعبىُ يَقْرَأُ ذلك رفعًا(٣):
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنّى، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن شعبةً، قال: حدَّثنی
سعيدُ بنُ أبي بُرْدَةَ ، أن الشعبىَّ وأبا بُرْدَةَ تذاكرًا العُمرةَ، قال : فقال الشعبىُّ: تَطوُّعٌ:
(وأتموا الحَجَّ والعُمْرةُ للهِ). وقال أبو بُرْدَةَ: هى واجبةٌ: ﴿وَيِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِّ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا ابنُ عَونٍ ، عن الشعبىِّ
أنه كان يَقْرُؤُها: (وأتُمُّوا الحَجَّ والعُشْرَةُ لِلَّهِ)(٥).
وقدروى عن الشعبيّ خلافُ هذا القولٍ ، وإن كان المشهورُ عنه مِن القولِ هو هذا .
/وذلك ما حدَّثنى به المُثُنَّى، قال : ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ ، قال: ثنا أبو عَوانةَ ،
عن المغيرةِ ، عن الشعبىِّ، قال: العُمرةُ واجبةٌ(٦).
٢٠٩/٢
فقراءةُ مَن قال: العُمرةُ واجبةٌ. نَصْبُها بمعنى: أَقِيمُوا فرضَ الحجّ والعُمرةِ .
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) فى الأصل: ((خرج)).
(٣) أى برفع التاء فى ((العمرة))، وهى قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط ٢/ ٧٢.
(٤) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ١٧/٢٠ من طريق شعبة به .
(٥) أخرجه أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١/ ٦٨، وسعيد بن منصور فى سننه (٢٨٨ - تفسير)، وابن أبى شيبة
ص ٢٢٠ (القسم الأول من الجزء الرابع)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٥/١ (١٧٦٥)، والبيهقى ٣٤٩/٤
من طريق ابن عون به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/١ إلى عبد بن حميد.
(٦) أخرجه ابن حزم فى المحلى ١٤/٧ من طريق المغيرة به .

٣٣٣
سورة البقرة : الآية ١٩٦
كما حدَّثنا ابنُ المُنَّى ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا شعبةُ ، قال :
سمِعتُ أبا إسحاقَ يَقُولُ: سمِعتُ مَسروقًا يقولُ: أُمِرْتم فى كتابِ اللَّهِ بأربعٍ؛ بإقامٍ
الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجّ، والعمرةِ. قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ [آل عمران: ٩٧] (وأتموا الحج والعمرة إلى البيت)(١).
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ لَيْتًا يَرْوِى عن
الحسنِ، عن مسروقٍ ، قال: أَمِرنا بإقامةِ أربعةٍ ؛ الصلاةِ، والزكاةِ، والعمرةِ،
والحجِّ، فتُزِّلَت العُمرةُ مِن الحجِّ منزلةَ الزكاةِ مِن الصلاةِ(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : ثنا ابنُ جُرَيج ، قال : قال
علىُّ بنُ حسينٍ وسعيدُ بنُ جبيرٍ ، وسئِلا : أواجبةٌ العُمرةُ على الناس ؟ فكلاهما قال :
ما نَعْلَمُها إلا واجبةٌ، كما قال اللّهُ: ﴿ وَيِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِّ﴾(١)
حدَّثَنَا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَْبرىُّ ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيد القطانُ، عن عبدٍ
الملكِ بنِ أبى سليمانَ ، قال : سأل رجلٌ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن العُمرةِ فريضةٌ هى أم
تَطَؤُّعُ؟ قال: فريضةٌ. قال: فإن الشعبىَّ يقولُ: هى تطوُّعٌ. قال: كذَب(٤)
الشعبىُّ. وقرَأ: ﴿ وَأَيِّقُواْ الْحَجَّ وَالْعُبْرَةَ لِلَّهِّ﴾.
(١) أخرجه عبد الرزاق - كما فى المحلى ٧/ ١٣، والتمهيد ١٥/٢٠ - عن الثورى، عن أبى إسحاق به ،
وأخرجه ابن عبد البر أيضًا من طريق إسرائيل وأبى الأحوص، عن أبى إسحاق به، وأخرجه ابن أبى شيبة
ص ٢٢٢ (الجزء الأول من القسم الرابع) عن أبى الأحوص، عن أبى إسحاق به مختصرا . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٠٩/١ إلى عبد بن حميد .
(٢) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ١٥/٢٠ من طريق أبى إسحاق ، عن مسروق .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ص ٢٢١ (الجزء الأول من القسم الرابع) من طريق ابن جريج به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى الأمالى (١٢٩)، ومن طريقه ابن عبد البر فى التمهيد ١٨/٢٠ - عن عبد الملك بن
أُبی سلیمان به .
(٥) كذب هنا بمعنى أخطأ . المصباح المنير (ك ذ ب).

٣٣٤
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ، وعمّن سمِع عطاءً يَقُولُ فى قولِهِ: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُبْرَةَ لِلَّهِ ﴾. قال: هما
واجبانٍ ؛ الحجّ والعُمرةُ(١).
فتأويلُ هؤلاءِ فى قولِه: ﴿ وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَاَلْعُهْرَةَ لِلَّهَّ﴾ فى أنهما واجِبانٍ: أَمَر (٢)
اللَّهُ بإقامتهما كما أمر بإقام الصلاةِ، وأنهما فريضتان، وأوجَبَ العُمرةَ وجوبَ
الحجّ . وهم عددٌ كثيرٌ مِن الصحابةِ والتابعين، ومَن بعدَهم مِن الخالفِين كرِهنا تطويلَ
الكتابِ بذكرِهم وذكرِ الرواياتِ عنهم. وقالوا: معنى قوله: ﴿ وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ
لِلّهِ ﴾: وَأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمرةَ.
ذكرُ بعضٍ مَن قال ذلك
[١٧/٥ ظ] حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ ،
عن السدئِّ قوله: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلّهِ ﴾. يقولُ: أَقِيموا الحجّ والعُمرةَ(٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال : ثنا أبو نُعَيمِ ، قال : ثنا إسرائيلُ ، عن تُوَيرٍ ، عن
أبيه، عن عليٍّ: (وأقيمُوا الحجّ والعُمْرَةَ للبيْتِ ): ثم هى واجبةٌ مِثلُ الحجّ(٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ ، قال : ثنا أبو نُعيم، قال : ثنا إسرائيلُ، عن ثُویرٍ ، عن أبيه،
عن عبدِ اللَّهِ : (وَأَقِيمُوا الحجَّ وَالْتُمْرَةَ إلى الْبَيْتِ). ثم قال عبدُ اللَّهِ: لولا التَّحَرُّجُ وأنى
لم أَسْمَعْ مِن رسولِ اللَّهِ ◌َّمِ فيها شيئًا، لقُلتُ: إن العُمرةَ واجبةٌ مثلُ الحجّ(٥).
(١) تفسير عبد الرزاق ٧٤/١.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٣٤/١ (١٧٥٧) من طريق عمرو به.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٥) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٥٥، ٥٦ من طريق أبى نعيم به، وأخرجه البيهقى ٣٥١/٤ من =

٣٣٥
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وكأنهم عَنَوا بقولِهم: (وأقيموا الحجّ والعُمرةَ ): اثْتُوا بهما بحدودِهما
وأحكامِهما على ما فُرِضَ عليكم .
٢١٠/٢
وقال آخرون ممن قرأ قراءةَ هؤلاءِ بنصبِ العُمرةِ : العُمرةُ تطوُّعٌ. ورأوا أنه لا
دَلالةَ على وُجوبِها/ فى نصبِهم العُمرةَ فى القراءةِ ، إذ كان مِن الأعمالِ ما قد يَلْزَمُ
العبدَ عملُه، وإتمامُه بدخولِه فيه، ولم يَكَنِ ابتداءُ الدخولِ فيه فرضًا عليه، وذلك
كالحَجِّ التطوّع ، لا خلافَ بين الجميع فيه أنه إذا أحرَم به أنَّ عليه المُضِىَّ فيه وإتمامَه ،
ولم يكنْ فرضًا عليه ابتداءُ الدخولِ فيه . وقالوا : فكذلك العُمرةُ غيرُ فرضٍ واجبٍ
الدخولُ فيها ابتداءً، غيرَ أنَّ على مَن دخَل فيها وأوجَبها على نفسِه إتمامَها بعدَ
الدخول فيها .
قالوا: ليس فى أمرِ اللَّهِ بإتمام الحجّ والعمرةِ دَلالةٌ على وجوبٍ فرضِهِماً ).
قالوا: وإنما أوجَبنا فَرْضَ الحَجّ بقولِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
ج
اُلْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧].
وممن قال ذلك جماعةٌ مِن الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم مِن الخالِفين.
ذكرُ بعضٍ من قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ
أبى عروبةَ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الحجُّ فريضةٌ ، والعُمرةُ
تطوٌُّ (٣).
= طريق إسرائيل به. وعزاه السيوطى فى الدر ٢٠٩/١ إلى عبد بن حميد. وثوير بن أبى فاختة ضعيف.
(١) فى م: ((فرضها)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق - كما فى التمهيد ١٨/٢٠ - وابن أبى شيبة ص ٢٢٠ (الجزء الأول من القسم =

٣٣٦
سورة البقرة : الآية ١٩٦
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ ، عن ابنٍ أبى عَروبةَ ، عن أبى
مَعْشَرٍ، عن النَّخَعِىِّ ، عن ابنِ مسعودٍ مثلَه .
وحدَّثنا ابنُ بَشارٍ ، قال: ثنا ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرِ، عن قتادةَ ،
عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ، قال : العُمرةُ ليستْ بواجبةٍ .
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن سماكٍ(١) ، قال: سألتُ
إبراهيمَ عن العُمرةِ فقال: سنةٌ حسنةٌ (٢).
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه .
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ
مثله .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن المغيرةِ، عن
إبراهيمَ مثلَه .
حدَّثنا المُنَّى ، قال: ثنا الحَجائجُ، قال: ثنا حمادٌ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عَوٍ ،
عن الشَّعبىِّ، قال : العُمرةُ تطوُّعٌ(٣).
فأما الذين قرَءوا ذلك برفع ((العُمرةِ))، فإنَّهم قالوا: لا وَجْهَ لنصبِها؛
لأَنَّ العُمرةَ إنما هى زيارةُ البيتِ، ولا يكونُ مستحِقًّا [١٨/٥و] اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا
وهو له زائرٌ. قالوا: وإذا كان لا يَسْتَحِقُّ اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا بزيارتِه - وهو متى
= الرابع) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/١ إلى عبد بن حميد.
(١) فى الأصل: ((شباك)). وينظر تهذيب الكمال ١١٥/١٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق - كما فى التمهيد ١٩/٢٠ من طريق الثورى عن سماك به .
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٣٣٢.

٣٣٧
سورة البقرة : الآية ١٩٦
بلَغْه فطاف به وبالصفا والمروةِ ، فلا عَملَ يبقى بعدَه يُؤمَرُ بإتمامِه بعدَ ذلك،
كما يُؤْمَرُ الحامجُ بعدَ بُلوغِه والطوافِ به وبالصفا والمروةِ بإتيانِ عرفةً
والمُزْدَلِفِةِ ، والوقوفِ بالمواضعِ التى أُمِر بالوقوفِ بها، وعَمَلِ سائِرِ أعمالِ الحجّ
الذى هو مِن تمامِه بعدَ إتيانِ البيتِ - لم يكنْ لِقولِ القائلِ للمعتمرِ: أَمَّ
عُمرتَك. وجةٌ مفهومٌ. قالوا ) : وإذا لم يَكُنْ له وَجْةٌ مفهومٌ، فالصوابُ مِن
القراءةِ فى ((العُمرةِ)) بالرفع على أنها) من أعمالِ البرّ للَّهِ، فتكونُ مَرفوعةٌ
بخبرِها الذى بعدَها، وهو قولُه: ﴿ للهِ ﴾ .
وأَوْلى القِراءَتين بالصوابِ فى ذلك عندَنا قراءةُ مَن قَرَأْ بنصبِ ((العُمرةِ)) على
العطفِ بها على ((الحجّ))،/ بمعنى الأمرِ " بإِنْمامِها للَّهِ)، ولا معنى لاعتلالٍ من اعتَلّ
فى رفعِها بأنَّ العمرةَ زيارةُ البيتِ ، وأن (٤) المُغْتَمِرَ متى بلَغه فلا عمَل بقِى عليه يؤمَرُ
بإتمامِه؛ وذلك أنه إذا بلَغ البيتَ، فقد انْقَضَتْ زيارتُه وبقِى عليه تمامُ العمَلِ الذى أمَره
اللَّهُ به فى اعتمارِهِ وزيارتِه البيتَ، وذلك هو الطوافُ بالبيتِ، والسعىُ بينَ الصفا
والمروةِ، وتَجَنُّبُ ما أمَرِ اللَّهُ بتَجَنُبِه إلى إتمامِه ذلك. وذلك عمَلٌ - وإن كان مما لزِمه
بإيجابِهُ ١ الزيارةَ على نفسِه - غيرُ الزيارةِ. هذا، مع إجماع الحجةِ على قراءةٍ
((العمرةٍ)) بالنصبِ ، ومخالفةِ جميع قرأةِ الأمصارِ قراءةَ مَن قرأ ذلك بالرفع ، ففى ذلك
مُسْتَغْنَى عن الاستشهادِ على خطأٌ قِراءةٍ(٦) مَن قرأ ذلك رفعًا .
٢١١/٢
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أنه)).
(٣ - ٣) فى م: ((بإتمامهما له)).
(٤) فى م: ((فإن )).
(٥) فى م، ت ٢: (( یإیجاب)).
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
( تفسير الطبرى ٢٢/٣ )

٣٣٨
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وأما أَولى القولين اللذين ذكَرنا بالصوابِ فى تأويلِ قولِهِ: ﴿ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ على
قراءةٍ مَن قَرَأْ ذلك نصبًا، فقولُ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ومَن قال بقوله، من أن معنی
ذلك: وأتموا الحجّ والعمرةَ للَّهِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِكم إياهما. لا أنَّ ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ
بابتداءِ عملِهما والدخولِ فيهما وأداءِ عملِهما بتمامِه بهذه الآيةِ؛ وذلك أن الآيةَ
مُحْتَمِلةٌ المعنيين اللذين وصَفنا؛ من أن يكون أمرًا مِن اللَّهِ بإقامتِهما بتَمامِهما(١)
ابتداءً، وإيجابًا منه على العبادِ فرضَهما. وأن يكونَ أمرًا منه بإتمامِهما بعد الدخولِ
فيهما ، وبعد إيجابٍ موجبِهما على نفسِه . فإذا كانت الآيةُ مُحْتَمِلةً المعنيين اللذين
وصَفنا، فلا حجةَ فيها لأحدِ الفريقين على الآخَرِ ، إلا وللآخَرٍ عليه فيها مثلُها . وإذا
كان ذلك(١) كذلك ولم يكنْ بإيجابٍ فرضِ العُمرةِ خبرٌ عن الحجةِ للعذرِ
قاطعًا ، وكانت الأمةُ فى وجوبِها متنازعةٌ ، لم يكنْ لقولٍ قائلٍ : هى فرضٌ . بغيرِ
برهانٍ دالٌ [١٨/٥ظ] على صحةٍ قولِه - معنًى، إذ كانت الفروضُ لا تَلْزَمُ العبادَ إلا
بدلالةٍ على لزومِها إياهم واضحةٍ .
فإن ظنَّ ظانٌّ أنها واجبةٌ وُجوبَ الحجّ، وأنَّ تأويلَ مَن تأوَّل قوله: ﴿وَأَنِقُوا الْحَجَّ
وَالْعُبْرَةَ لِلّهِ﴾. بمعنى: أَقِيمُوا حدودَهما وفُروضَهما. أولى مِن تأويلِنا، لما(١) حدَّثنى
به حاتمُ بنُ بكرٍ(٢) الضبىُ، قال: ثنا أشهلُ بنُ حاتم الأرطبانىُ (٤) ، قال: ثنا ابنُ عونٍ،
عن محمدٍ بنٍ جحادةً، عن رجلٍ، عن زميلٍ له، عن أبيه - وكان أبوه يُكنى أبا
المُنْتَفِقِ - قال: أَتَيْتُ النبىَّ عَ لَّمِ بعرفةَ، فدنَوتُ منه، حتى اختلَفَت عنقُ راحِلَتى
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بما).
(٣) فى م، ت ٢: ((بكير)). وينظر تهذيب الكمال ٥/ ١٩١.
(٤) فى م: ((الأرطبائى)) .
٠

٣٣٩
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وعنقُ راحلتِه، فقلتُ : يا رسولَ اللَّهِ ، أَنْبِقْنِى بعملِ يُنْجِينى مِن عذابِ اللَّهِ وَيُدْخِلُنى
جنتَه؟ قال: ((اعْبُدِ اللَّهَ ولَا تُشْرِكْ به شيئًا، وأقم الصلاةَ المكتوبةَ، وأَدِّ الزكاةَ المفروضةَ،
وحُجَّ واعْتَمِرْ)) - قال أشهلُ: وأظتُّه قال: ((وصُمْ رمضانَ)) - ((وانْظُرْ ما تُحِبُّ مِن الناسِ
أن يَأْتُوه إليك فافْعَلْه بهم، وما تَكْرَهُ مِن الناسِ أن يَأْتُوه إليك فذَرْهُم منه))(١).
وما حدَّثنى به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ (١ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدیٍّ ومحمدُ
ابنُ ابی عدیٍّ ، عن شعبة ، عن النعمان بن سالم ، عن عمرو بنِ أوسٍ ، عن أبی رَزین
العُقَيلىِّ ، رجلٍ مِن بنى عامرٍ ، قال: قلت يا رسولَ اللَّهِ ، إن أبى شيخٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ
الحجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعْنَ، وقد أدرَكَه الإسلامُ، أفأَ حُجُ عنه؟ قال: ((حُجَّ عن أبيك
(٣)
واعْتَمِرْ))(٣).
وما حدَّثنى به يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ ، عن أبى قِلابةً أَن رسولَ
اللَّهِ عِ خَطَب فقال: ((اعْبُدُوا اللَّهَ ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا، وأَقِيمُوا الصلاةَ، وآتُّوا
الزكاةَ، /وحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، واسْتَقِيموا يَسْتَقِمْ لكم)) (٤).
٢١٢/٢
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٦٩٦) - ومن طريقه ابن الأثير فى أسد الغابة ٣٠٢/٦
والطبرانى فى الكبير ٢١٠/١٩ (٤٧٤) - من طريق ابن عون به، وقال الطبرانى: اضطرب ابن عون فى إسناد
هذا الحديث، ولم يضبطه عن محمد بن جحادة، وضبطه همام. ورواية همام أخرجها أحمد ٣٨٣/٦
(الميمنية) - والطبرانى فى الكبير ٢٠٩/١٩ (٤٧٣) - من طريقه عن محمد بن جحادة، عن المغيرة بن عبد
الله اليشكرى، عن أبيه عن ابن المنتفق. وينظر الإصابة ٣٨٦/٧.
(٢) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال: ثنا ابن إبراهيم)). وينظر تهذيب الكمال ٤٣٠/١٧،
٣١١/٣٢.
(٣) أخرجه أحمد ١٠٣/٢٦، ١١٠، ١١٧ (١٦١٨٤، ١٦١٨٥، ١٦١٩٠، ١٦١٩٩)، وأبو داود
(١٨١٠)، والترمذى (٩٣٠)، والنسائى (٢٦٢٠، ٢٦٣٦)، وابن ماجه (٢٩٠٦). وابن خزيمة (٣٠٤٠)
عن شعبة به. وينظر مسند الطيالسى (١١٨٧).
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٠٣١)، وعبد الرزاق فى تفسيره ١٩٢/١ من طريق أيوب به مطولاً،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٠٧/٢، ٣٠٨ إلى ابن المنذر.

٣٤٠
سورة البقرة : الآية ١٩٦
وما أشبه ذلك مِن الأخبارِ . فإنَّ هذه أخبارٌ لا يَثْبُتُ بمثلها فى الدينِ حُجَّةٌ لوَهْي
أسانيدِها ، وأنها مع وَهْى أسانيدِها لها مِن(١) الأخبارِ أشكالٌ تُنْبِئُ عن أنَّ العُمرةَ
تَطَوٌَّ، لا فرضٌ واجبٌ .
وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيدٍ ومحمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانىُ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ
ابْنُ المُبارَكِ، عن الحَجَاجِ بنِ أرطاةً، عن محمدِ بنِ المُكَدِرِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن
النبيِّ ◌َ ◌ِّ أنه سُئِل عن العُمرةِ أواجبةٌ هى؟، فقال: ((لا، وأن تَعْتَمِروا خيرٌ لكم))(١).
حدَّثنا ابنُ حَمْيدٍ ، قال: ثنا جَرِيرٌ، وحدَّثنى يحيى بنُ طَلْحَةَ اليربوعِىُّ، قال: ثنا
شَرِيكٌ، عن معاويةَ بنِ إسحاقَ ، عن أبى صالح الحنفىّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ لَعِ:
((الحَجُّ جهادٌ، والعُمرةُ تَطَوُّعٌ))(٣) .
وقد [١٩/٥ و] زعَم بعضُ أهلِ الغباءِ أنه قد صَحَّ عندَه أنَّ العُمرةَ واجبةٌ ؛ بأنه لم
يَجِدْ تَطَؤُّعًا إلا وله إمامٌ مِن المكتوبةِ، فلما صَحَّ أن ( للعُمْرَةِ تَطَوَّعًا) وجَب أن يَكُونَ
لها فرضّ؛ لأن الفرضَ إمامُ التطوُّعِ فى جميعِ الأعمالِ .
فيقالُ لقائلٍ ذلك: قد جُعِل للاعتكافِ(٥) تطوٌُّ، فما الفرضُ منه (٣) الذى هو
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فى)).
(٢) أخرجه أحمد ٣١٦/٣، ٢٩٠/٢٢،٣٥٧، ١٣٨/٢٣ (١٤٣٩٧، ١٤٨٤٥)، والترمذى (٩٣١)،
وابن خزيمة (٣٠٦٨) من طريق الحجاج به نحوه .
(٣) أخرجه الشافعى فى الآم ١١٣/٢، وفى المسند ٤٨٣/١ - ومن طريقه البيهقى ٣٤٨/٤، وفى المعرفة ٣/
٥٠٢-، من طريق معاوية بن إسحاق به، وروى موصولًا من حديث طلحة بن عبيد الله وأبى هريرة ، وينظر
نصب الراية ١٤٩/٣، ١٥٠.
(٤ - ٤) فى م، ت: ((العمرة تطوع)).
(٥) فى م: ((الاعتكاف)).
(٦) سقط من: م، ت ٣.