النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
سورة البقرة : الآية ١٧٨
بنفسِ المرأةِ الحرّةِ. فإذ كان ذلك كذلك - وإن كانت الأمَّةُ مختلفةٌ فى الترامجعِ
بفضلٍ ما بينَ دية الرجل والمرأة ، على ما قد بيَّا من قول علىّ وغيره - و كان واضحًا
فسادُ قولٍ من قالَ بالقصاصِ فى ذلك، والتراجعِ بفضلٍ ما بينَ الدِّيتين، بإجماع
جميعِ أهلِ الإسلامِ على أن حرامًا على الرجلِ أن يُتَلِفَ من جسدِه عضوًا بعوضٍ
يأخُذُه على إتلافِه - (١ فدغ ما١) جميعَه - وعلى أن حرامًا على غيرِهِ إتلافُ شيءٍ
منه - مثلَ الذی محُرِّمَ من ذلك علیهِ بعوضٍ يُعطيه عليه - فالواجبُ أن تكونَ نفسُ
الرجلِ الحرِّ بنفسِ المرأةِ الحَدَّةِ قوَدًا .
وإذا كان ذلك كذلك، كان بَيِّنًا بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: ﴿الْحُّ بِالْخُرُّ وَالْعَبْدُ
بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى / بِالْأُنثَّ﴾. ألا يُقادَ العبدُ بالحرّ، ولا (١) ألا تُقتلَ الأنثى بالذّكرِ، ولا ١٠٦/٢
م
الذَّكرِ بِالأُنثِى .
[١١٨/٤ظ] وإذا كان كذلك، كان بَيِّنًا - " على ما ذكرناه٢) - أن الآيةَ معنىٌّ
بها أحدُ المعنيين الآخرين؛ إمّا " ما قلنا) من ألا يُعَدَّى بالقصاصِ إلى غيرِ القاتلِ
والجانِى، فيُؤخذَ بالأنثى الذكرُ، وبالعبدِ الحرّ. وإما القولُ الآخرُ، وهو أن تكونَ
الآيةُ نزَلتْ فى قوم بأغيانِهِم خاصَّةٌ ، أَمِرَ النبىُ عَظِّمِ أن يجعَلَ دیاتِ قتلاهم قِصاصًا
بعضُها من بعضٍ، كما قاله الشُّدىُّ ومَن ذكّرنا قولَه .
وقد أجمع الجميعُ - لا خلافَ بينَهم - على أن المُقَاصَّةَ فى (٥) الحقوقِ غيرُ
واجبةٍ ، وأَجْمعوا على أنَّ اللّهَ عزَّ وجلَّ لم يقضِ فى ذلك قضاءً ثم نسخه . وإذا كان
(١ - ١) فى م: ((فدع))، وفى ت ١: ((فدفعنا)).
(٢) سقط من : م.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٤ - ٤) فى م: ((قولنا)).
(٥) سقط من الأصل .

١٠٢
سورة البقرة : الآية ١٧٨
كذلك، وكان قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ اُلْقِصَاصُ﴾. ينبىُ على (١) أنه
فرضٌ، كان معلومًا أن القولَ خلافُ ما قالَه قائلُ هذه المقالَةِ ؛ لأنَّ ما كان فرضًا على
أهلِ الحقوقِ أن يفعلوه ، فلا خِيارَ لهم فيه ، والجميعُ مجمِعون على أن لأهلِ الحقوقِ
الخِيارَ فى مقاصَّتِهم حقوقَهم بعضَها من بعضٍ. فإذْ تبيَّن فسادُ هذا الوجهِ الذى
ذكرنا ، فالصحيح من القولِ فى ذلك هو ما قلنا .
فإن قال قائلٌ: إذ ذكَّرتَ أن معنى قولِه : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. بمعنى :
فُرِضَ عليكم القصاصُ . ولا يُعرفُ لقولِ القائلِ: كتَب. معنَى إِلَّ بمعنى: خطَّ ذلك
ورسم خطًّا وكتابًا، فما برهانُك على أن معنَى قولِه: ﴿كُتِبَ﴾: فُرِض؟
قيل : ذلك فى كلامِ العربِ موجودٌ، وفى أشعارِهم مستفيضٌ، ومنه قولُ
(٢)
الشاعرِ() :
كُتِب القتلُ والقتالُ علينا وعلى المحصناتِ جرّ الذيولِ
وقولُ نابغةِ بنى جَعْدةً(٣) :
يا بنتَ عمِّى كتابُ اللَّهِ أَخْرَ جنى
" عنكم فهل٢٤ أمنعَنَّ اللَّهَ ما فعَلا
وذلك أكثرُ فى أشعارِهم وكلامِهم من أن يُحصَى. غيرَ أن ذلك وإن كان
بمعنى (( فُرِض))، فإنه عندِى مأخوذٌ من الكتابِ الذى هو رسمٌ وخطًّ ، وذلك
أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه قد كتَبَ جميعَ ما فَرَض على عبادِه، وجميعَ ما هُم عامِلوه
-
(١) فى م، ت ٢: ((عن)) .
(٢) هو عمر بن أبى ربيعة. ينظر: ملحقات ديوانه ص ٤٩٨، والكامل ٢٤٦/٣، والعقد الفريد ٤٠٧/٤،
٦/ ١١٨، ونسب لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت فى بهجة المجالس ٢/ ٥٥.
(٣) شرح ديوانه ص ١٩٤.
(٤ - ٤) فى الديوان: ((كرها وهل)).

١٠٣
سورة البقرة : الآية ١٧٨
فِی
فى اللوح المحفوظِ، فقال جلَّ ذكره فى القرآنِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ تَجِيدٌ
لَوََّ تَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْءَانٌّ كَرِمٌ ﴾ فِ كِنَبٍ
مَكْنُونٍ﴾ [ الواقعة: ٧٧، ٧٨]. فأخبرَ أن القرآنَ فى اللَّوح المحفوظِ، وفی کتاب
مكنون١ٍ . فقد تبينَ بذلك أن كلَّ ما فرَضَه علينا فى(٢) اللوح المحفوظِ مكتوبٌ .
فمعنى قولِه - إذا كان ذلك كذلك -: ﴿ كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾: كُتب
عليكم فى اللوح المحفوظِ القِصاصُ فى القتلَى فرضًا، ألا تقْتُلوا بالمقتولِ غيرَ قاتِلِه .
وأما ((القِصاصُ))، فإنه من قولِ القائلِ: قاصصْتُ فلانًا حَقِّى قِبَلَه من حقِّه
قِبَلى، ((وقاصَّنى) قِصاصًا ومُقاصَّةً. فقَتَلُ القاتِل بالذى قتله قِصاصٌ به(٢) ؛ لأنه
مفعولٌ به مثلُ الذى فعَل مِن قتلِه، وإن كان أحدُ الفعلين عُدوانًا والآخر
حقًّا، فهما وإن اخْتَلفا من هذا الوجهِ ، فهما متَّفِقانِ فى أن كلُّ واحدٍ قد فعَل
بصاحبِهِ مثلَ الذى فعَل صاحبُه به . وجعَل فعْلَ ولىِّ القتيلِ الأولِ إذا قتَل قاتلَ
وليّه قِصاصًا، إذ [١١٩/٤و] كان بسببٍ قتيله استحقَّ قتلَ مَن قتَلَه، فكأنَّ
وليّه المقتولَ هو الذى وَلِى قتلَ قاتِلِه، فاقتصَّ منه.
/ وأمَّا ((القتلَى)) فإنها جمعُ قتيلٍ، كما الصرعَى جمعُ صَريع، والجرحَى جمعُ ١٠٧/٢
جريحٍ . وإنما يُجمعُ الفَعِيلُ على الفَعْلَى ما(١) كان صفةً للموصوفِ به، بمعنى الزَّمانةِ
والضررِ الذى لا يقدِرُ معه صاحبه على البَراح من موضِعِه ومصرَعِه ، نحو: القتلى فى
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ففى)).
(٣) سقط من: م .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قتله)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((إذا).

١٠٤
سورة البقرة : الآية ١٧٨
معاركِهم، والصرْعَى فى أماكنِهم(١)، والجرحَى، وما أشبه ذلك.
فتأويلُ الكلام إذن : فُرِض عليكم أيها المؤمنون القِصاصُ فى القَتلَى ، أن يقتصَّ
الحرّ بالحرّ، والعبدُ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى. ثم ترَك ذكْرَ ((أن يقتصَّ))، اكتفاءً
بدلالةِ قولِه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. عليه ( من ذكره" .
القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ
بِإِحْسَنَّ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم : تأويلُه : فمَن تُرِك له من
القَتَلةِ(٢) ظُلمًا من الواجبٍ كان لأخيه عليه من القصاصِ - وهو الشىء الذى قال
اللّهُ: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ - فاتِّبَاعٌ بالمعروفِ من العافِى للقاتلِ بالواجبِ
له قِبَلَه من الديةِ ، وأداءٌ من المعفوّ عنه ذلك إليه بإحسانٍ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادِ الدُّولَابِيُ ، قالا : حدثنا سفيانُ بنُ عُیينةً ، عن
عمرٍو، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾: فالعفوُ أن
يقبَلَ الدِّيّةَ فى العمدِ، واتباع بالمعروفِ، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ ويؤدِّىَ هذا
(٤)
بإحسان
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((مواضعهم)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م، ت ١، ت ٣: ((القتل)).
(٤) أخرجه الإسماعيلى - كما فى الفتح ٢٠٨/١٢ - من طريق أبي كريب وغيره به، وأخرجه الشافعى فى
مسنده ٢/ ١٩٧، وعبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٦٧، وفى مصنفه - (١٨٤٥١)، وسعيد بن منصور فى سننه
(٢٤٦ - تفسير)، وابن أبى شيبة ٤٣٣/٩، والبخارى (٤٤٩٨، ٦٨٨١)، والنسائى (٤٧٩٥)،=

١٠٥
سورة البقرة : الآية ١٧٨
حدثنى المُثُنَّى ، قال : حدثنا حجَّاجُ بنُ المنهالِ ، قال: حدثنا حمادُ بنُّ سَلَمةً ،
قال : أخبرنا عَمرُو بنُ دينارٍ ، عن جابرِ بنِ زيدٍ ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال فى قولِه :
﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾ فقال: هو العمدُ
يَرْضَى أهلُه بالديةِ، ﴿فَنْبَاعُ بِاَلْمَعْرُوفِ ﴾ أُمِرِ به الطالبُ، ﴿ وَأَدَآءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ﴾
من المطلوب (١).
حدثنا محمدُ بنُ علىٍّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ ، قال : حدثنا أبى ، وحدثنى المثنى،
قال : حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قالا جميعًا : أخبرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ ،
عن عمرو بن دينارٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: الذى يقبَلُ الديةَ ذلك منه(٢)
عفوٌ، فاتباعٌ بالمعروفِ، ويؤدِّى إليه الذى عُفى له من أخيه بإحسانٍ(١٢).
حدثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنی عمی ، قال : حدثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ
وَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ﴾: وهى الديةُ، أن يُحسِنَ الطالبُ [١١٩/٤ ظ] الطلبَ، ﴿ وَأَدَآءُ
إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو أن يحسِنَ المطلوبُ الأداءَ.
حدثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابنٍ
= والطحاوى ٣/ ١٧٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٤/١ (١٥٧٩)، والنحاس فى ناسخه ص ٨٦، ٨٧،
والدارقطنى ١٩٩/٣، والحاكم ٢٧٣/٢، والبيهقى ٥١/٨ من طرق عن ابن عيينة به .
(١) أخرجه الحاكم ٢٧٣/٢ من طريق حجاج به مختصرًا، وأخرجه البيهقى ٥٢/٨ من طريق حماد به.
وصححه الحاكم على شرط مسلم. وقد خالف حمادُ بنُ سلمةً ابن عيينة ومحمدَ بنَ مسلم - كما فى الأثر
السابق والآتى - وتابعهما ابن أبى نجيح عن مجاهد - كما سيأتى فى ص ١١٣ - وذكرهما الحافظ فى النكت
الظراف ٢٢٣/٥ عن المصنف، وقال: والأول أصح.
(٢) فى الأصل: ((منهم)).
(٣) أخرجه ابن حبان (٦٠١٠) من طريق ابن المبارك به .

١٠٦
سورة البقرة : الآية ١٧٨
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ
بِإِحْسَنَّ﴾: والعَفُوُّ الذى يعفو عن الدَّمِ ويأخذُ الدِّيةَ(١).
حدثنى سفيانُ، قال: حدثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾. قال: الديةُ .
١٠٨/٢
/حدثنا ابنُ وكيع، قال: حدثنا أبى، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ:
﴿ وَأَدَآءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ﴾. قال: على هذا الطالبِ أن يطلُبَ بالمعروفِ، وعلى هذا
المطلوبِ أن يؤدِّىَ بإحسانٍ(٣) .
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ : ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: والعَفُوُّ الذى يعفُو عن
الدَّمِ ويأْخُذُ الديةَ .
حدثنی محمدُ بنُ المثنی ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا حمادٌ ، عن داودَ
ابنِ أبى هندٍ، عن الشَّعْبِىِّ فى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ﴾. قال: هو العمدُ يَرضَى أهلُه بالدِّيةِ(٤) .
حدثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاج، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ، عن
الشعبىِّ مثلَه .
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ فَمَنْ
(١) تفسير مجاهد ص ٢١٩.
(٢) فى م: ((عن)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٥/١ عقب الأثر (١٥٨١) معلقًا .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٤٣٤، ٤٣٥ من طريق ابن أشوع عن الشعبى نحوه مطولا .

١٠٧
سورة البقرة : الآية ١٧٨
عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ﴾. يقولُ: من قَتَل عمدًا
فعُفى عنه، وقُبِلت منه الديةُ، يقولُ: ﴿فَانِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فأمَرِ المتَّبِعَ أن يَتَّبِعَ
بالمعروفِ، وأَمَر المُؤدِّىَ أن يؤدِّىَ بإحسانٍ، فالعمدُ قَودٌ إليه قِصاصٌ، لا عَقْلَ (١)
فيه، إِلَّ أن يرضَوْا بالديةِ، فإن رَضُوا بالديةِ فمائَةُ خَلِفةٍ(١)، فإن قالوا: لا نرضَى إِلَّ بكذَا
و كذا . فذلك لهم .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ﴾. قال: يَتَبعُ الطالبُ
بالمعروفِ، ويؤدِّى المطلوبُ بإحسانٍ (٤).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ
فى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ فَانْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍّ﴾ .
يقولُ: فمن قتل عمدًا فعُفِىَ عنه، وأَخذتْ منه الدِّيةُ، يقولُ: ﴿فَانِّبَاعٌ
بِالْمَعْرُوفِ﴾. أمَر صاحبَ الدِّيةِ الذى (٥) يأخُذُها أن يتبعَ بالمعروفِ، وأَمَر المؤدّىَ أن
يؤدِّىَ بإحسانٍ(٦).
حدثنا القاسمُ ، قال: حدثنا الحسينُ، قال : حدثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ،
قال : قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءُ إِلَيْهِ
(١) العقل: الدية . اللسان (ع ق ل).
(٢) الخلفة : الحامل من النوق . اللسان (خ ل ف).
(٣) بعده فى م: (( به)).
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٧.
(٥) فى م، ت ٢، ت ٣: ((التى)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٥/١ عقب الأثر (١٥٨١) من طريق ابن أبى جعفرٍ به.

١٠٨
سورة البقرة : الآية ١٧٨
بِإِحْسَنَّ﴾. قال: ذلك إذا أَخَذ الدِّيةَ، فهو عَفؤُه (١).
" حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى [١٢٠/٤ و] حجاجٌ،
عن ابن جريج، قال : أخبرنى القاسمُ بنُ أبِى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ ، قال: إذا قبِل الديةَ
فقد عفا عن القِصاصِ، فذلك قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ . قال ابنُ
مجريج : وأخبرنى الأعرج، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك، وزادَ فيه : فإذا قبِل الديةَ فإنَّ عليه
أن يتّبعَ بالمعروفِ، وعلى الذی ◌ُفِیَ عنه أن يؤدِّىَ بإحسانٍ .
حدثنى المثنى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا أبو عَقيلٍ، قال : قال
الحسنُ: أخذُ الديةِ عفوٌ حسنٌ(١).
حدثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُّ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ وَأَدَاءُ
إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ﴾. قال: أنت أيها المعفوُّ عنه(٣).
١٠٩/٢
/ وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ﴾: فمَن فضَل له فضْلٌ ، وبقيتْ له
بقيّةٌ. وقالوا: معنى قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾: من دية أخيه شىءٌ، أو من أَرْشٍ(٤)
جراحتِه ، فاتبائحُ منه القاتلَ أو الجارحَ الذى بقِىَ ذلك قِبَلَه بمعروفٍ، وأداءٌ من القاتلِ
أو الجارحِ إليه ما بقِى قِبَلَه له من ذلك بإحسانٍ .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٤/١ عقب الأثر (١٥٧٩) معلقًا .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((حدثنا الحسن)).
(٣) بعده فی م، ت ١، ت ٢، ت ٣: « حدثنى محمد بن سعد، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنى عمى ،
قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فمن عفى له من أخيه شىء فاتباع بالمعروف وأداء إليه
بإحسان﴾. وهو الدية، أن يحسن الطالب، وأداء إليه ياحسان هو أن يحسن المطلوب الأداء)). وقد تقدم
هذا الأثر بتمامه فى ص ١٠٥.
(٤) الأرش: دية الجراحة. التاج (أر ش).

١٠٩
سورة البقرة : الآية ١٧٨
وهذا قولُ من زعَم أن هذه الآيةَ نزَلتْ - أعنى قوله: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُلِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَلْلِ﴾ - فى الذين تحارَبوا على عهدِ رسولِ اللَّهِ مَّهِ، فَأُمِرِ رسولُ
اللّهِ وَلِ أن يُصلِحَ بينَهم ، فَتُقاصَّ دياتُ بعضِهم من بعضٍ ، ويُردَّ بعضُهم على بعضٍ
بفضلٍ إِن يقِىَ لهم قِبلَ الآخرين . وأحسَبُ أن قائِلى هذا القولِ وجَّهوا تأويلَ العفوِ فى
هذا الموضعِ إلى الكثرة، من قولِ اللَّهِ: ﴿حَّ عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]. فكأنٌّ معنى
الكلامِ عندَهم: فمن كثُر له قِيلَ أخيه القاتلِ شىءٍ(١).
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّئِّ: ﴿فَمَنْ
عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾. يقولُ: بقِىَ له من ديةِ أخيه شىءٌ، أو من أَرْشِ جراحتِه،
فلْيَتَبَعْ بمعروفٍ ، ولْيُؤدِّ إليه الآخرُ بإحسانٍ(٢) .
والواجبُ على تأويلِ القولِ الذى رَوَينا عن علىٍّ والحسنِ فى قوله: ﴿ كُلِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. أنه بمعنى: مُقاصَّةٍ ديةِ نفسِ الذِّكرِ مِن ديةِ نفسِ الأنثى، والعبدِ
من الحرّ، والتراجعِ بفضلٍ ما بينَ ديتى أَنفُسِهما - أن يكونَ معنى قوله: ﴿ فَمَنْ عُقِىَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾: فمَن ◌ُفى له منَ الواجبِ لأخيه عليه من قِصاصٍ ديةِ نفسٍ (١)
أحدِهما بديةِ نفسِ الآخرِ ، إلى الرضَا بديةِ نفسِ المقتولِ ، فاتباعٌ من الولىِّ بالمعروفِ ،
وأداء من القاتل إليه بإحسانٍ .
وأولى الأقوالِ عندى بالصوابِ فى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾:
فمَن صُفِح له مِن الواجِبِ كان لأخيه عليه من القَوَدِ ، عن شىءٍ من الواجبِ على ديةٍ
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٥/١ (١٥٨٠) من طريق عمرو به.

١١٠
سورة البقرة : الآية ١٧٨
يأخُذُها منه، فاتباتٌ بالمعروفِ من العافى عن الدَّمِ الراضِى بالدِّيةِ من دم ولِيِّه، وأداءٌ
إليه من القاتلِ(١) بإحسانٍ. لما قد بيَّنَّا من العللِ فيما مضى قبلُ، من أنَّ معنى قولِ اللَّهِ
تعالى ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. إنما هو القِصاصُ من النفوسِ القاتلةِ أو
الجارحةِ والشَّاجَّةِ عمدًا، فكذلك [١٢٠/٤ ظ] العفو أيضًا عن ذلك.
وأما معنَى قولِه: ﴿فَنِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فإنه يعنى: فاتبائٌ على ما أوجبه اللَّهُ
له من الحقِّ قِبَلَ قاتلِ وَلِيّه ، من غيرِ أن يزدادَ عليه ما ليس له عليه فى أسنانٍ
الفرائضِ أو غير ذلك، أو يكلِّفَه ما لم يوجِبْه اللَّهُ له عليه .
كما حدثنى بشرٌ، قال : حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ ، عن قتادةً ، قال : بلَغنا عن
نبِىٌّ اللَّهِ مَِّلَمِ أنه قال: ((مَن زاد أو ازداد بعيرًا - يعنى فى إبلِ الدِّياتِ وفرائضِها -
فمِن أمرِ الجاهليةِ » .
١١٠/٢
/ وأما إحسانُ الآخرِ فى الأداءِ، فهو أداءُ ما لزِمَه بقتلِه لولىِّ القتيلِ، على ما
ألزمَه اللّهُ وأوجبه عليه، من غيرِ أن يبخَسَه حقًّا له قِبَلَه بسببٍ ذلك ، أو يُحوِجَه إلى
اقتضاءٍ ومطالبةٍ .
فإن قال لنا قائل: وكيف قِيلَ: ﴿فَنِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
ولم يقلْ: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءً إليه بإحسانٍ. كما قال: ﴿ فَإِذَا لَقِتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَضَرْبَ الْرِقَابِ﴾ [ محمد: ٤]؟
قيلَ: لو كان التنزيلُ جاءَ بالنصبِ، وكان: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءً إليه
بإحسان . کان جائزًا فى العربیة صحیحًا علی وجهِ الأمرِ ، کما یقال : ضربًا ضربًا ،
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذلك)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((قاتله)).

١١١
سورة البقرة : الآية ١٧٨
وإذا لقيتَ فلانًا فتبجيلاً وتعظيمًا. غيرَ أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصح فى كلامِ العربِ من
نصبِه . وكذلك ذلك فى كلِّ ما كانَ نظيرًا له، مما يكونُ فرضًا عامًا - فى مَن قد
فَعَل، وفى من لم يفعَلْ إذا فعَل - لا ندبًا وحثًّا. ورفعُه على معنى: فمَن عُفى له من
أخيه شىءٌ، فالأمرُ فيه اتباعٌ بالمعروفِ، وأداء إليه بإحسانٍ. أو: فالقضاءُ والحكم
فيه اتبائٌ بالمعروفِ .
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ(١) : رفعُ ذلك على معنى: فمَن ◌ُفى له من أخيه شىءٌ
فعلَيه اتباتٌ بالمعروفِ .
وهذا مذهبٌ(٢)، والأولُ الذى قلناه هو وجهُ الكلام. وكذلك كلُّ ما كان من
نظائرِ ذلك فى القرآنِ ، فإن رفعه على الوجهِ الذى قلناه، وذلك مثلُ قولِه: ﴿وَمَن قَالَلَهُ
مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌُ بِمَعْرُوفٍ
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [ البقرة: ٢٢٩].
وأما قولُه: ﴿ فَضَرْبَ الْرِقَابِ ﴾. فإن الصوابَ فيه النصبُ ، وهو وجهُ الكلامِ؛
لأنه على وجهِ الحثِّ من اللّهِ عبادَه على القتلِ عندَ لقاءِ العدوِّ، كما يقالُ: إذا لقِيتم
العدوَّ فتكبيرًا وتهليلًا. على وجهِ الحضِّ على التكبيرِ، لا على وجهِ الإيجابِ والإلزامِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ ذَلِكَ﴾: هذا الذى حكَمتُ به وسَنَنتُه لكم ، من
إباحتى لكم أيتها الأُمةُ العفو عن القصاصِ من قاتلٍ قَتيلكم ، على ديةٍ تأخذونها ،
فتملِكُونها مِلكَكم سائرَ أموالِكم ، التى كنتُ منَعتُها من قبلَكم من الأمم السالفةِ ،
﴿ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ: تخفيفٌ منى لكم مما كنتُ ثَقَّلتُه [١٢١/٤و] على
(١) هو الزجاج فى معانى القرآن ٢٣٤/١.
(٢) فى م: ((مذهبى)).

١١٢
سورة البقرة : الآية ١٧٨
غيرِكم، بتحريم ذلك عليهم، ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ منى بكم.
كما حدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادِ الدُّولائِئُ، قالا : حدثنا سفيانُ، عن
عَمرو بنٍ دينارٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عباسٍ ، قال : كان فى بنى إسرائيلَ القصاصُ ،
ولم تكنْ فيهم الدِّيّةُ، فقال اللّهُ فى هذه الآية: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى
الْقَئِلَى﴾. إلى قولِه: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾. فالعفوُ أن يقبَلَ الديةَ فى
العمدِ ، ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾. يقولُ: خفَّفَ عنكم ما كان" على من كان
قبلَكم ؛ أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ ، ويؤدِّىَ هذا بإحسانٍ(٢) .
حدثنا محمدُ بنُ علىٌّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ ، قال : حدثنا أبى، قال : حدثنا
عبدُ اللّهِ بنُ المباركِ ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ ، عن عَمرو بنٍ دينارٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ، قال : كان مَن قبلَكم يقتلون القاتلَ بالقتيلِ لَا تُقبلُ منهم الديةُ ، فأَنْزِلَ اللَّهُ:
﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ اٌلْقَدْلِّ الْخُرُّ / بِالْخِرُ ﴾ إلى آخرِ الآيةِ،
﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يقولُ: خفَّفَ عنكم ما(٢) كان على من قبلكم ؛ أى(٤)
الديةُ ، لم تكنْ تُقَبلُ ، فالذى يَقبَلُ الديةَ ذلك منه عَفوّ(٢) .
١١١/٢
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمةً،
قال: أخبرنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ
تَغْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: مما كان على بنى إسرائيلَ. يعنى: من تَحريم الدية
(٢)
علیھم
(١ - ١) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ١٠٥ .
(٣) فى م: (( و)).
(٤) فى م: ((أن)).

١١٣
سورة البقرة : الآية ١٧٨
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفةً ، قال : حدثنا شبلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيحِ،
عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ، قال : كان على بنى إسرائيلَ قِصاصٌ فى القتلى ، ليسَ
بينَهم ديةٌ فى نفسٍ ولا يجرحٍ، وذلك قولُ اللّهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ
اُلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية كلها [المائدة: ٤٥]. وخفَّف اللّهُ عن أمةٍ
محمدٍ عَِّ، فقبِل منهمُ الديةَ فى النفسِ وفى الجراحةِ، وذلك قوله: ﴿ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ
مِّن رَّبِّكُمْ﴾ بينكم (١).
حدثنا بشرٌّ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ ذَلِكَ
تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: وإنما هى رحمةٌ رحِمَ اللَّهُ بها هذه الأمةَ، أَطْعَمهم
الديةَ، وأحلَّها لهم، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلَهم، وكان أهلُ التوراةِ إنما هو قِصاصٌ أو
عفوٌ، ليس بينَهم(١٢) أزْشٌ، وكان أهلُ الإنجيلِ إنما هو عفوٌ أُمِروا به، وجعَلَ اللّهُ لهذه
الأمةِ القوَدَ والعفوَ، والديةَ إن شاءوا، أحلَّها لهم، ولم تكنْ لأمةٍ قبلَهم (١).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ
بمثلِه سواءً، غيرَ أنه قال: ليس بينَهما شىءٍ(٤).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلِى﴾. قال: لم تكنْ لمن قبلَنا ديةٌ ، إنما
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١/ ٦٧، وفى مصنفه (١٨٤٥٠)، والنحاس فى ناسخه ص ٨٦، ٨٧،
والطبرانى فى الكبير (١١١٥٥)، والدارقطنى ٨٦/٣ من طريق ابن أبى نجيح به .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بينهما)) .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٦/١ (١٥٨٦) من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/
١٧٣ إلى الزجاجى فى أماليه .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٦/١ عقب الآثر (١٥٨٦) من طريق ابن أبى جعفر به.
( تفسير الطبرى ٨/٣)

١١٤
سورة البقرة : الآية ١٧٨
هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ فى قوم كانوا أكثرَ من غيرِهم (١.
[١٢١/٤ ظ] حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن
ابن جريجٍ ، قال: وأخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال : إن بنى إسرائيلَ
كان كُتِب عليهمُ القِصاصُ، وخُفّف عن هذه الأمةِ. وتلا عمرُو بنُ دينارٍ: ﴿ ذَلِكَ
(٢
تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ :
وأما على قولٍ من قال : القِصاصُ فى هذه الآيةِ معناه قِصاصُ الدِّياتِ بعضِها
من بعضٍ. على ما قاله السُّدىُّ، فإنه ينبغى أن يكونَ تأويلُه : هذا الذى فعَلتُ بكم
أيها المؤمنون من قصاصٍ دياتٍ قتلَى بعضِكم بدياتٍ بعضٍ، وتَركِ إيجابِ القَودِ
من(٢) الباقين منكم بقتيلِه الذى قتلَه أو (٤) أخذِهِ بديته، تخفيفٌ منّى عنكم ثِقْلَ ما
كان عليكم من حكمى عليكم بالقوّدِ أو الديةِ، ورحمةٌ منِّى لكم .
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِرٌ
١٧٨
يعنى بقولِه: ﴿ فَمَنِ اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فمن تَّجاوز ما جعَله اللَّهُ له بعدَ أخذِه
الديةَ، اعتداءً وظلمًا ، إلى ما لم يَجْعلِ اللَّهُ له من قتلٍ قاتلٍ وليّه وسفكِ دمِه ، فله بفعله
١١٢/٢ ذلك، " وتقدُّمِه علىْ) ما قد حرمتُه عليه، عذابٌ / أليم.
وقد بَيَنتُ معنى الاعتداءِ فيما مضى بما أغنَى عن إعادَتِه (١) .
(١) تقدم مطولا فى ص ٩٦، ٩٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٣/١، ٢٩٦ (١٥٧٣، ١٥٨٥) من طريق عمرو بن دينار، عن
مجاهد، عن ابن عباس بنحوه، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٣/١ إلى أبى الشيخ .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((على)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( و).
(٥ - ٥) فى م: (( وتعديه إلى)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ٢٠٩/٢.

١١٥
سورة البقرة : الآية ١٧٨
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عَمٍو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فقتَل، ﴿فَلَمُ عَذَابُ
(١)
أَلِيمٌ﴾(١).
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾: بعد أخذِ الديةِ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
حدثنا بشرُ بنُّ معاذٍ ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه ) :
﴿ فَمَنِ اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فمن اعتدى بعد أخذِه الديةَ
فقتَلَ، فله عذابٌ أليم. قال: وقد ذُكِر لنا أن رسولَ اللَّه ◌ِّ الِ كان يقولُ: ((لا أُعافى
رجلاً قتَل بعدَ أخذِه الديةَ))(٣).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّاقِ ، قال : أخبرنا مَعمرٌ، عن
(١) تفسير مجاهد ص ٢١٩.
(٢ - ٢) سقط من: الأصل .
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٣/١ إلى المصنف وابن المنذر.
والمرفوع أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ١ / ٦٧، ٦٨، وفى مصنفه (١٨٢٠٠) عن معمر، عن قتادة . وقال
ابن كثير فى تفسيره ١ / ٣٠١: وقال سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة ، عن الحسن، عن سمرة ، قال رسول الله
عَاقل: ((لا أعافى .... )).
ورُوى من وجه آخر مرفوعا. أخرجه أحمد ١٨٢/٢٣ (١٤٩١١) من طريق حماد، عن مطر، عن رجل -
أحسبه الحسن - عن جابر .
وأخرجه البيهقى ٥٤/٨ من طريق ابن أبى عروبة، عن مطر، عن الحسن ، مرسلا . وينظر ضعفاء العقيلى
٢١٩/٤، ومسند الطيالسى (١٨٧٢).

١١٦
سورة البقرة : الآية ١٧٨
قتادةً فى قولِه: ﴿ فَمَنِ اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. قال: هو القتلُ بعدَ أخذِ الديةِ. يقولُ:
مَّن قتَل بعدَ أن يأْخُذَ الديةَ فعليه القتلُ، لَا تُقبَلُ منه الديةٌ(١).
محُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبى جعفرٍ ، عن أبيه، عن الرَّبيع قوله: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى
بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: فمن اعتدى بعد أخذِه الديةَ ، فله عذابٌ
(٢)
أليم(٣) .
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال : حدثنا أبى، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ،
قال : كان الرجلُ إذا قتلَ قتيلًا فى الجاهليةِ فرَّ إلى قومِه ، فيجى ءُ قومُّه فيصالحون عنه
بالديةِ . قال : فيخرجُ الفارُ وقد أَمِنَ على نفسِه. قال: فيقتَلُ ثم يُؤْمَى إليه بالديةِ ،
فذلك الاعتداءُ().
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا أبو عَقيلٍ، قال :
سمِعتُ الحسنَ فى هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِهِ شَىْءٌ﴾. قال: القاتلُ إذا
طُلِب فلم يُقدَرْ عليه، وأُخِذ من أوليائِهِ الديةُ ، ثم أَمِن، فأُخِذ فقُتِل . قال الحسنُ : ما
أكَل عُدوانٌ .
حدَّثنى المثنى، [١٢٢/٤ و] قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدثنا القاسمُ ،
قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ (٤) ، قال: قلت لعكرمةَ: مَن قتَل بعد أخذِهِ الديةَ؟ قال:
إذن يُقتلَ، أما سمِعتَ اللَّهَ يقولُ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٥).
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٧.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧/١ عقب الأثر (١٥٩٠) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٣/١ إلى المصنف ووكيع وعبد بن حميد.
(٤) فى النسخ: ((سليمان)). والمثبت من تهذيب الكمال ٩٢/٣٠.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٦١/٩ وابن حزم فى المحلى ٢٦٥/١٢ من طريق القاسم به.

١١٧
سورة البقرة : الآية ١٧٨
حدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدئِّ: ﴿ فَمَنِ
اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد ما يأخُذُ الديةَ، فَيَقْتُلُ ﴿فَلَمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(١).
حدّثنی محمدُ بنُ سعد ، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنی عمی ، قال : حدثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنِ اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾. يقولُ: فمن اعتدى بعدَ
أخذِه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ() .
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَمَنِ
اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قال: أَخَذَ العقلَ، ثم قتَل بعدَ أن أخَذ العقلَ
قاتلَ قتيلِه ، فله عذابٌ أليم .
/ واخْتَلفوا فى معنى ((العذاب الأليم)) الذى جعله اللَّهُ لمن اعْتَدى بعد أخذِه ١١٣/٢
الديةَ من قاتلٍ وليِّه؛ فقال بعضُهم: ذلك العذابُ هو القتلُ، بَمَن(٢) قتله بعدَ أخذِه
الديةَ منه وعفوِه عن القصاصِ منه بدمٍ وليّه .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنی یعقوبُ بنُ إبراهيم الدَّورَقُ ، قال : حدثنا هشیم ، قال : أخبرنا جويبرٌ ،
عن الضَّّاكِ فى قوله: ﴿ فَمَنِ أُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . قال : يُقتلُ،
وهو العذابُ الأليمُ. يقولُ: العذابُ المُوجِعُ (٤).
حدَّثنی یعقوبُ ، قال : حدثنی هشيم ، قال : حدثنا أبو إسحاق ، عن سعيدِ بنِ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧/١ عقب الأثر (١٥٩٠) من طريق عمرو به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧/١ (١٥٩٠) من طريق مجاهد، عن ابن عباس.
(٣) فى الأصل: ((فمن)).
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧/١ عقب الأثر (١٥٩٢) معلقًا.

١١٨
سورة البقرة : الآية ١٧٨
جُبيرٍ أنه قال ذلك(١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال :
حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ(٢) ، عن عكرمةَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ
أَلِمٌ﴾. قال : القتلُ(٣).
وقال بعضُهم : ذلك العذابُ عقوبةٌ يعاقبُه بها السلطانُ على قدرٍ ما يرى من
عقوبته .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى القاسمُ ، قال : حدثنا الحسينُ، قال : حدثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ
يُجريج : أخبرنى إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن الثَّبَتِ(٤) - غيرَ أنه لم ينسِبْه ، وقال: ثقةٌ - أن
النبىَّ ◌َّهِ أَوْجب بقَسَم أو غيرِه ألا يُعفَى عن رجلٍ عفا عن الدَّمِ، وأخذَ الديةَ ، ثم
عدَا فقتل .
قال ابنُ مجریج : وأخبرنى عبدُ العزيز بن عمر بن عبد العزیزِ ، قال : فی کتابٍ
لعمرَ عن النبيِّ ◌َ ◌ِّ قال: (( والاعتداءُ الذى ذكَر اللَّهُ أن الرجلَ يأخُذُ العقلَ، أو
يقتصُّ، أو يقضى السلطانُ فيما بينَ الجرحِ، ثم يعتدى بعضُهم من بعدٍ أن
يستوعبَ حقُّه، فمن فعَل ذلك فقد اعتدَى، والحكمُ فيه إلى السلطانِ بالذى
يَرَى فيه من العقوبةِ. قال: ولو عفا عنه لم يكنْ لأحدٍ من طلبةِ الحقِّ أن يَعْفُوَ(٥)،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٧/١ (١٥٩٢) من طريق عطاء بن دينار، عن سعيد .
(٢) فى النسخ: ((سليمان)).
(٣) تقدم تخريجه فى ص ١١٦.
(٤) فى م، ت ١: ((الليث)).
(٥) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((يقتل)).

١١٩
سورة البقرة : الآية ١٧٨
إِنَّ(١) هذا من الأمرِ الذى أنزل اللَّهُ فيه قولَه: فإن اختَلَفتم(٢) فى شىءٍ فردُّوه
إلى [١٢٢/٤ ظ] اللَّهِ وإلى(٣) الرسولِ وإلى أُولى الأمرِ منكم)).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن
الحسنِ، فى رجلٍ قَتَل فأُخِذتْ منه الديةُ ، ثم إن وَلِّه قتلَ به القائلَ؟ قال الحسنُ:
تُؤخذُ منه الديةُ التى أَخَذ ولا يُقتلُ به (٤) .
وأولى التأويلين بقولِه: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِمٌ﴾. تأويلُ مَن
قال : فمن اعتدى بعدَ أُخذِه الديةَ ، فقتل قاتلَ ولِيِّه ، فله عذابٌ أليمٌ فى عاجلِ الدنيا ،
وهو القتلُ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه جعَل لولىٍّ كلٌّ قتيلِ ظُلمًا السلطانَ على قاتلٍ
وَلِيِّه، فقال: ﴿ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِ
اُلْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ العلمِ
مُجمعين على أن مَن قتَل قاتلَ ولِيِّه بعدَ عفوِه عنه، وأخذِه منه ديةً قتيلِه ، أنه بقتلِهِ إِيَّاه
له ظالمٌ فى قتلِه - كان بيِّنًا أن(٥) يُولَّى من قتله ظلمًا كذلك السلطانَ عليه فى
القصاصِ والعفوِ وأخذِ الديةِ ، أيَّ ذلك شاء. وإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أن
ذلك عذابُه ، لأن من أقيم عليه حدُّه فى الدنيا كان ذلك عقوبتَه مِن ذنبه ، ولم يكنْ به
مُتَبعًا فى الآخرةِ، على ما قد ثبت به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ صٍَّ(٦).
(١) فى م: ((لأن)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( تنازعتم)).
(٣) سقط من : م.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٤٦٢، وابن حزم فى المحلى ٢٦٥/١٢ من طريق يونس به نحوه.
(٥) بعده فی م: ((لا)).
(٦) أخرجه البخارى (٣٨٩٢)، ومسلم (١٧٠٩)، وغيرها من حديث عبادة. وينظر مسند الطيالسى
(٥٨٠) .

١٢٠
سورة البقرة : الآيتان ١٧٨، ١٧٩
١١٤/٢
/ وأما ما قاله ابنُ جريج، من أن حكمَ من قتَل قاتلَ وَلِيِّه بعدَ عفوه عنه ، وأخذِه
ديةَ وليّه المقتولِ ، إلى الإمامِ دونَ أولياءِ المقتولِ - فقولٌ خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرٌ
كتابِ اللَّهِ، وَأَجْمع عليه علماءُ الأمةِ ، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤه جعَل لولىٌّ كُلِّ مقتول
ظلمًا السلطانَ دونَ غيرِهِ، مِن غيرٍ أن يخصَّ من ذلك قتيلًا دونَ قتيلٍ، فسواءٌ كان
ذلكَ قتيلَ ولىِّ مَن قتله أو غيرَه ، ومن خصَّ من ذلك شيئًا سُئِل البرهانَ علیه من أصلِ
أو نظيرٍ، وُكِس عليه القولُ فيه، ثم لن يقولَ فى شىءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم فى
الآخَرِ مثلَه. ثم فى إجماع الحجةِ على خلافٍ ما قال فى ذلك مُكتفّى من(١)
الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧٩
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾: ولكم
يا أُولى العقولِ فيما فرَضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضِكم على بعضٍ ، من القِصاصِ فی
النفوسِ والجراحِ والشّجاجٍ، ما مَنعُ(١) بعضَكم مِن قتلِ بعضٍ، ("ووزَع) بعضَكم
عن بعضٍ، فخَييتم بذلك، فكان لكم فى حكمِى بينَكم بذلك حياةٌ .
واختلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك ، فقال بعضُهم فى ذلك نحوَ الذى قلنا فيه .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، [١٢٣/٤ و] قال : حدثنا
(١) فى م: (فى))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((على)).
(٢) بعده فی م، ت ٣: (( به)).
(٣ - ٣) فى م: ((قدع))، وفى ت ١، ت ٣: ((ويدع))، وفى ت ٢: ((وفدع)). ووزع وقدع بمعنى: كف.