النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة البقرة : الآية ١٧٧
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا ابنُ عُليةَ، عن أبى حيانَ ، قال:
حدثنى مزاحمُ بنُ زُفَرَ ، قال : كنتُ جالسًا عندَ عطاءٍ ، فأتاه أعرابىٌّ فقال له : إنّ لِی
إبلًا ، فهل علىَّ فيها حقٌّ بعدَ الصَّدقةِ ؟ قال: نعم . قال: ماذا؟ قال: عاريَّةُ الدَّلو(١)،
وطَرْقُ(٢) الفحلِ، والحلَبُ.
حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: حدثنا أسباطُ ،
عن السدِّىِّ، ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيّ، فى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾.
قال: قال عبدُ اللّهِ بنُ مسعودٍ: تُعطيهِ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ تُطيلُ الأملَ وتخافُ
الفقرة(٣).
وذكر أيضًا عن الشّدىِّ أن هذا شىءٌ واجبٌ فى المالِ حقٌّ على صاحبِ المالِ أن
يفعله سوَى الذى عليه من الزكاةِ .
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن زُبيدِ اليامىِّ، عن مُرَّةً
ابنِ شَراحيلَ، / عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فى قوله: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾. قال: ٩٧/٢
أن يُعطِىَ الرجلُ وهو صحيحٌ شحيحٌ(٤) يأمُلُ العيشَ ويخافُ الفقرَ.
فتأويلُ الآيةِ: وأعطَى المالَ - وهو له محبّ حريصٌ (على جمعِهْ) شحيح
به - ذوِى قرابته ، فوصَل به أرحامَهم .
وإنما قلتُ: عنَى بقولِه: ﴿ ذَوِى الْقُرْبَ﴾. ذوِى قرابةٍ مُؤتى المالَ على
(١) فى م: ((الذلول)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((طروق)). والطرق: ماء الفحل.
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٧٨، ٧٩ .
(٤) بعده فى م: (( به)).
(٥ - ٥) سقط من: الأصل.
( تفسير الطبرى ٦/٣ )

٨٢
سورة البقرة : الآية ١٧٧
حُبِّه؛ للخبرِ الذى رُوى عن رسولِ اللَّهِ عَ لّهِ ( الذى ذكرناه عنه١)، من أمرِه فاطمةً
بنتَ قيسٍ ، وقولِه ◌ِ لَّمِ حينَ سُئِل: أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: ((جُهْدُ المُقُلِّ علی ذِی
القرابة الكاشحِ)) ().
وأما ﴿ اَلْيَمَى﴾ و﴿اَلْمَسَكِينَ﴾، فقد بيّنا معناهما فيما مضَى (١).
وأما ﴿ أَبْنَ السَّبِيلِ﴾ فإنه المجتازُ بالرَّجلِ.
ثم اخْتَلف أهلُ العلم فى صفتِهِ؛ فقال بعضُهم: هو الضيفُ () ينزلُ بالرّجلِ)) .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : حدثنا يزيدُ بنُّ زُريع، عن سعيدٍ، عن قتادةً: ﴿ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ﴾. قال: هو الضيفُ(٥). قال: وذُكرَ لنا أن نبيَّ اللّهِ وَلِ كان يقولُ: ((من
كان يُؤْمنُ باللهِ واليوم الآخرِ " فَلْيُكرمْ ضيفَه، ومَن كان يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ"
فَلْيقلْ خيرًا أو لِيسكتْ))(١). قال: وكان يقالُ(١): حقُّ الضيافةِ ثلاثُ ليالٍ ، فكلُّ شىءٍ
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه أحمد ٣٢٤/١٤ (٨٧٠٢)، وأبو داود (١٦٧٧)، وابن خزيمة (٢٤٤٤)، وابن حبان
(٣٣٤٦)، والحاكم ١/ ٤١٤، من حديث أبى هريرة، بلفظ: ((جهد المقل، وابدأ بمن تعول)). وأخرجه
الحاكم ٤٠٦/١ من حديث أم كلثوم بنت عقبة، بلفظ: ((أفضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ١٩٢/٢، ١٩٣ .
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢: ((من ذلك)).
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٩/١ عقب الأثر (١٥٥٤) معلقا .
(٦ - ٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) أخرجه البخارى (٦٠١٨، ٦٠١٩)، ومسلم (٤٧، ٤٨)، وغيرهما من حديث أبى هريرة وأبى شريح
الخزاعى . وينظر مسند الطيالسى (٢٤٦٨).
(٨) فى م: ((يقول)).

٨٣
سورة البقرة : الآية ١٧٧
أصابه(١) بعدَ ذلك صدقةٌ(٢).
وقال بعضُهم : هو المسافر يمرُّ عليك .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا ابنُ وكيع، قال ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبى جعفرٍ: ﴿ وَأَبْنَ
السَّبِيلِ﴾. قال : المجتازُ مِن أرضٍ إلى أرضٍ(٣).
حدَّثنى المُنَّى ، قال : حدثنا إسحاقُ ، قال : أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، عن معمرٍ ، عن
ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ ، وقتادةَ فى قولِه: ﴿ وَأَبْنَ السَّبِيلِ ﴾. قال: الذى يَمُ
عليكَ وهو مسافرٌ) .
حدَّثنا المتُنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عمَّن ذَكَرِه،
عن ابنِ (أبِى تَجِيحٍْ)، عن مجاهدٍ ، وقتادةَ مثلَهُ(١).
وإنما قيل للمسافرِ : ابنُ السبيلِ. لملازَمتِه الطريقَ، والطريقُ هو السبيلُ،
فقيل لملازمتِه إِيَّاه فى سفرِه: ابنُه. كما يقالُ لطيرِ الماءِ: ابنُ الماء. لملازمتِه
إِيَّاه، وللرجلِ الذى قد أتَت عليه الدهورُ: ابنُ الأيام والليالي). ومنه قولُ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أضافه)).
(٢) ثبت مرفوعا من حديث أبى شريح العدوى. أخرجه البخارى (٦٠١٩، ٦١٣٥)، وينظر مسند
الطيالسى (٢٦٨٣).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٠/١ عقب الأثر (١٥٥٥) معلقًا .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١٥٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٩٥٠/٣،٢٩٠ (١٥٥٥، ٥٣٠٩)
عن الحسن بن يحيى ، عن عبد الرزاق به .
(٥ - ٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( جريج).
(٦) البر والصلة (٢١٥) عن معمر به .
(٧ - ٧) فى م: ((الأيام والليالي والأزمنة))، وفى ت ١، ت ٢: ((الأيام والأزمنة)).

٨٤
سورة البقرة : الآية ١٧٧
ذِى الؤُمَّةِ(١):
(١)
وَرَدْتُ(٢) اغْتِسافًا (٣) والنُّريًّا كأنَّها على قمةِ الرأسِ ابْنُ ماءٍ مُحَلِّقُ
وأمَّا قولُه: ﴿ وَالسَّآَيِلِينَ﴾. فإنه يعنى به : المستطْعِمِين الطالبِينَ.
كما حدَّثنى المثنى ، قال حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن [١١٤/٤ ظ]
محُصين، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿وَالسَّآيِلِينَ﴾. قال: السائلُ(٤) الذى يسألُكَ(٥).
٩٨/٢
/ وأما قولُه : ﴿ وَفِ الرِقَابِ ﴾ . فإنه يعنى بذلك جل ذكره : وفى فكِّ الرقابِ
من العبودةِ ، وهمُ المكاتَبون الذين يَسعَوْن فى فكِّ رقابِهم من العبودَةِ بأداءِ كتاباتِهم
التى فارَقوا عليها سادتهم .
القولُ فى تأويلِ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَوَّةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ وَأُلْمُوقُونَ
بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾ .
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَقَامَ الصَّلَوَّةَ﴾: أدامَ العملَ بها بحدودِها .
وبقولِه جلَّ ذِكْرُه: ﴿وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾: أعطاها على ما فرَضها اللَّهُ عليه .
فإن قال قائلٌ: وهل من حقٍّ يجبُ فى المالِ إيتاؤُه فرضًا غيرَ الزكاةِ ؟
قيل : قد اختلف أهلُ التأويل فى ذلك ؛ فقال بعضُهم : فیه حقوقٌ تجبُ سوَى
الزكاة . واعْتُلُّوا لقولِهم ذلك بهذه الآيةِ. وقالوا: لمّ قالَ اللّهُ تبارك وتعالى: ﴿ وَءَانَى
(١) ديوانه ١/ ٤٩٠.
(٢) فى الأصل: ((وزدت)).
(٣) الاعتساف: السير بغير هداية ودون توخِى صَوب .
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/١ إلى المصنف .

٨٥
سورة البقرة : الآية ١٧٧
الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ﴾. ومَن سمَّى اللّهُ معهم، ثم قال بعدَ ذلك:
﴿وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾. علِمنا أن المالَ الذى وصَف المؤمنين به أنهم
يُؤْتُونه ذوِى القُرْبى ومَن سمَّى معهم، غيرُ الزكاةِ التى ذَكَر أنهم يُؤْتونها ؛ لأنَّ ذلك
لو كان مالًا واحدًا لم يكنْ لتكريرِهِ معنًى مفهومٌ. قالوا: فلمَّا كان غيرَ جائٍ أن يقولَ
جلَّ ثناؤُه قولًا لا معنى له، علِمنا أن حكم المالِ الأوَّلِ غيرُ الزكاةِ ، وأن الزكاةَ التى
ذكَرها(١) بعدَه غيرُه. قالوا: وبعدُ، فقد أبانَ تأويلُ أهلِ التأويلِ صحةً ما قلنا فى
ذلك .
وقال آخرون: بل المالُ الأولُ هو الزكاةُ، ولكنَّ اللّهَ وصَف إيتاءَ المؤمنين من
آتَوْه ذلك فى أولِ الآيةِ، فعرّف عبادَه بوصْفِه ما وصَف مِن أمرِهم، المواضعَ التى
يجبُّ عليهم أنْ يضَعوا فيها زكَوَاتِهم ، ثم دلّهم بقولِه بعدَ ذلك: ﴿وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾ .
أن المالَ الذى آتاه القومُ هو الزكاةُ المفروضةُ كانت عليهم، إذْ كان أهلُ سُهْمانِهم
الذين أَخْبَر فى أولِ الآيةِ أن القومَ آتَوْهم أموالَهم .
وأما قولُه: ﴿وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾. فإنه يعنى جلَّ ثناؤه:
والذين لا ينقُضون عهدَ اللّهِ بعدَ المعاهدَةِ، ولكن يُوفون به ويتمِّمونه على ما عاهدوا
علیه مَن عاهَدُوه عليه .
كما حُدِّثت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ،
عن الرَّبِيعِ بنِ أنسٍ فى قوله: ﴿ وَالْمُوقُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾. قال: فَمَنْ
أعطَى عهدَ اللّهِ ثم نقضَه، فاللّهُ ينتقِمُ منه، ومن أعطَى ذِمّةَ النبيِّ ◌َّلَِّ ثم غدَرَ بها ،
فالنبىُّ عَلَّه خَصْمُه يومَ القيامةِ(٢).
(١) فى الأصل: ((ذكره)). وما أثبت هو الصواب.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩١/١ عقب الأثر (١٥٦١) من طريق ابن أبى جعفر به.

٨٦
سورة البقرة : الآية ١٧٧
وقد بيَّنتُ معنى ((العهدِ)) فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِهُ(١).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالصَّبِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَآءِ وَحِينَ اُلْبَأْسُِ﴾.
قد بيَّنَا تأويلَ ((الصَّبِرِ)) فيما مضَى قَبلُ(٢) .
فمعنى الكلامِ : والمانِعين أنفسَهم فى البأساءِ والضرَّاءِ وحين البأسِ مما يكْرَهُه
اللّهُ لهم، والحابِسيها على ما أمرهم به من طاعتِه .
ثم قال أهلُ التأويلِ فى معنى ﴿ اَلْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، بما حدثنى به الحسينُ بنُ
عَمرِو بنِ محمدِ العَنْقزىُّ، [١١٥/٤و] قال: حدثنا أبى، وحدَّثنى موسى، قال:
حدثنا عمرو ، قالَا جميعًا: حدثنا أسباطُ ، عن الشّدىِّ، عن مُرّةَ الھمْدانىّ ، عن ابنِ
مسعودٍ أنه قال: أمَّا البأساءُ فالفقرُ، وأمَّا الضرَّاءُ فالسُّقْمُ ().
حدثنا سفيانُ بنُ وكيع قال: حدثنا أبى، وحدثنى المثُنَّى، قال : حدثنا
٩٩/٢ الحِمَّانُ، قالا جميعًا: حدثنا شَريكٌ، / عن الشُّدِّىِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ فى
قوله: ﴿ وَالصَّبِينَ فِىِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَآءِ﴾. قال: البأساءُ الجوعُ، والضرّاءُ المرضُ(٤).
حدثنا أحمدُ بنُّ إسحاقَ ، قال: حدثنا أبو أحمدَ ، قال : حدثنا شَريكٌ، عن
السُّدىِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: البأساءُ الحاجةُ، والضرّاءُ المرضُ.
(١) ينظر ما تقدم فى ٤٣٥/١، ٤٣٦.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٦١٧/١ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩١/١ (١٥٦٥) من طريق عمرو العنقزى به. وأخرجه الحاكم ٢٧٣/٢
من طريق عمرو بن حماد به . وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/١ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر
وأبى الشيخ . وستأتى بقيته فى ص ٩١.
(٤) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ١٧٢/١ - ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩١/١ (١٥٦٣)
بلفظ: ﴿ البأساء ﴾ قال : الفقر.

٨٧
سورة البقرة : الآية ١٧٧
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال: كنا
نتحدَّثُ أن البأساء البؤسُ والفقرُ، وأن الضرَّاء السُّقْمُ، وقد قال نبىُّ اللَّهِ أيوبُ عَ له:
﴿ أَنِى مَسَّنِىَ الشُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ١٨٣].
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبيعِ
فى قولِه: ﴿وَالصَِّرِينَ فِىِ الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ﴾. قال: البؤسُ الفاقةُ والفقرُ، والضرَّاءُ فى
النفس من وجعٍ أو مرضٍ يُصيئه فى جسدِه(١) .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرّزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿اَلْبَأْسَآءِ وَالضَّرّاءِ﴾. قال: البأساءُ البؤسُ، والضراءُ الزّمانةُ فى
(٣)
الجسد
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا أبو نُعيم ، قال : حدثنا عُبيدٌ ، عن الضحاكِ ، قال :
البأساءُ الفقرُ(٤)، والضراءُ المرضُ.
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ
﴿ وَالصَّبِينَ فِىِ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّهِ﴾. قال: البأساءُ البؤسُ والفقرُ، والضرَاءُ السُّقْمُ
والوجعُ .
حدثنا أحمدُ بنُّ إسحاقَ، قال: حدثنا أبو أحمدَ ، قال: حدثنا عُبِيدُ بنُ الطُّفَيل
أبو سِيدانَ ، قال: سمِعتُ الضَّّاكَ بنَ مُزَاحِم يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿الْبَأْسَآءِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/١ إلى المصنف وعبد بن حميد، بلفظ :... السقم والوجع. دون
آخره، وستأتى بقيته فى ص ٩١.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩١/١ عقب الأثر (١٥٦٣، ١٥٦٥) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦، ليس فيه قتادة. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩١/١ (١٥٦٦) عن
الحسن بن بحيى به ، بآخره . وستأتى بقيته فى ص ٩٢.
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٨٨
سورة البقرة : الآية ١٧٧
وَالضَّرَّآءِ﴾ قال: البأساءُ الفقرُ، والضراءُ المرضُ(١).
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا فى ذلك؛ فقال بعضُهم: البأساءُ والضرّاءُ
مصدرٌ جاءَ على ((فَعلاء)) ليس له ((أفعل))؛ لأنه اسم، كما قد جاء ((أفعل)) فى
الأسماءِ ليس له ((فَعلاء))، نحو ((أحمد)). وقد قالوا فى الصِّفةِ: ((أفعل)) ولم يجئ
له ((فَعْلاء))، فقالوا: أنتَ من ذلك أَوْجلُ. ولم يقولوا: ((وجْلاء)).
وقال بعضُهم: هو اسمٌ للفعلِ، كأنَّ(١) البأساءَ البؤسُ، والضراءَ الضُّرُّ، وهو
اسمٌ يقعُ إن شئتَ لمؤنثٍ ، وإن شئتَ لمذكرٍ، كما قال زهيرٌ() :
فتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأُمَ كُلُّهُمْ
كأحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِم
يعنى : فتُنْتَجْ لكم غلمانَ شُؤْمٍ .
وقال بعضُهم: لو كان ذلك اسمًا يجوزُ صرفُه إلى مؤنثٍ ومُذكرٍ، لجازَ إجراءُ
((أَفْعل)) فى النكرة ، ولكنه اسم قام مقامَ المصْدَرِ، والدليلُ على ذلك قولُهم: لئن
طلبتَ نُصرتَهم لَتَجِدنَّهمْ غيرَ أبعدَ. بغيرِ إجراءٍ. قال: وإنما كان اسمًا للمصدرِ ؛
لأنه إذا ذُكر عُلمَ أنه يُرادُ به المصدرُ.
١٠٠/٢
وقال غیرهم: لو كان ذلك مصدرًا فوقَع بتأنيثٍ/ لم يقع بتذكيرٍ ، ولو وقَع
بتذكيرٍ لم يقعْ بتأنيثٍ؛ لأن من سُمِّىَ ((بأفعل)) لم يُصرفْ إلى ((فُعْلَى))، ومن
سُمِّىَ ((بفُعْلَى)) لم يُصرَفْ إلى ((أفعل))؛ لأن كلَّ اسم يَتْقى بهيئتِه لا يُصرفُ
إلى غيرِه، ولكنهما لغتان ، فإذا وقَع التذكيرُ، كان: بأمرٍ أَشْأمَ، وإذا وقَع البأساءُ
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى الصبر (٥٧) من طريق عبيد بن الطفيل به، بزيادة . وستأتى فى ص ٩٢.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فإن)).
(٣) شرح ديوانه ص ٢٠.

٨٩
سورة البقرة : الآية ١٧٧
والضرّاءُ، وقَع الخَلَّةُ البأساءُ، والخَلَّةُ الضرَّاءُ، وإنْ كان لم يُّينَ على الضرَّاءِ
((الأضرّ))، ولا على الأشأم ((الشَّأْماء))؛ لأنه لم يرِدْ مِن تأنيثِه التذكيرُ، ولا مِن
تَذْكيرِه التأنيثُ، كما قالوا: امرأةٌ حسناءُ. ولم يقولوا: رجلٌ أحسنُ. وقالوا :
رجلٌ أمردُ. ولم يقولوا: امرأةٌ مَرْداءُ. فإذا قيلَ : الخَصْلةُ الضرَّاءُ. والأمرُ الأَشْأُمُ .
دلَّ [١١٥/٤ظ] على المصدرِ، ولم يحتجْ إلى أن يكونَ اسمًا، وإن كان قد كفَى
من المصدرِ .
وهذا قولٌ مخالفٌ تأويلَ مَنْ ذكَوْنَا تأويله من أهلِ العلم فى تأويلِ: ﴿ الْبَأْسَآءِ
وَالضَّرَّآءِ﴾ وإن كان صحيحًا على مذهبِ العربيةِ، وذلك أن أهلَ التأويلٍ تأولوا
البأساءَ بمعنَى البؤسِ ، والضرّاءَ بمعنى الضُّرِّ فى الجسدِ ، وذلك من تأويلهم يُنبئُ عن
أنهم وجّهوا البأساءَ والضراء إلى أسماءِ الأفعالِ دونَ صفاتِ الأسماءِ ونُعوتِها ،
فالذى هو أَوْلَى بِ﴿ الْبَأْسَاءِ وَالضَّهِ﴾ على قولِ أهلِ التأويلِ، أن تكونَ البأساءُ
والضَّرَّاءُ أسماءً أفعالٍ، فتكونَ البأساءُ اسمًا للبؤسِ، والضراءُ اسمًا للضُّرِّ.
وأمّا ﴿ الصَّبِرِينَ﴾ فنصبٌ، وهو من نعتِ ﴿مَنْ﴾ على وجْهِ المدحِ؛ لأَنَّ مِن
شأنِ العربِ إذا تطاولت صفةُ الواحدِ الاعتراضَ بالمدح والذمِّ بالنّصبِ أحيانًا ،
وبالرفع أحيانًا، كما قال الشاعرُ(١):
وليثَ الكتيبةِ فى الْمُزْدَحَمْ
إلى الملِكِ القَرْمِ(٢) وابنِ الهُمامِ
بذاتِ الصَّليلِ وذاتِ اللُّجُمْ
وذا الرأْيِ حينَ تُغَمُّ الأمورُ
فنصَب ((ليثَ الكتيبة))، و((ذَا الرأى)) على المدح، والاسمُ قبلَهما
(١) معانى القرآن للفراء ١٠٥/١، ٥٨/٢، وخزانة الأدب ٤٥١/١.
(٢) القرم : السيد العظيم .

٩٠
سورة البقرة : الآية ١٧٧
مخفوضٌ؛ لأنه من صفةٍ واحدٍ ، ومنه قولُ الآخر (١) :
على كلِّ غَتِّ منهمُ وسَمِينِ
فِلَيْتَ التى فيها النُّجومُ تَوَاضَعت(٢)
أسُودَ الشَّرَى يَحْمِين كلِّ عَرينِ
غيوثَ الحَيَا (٢) فى كلِّ مَخْلٍ وَلَذْبةٍ(٤)
وقد زعَمَ بعضُهم أن قوله: ﴿ وَالصَّبِيِنَ فِى الْبَأْسَآءِ﴾. نصبٌ عطفًا على
السَّآِلِينَ﴾. كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: وَآتَى المالَ على حبّه ذوِى القُرْتَى واليتامَى
والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلين والصابرين فى البأساء والضراءِ.
وظاهرُ كتابٍ اللّهِ يدلُّ على خطأُ هذا القولِ ، وذلك أن الصابرين فى البأساءِ
والضراءِ هم أهلُ الزَّمانَةِ فى الأبدانِ ، وأهلُ الإقتارِ مِن(٥) الأموالِ، وقد مضَى وصفُ
١٠١/٢ القوم بإيتاءٍ مَن كان ذلك صِفتَه المالَ فى قوله: ﴿وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّآيِلِينَ﴾. وأهلُ الفاقةِ والفقرِ هم أهلُ البأساءِ والضرّاءِ، لأَنَّ مَن لم يكنْ مِنْ أهلِ
الضَّراءِ ذا بأساءَ، لم يكنْ مَمَّن لهُ قَبولُ الصدقةِ ، وإنما له قبولُها إذا كان جامعًا إلى
ضَّائِه بأساءَ ، وإذا جمَع إليها بأساءَ كان من أهل المسكنَةِ الذين قد دخلوا فى جملةٍ
المساكين الذين قد مضى ذكرُهم قبلَ قوله: ﴿ وَالصَِّرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ﴾. وإذا كان
ذلك كذلك، ثم نصَبَ ﴿ وَالصَّبِرِينَ فِ الْبَأْسَآءِ﴾ بقولِه: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى
حُبِّهِ،﴾. كان الكلامُ تكريرًا بغيرِ فائدةِ معنًى، كأنه قيلَ: وآتى المالَ على حُبِّه ذوِى
القُرْبَى واليتامى والمساكينَ " والمساكينَ). واللَّهُ يتعالى عن أن يكونَ ذلك فى
(١) معانى القرآن للفراء ١٠٦/١، وأمالى المرتضى ٢٠٦/١.
(٢) تواضعت : تساقطت وانحطت .
(٣) فى م: ((الورى)). والحيا : المطر والخصب .
(٤) فى م: ((أزمة)). واللذبة: شدة السنة، وهى القحط.
(٥) فى م: ((فى)).
(٦ - ٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢.

٩١
سورة البقرة : الآية ١٧٧
خطابِهِ عبادَه، ولكن معنى ذلك: ولكنَّ البرّ مَن آمَن باللَّهِ واليوم الآخرِ (١) ، الموفون
بعهْدِهِم إذا عاهَدوا، والصابرين فى البأساء والضراءِ. و﴿ اَلْمُوقُونَ﴾ رفع؛ لأنه
من صفةٍ ﴿مَنْ﴾، و﴿مَنْ﴾ رفعْ، فهو معربٌ بإعرابِهِ، و﴿ الصَّبِينَ﴾
نصبّ - وإن كان من صفتِهِ - على وجهِ المدح الذى وصَفنا قبلُ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَحِيْنَ اَلْبَأْسِ﴾.
يعنى جلَّ ذِكرُه بقولِه: ﴿ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: والصابرين فى وقتِ البأسِ. وذلك
وقتُ شدةِ القتالِ فى الحربِ .
كما حدثنى الحسينُ بنُ عمرو بنِ محمدِ العَنْقَزِىُّ ، قال حدثنا أبى ، قال :
حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ فى قولِه تبارك وتعالى: ﴿وَحِينَ
الْبَأْسِ﴾. قال: حينَ القتالِ(١) .
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: حدثنا عمرٌو، قال حدثنا أسباطُ، عن
الشّدِّىِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه(٣).
حدَّثنى المُثُنَى ، قال: حدثنا أبو حذيفةَ ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيح،
عن مجاهدٍ: ﴿ وَحِينَ الْبَّأْسِ﴾: القتالِ (٤).
حدَّثنا [١٦/٤ ١ و] بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. أى: عندَ مَواطنِ القتالِ.
(١) بعده فى م: ((و)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٢/١ (١٥٦٩) من طريق عمرو العنقزى به، وتقدم أوله فى ص ٨٦.
(٣) أخرجه الحاكم ٢٧٣/٢ من طريق عمرو بن حماد به .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٢/١ عقب الأثر (١٥٦٩) معلقًا .

٩٢
سورة البقرة : الآية ١٧٧
حدثنا الحسنُ بنُّ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: القتالِ(١) .
مُحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
﴿ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: عندَ لقاءِ العدوّ(١).
حدثنى المُثَنَّى قال: حدثنا أبو نُعيم، قال: حدثنا عُبيدٌ، عن الضخَاكِ: ﴿ وَحِينَ
الْبَأْسِ﴾ . القتالُ.
حدثنا أحمدُ بنُّ إسحاقَ ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا عُبِيدُ بنُ الطَّفيل
أبو سِيدانَ ، قال: سمِعتُ الضَّاكَ بنَ مُزاحم يقولُ فى قوله: ﴿ وَحِينَ اَلْبَأْسِ﴾.
.(٣)
قال: القتالِ(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَكَ هُمُ
الْمُتَّقُونَ
١٧٧
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾. من آمَن بِاللَّهِ واليومِ الآخرِ،
ونَعَتَهم النعتَ الذى نعَتَهم به فى هذه الآيةِ ، يقولُ : فمن فعَل هذه الأشياءَ فهم الذين
١٠٢/٢ صدَقوا اللَّهَ فى إيمانِهم به، وحقّقوا قولَهم بأفعالِهم، / لا مَن ولَّى وجهَه قِبلَ المشرقِ
والمغربِ وهو يُخالِفُ اللَّهَ فى أمرِه، وينقُضُ عهدَه وميثاقَه، ويكتُمُ الناسَ بيانَ ما أمره
بِیانِه ویکذِّبُ رسلَه .
وأما قولُه: ﴿ وَأُوْقَبَكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ﴾ . فإنه يعنى: أولئك هم الذين اتَّقَوا
(١) تقدم أوله فى ص ٨٧ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٢/١ عقب الأثر (١٥٦٩) من طريق عبد الله بن أبى جعفر به. وتقدم
أوله فى ص ٨٧.
(٣) تقدم أوله فى ص ٨٧، ٨٨.

٩٣
سورة البقرة : الآيتان ١٧٧، ١٧٨
عقابَ اللهِ، فتجنّبُوا عصيانَه، وحذِروا وعيدَهُ(١) ، فلم يتعدَّوا حدودَه، وخافوه
فقاموا بأداءِ فرائضِه .
وبمثلِ الذى قلنا فى قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾. كان الربيعُ بنُ أنسٍ
يقولُ .
حُدِّثتُ عن عمارٍ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُّ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الرّبيعِ :
﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ﴾. قال: فتكلَّموا بكلام الإيمانِ ، فكانت حقيقَتُه العملَ ،
صدَقوا اللَّهَ . قال: وكان الحسنُ يقولُ: هذا كلامُ الإيمانِ ، وحقيقته العملُ ، فإن لم
يكنْ مع القولِ عملٌ فلا شىءٍ(٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ الْقَنْلِّ
اُّْ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى ◌ِآلْأُنْفَ﴾ .
يعنى جلَّ ذِكرُه بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَلْلِ﴾ : فُرِض عليكم .
فإن قال قائلٌ: أَفرضٌ على ولىِّ القتيلِ القِصاصُ مِن قاتِل وَلِيّه؟
قيل: لَا ، ولكنَّه مباحٌ له ذلك، والعفوُ، وأخذُ الدِّيَّةِ.
فإن قال: وكيفَ قال: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ ؟
قيل : إن معنَى ذلك على خلافٍ ما ذهَبتَ إليه، وإنما معناه: يا أيها الذين آمنوا
كُتب عليكم فى القتْلَى قِصاصٌ؛ [١١٦/٤ظ] الحرّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأنثى
كفْءُ الأنثى. أى أن الحرّ إذا قتَل الحرَّ، فدمُ القاتلِ كفءٌ لدمِ القتيلِ بالقصاصِ() منه
(١) فى م: ((وعده).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٢/١ عقب الأثر (١٥٧٠) من طريق ابن أبى جعفر به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/١ إلى المصنف.
(٣) فى م: ((والقصاص)).

٩٤
سورة البقرة : الآية ١٧٨
دونَ غيرِهِ مِن الناسِ ، ولا تُجاوزوا بالقتلِ إلى غيرِهِ ممن لم يقتُلْ ؛ فإنه حرام عليكم أن
تقتلوا بقتیلِکم غیرَ قاتلِه .
والفرضُ الذى فرَضه اللَّهُ علينا فى القصاصِ هو ما وصَفتُ ، من تَوْكِ المجاوزةِ
بالقِصاصِ قتلَ القاتلِ بقتيلِه إلى غيرِهِ ، لا أنه وجَب علينا القِصاصُ فرضًا، وجوبَ
فرضٍ الصلاةِ والصيامِ، حتى لا يكونَ لنا تركُه، ولو كان ذلك فرضًا لا يجوزُ لنا
تركُه لم يكنْ لقوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾. معنَى مفهومٌ؛ لأنه لا عفوَ بعدَ
القِصاصِ فيقالَ: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾.
وقد قيل : إن معنى القِصاص فى هذه الآيةِ مُقاصَّةُ دِياتٍ بعضِ القتْلَى بدِیاتٍ
بعضٍ. وذلك أن الآيةَ عندَهم نزَلتْ فى حزبين تحاربوا على عهدٍ رسولٍ
اللَّهِ عَمِ، فقتَل بعضُهم بعضًا، فَأَمِرِ النبيُّ عَ ◌ّهِ أَن يُصلِحَ بينَهم، بأن يُسقِطَ(١)
ديَاتِ نساءِ أحدِ الحزبين بدياتٍ نساءِ الآخرين، ودياتٍ رجالِهم بدياتٍ رجالِهم،
ودياتٍ عبيدِهم بدياتٍ عبيدِهم، قِصاصًا . فذلك عندَهم مَعنى القصاص فى هذه
الآية .
فإن قال قائلُ: فإنه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿ كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَفْلِّ الْخُرُّ
بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ / بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنَّ﴾. أفما لنا أن نقتصَّ للحُرِّ إِلَّ من الحُرّ، ولَا
للأُنثِي إِلَّ من الأنثى ؟
١٠٣/٢
قيل: بلى (١) ، لنا أن نقتصَّ للحرِّ من العبدِ، وللأنثى من الذكرِ، يقولُ جلَّ
ثناؤُه: ﴿ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. وبالنقلِ
(١) فى م: ((تسقط)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٣: ((بل)).

٩٥
سورة البقرة : الآية ١٧٨
المستفيضِ عن رسولِ اللَّهِ مَّالِ أنه قال: ((المؤمنون(١) تتكافأً دماؤهم))(١).
فإن قال : فإذ كان ذلك كذلك، فما وجهُ تأويل هذه الآيةِ؟
قيل : اخْتَلفَ أهلُ التأويلِ فى ذلك ؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ فى قومٍ
كانوا إذا قتَل الرجلَ منهم عبدُ قوم آخرين، لم يرضَوْا من قتيلِهم بدمٍ قاتلِه ، من أجلِ
أنه عبدٌ حتى يقتُلُوا به سيدَه، وإذا قتَلتِ المرأةُ من غيرِهم رجلاً منهم، لم يرضَوْا
بالقِصاص (١) بالمرأةِ القاتلةِ حتى يقتلوا رجلًا من رهطِ المرأةِ وعشيرَتِها، فَأَنْزَل اللَّهُ جلَّ
وعزَّ هذه الآيةَ ، فأَعْلَمهم أن الذى فُرِض لهم من القصاصِ أن يقتلوا بالرجلِ الرجلَ
القاتلَ دونَ [٥١١٧/٤] غيرِهِ ، وبالأنثى الأنثى القاتلةَ دونَ غيرِها من الرجالِ ، وبالعبدِ
العبدَ القاتلَ دونَ غيرِه من الأحرارِ ، ونهاهم أن يتعدَّوا القاتلَ إلى غيرِهِ فى القصاصِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ المثنى ، قال : حدثنا أبو الوليدِ ، وحدثنا المثنى ، قال : حدثنا
الحجائج، قالاً جميعًا: حدثنا حمادٌ ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، عن الشّعْبِىِّ فى قولِه :
اُلْثُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْتَّى بِآلْأُنثَىَّ﴾. قال: نزَلت فى قبيلتين من قبائِلِ
العربِ اقْتلَتا قتالَ عِمِّيَّةٍ(٤)، فقالوا : نقتُلُ بعبدِنا فلانَ بنَ فلانٍ، وبفلانةَ فلانَ بنَ
فلانٍ . فَأَنْزَل اللَّهُ: ﴿اَلْهُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنَفَّ﴾(٥).
(١) فى م: ((المسلمون)).
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٣٧٢)، وابن أبى شيبة ٩/ ٤٣٢، وأحمد ٤٠٢/١١ (٦٧٩٧)، وغيرهم من
حديث عبد الله بن عمرو. وينظر الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٨٥، ٨٦.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((من دم صاحبهم)).
(٤) العمية: من العماء: الضلالة، كالقتال فى العصبية والأهواء، وحكى بعضهم فيها ضم العين. النهاية ٣/ ٣٠٤.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.

٩٦
سورة البقرة : الآية ١٧٨
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اَلْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِّ الْخُّ بِالْحُّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنْفَ﴾: وكان أهلُ الجاهليةِ
فيهم بغىّ وطاعةٌ للشيطانِ، فكان الحىّ إذا كان فيهم عزةٌ(١) ومنَعةٌ، فقتل عبدُ قومٍ
آخرين عبدًا لهم، قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حُرًّا. تَعزُّزًا، لفضلِهم على غيرِهم فى أنفسِهم ،
وإذا قُتِلتْ لهم امرأةٌ قتَلْها امرأةٌ قوم آخرين ، قالوا: لا نقتُلُ بها إِلَّ رجلًا. فأَنْزَل اللَّهُ هذه
الآيةَ يُخْبِرُهم أن العبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البَّغْيِ، ثم أَنْزَل اللَّهُ جلَّ
ثناؤُه فى سورةِ ((المائدة)) بعدَ ذلك فقال: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وَاَلْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ
قِصَاصُ﴾ [المائدة: ٤٥] .
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْعَنْلِّ﴾ قال: لم يكنْ لمن قبلَنَا دِيةٌ ، إنما
هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ فى قومٍ كانوا أكثرَ مِن غيرِهم، وكانوا
إذا قُتِل من الحىّ الكثيرِ عبدٌ قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حرًّا. وإذا قُتلتْ منهم امرأةٌ قالوا : لا
تقتُلُ بها إِلَّ رجلًا. فَأَنْزَل اللَّهُ تعالى: ﴿الْخِرُّ بِالْخُرُّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى
بِلْأُنَّ﴾(٣).
حدّثنی محمدُ بنُ عبد الأعلى ، قال : حدثنا معتمرٌ ، قال: سمعتُ داودَ ، عن
عامرٍ فى هذه الآيةِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَبْلِى الْحُرُّ بِالْخُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى
بِآلْأُنثَى﴾. قال : إنما ذلك فى قتالِ / عِمَّةٍ، إذا أُصِيبَ مِن هؤلاءِ عبدٌ ومن هؤلاءِ عبدٌ
١٠٤/٢
(١) فى م: ((عدة)).
(٢) أخرجه البيهقى ٨/ ٢٦، وابن الجوزى فى ناسخه ص ١٥٧ من طريق شيبان ، عن قتادة ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٧٣/١ إلى عبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه وأنى القاسم الزجاجى فى أماليه.
(٣) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦.

٩٧
سورة البقرة : الآية ١٧٨
تَكافَا(١) ، وفى المرأتين كذلك، وفى الحُرّين كذلك، هذا معناه إن شاء اللَّهُ.
وحدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ، قال: قد دخَل فى قولِ اللَّهِ: ﴿الْمُرُّ بِالْخُ﴾ الرجلُ بالمرأةِ، والمرأةُ
بالرجلِ . وقال عطاءٌ: ليس بينَهما فَضلٌ(٢) .
وقال آخرون : بل نزَلتْ هذه الآيةُ فى فريقين كان بينهم قتالٌ على عهدِ رسولٍ
اللّهِ مَّهِ، فقُتل مِن كلا الفريقين جماعةٌ من الرجال والنساءِ، فَأُمِرِ النبىُّ عَّمِ أن
يُصلِحَ [١١٧/٤ ظ] بينَهم، بأن يجعَلَ ديَاتِ النساءِ من كلِّ واحدٍ من الفريقين
قِصاصًا بدياتِ النساءِ من الفريقِ الآخرِ ، ودياتِ الرجالِ بالرجالِ ، ودياتِ العبيد
بالعبيدِ ، فذلك معنى قولِه: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَلْلِ﴾ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا موسى ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ قولَه :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِّ الْخُرُّ بِالْخُ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَ بِآلْأُنَّ﴾. قال:
اقتَل أهلُ ماءين(٢) من العربِ، أحدُهما مسلمٌ والآخرُ مُعاهَدٌ، فى بعضٍ ما يكونُ بينَ
العربِ من الأمرِ، فَأَصْلحَ بينَهم النبىُّ ◌َّهِ - وقد كانوا قَتَلوا الأحرارَ والعبيدَ
والنساءَ - على أن يؤدِّىَ الحرّ ديةَ الحرّ، والعبدُ ديةَ العبدِ، والأنثى ديةَ الأنثى،
فقاصَّهم بعضَهم مِن بعضٍ(4) .
(١) فى الأصل، ت ٣: ((كانا))، وفى ت ١: (( كافأ)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٧٩٧٣)، وابن أبى شيبة ٢٩٦/٩، ٤٣٤ من طريق ابن جريج، عن عطاء.
(٣) فى م: ((ملتين)).
(٤) ذكره النحاس فى ناسخه ص ٨٤ معلقا عن السدى .
( تفسير الطبرى ٧/٣ )

٩٨
سورة البقرة : الآية ١٧٨
حدثنى المثنى ، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ،
عن سفيانَ ، عن السُّدىِّ، عن أبى مالكٍ ، قال: كان بينَ حَيَّيْن من الأنصارِ قتالٌ ،
كان لأحدِهما على الآخِرِ الطَّوْلُ، فكأنَّهم طلبوا الفضلَ، فجاء النبيُّ عَ لَّه ليصلِحَ
بينَهم، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿الْثُّ بِالْحُرِّ وَاُلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأَنْثَى بِآلْأَنَفَّ﴾. فجعَل
النبىُّ عَ لَّهِ الحرّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى(١).
حدثنا المثنى ، قال : حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال : أخبرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةً ،
عن أبى بشرٍ، قال: سمِعتُ الشَّغبىَّ يقولُ فى هذه الآية: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ
فِي الْقَدْلِى﴾. قال: نزَلتْ فى قتالِ عِمِّيَّةٍ - قال شعبةُ: كأنَّه فى صلح - قال :
اصْطَلحُوا على هذا(٢) .
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ ، قال : حدثنا شعبةُ ، عن
أبى بشرٍ، قال: سمِعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ فى هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي
الْقَتْلِ الْخُّ بِالْخُرُّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنثَىَّ﴾. قال: نزَلتْ فى قتالِ عِمّيةٍ ، قتالٌ(٢)
كان على عهدِ النبىِّ عَلَّهِ.
وقال آخرون : بل ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ بمقاصَّةٍ ديةِ الحرّ وديةِ العبدِ ، وديةِ الذكرِ ودية
الأُنثى ، فى قتلِ العمدِ ، إن اقتُصَّ للقتيلِ من القاتلِ، والتراجعِ بالفضلِ والزيادةِ بين
ديتيِ القتيلِ والمقتصِّ منه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٤/١ عقب الأثر (١٥٧٦) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
١٧٢/١ إلى المصنف وابن مردويه .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٣/١ (١٥٧٥) من طريق شعبة عن مغيرة عن الشعبى ، بنحوه دون
قول شعبة .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال)).

٩٩
سورة البقرة : الآية ١٧٨
ذِكرُ من قال ذلك
١٠٥/٢
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : حدثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الرَّبِيعِ
قولَه: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَلْلِّ الْحُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
وَاْأُنثَى بِآلْأُنْفَىّ﴾. قال: / حُدِّثنا عن علىّ بنِ أبى طالبٍ أنه كان يقولُ: أَيُما حرِّ قتَل
عبدًا فهو به قَوَدٌ ، فإن شاءَ موالى العبدِ أن يقتلوا الحرّ قتَلوه وقاصُوهم بثمنِ العبدِ من
دِيةِ الحرّ ، وأدّوا إلى أولياءِ الحرّ بقيةَ دِيَتِه، وأىُّ (١) عبدٍ قتَل حرًّا فهو به قَوَدٌ ، فإن شاء
أولياءُ الحرّ قتَلوا العبدَ وقاصُّوهم بثمنِ العبدِ، وأخَذوا بقيةَ ديةِ الحرِّ ، وإن شاءُوا أخَذُوا
الديةَ كلَّها واستحيَوا العبدَ، وأُّ حرِّ قتَل امرأةً فهو بها قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ المرأةِ قتَلُوه
وأدَّوا نصفَ الدية إلى أولياءِ الحُ، وأىُّ(١) [١٨/٤ ١ وآ امرأةٍ قتَلتْ حرًّا فهى به قَوَدٌ ، فإن
شاء أولياءُ الحرّ قتَلُوها وأخَذوا نصفَ الديةِ، وإن شاءوا أخَذوا الديةَ كلَّها
واسْتحْيَوْها، وإن شائُوا عفَوْا(٢).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : حدثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال: حدثنا حماد
ابنُ سلَمةً، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن عليًّا قال فى رجلٍ قتَل امرأته، قال: إن
شاءُوا (٣) قتلوه وغَرِموا نصفَ الديَةِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا يحيى بن سعيدٍ، عن عوفٍ، عن
الحسنِ، قال: لا يُقتَلُ الرجلُ بالمرأةِ حتى يُعطُوا نصفَ الدِيَةِ (٥).
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إن)).
(٢) أخرجه البيهقى ٨/ ٣٥، ٣٨ مفرقًا من طريق الحكم ومحمد بن على عن على.
وقوله: وأىُّ حرٍ قتل امرأة ... أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٢٩٦، ٢٩٧ من طريق الحكم والشعبى عن على.
(٣) فى الأصل: ((شاء)).
(٤) فى م: ((عن)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٧/٩ من طريق عوف به .

١٠٠
سورة البقرة : الآية ١٧٨
حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن سماكٍ ، عن الشَّعْبىِّ ،
قال فى رجلٍ قتَل امرأتَه عمدًا، فأتوا به عليًّا، فقال: إن شئتُم فاقتلوه وردُوا فضلَ ديةٍ
الرجلِ على ديَةِ المرأةِ(١).
وقال آخرون : بل نزَلتْ هذه الآيةُ فى حالٍ ما نزَلتْ والقومُ لا يقتُلون الرجلَ
بالمرأةِ ، ولكنهم كانوا يقتلونَ الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، حتى سؤَّى اللَّهُ بين
حكمٍ جميعِهم بقوله: ﴿وَكَنَبْنَا عَلَيْهِمْ فِهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
فجعَل جمیعَهم قَوَدّا بعضهم ببعضٍ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا المُثَنَّى ، قال: حدثنا أبو صالح، قال : حدثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن
علىّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأُنْثَى بِآلْأُنْقَ﴾: وذلك أنهم كانوا لا
يقتلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكن يقتُّلون الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ ، فَأَنْزَل اللَّهُ
سبحانه: ﴿ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. فجعَل الأحرارَ فى القِصاصِ سواءً فيما بينَهم فى
العمدِ ، رجالُهم ونساؤهم ، فى النفسِ وما دونَ النفسِ ، وجعَل العبيدَ مُستوين فيما
بينَهم فى العمدِ ، فى النفسِ وما دونَ النفسِ ، رجالُهم ونساؤهم(١).
قال أبو جعفرٍ: فإذا كان مُختَلَفًا الاختلافُ الذى وصَفتُ فيما نزَلتْ فيه(١) هذه
الآيةُ ، فالواجبُ علينا استعمالُها فيما دلَّت عليه من الحكم بالخبرِ القاطِعِ العذرَ. وقد
تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ بالنقلِ العامّ أن نفْسَ الرجلِ الحرِّ قوَدٌ قِصاصًا
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩/ ٢٩٦، ٢٩٧ عن جرير به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٩٤/١ (١٥٧٨)، والبيهقى ٤٠/٨ من طريق أبى صالح به. وينظر
الناسخ والمنسوخ للنحاس ص ٨٣ .
(٣) فى الأصل: ((فى)).