النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة البقرة : الآية ١٧٣
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ فَمَنِ اُضْظُرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ فى أكْلِه، ولا عادٍ أن يتعدَّى حلَالًا
إلى حرامٍ، وهو يجدُ عنه مندوحةٌ(١).
[١٠٩/٤ظ] حدثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال : أخبرنا
مَعمرٌ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغ
فيها ، ولا معتدٍ فيها ، يأكُلُها وهو غنىٌّ عنها .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ الرزّاقِ ، عن مَعمرٍ ، عمّن سمِعَ
الحسنَ يقولُ ذلك(٢).
-
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو ثُمَيْلةً، عن أبى حمزةَ، عن
جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ قولَه: ﴿ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ﴾: ﴿غَيْرَ
بَارِ﴾ يبتغِيه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يتعدَّى على ما يُمسِكُ نفْسَه .
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع
قولَه: ﴿ فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ يقولُ: مِن غيرٍ أن يبتغِىَ حرامًا
ويتعدَّاه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿ فَنِ أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[المؤمنون: ٧، المعارج: ٣١].
/ حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَمَنِ ٨٨/٢
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤/١، ٢٨٥ (١٥٣٠) من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٨/١ إلى عبد بن حميد .
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٥.

٦٢
سورة البقرة : الآية ١٧٣
أُضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ﴾. قال: غيرَ (١) أن يأكُلَ ذلك بغْيًا وتعدِّيًا عن الحلال إلى
الحرام، ويتركَ الحلالَ وهو عندَه، ويتعدَّى بأكلِ هذا الحرام ؛ هذا التعدِّى. يُنكِرُ أن
يكونا مختلِفَيْن، ويقولُ : هذا وهذا واحدٌ .
وقال آخرون : تأويلُ ذلك: فمن اضطُرَّ غيرَ باغ فى أكلِهِ شهوةً ، ولا عادٍ فوقَ
ما لابدَّ له منه .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاخِ وَلَا عَادٍ﴾: أما ((باغ )) فيبتغِى (١) فيه شهوتَه، وأما
((العادى))، فيتعدَّى فى أكلِه، يأكُلُ حتى يشبَعَ ، ولكن يأكُلُ منه قوتًا(٢) ، ما يُسِكُ به
نفْسَه حتى يبلُغَ حاجته(4) .
وأولى هذه الأقاويلِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: فَمَن اضْطُرَّ غيرَ باغ بأكلِه ما
حُرِّم عليه من أكلِه، ولا عادٍ فى أكلِه، وله عن تركِ أكلِه - بوجودِه(٥) غيرَه مما أحلَّه
اللَّهُ له - مندوحةٌ وغنّى؛ وذلك أن اللَّهَ لم يرخّصْ لأحدٍ فى قتلِ نفسِه بحالٍ . فإذْ
كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن الخارجَ على الإمامِ والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أنیا
ما حرَّمَ اللَّهُ عليهما - من خروج هذا على من خرج عليه، وسَغْي هذا بالإفسادِ فى
الأرضِ - فغيرُ مُبيح لهما فِعلُهما ما فعَلا - مما حرَّمَ اللَّهُ عليهما - ما كان حرامًا"
(١) سقط من: م، ت١، ت٢.
(٢) فى م، ت ٢: ((فيبغى)) .
(٣) فى م: ((قدر)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٤/١ (١٥٢٦، ١٥٢٩) من طريق عمرو بن حماد به.
(٥) فى م: (( بوجود)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( حرم الله)).

٦٣
سورة البقرة : الآية ١٧٣
عليهما قبلَ إتيانِهما ما أتيًا من ذلك، من قتل أنفسِهما ، بل ذلك مِن فعلهما، إذلم
يَزِدْهما لمحارمِ اللَّهِ عليهما تحريمًا، [١١٠/٤و] فغيرُ مُرَخِّصٍ لهما ما كان عليهما قبلَ
ذلك حرامًا . فإِذْ كان ذلك كذلك، فالواجبُ على قُطَّاعِ الطرقِ ، والبُغاةِ على
الأئمةِ العادلةِ ، الأوبةُ إلى طاعةِ اللَّهِ، والرجوعُ إلى ما ألزَمهم(٢) اللَّهُ الرجوعَ إليه،
والتوبةُ مِن معاصِى اللَّهِ ، لا قتلُ أنفسِهما بالمجاعةِ، فيزِدَادَانِ إلى إثمِهما إثمًا، وإلى
خِلافِهما أمرَ اللَّهِ خِلافًا .
وأما الذى وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه غيرُ باغ فى أكلِه شهوةً ، فأكَل ذلك شهوةً
لا لدفع الضرورةِ المُخْوفِ منها الهلاك ، مما قد دخل فيما حرّمه اللهُ عليه ، فهو بمعنى ما
قلنا فى تأويله، وإن كان للفظِهِ مُخالِفًا .
فأما توجيهُه تأويلَ قوله: ﴿ وَلَا عَادٍ ﴾: ولا آكلٍ منه شِبَعَه، ولكن ما يُسِكُ
به نفسه . فإن ذلك بعضُ معانى الاعتداءِ فى أكلِه ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ عزّ وجلّ من
معانی الاعتداءِ فی أكْلِه معنی فیقالَ : عنَی به بعضَ معانیه . فإذ كان ذلك كذلك ،
فالصَّوابُ من القولِ ما قلنا من أنه الاعتداءُ فى كلِّ معانيه المحرّمةِ .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ فَلَ إِثْمَ عَلَيَّةٍ﴾. يقولُ: مَن أكَّل ذلك على الصّفةِ التى
وصَفْنا ، فلا تَبِعةَ عليه فى أكلِه ذلك كذلك ولا حرجَ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ
٧٣
يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: إن اللَّهَ غفورٌ - إن أَطَعتم اللَّهَ فى
إسلامِكم ، فاجْتَبتم أكْلَ ما حرَّم عليكم ، وترَكْتم اتباعَ الشيطانِ فيما كنتم تحرّمونه
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وإن لم يؤدهما إلى محارم)).
(٢) فى م: ((ألزمهما)).

٦٤
سورة البقرة : الآيتان ١٧٣، ١٧٤
فى جاهليّكم؛ طاعةٌ منكم للشيطانِ واقتفاءً منكم خُطواتِهِ، مما لم(١) أُحرّمه
علیکم - لما سلف منکم فی کفرٍ كم، وقبلَ إسلامِكم فى ذلك، من خطاً وذنب
ومعصيةٍ، فَصافِحٌ عنكم، وتارك عقوبتكم عليه، ﴿رَّحِيدٌ﴾ بكم إن أُطَعَتمُوه.
/القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ
مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَنَا قَلِيلاً ﴾ .
٨٩/٢
[١١٠/٤ ظ] يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ
مِنَ الْكِتَبِ﴾ أحبارَ اليهودِ الذين كتَمُوا الناسَ أمرَ محمدٍ ونبؤَّتَه، وهم يجِدونَه
مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ ، برِشًا كانوا أعطوها على ذلك .
كما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ الآية كلها: هم أهلُ الكتابِ،
كَتَمُوا ما أنزل اللَّهُ عليهم وبيَّن لهم من الحقِّ والهدَى، من نعتٍ (٢) محمدٍ عَ﴾.
(٣)
وأمرِه (٣) .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
فى قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَنَّأَ
قَلِيلًا﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، كَتَموا ما أنزل اللَّهُ عليهم من الحقِّ والإِسلامِ وشأنٍ
(٤)
محمدٍ عامٍ (4).
حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ:
(١) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((بعث)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم تفسيره ٢٨٥/١ عقب الأثر (١٥٣٣) معلقًا.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥/١ عقب الأثر (١٥٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.

٦٥
سورة البقرة : الآية ١٧٤
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾: فهؤلاء اليهودُ، كتَموا اسمَ
محمدٍ عَائِ﴾ (١).
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ ، عن ابن جريجٍ، عن
عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾ والتى فى ((آل
عمرانَ)): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] : نزَلتا
لا
جميعًا فى يهودَ (٢) .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ﴾ فإنه يعنى : يبتاعون به . والهاءُ التى فى
﴿ بِهِ﴾ من ذِكرِ الكتمانِ. فمعناه: ويبتاعون(١) بكتمانِهم ما كتَمُوا الناسَ من أمرٍ
محمدٍ عَ الَه وأمرِ نبوَّتِه ثمنًا قليلًا . وذلك أنّ الذى كانوا يُعطَون على تحریفهم كتابَ
اللَّهِ ، وتأوُلِهِمُوه على غيرِ وجْهِه، وكتمانِهم الحقَّ فى ذلك، اليسيرُ من عرَضِ الدنيا .
كما حدثنا موسى، قال: ثنا عَمرّو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ:
﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ قال(٤): كتَموا اسمَ محمدٍ عَظِلّهِ، وأخَذوا عليه طمعًا
قليلاً ، فهو الثمنُ القليلُ(٥).
وقد بينتُ فيما مضَى معنى(١) اشترائِهم ذلك، بما أغنَى عن إعادتِه(١).
القولُ فى تأويلِ قولِه عزّ وجلّ: ﴿أُوْلَِّكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٥/١ عقب الأثر (١٥٣٣) من طريق عمرو به .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٨/١ إلى المصنف.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ابتاعوا)).
(٤) فى الأصل: ((قالوا)).
(٥) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٦٢ .
(٦) فى م: ((صفة)).
(٧) ينظر ما تقدم فى ٣٢٤/١ وما بعدها .
( تفسير الطبرى ٥/٣ )

٦٦
سورة البقرة : الآية ١٧٤
يُكَلِمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيرُ
(١٧٤
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُوْلَكَ﴾: هؤلاء الذين يكتُمون ما أَنزَل اللَّهُ من
٩٠/٢ الكتابِ فى شأنٍ محمدٍ عَ لَه، / بالخسيسِ من الرِّشوةِ يُعْطَوْنَها، فيحرِّفون لذلك
آيَاتِ اللَّهِ، ويُغيّرونَ معانِيَها، ﴿مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ بأكلِهم ما أكَلُوا من الرِّشَا
على ذلك والجَعالةِ(١)، وما أخَذُوا عليه من الأجرِ، ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ يعنى: إلا ما
يُورِدُهم النارَ ويُصْلِيهِمُوها. كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَبَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
معناه: ما يأكلون فى بطونِهم إلّا ما [١١١/٤ و] يُورِدُهم النارَ بأكْلِهم. فاستغنَى بذکرٍ
النارِ وفَهمِ السامعين معنَى الكلامِ، من(١) ذكرِ ما يُوردُهم أو يُدخِلُهم.
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيع :
﴿ أُوْلَتِكَ مَا يَأْكُونَ فِ بُطُونِهِمْ إِلَّ النَّارَ ﴾ يقولُ: ما أخَذُوا عليه من الأجرِ(٢).
فإن قال قائلٌ: وهل يكونُ الأَكْلُ فى غيرِ البطنِ فيُقالَ: ﴿مَا يَأْكُونَ فِ
بُطُونِهِمْ﴾؟
قيلَ له : قد تقولُ العربُ : جُعتُ فى غيرِ بطنِى، وشبِعتُ فى غير بطنِى .
فقيلَ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ لذلك، كما يقالُ : فعَل فلانٌ هذا نفسه . وقد بينًا ذلك فى
(١) الجعاله مثلثة الجيم: الرشوة فى الحكم. التاج (ج ع ل).
(٢) فى م: ((عن)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦/١ (١٥٣٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية .

٦٧
سورة البقرة : الآيتان ١٧٤ ، ١٧٥
غيرِ هذا الموضعِ فيما مضَى(١).
وأما قولُه: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْفِيَامَةِ﴾ يقولُ: ولا يكلِّمُهم بما
يُحِبُّون ويَشْتَهون ، فأمَّا بما يسوءُهم ويَكرَهون، فإنه سيكلِّمُهم؛ لأنّه قد أخبَر جلّ
ثناؤه أنه يقولُ لهم - إذا قالوا: ﴿ رَبَّنَآَ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾(١ - :
(٢)
أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨] الآيتين .
وأما قولُه: ﴿ وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ فإنه يعنى: ولا يطهِّرُهم من دَنسٍ ذُنوبِهم
وكفرِهم، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ﴾ يعني : موجٌ.
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَّرَوُاْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى
وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةَّ﴾.
يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾ : أولئك
الذين أخَذُوا الضّلالَة وترَكُوا الهدَى، وأخَذوا ما يوجِبُ لهم عذابَ اللَّهِ يومَ القيامةِ ،
وترَكوا ما يوجِبُ لهم غُفرانَه ورضوانَه. فاستغنَى بذكرِ العذابِ والمغفرةِ من ذكرٍ
السببِ الذى يُوجِبُهما ؛ لِفَهْم سامعِى ذلكَ لمعناه والمرادِ منه. وقد بينا نظائرَ ذلك فيما
مضَى، وكذلك بينًا وجْهَ اشتراءِ الضَّلاَةِ بالهُدَى، باختلافِ المختلِفِينَ، ( والأدلةَ
الشاهدةَ لما اختَرنا من القولِ فيما مضى قبلُ، فكرِهنا إعادته (٤).
القولُ فى تأويل قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَ النَّارِ
(١٧٥)
(١) ينظر ما تقدم فى ٢ / ١٦٨، ١٦٩، ٦٤١ - ٦٤٣.
(٢) بعده فى م: ((قال)).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((والدلالة الشاهدة بما)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٣٢٤/١ وما بعدها .

٦٨
سورة البقرة : الآية ١٧٥
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك : فما أجرأَهم
على العملِ الذى يقرِّبُهم [١١١/٤ ظ] إلى النارِ .
٩١/٢
/ ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً: ﴿فَمَآ
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ يقولُ: فما أجرأهم على العملِ الذى يقرُِّهم إلى النارِ !
حدثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: فما أجْرَأَهم عليها(١)!
حدثنى (٢) المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يُونُسَ(٢)، عن
الحسنِ فى قوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: واللهِ ما لهم عليها من صبرٍ ،
ولكن ما أجْرَأَهم على النارِ()!
حدثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا مِسعرٌ،
وحدثنی المثنی ، قال : ثنا ابنُدُ کین ، قال : ثنا مِسعرٌ ، عن حمادٍ ، عن مجاهدٍ ، أو
سعيد بن جبيرٍ، أو بعضٍ أصحابِهِ: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: ما أَجْرَأَهم (١)!
محُدثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٦.
(٢) بعده فى الأصل: ((محمد بن)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: ((بشر))، ومطموسة فى الأصل، والمثبت مما سيأتى فى ص ٣١٦.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ص ٤٠ (مخطوط ) إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٥ - ٥) فى م: ((أبو بكير))، وفى ت ١، ت٣: ((أبو بكر)).
(٦) أخرجه سفيان فى تفسيره ص ٥٥ عن عبد الملك بن أبى سليمان عن مجاهد، وذكره ابن أبى حاتم فى
تفسيره ٢٨٦/١ عقب الأثر (١٥٣٧) معلقًا عن سعيد.
.

٦٩
سورة البقرة : الآية ١٧٥
قولَه: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: ما أَجْرَأَهم وأصْبَرَهم على النارِ(١)!
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فما أعْملَهم بأعمالِ أهلِ النارِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: ما أعملَهم بالباطلِ(١) .
حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن
مجاهدٍ مثلَه .
واختلفوا فى تأويلِ ((ما)) الذى فى قوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ﴾. فقال بعضُهم:
هو بمعنى الاستفهام، وكأنه قال: فما الذى صَبَّرهم؟ أىُّ شىءٍ صبَّرهم؟ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ
عَلَ النَّارِ﴾: هذا على وجهِ الاستفهامِ، يقولُ: ما الذى أصْبَّرهم على النارِ(٢)؟
حدثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاج الأُعْورُ، قال : أخبرنا ابنُ مُریجٍ،
قال: قال لى عطاء: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: ما يُصبِّرُهم على النارِ
حينَ ترَكوا الحقَّ واتََّعوا الباطلَ(٣) ؟
حدثنا أبو كريبٍ، قال: سُئل أبو بكرٍ بِنُ عياشٍ عن قوله: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٦/١ عقب الأثر (١٥٣٧) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢١٩.
(٣) أخرجه البغوى فى تفسيره ١٨٥/١ من طريق عمرو بن حماد وابن جريج به .

٧٠
سورة البقرة : الآية ١٧٥
النَّارِ ﴾ قال: هذا استفهام، ولو كانت من الصَّبْرِ قال: فما أصْبَرُهم. رفعًا. قال:
يقالُ للرجلِ : ما أصبَرَكَ؟ ما الذى فعَل بكَ هذا؟
حدثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَمَآ
أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: هذا استفهام، يقولُ: ما هذا الذى صَبَّرهم على النارِ
حتى جَرَّأهم فعمِلوا بهذا؟
وقال آخرون : هو تعُّبٌ، بمعنى: فما أشدَّ جُزْأتَهم على النارِ لعَملِهم أعمالَ
أهل النارٍ !
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٩٢/٢
حدثنا سفيانُ بنُّ وكيع، [١١٢/٤و] قال: ثنا أبى، عن ابنِ عُيَينةَ، عن ابنٍ أبى
تَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: ما أعملَهم بأعمالِ أهلِ
النار(١)!
وهو قولُ الحسن البصرىِّ وقتادةً، وقد ذكرناه قبلُ .
فمَن قال: هو تعجّبٌ . وجَّه تأويلَ الكلام إلى: أولئك الذين اشتروا الضلالَةَ
بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما أشدَّ جُرْأَتَهم بفعلِهم ما فعَلُوا من ذلك، على ما
يوجِبُ لهم النارَ! كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُئِلَ الْإِنَنُ مَآ أَكَفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
تَعُّبًا من كفرِه بالذى خلقه وسوَى خلْقَه .
فأما الذين وجَّهوا تأويلَه إلى الاستفهامِ فمعناهم ٢٢ : هؤلاء الذين اشتروا
(١) أخرجه ابن عيينة - كما فى الدر المنثور ١٦٩/١ - ومن طريقه سعيد بن منصور فى سننه (٢٤٤ -
تفسير)، وأبو نعيم فى الحلية ٣/ ٢٩٠، وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) فى م: ((فمعناه)) .

٧١
سورة البقرة : الآيتان ١٧٥، ١٧٦
الضلالَةَ بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما الذى ) أصبرَهم على النارِ ؟ والنارُ لا صبرَ
عليها لأحدٍ ، حتى استبدَلُوها بمغفرةِ اللَّهِ فاعتاضُوها منها بدلًا .
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال : ما أجْرَأَهُم على النارِ ! بمعنى : ما
أجرأَهم على عذابِ النارِ ، وأعملَهم بأعمالٍ أهلِها! وذلك أنه مسموعٌ من العربِ :
ما أصبَرَ فلانًا على اللَّهِ! بمعنى: ما أجرَأَ فلانًا على اللَّهِ! وإنما يُعجِّبُ جلّ ثناؤه خَلْقَه
بإظهارِه الخبرَ عن القوم الذين يكتمون ما أنزل اللَّهُ تبارك وتعالى من أمرٍ محمدٍ عَ لَّه
ونبوَّتِه، باشترائِهم ١ - بكتمانِ ذلك - ثمنًا قليلًا، من الشُّحتِ والرِّشَا التى
أُعطُوها، على وجهِ التعجبِ من تقدُّمِهم على ذلك ، مع علمِهم بأن ذلك مُوجِبٌ
لهم سَخطَ اللَّهِ تبارك وتعالى وأليم عقابه .
وإنما معنى ذلك: فما أجرَأَهُم على عذابِ النارِ. ولكن اجْتُزِئَّ بذكرِ النارِ من
ذكرِ عذابِها، كما يقالُ: ما أشبهَ سخاءَك بحاتم . بمعنى : ما أشبهَ سخاءَك بسخاءٍ
حاتم، وما أشبهَ شَجاعتَكَ بعنترةَ .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِنَبَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ
الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَبِ لَبِ شِقَاقِ بَعِيدٍ
.
١٧٦
أما قولُه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ اُلْكِنَبَ بِالْحَقُِّّ﴾: فإنه اخْتُلِفَ فى المعنىِّ
بـ ﴿ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿ ذَلِكَ﴾: فعلُهم هذا الذى يفعَلون - مِن
جُرأتِهم على عذابِ النارِ فى مخالفتِهم أمرَ اللَّهِ، وكتمانِهم الناسَ ما أَنْزِلَ اللَّهُ فى
كتابه وأمرَهم ببيانِه لهم من أمرٍ محمدٍ عَ لّه، وأمرٍ دينهٍ - من أجلِ أَنَّ اللَّهَ نزَّل
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((واشترائهم)).

٧٢
سورة البقرة : الآية ١٧٦
الكتابَ بالحقِّ، وتنزيلُه الكتابَ بالحقِّ هو خبرُه عنهم فى قولِه لنبيِّه محمدٍ: ﴿ إِنَّ
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى
٦
الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ نُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَىَ أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيرٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧]
فهم - مع ما قد أخبرَ اللَّهُ عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراء
الضلالةِ بالهدَى [١١٢/٤ظ] والعذابِ بالمغفرةِ.
وقال آخرون: معنى ﴿ ذَلِكَ﴾: معلومٌ لهم بأن اللَّهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ؛ لأنَّا قد
أُخْبِرْنا فى الكتابِ أن ذلك لهم ، والكتابُ حقٌّ .
كأن قائِلِى هذا القولِ كان تأويلُ الآيةِ عندَهم: ذلك العذابُ - الذى قال اللَّهُ
عزَّ وجلَّ: فما أَصْبِرَهم عليه - معلومٌ أنه لهم؛ لأن اللََّ تبارك وتعالى قد أَخْبَر فى
مواضعَ من تنزيلِهِ أن النارَ للكافرين ، وتنزيلُه حقٌّ ، فالخبرُ عن ذلك عندهم مُضمرٌ.
وقال آخرون: معنى ﴿ ذَلِكَ﴾ أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه وصَف أهلَ النارِ، فقال:
٩٣/٢ ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾. ثم قال: هذا / العذابُ بكفرهم. و(( هذا)) هلهنا
عندَهم هى التى يجوزُ مكانَها ((ذلك))، كأَنَّه قال: فعَلْنا ذلك بأن اللّهَ نزَّل الكتابَ
بالحقِّ فكفَروا به. قالوا (١): فيكونُ ﴿ ذَلِكَ﴾ - إذا كان ذلك معناه - نصبًا ، ويكونُ
(٢)
رفعًا بالباءِ(١) .
وأولى الأقوالِ بتأويل الآيةِ عندِى أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه أشارَ بقوله: ﴿ ذَلِكَ﴾ إِلى
جميعِ ما حواه قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ﴾. إلى
قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ﴾ من خبرِهِ عن أفعالِ أحبارِ اليهودِ
(١) فى م: ((قال)).
(٢) أى: بالجار والمجرور وهما الخبر، ورفع ((ذلك)) بالابتداء.
٠٠

٧٣
سورة البقرة : الآية ١٧٦
وذْرِه ما أعَدَّ لهم جلَّ وعزَّ منَ العقابِ عليه(١) على ذلك، فقال: هذا الذى فعَلَتْه
هؤلاءِ الأحبارُ من اليهودِ بكتمانِهِمُ الناسَ ما كتَمُوا من أمرِ محمدٍ ونبوَِّه ، مع علمهم
به، طلبًا منهم لعرَضٍ من الدنيا خَسيسٍ، وبخلافهم أمرِى وطاعتى، وذلك من
تركى تطهيرَهم وتزكيتَهم وتكليمَهم، وإعدادِى لهمُ العذابَ الأليمَ بأنِّى أنزلتُ
كتابى بالحقِّ فكفروا به واختلفوا فيه .
فيكونُ فى ﴿ ذَلِكَ﴾ حينئذٍ وجهان من الإعرابِ: رفعٌ، ونصبٌ، فالرفعُ
بالباءِ ، والنصبُ بمعنى: فعَلتُ ذلك بأنّى أَنزَلتُ كتابى بالحقِّ، فاخْتَلِفُوا فيه وكفَروا
به . وترَك ذكْرَ: فكفَروا به، واخْتَلفوا. اجتزاءً بدلالةِ ما ذكر من الكلامِ عليه .
وأمّا قولُه: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَابِ لَفِ شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يعنى بذلك
اليهودَ والنصارَى، اخْتَلفوا فى كتابِ اللّهِ ، فكفَرتِ اليهودُ بما قصَّ اللَّهُ تبارك وتعالى
فيه من قَصصٍ عيسى ابن مريمَ وأَمِّه، وصدَّقتِ النصارَى ببعضٍ ذلك وكفَروا
ببعضِه، وكفَروا جميعًا بما أَنْزَل اللَّهُ فيه من الأمرِ بتصديقٍ محمدٍ عَلَه، فقال جلّ
ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: إنّ هؤلاء الذين اخْتَلفوا فيما أنزلتُ عليك(٢) يا محمدُ لِفِى
مُنازعةٍ ومُفارقةٍ للحقِّ ، بعيدةٍ من الرُّشدِ والصوابِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ فَإِنْ
ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِن نَوَلَّوْاْ فَإَِّا هُمْ فِىِ شِقَاقٍ ﴾ [ البقرة: ١٣٧].
کما حدّثنی موسی بنُ هارون ، قال: حدثنا عمرو بنُ حمادٍ ، قال حدثنا
أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَبِ لَبِ شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ:
هم اليهودُ والنصارَى، يقولُ: هم فى عداوةٍ بعيدةٍ(١) .
(١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((إليك)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٨٦/١، ٢٨٧ (١٥٣٨) من طريق عمرو به .

٧٤
سورة البقرة : الآيتان ١٧٦، ١٧٧
وقد بيَّنتُ معنى ((الشِّقاقِ)) فيما مضَى (١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ(٢) أَن تُولُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ وَالْمَلْبِكَةِ وَالْكِنَبِ وَالنَِّنَ﴾
٩٤/٢
/ اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ليس البرَّ
الصلاةُ وحدَها ، ولكنَّ البرّ الخصالُ [١١٣/٤ و] التى أُبَيِّنُها لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى ، قال : حدثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ ﴾. يعنى الصلاةَ، يقولُ: ليسَ البِرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا، فهذا منذُ تحوَّلَ
من مكةَ إلى المدينةِ، ونَزلتِ الفرائضُ، وحُدَّ الحدودُ، فأمرَ اللّهُ بالفرائِضِ،
(٣)
وعُمِلُ(١) بها(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمٍو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اُلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾:
ولكنَّ البرّ ما ثَبَت فى القلوبِ من طاعةِ اللَّهِ(٥) .
(١) ينظر ما تقدم فى ٢/ ٦٠١، ٦٠٢.
(٢) ضبطها فى الأصل بالرفع، وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو والكسائى وابن عامر، وأبى بكر عن
عاصم، وقرأ حمزة وحفص بالنصب . السبعة لابن مجاهد ص ١٧٥.
(٣) فى م: ((العمل)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧/١ (١٥٤٠) عن محمد بن سعد به .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧/١ (١٥٤٢) من طريق ابن أبى نجيح به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٧٠/١ إلى عبد بن حميد .

٧٥
سورة البقرة : الآية ١٧٧
حدثنى المُثُنَّى(١)، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال : حدثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجِيحِ،
عن مجاهدٍ مثله .
حدثنى القاسمُ ، قال : حدثنا الحسينُ، قال : حدثنى حجَّاجْ، عن ابنٍ تجريجٍ،
عن ابنِ عباسٍ، قال: هذه الآيةُ نزَلت بالمدينةِ: ﴿ لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ
اُلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. يعنى الصلاةَ، يقولُ: ليس البرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا غيرَ
ذلك. قال ابنُ جريج: وقال مجاهدٌ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوُلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ﴾: يعنى السجودَ. ولكنَّ البرَّ ما ثبت فى القلبِ من طاعةِ اللّهِ(٢).
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو تُمْلةً، عن عُبيدِ بنِ
سليمانَ ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحم أنه قال فيها ، قال : يقولُ: ليس البرّ أن تصلُّوا ولا
تعمَلُوا غيرَ ذلك، وهذا حينَ تحوَّل من مكةَ إلى المدينةِ ، فَأَنْزَلَ اللّهُ الفرائضَ وحدَّ
الحدودَ بالمدينةِ ، وأمرَ بالفرائضِ أنْ يُؤخذَ بها(١) .
وقال آخرون: عنَى اللَّهُ بذلك اليهود والنصارَى، وذلك أن اليهودَ تُصلِّى
فتتوجَّهُ قِبلَ المغرِبِ ، والنصارَى تصلِّى فتتوجّهُ قِبلَ المشرقِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فيهم هذه الآيةَ
يُخْبِرُهم فيها أن البرَّ غيرُ العملِ الذى يعمَلُونه، ولكنَّه ما بيَّهُ(٤) فى هذه الآيةِ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ، قال : كانتِ اليهودُ تصلِّ قِبلَ المغربِ، والنصارَى تصلِّى قِبلَ المشرقِ ،
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((القاسم)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/١ إلى المصنف عن ابن عباس، نحوه، دون ذكر مجاهد.
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧/١ عقب الأثر (١٥٤٠) معلقًا .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بيناه)) .

٧٦
سورة البقرة : الآية ١٧٧
فنزلت: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾(١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: حدثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾: ذُكرَ لنا أنّ رجلاً سأل نبىَّ اللَّهِ بِمِ عن البرّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
هذه الآيةَ. وذُكرَ لنا أن نبيَّ اللَّهِ مَِّ دعا الرجلَ فتَلاها عليه، وقد كان الرجلُ قبلَ
الفرائضِ إذا شهِدَ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، ثم مات على ذلك
٩٥/٢ يُرجَى له ويُطمعُ له فى خيرٍ. فَأَنْزِلَ اللَّهُ: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ / قِبَلَ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبٍ ﴾. وكانتِ اليهودُ تَوجَّهتْ قِبلَ المغربِ، والنصارَى قِبلَ المشرقِ، ﴿ وَلَكِنَّ
اَلْبِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ الآية(٢).
حدَّثنى المنُنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيعِ بنِ أنسٍ ، قال : كانتِ اليهودُ تصلِّى قِبلَ المغربِ، والنصارَى قِبلَ المشرقِ،
(٣
فَنزَلت: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}
وأولى هذين القولَين بتأويلِ الآيةِ القولُ الذى قاله قتادةٌ والربيعُ بنُّ أنس أن يكونَ
عَنَى بقولِه: ﴿لَيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ . اليهودَ
والنصارى ؛ لأن الآياتِ قبلَها مَضَتْ بتوبيخِهم ولؤْمِهم، والخبرِ عنهم وعمَّا أَعِدَّ لهم
من ألیم العذاب ، وهذه فی سیاقٍ ما قبلها - فتاویلُها (*) إذ كان الأمر كذلك - ليس
البرّ أيُّها اليهودُ والنصارَى أَن يُولِّىَ بعضُكم وجهَه قِبِلَ المشرقِ، وبعضُكم قِبلَ
(١) تفسير عبد الرزاق ٦٦/١.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٩/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٧/١ عقب الأثر (١٥٤١) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤) سقط من: م .

٧٧
سورة البقرة : الآية ١٧٧
المغربِ، ﴿ وَلَكِنَّ الْبِّ﴾ُ بِرُّ ﴿مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَبِكَةِ وَأَلْكِنَبِ﴾
الآية .
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ﴾. [١١٣/٤ ظ] وقد
علِمتَ أن ((البر)) فعلٌ(١)، و((مَنْ)) اسمٌ، فكيفَ يكونُ الفعلُ هو الإنسانُ ؟
قيل: إن معنى ذلك على غيرِ ما توهُّمْتَه، وإنما معناه: ولكنَّ البرّ " بؤمَن٢ آمَن باللَّهِ
واليومِ الآخرِ. فوضَع ((مَن)) موضعَ الفعلِ اكتفاءً بدَلالِته ودلالَةِ صِلَتِهِ التى هى له صِفةٌ ،
مِن الفعلِ المحذوفِ ، كما تفعلُه العربُ ، فتضعُ الأسماء مواضعَ أفعالها التى هى بها
مشهورَةٌ فتقولُ: الجودُ حاتمٌ ، والشجاعةُ عنترةُ(١) . ومعناها: الجودُ جودُ حاتم،
والشجاعةُ شجاعةُ عنترةَ . فتستغنى بذكرٍ حاتم - إذْ كان معروفًا بالجودِ - مِن إعادةِ
ذكرِ الجودِ بعدَ الذى قد ذكرتَه فتضعُه موضعَ جوده ، لدلالةِ الكلام على ما حذَفتَه ؛
استغناءً بما ذكَرتَه عما لم تذكُّره، كما قيل: ﴿ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا﴾
[ يوسف: ٨٢] والمعنى: أهلَ القريةِ. وكما قال الشاعرُ، وهو ذو الخِرَقِ الطُّهَوِىُّ(٣):
حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِى عَناقًا وَمَا هِىَ وَيْبَ غَيْرِكُ بالعَناقِ
يريدُ : بُغامَ عَناقٍ أو صوتَ . كما تقولُ : حَسبتَ صياحِى أخاكَ . يعنى به :
حَسبتَ صياحِی صياح أخيك .
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى الكلام: ولكنَّ البارَّ مَن آمَن باللّهِ. فيكونُ ((البرّ))
مصدرًا وُضِع موضعَ الاسمِ.
(١) يريد بالفعل هنا المصدر. مصطلحات النحو الكوفى ص ٥٣.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( کمن)).
(٣) تقدم فى ٢٦٥/٢.

٧٨
سورة البقرة : الآية ١٧٧
القولُ فى تأويلِ قولِهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ
وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِلِينَ وَفِىِ الْرِقَابِ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَءَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾: وأعطَى مالَه فى حينٍ
محبته إيّاه وضَنِّه به وشُحِّه عليه .
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: حدثنا ابنُ إدريسَ، قال : سمِعتُ
ليثًا، عن زُبيدٍ، عن مُؤَّةَ بنِ شراحيلَ التَكِيلىِّ، عن عَبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: ﴿ وَءَاتَى
اَلْمَالَ عَلَى حُبِّهٍ،﴾: أن(١) يُؤْتِيَه وهو صحيحٌ شحيحٌ يأمُّلُ العيشَ ويخشَى الفقرَ.
/ حدثنا محمدُ بنُّ بشارٍ ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، وحدثنا الحسنُ بنُ یحیی،
قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قالَا جميعًا عن سفيانَ، عن زُبيدِ اليامىِّ، عن مُمَّةً، عن
عبدِ اللّهِ: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،﴾. قال: وأنتَ شحيحُ(١) تأمُلُ العيشَ وتخشَى
(٣)
الفقر (٢)
٩٦/٢
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((أى)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((صحيح).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٦٦/١، ومصنفه (١٦٣٢٤)، ومن طريقه الطبرانى فى الكبير (٨٥٠٣). وأخرجه
سعيد بن منصور فى سننه (٢٤٥ - تفسير) عن مصعب بن ماهان، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨/١
(١٥٤٦) من طريق وكيع، كلاهما عن سفيان - زاد وكيع: والأعمش - به. وأخرجه الحاكم ٢٧٢/٢ من
طريق أبى حذيفة ، عن سفيان ، عن منصور، عن زييد به . وصححه على شرط الشيخين . وذكره ابن كثير فى
تفسیره ٢٩٧/١ عن الحاکم مرفوعًا ، وقال : وقد رواه و کیع، عن الأعمش وسفيان ، عن زبید ، عن مرة ، عن
ابن مسعود، موقوفًا ، وهو أصح. وقال ابن صاعد فى زوائده على زهد ابن المبارك (٢٤): رفع بعض هذا
الحديث مخلد بن يزيد، عن سفيان ، عن زيد. وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٣٨/٧ من طريق مسعر، عن
زبيد به. وعزاه السيوطى أيضا فى الدر المنثور ١٧٠/١ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد والفريابى وابن
مردويه .
ومعناه ثابت مرفوعًا من حديث أبى هريرة، أخرجه البخارى (١٤١٩)، ومسلم (١٠٣٢)، وغيرهما .

٧٩
سورة البقرة : الآية ١٧٧
حدَّثنا محمدُ بنُ المُنَّی ، قال حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ ، عن
زُبيدٍ الياميّ، عن مرةً عن عبدِ اللهِ أنه قال فى هذه الآية: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى
◌ُِّّهِ،﴾. قال: وأنتَ حريصٌ صحيحٌ(٢) تأمُلُ العيشَ(٣) وتخشَى الفقرَ().
حدثنى أحمدُ بنُ نُعمةَ المصرىُّ(٥) ، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنى
الليثُ ، قال حدثنا إبراهيمُ بنُ أعينَ ، عن شعبةً بنِ الحجاج، عن زُبیدِ الیامیِّ ، عن
مُرّةَ الهمْدَانيّ، قال: قال عبدُ اللّهِ بنُ مسعودٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ،
ذَوِى الْقُرْبَ﴾. قال: حريصًا شحيحًا يأمُلُ العيشَ() ويخشَى الفقرَ.
حدثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا
إسماعيلُ بنُ سالم، عن الشَّعبىِّ سمِعتُه سُئِل : هل على الرجلِ حقٌّ فى مالِه سوَى
الزكاةِ ؟ قال: نَعمْ. وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى خُّبِّهِ، ذَوِى الْقُرْبَ وَاَلْيَمَى
وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآيِينَ وَفِي الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَى الزَّكَوَةَ﴾(١).
حدثنا أبو كُريبٍ ، قال حدثنا سويدُ بنُ عَمرِو الكلبىُ ، قال : حدثنا حمادُ بنُ
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( شحيح)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الغنى)).
(٤) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (٢٤)، وأخرجه البيهقى ٤/ ١٩٠، وفى الشعب (٣٤٧٢) من طريق وهب
ابن جرير ویزید بن هارون - ثلاثتهم - عن شعبة به .
وأخرجه الحاكم ٢٧٢/٢ - مقرونا بطريق أبى حذيفة عن سفيان ، كما سبق - من طريق أبى النضر عن
شعبة ، عن منصور ، عن زبيد به .
(٥) فى الأصل: ((البصرى)). وشيخ ابن جرير هذا لم أجد له ترجمة، وإنما رجحنا أنه مصرى لأن شيخه أبا
صالح هو عبد الله بن صالح المصرى . والله أعلم .
(٦) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (٩٣٠) عن هشيم به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٧٢/١ إلى عبد بن
حميد. وأخرجه ابن أبى شيبة ١٩١/٣ من طريق بيان عن الشعبى قال: فى المال حق سوى الزكاة .

٨٠
سورة البقرة : الآية ١٧٧
سلمةَ ، قال: أخبرنا أبو حمزةَ ، قال: قلتُ للشعبىِّ: إذا زكَّى الرجلُ مالَه أيطيبُ له
مالُه؟ فقرأ هذه الآيةَ: ﴿ لَيْسَ البِرَّ أَن تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾ . إلى:
﴿ وَءَانَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ . إلى آخرِها . ثم قال : حدثتنى فاطمةُ بنتُ قيس أنها قالت : يا
رسولَ اللَّهِ، إن لى سبعين مِثقالًا من ذهبٍ، فقال: ((اجْعَلِيها فى قرايِتِك))(١).
حدَّثنا الربيعُ، قال: حدثنا أسدُ بنُ [١١٤/٤و] موسى، قال: حدثنا شَريكُ(٢) بنُ
عبدِ اللهِ، عن أبى حمزةَ، عن عامٍ، عن فاطمةً بنتٍ قيسٍ، عن النبيِّ ◌َّهِ أنه قال:
(( فى المالِ حَقٌّ سوَى الزَّكاةِ)). وتلا هذه الآيةَ: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾. إلى
.(٣)
آخرِ الآيةِ (٢).
حذَّٹنا أبو گُریب ، قال : حدثنا يحيى بنُ آدم، عن شريك ، قال : حدثنا أبو
حمزةَ - فيما أعلمُ - عن عامٍ، عن فاطمةً بنتِ قيسٍ أنها سمِعَتْه يقولُ: ((إنَّ فى
المالِ لحقًّا سوَى الزكاةِ )) (٤) .
(١) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (٩٢٩)، وابن زنجويه فى الأموال (١٣٦٨) من طريق حماد به دون قوله:
وحدثتنى فاطمة .... وذكر السيوطى فى الدر المنثور ١٧١/١ المرفوع وعزاه إلى ابن المنذر. وأخرجه
الدار قطنى ١٠٧/٢ من طريق أبى بكر الهذلى، عن شعيب بن الحبحاب، عن الشعبى ، عن فاطمة ، نحوه .
وينظر نصب الراية ٣٧٣/٢.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سويد)).
(٣) أخرجه الدارمى ١/ ٣٨٥، والترمذى (٦٥٩، ٦٦٠)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٨٨/١ (١٥٤٨)،
والدارقطنى ٢/ ١٢٥، وابن مردويه - كما فى تفسير ابن كثير ٢٩٨/١ - وابن عدى ٤ /١٣٢٨، والبيهقى
٨٤/٤ من طرق عن شريك به ، مطولاً ومختصرًا. وقال الترمذى: هذا حديث إسناده ليس بذاك ، وأبو حمزة
ميمون الأعور يضعف ، وروى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبى هذا الحديث قوله، وهذا أصح.
(٤) أخرجه ابن ماجه (١٧٨٩) عن على بن محمد عن يحيى بن آدم به، بلفظ: (( ليس فى المال حق سوى
الزكاة)). وذكره الحافظ فى التلخيص ٢/ ١٤٩، ١٦٠، والسيوطى فى الجامع عن ابن ماجه بلفظه هذا.
والذى فى التحفة ٤٦٥/١٢، وجامع المسانيد ٣١/١٦ عن الترمذى وابن ماجه باللفظ الأول. وقال البيهقى
٤ / ٨٤: والذى يرويه أصحابنا فى التعاليق: ليس فى المال حق سوى الزكاة، فلست أحفظ فيه إسنادًا .