النص المفهرس

صفحات 721-740

٧٢١
سورة البقرة : الآية ١٥٨
يُجْزِئُ تاركَ الطوافِ ، الذى هو طوّافُ الإفاضةِ إِلا قَضَاؤُه بعَيْنِهِ ، وقالوا: هما طوافانٍ أَمَر
اللَّهُ بهما؛ أحدُهما بالبيتٍ، والآخرُ بينَ الصفا والمروةِ، (١ محُكْمُهما واحدٌ ١).
ورأَى بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بهما يُجزئُه مِن تَرْكِه فِديةٌ ، ورأَوْا أنَّ حُكمَ
الطوافٍ بهما حُكْمُ رَمْي بعضِ الجمَراتِ ، والوقوفِ بالْمَشْعَرِ ، وطوافِ الصَّدَرِ ، وما
أشبه ذلك مما يُجزِئُ تارِكَه مِن تَرْكِه فديةٌ ، ولا يَلْزَمُه العوْدُ لقضَائِه بعينِه .
ورأى آخرون أنَّ الطوافَ بهما تطوٌُّ؛ إنْ فعَله فاعلٌ (٢) كان مُحْسنًا، وإن ترَكه
تارٌ لم يلْزَمْه بتركِه شىءٌ. واللَّهُ تعالى أعلمُ .
ذِكرُ مَن قال: إنّ الطوافَ(٣) بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ ولا يُجزِئُ منه فديةٌ ،
ومَن ترَكهُ فعليه "العَوْدُ له)
حدثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا وكيع، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً،
قالتْ: لعَمرِى [٨٨/٤ و] ما حَجَّ مَن لمْ يسْعَ بينَ الصَّفَا والمروةِ ؛ لأَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى
يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللَّهِ﴾﴾ (٥).
حدثنى يونسُ بنُ عبدِ الأُعلى، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال مالكُ بنُ
أنسٍٍ : مَن نَسِىَ السعىَ بينَ الصفا والمروةِ ، حتى يَسْتَبْعِدَ مِن مكّةً فَلْيَرْجِعْ فَلْيَسْعَ ، وإن
كان قد أصابَ النساءَ فعليه العُمْرةُ والهَدْىُ(٦).
(١ - ١) سقط من : م .
(٢) فى م: (( صاحبه)).
(٣) فى م: ((السعى)).
(٤ - ٤) فى م: ((العودة)).
(٥) أخرجه مسلم (٢٥٩/١٢٧٧، ٢٦٠)، وابن ماجه (٢٩٨٦) من طريق هشام بن عروة به . وسيأتى من
طريق مالك عن هشام فى ص ٧٢٦ . وسبق من طرق عن الزهرى فى ص ٧١٨، ٧١٩.
(٦) الموطأ ٣٧٤/١ (١٣٠).
( تفسير الطبرى ٤٦/٢ )

٧٢٢
سورة البقرة : الآية ١٥٨
وكان الشافعىُّ يقولُ: على مَن تَرَك الطوافَ (١) بين الصفا والمروةِ حتى يرجعَ إلى
بلدِهِ، العؤْدُ إلى مكةَ حتى يطوفَ بينَهما، لا يُجزُه غيرُ ذلك، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ(".
ذِكرُ مَن قال : يُجزئُ منه دمٌ وليس عليه عَوْدٌ لقضائِه
قال الثورىُّ فيما حدَّثنى به علىُّ بنُ سهلٍ، عن زيدِ بنِ أبى الزرقاءِ عنه(٤) ، وأبو
حنيفةً، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ : إِن عاد تاركُ الطوافِ بينَهما لقضائِه فحسنٌ، وإن
لم يعُدْ فعليه دَمٌ(٥).
ذِكرُ مَن قال: الطوافُ بينَهما تطوُّعٌ ولا شىءَ على مَن تركه،.
ومَن كان يقرأُ : (فلا بجناعَ عليه أن لا يطَّوَّف بهما )
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا ابنُ نجريج، قال : قال
عطاءٌ: لو أن حاجًا أفاض بعدَ رَمْى الجَمْرةِ ؛ جمرة العقبةِ فطاف بالبيتِ ولمْ يَسْعَ،
فأصابَها ، يعنى امرأتَه ، لم يكن عليه شىءٌ ؛ لا حتّ ولا عمرةٌ، من أجلِ قولِ اللَّهِ فى
مصحفِ ابنِ مسعودٍ : (فمَنْ حَجَّ البيتَ أوِ اعتَمَرَ" فلا جناحَ عليه أن لا يَطَّوَّف
بهما). فعاودْتُه بعدَ ذلك، فقلتُ له (٢): إنه قد ترَك سُنةَ النبيِّ ◌َلِّ! قال: أَلا تَسْمَعُه
يقولُ: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]؟ فأَتَى أَن يَجْعَلَ عليه شيئًا (٨).
(١) فى ص، م، ت١، ت٢، ت٣: ((السعى)).
(٢) فى ت٢: ((حين)).
(٣) الأم ٢١٠/٢ .
(٤) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٠٢/١٢ (١٧٣٥١).
(٥) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٠٢/١٢ (١٧٣٥٢).
(٦ - ٦) سقط من: الأصل. والقراءة فى مصحف ابن مسعود وأبى بن كعب، وهى أيضًا قراءة أنس وابن
عباس وابن سيرين وشهر بن حوشب وهى قراءة شاذة . ينظر البحر المحيط ٤٥٦/١.
(٧) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣ .
(٨) ذكره ابن عبد البر فى الاستذكار ٢٠٦/١٢ (١٧٣٧٣) عن عطاء، وروى ابن حزم القراءة فى المحلى ١١١/٧=
:

٧٢٣
سورة البقرة : الآية ١٥٨
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ ، عن
عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرأُ : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللّهِ فَمَنْ حَتَّ
الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا)(١).
حدثنى علىَّ بنُ سهلٍ، قال : ثنا مؤملٌ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن عاصم ، قال :
سمِعتُ أنسًا يقولُ: الطوافُ بهما (٢) تطوُّعٌ(٣).
حدثنى المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرنا عاصم
الأحولُ ، قال : قال أنسُ بنُ مالكٍ: هما تطوُّعٌ(٣).
/حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابنٍ أبى ٥٠/٢
نجیح ، عن مجاهدٍ نحوه .
حدثنى المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفةً، قال : ثنا شبلٌ ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن سَعَابِرِ اللَّهِ [٨٨/٤ظ] فَمَنْ حَجَ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: فلم يُحرِّجْ من لمْ يَطفْ بهما(٤).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ(٥)، عن قيسٍ(٦)، عن عطاءٍ، أن
عبدَ اللَّهِ بنَ الزبيرِ قال : هما تطوُّعٌ .
= من طريق عبد بن حميد عن الضحاك عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن مسعود .
(١) أخرجه أبو عبيد فى الفضائل ص ١٦٣، وابن أبى داود فى المصاحف ص ٧٣ من طريق هشيم به .
وأخرجه أبو عبيد ص ١٦٣، والبيهقى فى المعرفة (٢٩٨٤) من طريق عبد الملك به . وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ١٦٠/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: (( بينهما)).
(٣) تقدم طرف منه فى ص ٧١٤ - ٧١٧ . وينظر تفسير الثورى ص ٥٣ .
(٤) تقدم أوله فى ص ٧١٠ .
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((أحمد)).
(٦) فى م، ت١، ت٢، ت٣: (( عيسى بن قيس)).

٧٢٤
سورة البقرة : الآية ١٥٨
حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن عاصم، قال : قلتُ لأنسٍ بنِ مالكٍ :
السعىُ بينَ الصفا والمروةِ تطوٌُّ؟ فقال: تطوُّعٌ(١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن الطوافَ بهما فرضٌ واجبٌ ، وأن على
مَن تَرَكه العَوْدَ لقضائِه، ناسيًا كان ترَكهَ(١) أو عامدًا، لا يُجزِئُهُ غيرُ ذلك، لتظاهُرِ
الأخبارِ عن النبيِّ ◌َِّ أنه حَّ بالناسِ فكان مما علَّمهم من مناسكِ حجّهم الطوافُ بهما .
ذِكرُ الرواية عنه بذلك
حدثنى يوسُفُ بنُ سلمانَ البصرىُّ(٣) ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا
جعفرُ بنُّ محمدٍ ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: لما دنا رسولُ اللَّهِ نَّمِ من الصفَا فى
حجَّتِه(٤)، قال: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَِّرِ اللّهِ﴾، ابدَهُوا بِمَا بَدأَ اللَّهُ به(٥)).
فبدأً بالصفًا فرقِى عليه (١) .
حدثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا محمودُ بنُ میمونٍ أبو الحسن، عن أبی بکرِ بنِ
عياشٍ، عن ابن عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن النبىَّ عَ ◌ٍّ قال: ((﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ ﴾)). فأتَى الصفَا فبَدأَ بها، فقام عليها، ثم أتى المروةَ فقام
عليها وطاف سَبْعًاً).
(١) تقدم طرف منه فى ص ٧١٦ .
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) زيادة من الأصل .
(٤) فى م: ((حجة)).
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بذكره)).
(٦) أخرجه عبد بن حميد (١١٣٣)، ومسلم (١٤٧/١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤)
من طريق حاتم بن إسماعيل به . وهذا الحديث جزء من حديث جابر، الطويل المشهور. وينظر مسند الطيالسى
(١٧٧٣) .
(٧) فى م: ((وسعى)).

٧٢٥
سورة البقرة : الآية ١٥٨
فإذا كان صحيحًا بإجماع الجميع مِن الأمَّةِ أن الطوافَ بهما ( مما علَّم) النبيُّ
أَمَّتَه فى مناسكِهم، وعَمِلَه فى حجِّه وعُمرتِه، وكان بيانُه لأَمَّتِهِ جُمَلَ ما نصَّ اللَّهُ فى
كتابِهِ، وفرَضه فى تَنْزِيلِه، وأَمَر به مما لا(١) يُدْرَكُ عِلْمُه إلّ ◌ِبَيانِه عليه السلامُ، لازمًا
العملُ به أمّتَه، لما قد بَيَّنَّا فى كتابِنا ((كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ)) إذا اخْتَلَفَت
الأَمَةُ فى وُجُوبِهِ، ثم كان مُخْتَلَفًا فى الطوافِ بينَهما: هل هو واجِبٌ أم غيرُ
واجبٍ - كان بيِّنَا وُجوبُ فَرْضِه على مَن حجَّ أو اعْتَمَر لما وصَفْنا .
وكذلك وجوبُ العؤْدِ لقضاءِ الطوافِ بينَ الصفا والمروةِ ، لَمَّا كان مُخْتَلَفًا
فيها(١) على مَن ترَكه، مع إجماع جَميعِهم، على أنَّ ذلك مما فعَله رسولُ اللَّهِ يِ ،
وعلَّمه أُمتَه فى حجّهم(٤) ، إذْ علَّمَهُم مَناسِكَ حجِّهم، كما طافَ بالبيتِ ، وعلَّمه
أمتَه فى حجّهم وعُمرتِهم ، إذْ علَّمهم مناسكَ حجّهم وعمرتهم . ثم أجمَع الجميعُ
على أن الطوافَ بالبيتِ لا تُجْزِئُ منه فِديةٌ ولا بَدَلٌ، ولا يُجْزِئُ تاركَه إلا العودُ
القضائِهِ، كان نظيرًا له الطوافُ بالصفا والمروةِ ، لا تُجْزِئُ منه فديةٌ ولا جزاءٌ، ولا
يُجِزِئُّ تاركَه إلا العوْدُّ لقضائِه؛ إِذْ كانا كلاهُما طَوافين ؛ أحدُهما بالبيتِ ، والآخرُ
بالصفا والمروةِ، ومَن فرّق بينَ حُكْميهما(٥) عُكِس عليه القولُ فيه ، ثم سُئلَ البرهانَ
على التفرقةِ بينَهما .
فإنِ / اغْتَلُّ بقراءةٍ مَن قرأ: ( فلا جُنَاحَ عليه أن لا يطّوَّفَ بهما). قيل: ذلك ٥١/٢
قراءةُ خلافٍ ما فى مصاحفِ المسلمينَ، غيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يزيدَ فی مصاحفِهم
(١ - ١) فى م، ت١، ت٢: ((على تعليم)). وفى ت٣: ((على عمل)).
(٢) فى م: (( لم)).
(٣) فى م: ((فيما)).
(٤) بعده فى م: ((وعمرتهم)).
(٥) فى م: ((حكمهما)).
(٦) سقط من : م .

٧٢٦
سورة البقرة : الآية ١٥٨
[٨٩/٤و] ما ليس فيها، وسواءٌ قرَأَ ذلك كذلك قارئٌ، أو قرَأ قارئٌ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ
تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، (فلا جُناعَ
(٣)
عليهم (١) أن لا يطَّوَّفوا به) فإنْ جازتْ(٢) إحدَى الزيادتينْ اللَّتين ليستَا فى المصاحِفِ"
كانت الأُخْرَى نظيرتَها ، وإلّا كان مُجيزُ إحداهُما إذا منَع الأخرى مُتَحَكِّمًا ، والتَّحَكِّمُ
فلا يَعْجِزُ عنه أحدٌ ، وقد رُوِىَ إنكارُ هذه القراءةِ وأن يكونَ التنزيلُ بها، عن عائشةً .
حدثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال : أخبرنى مالكُ بنُ أنس، عن
هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: قلت لعائشةَ زوج النبيِّ عَظِلّهِ وأنا يومئذٍ حديثُ
السّنّ: أرأيتِ قولَ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللّهِ فَمَنْ حَتَّ
الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. فما نرَى على أحدٍ شيئًا أن
لا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كلًّا لو كانتْ كما تقولُ كانتْ: فلا جُناحَ عليه أن
لا يطوَّفَ بهما. إنما أُنزلتْ هذه الآيةُ فى الأنصارِ؛ كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانتْ مَناةٌ
حَذْوَ قُدَيْدٍ ، وكانوا يَتحرَّجون أن يَطُوفُوا بينَ الصفا والمروَةِ؛ فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا
رسولَ اللّهِ مَِّمِ عن ذلك، فأنزل اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَتَّ
الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطّوَّفَ بِهِمَا﴾(٤).
وقد يَحتمِلُ قراءةُ مَن قرأ : (فلا جناحَ عليه أن لا يطََّّف) (أن يكونَ معناها: فلا
جناحَ عليه أن يطََّّف ﴿بهما﴾°) - أن تكونَ ((لا)) التى هى مع ((أن)) صِلَةً فى الكلام() ،
(١) فى م: ((عليه)).
(٢) فى م: ((جاءت)).
(٣) فى م: ((المصحف)).
(٤) الموطأ ٣٧٣/١ (١٢٩)، ومن طريقه البخارى (١٧٩٠)، وأبو داود (١٩٠١)، والنسائى فى الكبرى
(١١٠٠٩). وأخرجه أبو داود (١٩٠١) من طريق ابن وهب به. وسبق من طريق وكيع عن هشام فى ص
٧٢١، ومن طرق عن الزهرى عن عروة فى ص ٧١٨، ٧١٩.
(٥ - ٥) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٦) ينظر معانى القرآن للفراء ٩٥/١.

٧٢٧
سورة البقرة : الآية ١٥٨
،
إذْ كان قد تقدَّمَها جَحْدٌ فى الكلام قبلَها، وهو قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ
فيكونُ نظيرَ قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ
[الأعراف: ١٢]. بمعنى ما منعكَ أن تسجدَ، كما قال الشاعرُ(١):
ما كان يَرْضَى رسولُ اللَّهِ فعلَهمُ(٢)
والطيّبان أبو بَكْرٍ ولا عُمَرُ
فلو كان رسمُ المصحفِ كذلك لم يكن فيه لمحتجِّ به حجةٌ ، مع احتمالِ الكلامِ
ما وصفْنَا؛ لما بيَّنَّ من أنّ ذلك مما علَّم رسولُ اللَّهِ بِّهِ أَمَّتَه فى مناسكِهم على ما
ذَكَوْنا، ولدَلالةِ القياسِ على صحته، فكيف وهو خلافُ رُسومِ مصاحفٍ
المسلمين، ومما لو قرأ به اليومَ قارئٌ، كان مُشْتَحِقًّا العقوبةَ ؛ لزيادتِه فى كتابِ اللَّهِ عزّ
وجلَّ ما ليس منه ؟!
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه : ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ﴾ .
اخْتَلَف القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ : ﴿ وَمَن
تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾(١). على لفظِ المُضِىِّ؛ بالتاءِ وفَتْح العينِ. وقرأتْه عامةُ قرَأةِ الكوفيين:
( ومَنْ يَطْوَّعْ خيرًا) (٢) بالياءِ وجَزْمِ العينِ وتشْديدِ الطاءِ، بمعنى: ومَن يتطوَّعْ. وذُكِر
أنها فى قراءةٍ عبدِ اللَّهِ (ومَن يَتطوّعْ)(٥). فقرأت ذلك [٨٩/٤ ظ] قَرَأَةُ أهلِ الكوفةِ ،
على ما وصَفْنا ، اعتبارًا بالذى ذكرنا مِن قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، سوَى عاصم فإنه
وافَق المدنيِّينَ، فشدّدُوا الطاءَ طلبًا الإدغامِ التاءِ / فى الطاءِ. وكلْتَا القراءتَيْ معروفةٌ ٥٢/٢
(١) هو جرير بن عطية. والبيت تقدم فى ١٩٣/١.
(٢) فى م: ((فعلهما)).
(٣) هذه قراءة غير حمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١١٨.
(٤) هذه قراءة حمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١١٨ .
(٥) حجة القراءات ص ١١٨. وقراءته: ( ومن يتطوع بخير). وهى قراءة شاذة . ينظر المصاحف ص ٥٧، والبحر
المحيط ٤٥٨/١.

٧٢٨
سورة البقرة : الآية ١٥٨
صحيحةٌ متفِقٌ مَعْنيَاهما غيرُ مُخْتَلِفَيْنْ ؛ لأن الماضِىَ من الفعلِ مع حروفٍ الجزاءِ بمعنى
المستقبلِ ، فبأىِّ هاتَيْن القراءتَيْنْ قرَأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ .
ومعنى ذلك : فمَن تطوَّع بالحجّ والعمرةِ بعدَ قضاءٍ حَجَتِه الواجبةِ عليه ، فإِن
اللَّهَ شاكرٌ له على تطوّعِه له بما تطوّعَ به من ذلك ابتغاءَ وجهِه فمجازِیه به ، عليمٌ بما
قصَد وأرادَ بتطوُّعِه بما تطوَّع منه (١) .
وإنما قلنا: إنَّ الصوابَ فى معنى قوله: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ هو ما وصفْنَا دونَ
قولٍ مَن زعَم أنه معنىٌّ به: فمَن تطوَّعَ بالسعى والطوافِ بينَ الصفا والمروةِ. لأن
الساعىَ بينَهما لا يكونُ متطوّعًا بالسعى بينَهما إلّ فى حجّ تطوّع أو عُمرةٍ تطوّعٍ، لَمَّا
وصفْنَا قبلُ. وإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنَى بالتطوّع بذلك ، التطوّعَ
بما يُعْمَلُ ذلك فيه من حجِّ أو عمرةٍ .
وأما الذين زعَمُوا أن الطوافَ بهما تطوُّعٌ لا واجبٌ ، فإن الصوابَ أن يكونَ
تأويلُ ذلك على قولهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بهما فإن اللَّهَ شاكرٌ. لأنَّ للحاتج
والمعتمرٍ على قولِهم الطوافَ بهما إن شاءَ، وتَرْكَ الطوافِ ، فيكونُ معنى الكلامِ على
تأويلهم : فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بالصفا والمروةِ ، فإنّ اللَّهَ شاكرٌ تطوُّعَه ذلك ، عليم بما
أرادَ ونَوَى الطائفُ بهما كذلك .
کما حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ
أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ﴾ . قال: مَن تطوَّعَ
خيرًا فهو خيرٌ له، تطوَّع رسولُ اللَّهِ عَظِّمِ فكانتْ من السُّنَنِ".
(١) فى م: ((به)).
(٢) تقدم أوله فى ص ٧١٠ .

٧٢٩
سورة البقرة : الآيتان ١٥٨، ١٥٩
وقال آخرون : معنى ذلك : ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَمَن
تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمُ﴾: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ فإن اللَّهَ شاكرٌ عليمٌ؛
قال : فالحُّ فريضَةٌ ، والعمرةُ تطوُّعٌ، ليستِ العمرةُ واجبةٌ على أحدٍ من الناسِ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَعْنَتِ
وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ﴾ .
وإنما يَعْنى بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَّآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ ﴾: علماءَ اليهودِ
وأحبارَها وعلماءَ النصارى؛ لكِتْمانِهم الناسَ أمرَ محمدٍ عَّه، وتركِهم اتِّبَاعَه،
وهم يَجِدُونه [٩٠/٤و] عندَهم مكتوبًا فى التوراةِ والإنجيلِ .
و(١) (البينات)) التى أَنزَلها اللَّهُ عزَّ وجلَّ؛ ما بَيَّنَ مِن أَمْرِ نُبوَّةِ محمدٍ عَلَِّ،
ومَبعَثِه وصِفَتِه، فى الكتابينْ اللَّذيْنِ أخبَر اللَّهُ تعالى ذكره أن أهلَهما يَجِدون صفته
فيهما .
ويعنى جلَّ ثناؤه بـ ﴿وَالْهُدَى﴾: ما أَوْضَحَ لهم مِن أمرِه فى الكُتُبِ التى
أَنزَلَها على أنبيائهم ، فقال عزَّ ذِكرُه : إن الذين يكتمونَ الناسَ الذى أنزلْنا فى كُتُبِهم
من البيانِ عن أمرٍ محمدٍ ونبوَّتِه /وصحةِ اللَّةِ التى أرْسَلْتُه بها وحَقِيقتِها(٢) فلا .
يُخْبِرُونَهم به وهم يعلمون تَبْبينى" ذلك للناسِ، وإيضاحِى لهم فى الكتابِ الذى
(١) فى م: ((من)).
(٢) فى م: ((وحقيتها)).
(٣ - ٣) فى م: ((ولا يعلمون من تبیینی)).
٠٠٠

٧٣٠
سورة البقرة : الآية ١٥٩
أَنزَلْتُه إلى أنبيائِهِم - ﴿أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّعِنُونَ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ ﴾
الآية .
كما حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُکیرٍ ، وحدّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا
سلمةُ ، قالَا جميعًا : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ
مولى زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال : حدثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، أو عِكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
سأل معاذُ بنُ جبلٍ أخو بنِى سَلِمَةَ ، وسعدُ بنُ معاذٍ أخو بنى عبدِ الأشهلِ، وخارجةٌ
ابنُّ زيدٍ أخو بنى الحارثِ بنِ الخَزْرَجِ - نَفَرًا مِن أحبارِ يَهودَ ، قال أبو كُرِيبٍ : عما فى
التَّوراةِ . وقال ابنُ حميدٍ : عن بعضٍ ما فى التَّوْراةِ . فكَتَموهم إِيَّاهُ ، وأَبَوْا أن يُخْبِرُوهم
عنه، فأنزل اللَّهُ تعالى ذِكرُه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْمُدَى
مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ أُوْلَكَ يَلْعَثُمُ الَّهُ وَيَلْعَّتُهُمُ الَّعِنُونَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو ، قال: ثنا أبو عاصمٍ ، قال: حدَّثنى عيسى، وحدَّثنى
المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعا عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهد
فى قولِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى﴾. قال: هم أهلُ
(٢)
الكتاب(٢) .
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَاَلْهُدَى﴾. قال: كتمُوا محمدًا
◌َه وهم يَجِدُونه مَكْتوبًا عندَهم، فَكَتَموه حَسَدًا وَبَغْيًا(٢).
(١) سيرة ابن هشام ٥٥١/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٨/١ (١٤٣٩) من طريق سلمة به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/١ إلى ابن المنذر.
(٢) تفسير مجاهد ص ٢١٨، بزيادة: ((كتموا نعت محمد عَ لٍ وصفته)).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٨/١ عقب الأثر (١٤٤١) من طريق ابن أبى جعفر به .

٧٣١
سورة البقرة : الآية ١٥٩
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَكُهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ ﴾.
أولئِكَ أهلُ الكتابِ، كَتَمُوا الإِسلامَ وهو دينُ اللَّهِ، وكَتَمُوا محمدًا عَ لَّه، وهم
يَجِدُونه مَكْتوبًا عندَهم فى التوراة والإنجيلِ (١).
حدثنى موسى ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ ، قال : ثنا أسباطُ ، عن الشُّدىِّ :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَنهُ لِلنَّاسِ فِى
اَلْكِنَبِّ﴾ . زعَموا أن رجلًا مِن اليهودِ كان له صديقٌ من الأنصارِ يُقالُ له : ثَعلبةُ بنُ
عَنَمةَ(١) . قال له : هل تَجِدون محمدًا عندَ كم؟ قال: لا . قال: محمدٌ: البيناتُ(٣).
() وَيَغْنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَنهُ لِلنَّاسِ﴾. بعضَ الناسِ؛ لأن العلمَ
بنبؤَّةِ محمدٍ عِّهِ وصفتِه [٩٠/٤ظ] ومبعثِه لم يكنْ إلا عندَ أهلِ الكتابِ، دونَ
غيرِهم ، وإِيَّاهِم عَنَى بذلك عزَّ وجل . ويعنى جلَّ ذِكرُه بالكتابِ التوراةَ والإنجيلَ،
وهذه الآيةُ وإن كانت نزلتْ فى خاصٍّ من الناسِ، فإنها مَعنىٌّ بها كلَّ كاتم علمًا
فرَض اللَّهُ تعالَى عليه بيانَه للناسِ، وذلك نظيرُ الخبرِ الذى رُوِىَ عن رسولِ اللَّهِ مَله
أنه قال: ((مَن سُئِلَ عن ◌ِلْمٍ يَعْلَمُه فَكَتَمَه، أُلْجِمَ يومَ القيامةِ بلجامٍ مِن نارٍ))(٥).
وكان أبو هريرةَ يقولُ بما حدثنا به نصرُ بنُ علىِّ الجَهْضَمِىُ، قال : ثنا حاتمُ بنُ
وَرْدانَ، قال: ثنا، / أيوبُ السَّخْتيانىُ، "عن محمد١ٍ، عن أبى هريرةَ، قال: لولا ٥٤/٢
(١) أخرجه ابن سعد ٣٦٢/١، ٣٦٣ من طريق سعيد به نحوه. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦١/١ إلى
عبد بن حميد . وستأتى بقيته فى ص ٧٣٦ .
(٢) فى م: ((غنمه))، وفى ت١: ((عثمة)). وينظر الإصابة ٤٠٦/١.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/١ إلى المصنف .
(٤ - ٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: (( القول فى تأويل قوله تعالى)).
(٥) أخرجه أحمد ١٧/١٣ (٧٥٧١)، وأبو داود (٣٦٥٨)، والترمذى (٢٦٤٩)، وابن ماجه (٢٦١،
٢٦٤، ٢٦٦) من حديث أبى هريرة وغيره .
(٦ - ٦) سقط من : م .

٧٣٢
سورة البقرة : الآية ١٥٩
آيةٌ فى كتابِ اللَّهِ ما حدَّثْتُكم. وتلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَاَلْهُدَى
مِنْ بَعْدِ مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِىِ الْكِنَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَتُهُمُ الَّعِنُونَ﴾(١).
حدثنى محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ ، قال: ثنا أبو زُرعةَ وهْبُ اللَّهِ بنُ
راشدٍ ، عن يونسَ قال: قال ابنُ شهابٍ، قال ابنُ المسيَّبِ ، قال أبو هريرةَ : لولا آيتان
أَنزَلهما اللَّهُ فى كتابِهِ ما حَدَّثْتُ شيئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ
وَاَلْهُدَى﴾، إلى آخرِ الآيةِ (١). والآيةُ الأخرى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيشَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٨٧] إلى آخرِ الآيةِ.
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنَّهُمُ الَّعِنُونَ
١٥٩
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُوْلَكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنْهُمُ الََّعِنُونَ﴾: هؤلاءِ
الذين يَكْتُمون ما أنزل اللَّهُ مِن أمرٍ محمدٍ عَ لَهِ وصفتِهِ وأمرٍ دينه ، أنه الحقُّ، مِن بعدِ ما
بَنَه اللَّهُ لهم فى كتُبِهِم، يَلْعَنُهم اللَّهُ بكِثْمانِهم ذلك وتَرْكِهم تَبْبِينَه للناسِ. واللعنةُ
الفَعْلةُ. مِن: لَعَنه اللَّهُ، بمعنى: أقصاهُ اللَّهُ وأبعدَه وأسْحقَه . وأصلُ اللعنِ: الطَّرْدُ،
كما قال الشَّماخُ بنُ ضِرارٍ، وذكر ماءً ورَد عليه (٤):
مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللّعِينِ
ذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ(°) عنه
يعنى به مَقامَ الذئبِ الطّرِيدِ، و((اللعينُ)) من نعتِ الذئبِ، وإنما أرادَ : مَقامَ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى التفسير ٦٤/١، وابن سعد فى الطبقات ٣٦٢/٢، ٣٦٣، وأحمد ٢٢١/١٢
(٧٢٧٦)، والبخارى (١١٨)، ومسلم (٢٤٩٢)، وغيرهم من طريق الأعرج عن أبى هريرة . وينظر الدر
المنثور ١٦٣/١.
(٢) فى الأصل، ت١، ت٢، ت٣: ((الآيتين)). وهو لفظ مسلم فى الموضع الآتى.
(٣) أخرجه مسلم (٢٤٩٢) عقب حديث عائشة ، من طريق يونس به ، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره
٢٦٨/١ (١٤٤٠) من طريق ابن شهاب به. وعندهما بغير ذكر آية آل عمران .
(٤) ديوان الشماخ ص ٣٢١ .
(٥) فى الأصل: (( ونيت)).

٧٣٣
سورة البقرة : الآية ١٥٩
الذئبٍ (١) اللعينِ كالرَّجلِ .
فمعنى الآيةِ إذًا : أولئِك يُتْعِدُهُم اللَّهُ منه ومِن رحمتِهِ ، ويَسْأَلُ ربَّهم اللاعنون
أَن يَلْعَنَهم؛ لأن لعنةَ بنى آدمَ وسائرٍ خَلقِ اللَّهِ ما لَعنوا أن يقولوا: ((اللهمَّالْعَنْه)). وإن
كانَ معنى اللعنِ هو ما وصَفْنا مِن الإِقْصَاءِ والإِبْعادِ " وأما مِن اللَّهِ فالإبعادُ من [٥٩١/٤]
٢)
رحمته .
وإنما قُلْنا : إِنَّ لعنةَ اللاعنين هى ما وصفنا مِن مَسْألتِهم ربَّهم أن يَلْعَنَهم،
وقولِهم : لعنهُ اللَّهُ. أو: عليه لعنةُ اللَّهِ . لأن محمدَ بنَ خالدِ بنِ خِداشٍ ويعقوبَ بنَ
إبراهيمَ حدَّثانى، قالا: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبِى نَجيح، عن مجاهدٍ فى
قوله: ﴿ أُوْلَكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنْهُمُ الَّعِنُونَ﴾ " قال: اللاعنون": البهائمُ،
قال : إذا أَسْتَتِ (٤) السنةُ، قالتِ البهائمُ: هذا من أجْلٍ عُصاةٍ بنى آدمَ، لعَنِ اللَّهُ
عُصاةَ بنى آدمَ(٥) .
واختلفَ أهلُ التأويل فيمنْ عنَى اللَّهُ تعالى ذِكرُه باللّاعِنين؛ فقال بعضُهم: عنى
بذلك دوابَّ الأرضِ وهوامَّها .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ ، قال: تَلْعَنُهم
(١) بعده فى م: (( الطريد و)).
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ٣٦.
(٤) فى م: ((أسنت)). وأسفتت السنة: أجدبت، من السنة وهو القحط: الجدب. ينظر اللسان (ج د ب).
(٥) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٣٦ - تفسير)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٩/١ (١٤٤٦) من طريق
إسماعيل ابن علية به .

٧٣٤
سورة البقرة : الآية ١٥٩
دوابُّ الأرضِ وما شاء اللَّهُ من الخنافِسِ والعقاربِ، تقولُ: تُمْنَعُ القَطْرَ بذُنوبِهم (١).
حدثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال : ثنا سفيانُ، عن منصورٍ ، عن
٥٥/٢ مجاهدٍ: ﴿أُوْلَئِكَ / يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَتُهُمُ اَلََّعِنُونَ﴾. قال: دوابُ الأرضِ:
العقاربُ والخنافسُ يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بخطايا بنى آدمَ(١).
حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال : ثنا حكّامٌ ، عن عمرٍو، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَيَلْعَنَّهُمُ الَّعِنُونَ﴾ قال : تلعنهم الهوام ودوابُّ الأرضِ، تقولُ: أُمْسِكَ القَطرُ
عنا بخطايا بنى آدمَ (١) .
حدثنا مُشَرَّفُ بنُ أبانِ الخَطَّبُ (٤) ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ ،
عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿ أُوْلَئِكَ يَلْعَثُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَثُهُمُ اَلَّعِنُونَ﴾. قال: يَلْعَنُّهم
كلُّ شيءٍ حتى الخنافسُ والعقاربُ، يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بذنوبٍ بنى آدمَ(٥).
حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ ، قال: اللّاعنون: البهائمُ.
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَيَلْعَنْهُمُ الََّعِنُونَ ﴾ : البهائمُ تَلْعَنُ عُصاةَ بنى آدمَ حينَ أمسكَ اللَّهُ
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٨٦/٣ من طريق جرير به ، وأخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٣٧ -
تفسير)، وابن أبى الدنيا فى العقوبات (٢٧١)، والطبرانى فى الدعاء (٩٥٥)، من طريق منصور به .
(٢) تفسير سفيان ص ٥٣ . وأخرجه البيهقى فى الشعب (٣٣١٧) من طريق عبد الرحمن به.
(٣) أخرجه ابن المقرئ فى معجمه (٧٣٨) من طريق الأعمش عن مجاهد، بلفظ : يلعنهم كل شىء حتى
هوام الأرض .
(٤) فى الأصل: ((الحطاب)). وينظر الثقات ٢٠٣/٩، وتاريخ بغداد ٢٢٤/١٣. وقد تقدم قبل ذلك.
(٥) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٩/١ عقب الأثر (١٤٤٧) معلقًا. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/
١٦٢ إلى المصنف وعبد بن حميد .

٧٣٥
سورة البقرة : الآية ١٥٩
عنهم بذنوبٍ بنى آدمَ القَطْرَ(١)، فتخرجُ البهائمُ فَتَلْعَثُهم(١).
حدثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى مسلمُ بنُ خالدٍ ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿أُوْلَكَ يَلْعَُّهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنْهُمُ الَّعِنُونَ ﴾:
البهائمُ؛ الإبلُ والبقر والغنمُ ، تلعنُ عصاةَ بنى آدمَ إذا أجدبتِ الأرضُ(٢).
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ ( قولٍ هؤلاءٍ" الذين وجَّهوا تأويل قوله: ﴿ وَيَلْعَُّهُمُ
الَّعِنُونَ﴾ إلى أَنَّ اللّاعنين هُم الخنافسُ والعَقاربُ، وغيرُ ذلك مِن هوامِ الأرضِ،
وقد علمتَ (أن العربَْ) إذا جَمعتْ ما كانَ من نوع البهائم وغيرِ بنى آدمَ ، فإنما
تَجْمَعُه بغيرِ الياءِ والنونِ وغيرِ الواوِ والنونِ ، وإنما تَجَمَعُه بالتاءِ، وما خالف ما ذكرنا ،
فتقولُ: ((اللاعِنَاتُ)) . ونحوُ ذلك؟
قيل : إن الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ مِن شأنِ العربِ إذا وَصَفَتْ شيئًا من
البهائم أو غيرِها مما حُكْمُ جَمعِه أن يكونَ ((بالتاءِ))، أو (١) بغيرِ صُورةٍ جَمْعٍ ذُكرانٍ
بنى آدمَ بما هو مِن صفةِ الآدميّينَ - أن يَجمَعُوه جَمْعَ ذُكورِهم، كما قال عزَّ وجلّ :
﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنً﴾ [فصلت: ٢١]. فأخرَج خطابَها (١) على
مثالِ خطابٍ ذكورِ ( بنى آدمَ إذ كلَّمَتْهم [٩١/٤ظ] وكلَّمُوها، وكما قال:
﴿ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ أَدْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وكما قال: ﴿ وَالشَّمْسَ
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((المطر)).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٣٦ - تفسير) من طريق ابن أبى نجيح به نحوه .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠/١ (١٤٤٨) عن يونس بن عبد الأعلى به .
(٤ - ٤) سقط من : م، ت١، ت٢، ت٣.
(٥ - ٥) فى م: ((أنها)).
(٦) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((و)).
(٧) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((خطابهم)).
(٨) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.

٧٣٦
سورة البقرة : الآية ١٥٩
وَالْقَمَرَ رَأَيُّهُمْ لِ سَجِدِينَ ﴾ [ يوسف: ٤].
وقال آخرون: عنى اللَّهُ تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿ وَيَلْعَبَّهُمُ الَّعِنُونَ﴾: الملائكةَ والمؤمنين.
ذِکژ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، "قال: حدثنا سعيدٌ) ، عن قتادةَ:
﴿ وَيَلْعَنْهُمُ اَلَّعِنُونَ﴾. قال: يقولُ: اللاعنون مِن ملائكةِ اللَّهِ ومن المؤمنين(١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ فى قولِهِ: ﴿ وَيَلْعَثُّهُمُ الَّعِنُونَ﴾ "قال: اللاعنون» الملائكةُ(٤).
/حدثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
٥٦/٢
ابنِ أنسٍ، قال: اللَّاعنون مِن ملائكةِ اللَّهِ والمؤمنين(٥).
وقال آخرون: يعنى باللَّاعنين: كلَّ ما عَدا بنى آدمَ والجنّ(١).
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ
اُلَّاعِنُونَ﴾ قال: قال البراءُ بنُ عازبٍ: إنَّ الكافرَ إذا وُضِعَ فى قبرِه أَتَتْهُ دابةٌ كأن
عيْنَيْها قِدرانٍ مِن نُحاسِ معها عمودٌ من حديدٍ ، فَتَضْرِبُه ضَرْبةٌ بينَ كَتِفَيْه فيَصِيحُ ،
فلا يَسْمَعُ أحدٌ صوتَه إلا لَعنَهُ، ولا يبقَى شىءٌ إلا سمِع صوتَه، إلا الثقلين الجنَّ
(١ - ١) سقط من: م .
(٢) تقدم أوله فى ص ٧٣١ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) تفسير عبد الرزاق ٦٥/١ .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٩/١ عقب الأثر (١٤٤٥) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٦) فى الأصل: ((الحن)).

٧٣٧
سورة البقرة : الآية ١٥٩
والإنْسَ(١).
(١)
حدثنا المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ
فى قوله: ﴿أُوْلَكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّعِنُونَ﴾. قال : الكافرُ إذا وُضِعَ فى
حفرَتِه ضُربَ ضَرْبةٌ بِمِطْرَقٍ فِيَصِيحُ صَيْحَةً فيَسمَعُ صَوْتَه كلُّ شىءٍ إِلّ النَّقَلين؛ الجنّ
والإِنسَ، فلا يَسْمَعُ صَيْحَتَه شىءٌ إلَّا لعَنه(٢) .
وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندنا قولُ مَن قال: اللاعنون: الملائكةُ
والمؤمنون؛ لأنّ اللَّهَ تعالى ذِكرُه قد وصَف الكفارَ بأن اللّعنةَ التى تَحِلّ بهم إنما هى مِن
اللَّهِ والملائكة والناس أجمعينَ، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارُ
أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَقَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَبِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. فكذلك اللعنةُ التى أخبَرِ اللَّهُ
جلَّ ذِكرُه أنها نازلةٌ(١) بالفريقِ الآخرِ: الذين يَكْتُمونَ ما أنزلَ اللَّهُ مِن البيّناتِ والهُدى
من بعدِ ما بيَّنْهُ ) للناسِ، هى لعنةُ اللَّهِ الذين(٥) أخبرَ أن لعنتَهم حالَّةٌ بالذين كفروا وماتوا
وهم كفارٌ، وهم اللاعنون؛ لأن الفريقَيْنْ جميعًا أهلُ كفرٍ .
وأما قولُ مَن قال: إنّ اللََّعنِين هم الخُنافِسُ والعقاربُ وما أشبه ذلك من
دَبيبِ الأرضِ وهَوامِّها. فإنه قولٌ لا تُدرَكُ حقيقَتُه إلا بخبرٍ عن اللَّهِ أن ذلك
مِن فعلها " وقيلِها، تقومُ به الحجّةُ، ولا خبرَ بذلك عن نبيِّ اللّهِ يَّله، فيجوز أن
(١) هذا الحديث جزء من حديث البراء الطويل المشهور، وقد أخرجه الطيالسى (٧٨٩) فراجع تخريجه
هناك . وسيأتى فى تفسير سورة إبراهيم آية ( ٢٧ ) .
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٢/١ إلى المصنف.
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((حالة)).
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بيناه)).
(٥) فى م: ((التى)).
(٦ - ٦) سقط من: م. وفى ت١، ت٢، ت٣: ((وفعلها)).
( تفسير الطبرى ٤٧/٢ )

٧٣٨
سورة البقرة : الآيتان ١٥٩، ١٦٠
يقالَ : إِنَّ ذلك كذلك .
وإذ كان ذلك كذلك ، فالصوابُ مِن القولِ فيما قالوه أن يُقالَ: إن الدليلَ مِن
ظاهرٍ كتابِ اللَّهِ موجودٌ بخلافٍ هذا (١) التأويلِ، وهو ما وصفْنَا، وإن كان جائزًا أن
تكونَ البهائمُ وسائرُ خلقِ اللَّهِ تَلْعَنُّ الذين يكتمونَ ما أنزلَ اللَّهُ فى كتابِهِ من
صِفَّةِ محمدٍ عَمِ [٥٩٢/٤] ونَعْتِه ونُوتِهِ، بعدَ علْمِهم به، وتَلْعَنُ معهم جميعَ
الظَّلَمَةِ، ("غيرَ أنه غيرُ" جائزٍ قطعُ الشهادةِ بأنَّ(١) اللَّهَ عَنى باللَّاعنين البهائمَ والهواءَّ
ودَبيبَ الأرضِ ، إلا بخبرٍ للعذرِ قاطع ، ولا خبرَ بذلك، وكتابُ اللَّهِ الذی ذکرناه
دالٌّ على خِلافِه .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَبِكَ
﴿1﴾ . يعنى بذلك جلَّ ثناؤه أنَّ اللَّهَ واللّعنِينَ
أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
يَلْعَنونَ الكاتمِى الناسِ ما عَلِمُوا مِن أَمْرِ نُبُوَّةِ محمدٍ عَلَِّ ونَعتِه وصِفَتِه فی الکتابِ
الذى أَنْزَلَهُ اللَّهُ وبِيَنْهُ للناسِ، إلّا مَن أنابَ مِن كِتمانِهِ ذلك مِنهم، ورَاجعَ / التوبةَ
بالإيمانِ بمحمدٍ عَِّ، والإقرارِ به وبنُوَّتِه، وتَصْدِيقِه فيما جاء به مِن عندِ اللهِ ، وبيانِ
ما أنزل اللَّهُ فى كُتُبِه التى أَنزَلها إلى أنبيائِه من الأمرِ باتباعِه، وأصلَحَ حالَ نفسِه
بالتقرّبِ إلى اللّهِ مِن صالح الأعمالِ بما يُْضيهِ عنه، وبينَّ الذى علِم من وخي اللَّهِ
الذى أنزله إلى أنبيائِه وعَهِد إليهم فى كُتُبِه، فلم يَكْتُمْه، وأظْهرَه فلم يُخْفِه،
فَأُوْلَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين فعلوا هذا الذى وصَفْتُ منهم، هم الذين أتوبُ
عليهم، فأْعَلُهم من أهلِ الإيابِ إلى طاعتِى، والإنابةِ إلى مَرْضاتِى .
٥٧/٢
(١) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((أهل)).
(٢ - ٢) فى م: ((فغير)).
(٣) فى م: ((فى أن)).

٧٣٩
سورة البقرة : الآية ١٦٠
ثم قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ ﴾. يقولُ: وأنا الذى أُرجِعُ بقلوبٍ عبيدِى
المُتْصَرِفَةِ عنِّى إلىّ، والرادُها بعدَ إدبارِها عن طاعتى، إلى طلبٍ مَحبَّتى، والرحيمُ
بالمُقْبِلِينَ بعدَ إقبالِهم إلىّ، أَتَغَمَّدُهم منِّى بعفوٍ، وأَصْفَحُ عنهم (١) عظيمَ ما كانوا
اجترَمُوا فيما بينى وبينَهم بفضلٍ رحمتی لهم .
فإن قال قائلٌ: وكيف يُتابُ على مَن قد تاب؟ وما وجهُ قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ
تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَتِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؟ وهل يكونُ تائبٌ إِلَّ وهو مَتوبٌ
عليه ، أو مَتوبٌ عليهِ إلَّا وهو تائبٌ؟ قيلَ: ذلك مما لا يكونُ أحدُهما إلّا والآخر معه ،
فسواءٌ قيلَ : إِلَّا الذين تِيبَ عليهم فتابُوا. أو قيلَ: إِلَّ الذين تابوا فإِنِّى أَتوبُ عليهم.
وقد بينًا وجْهَ ذلك فيما جاءَ من الكلام هذا المجىءَ فى نظيرِه فيما مضى من كتابنا
هذا، فكرِهْنا إِعادتَه فى هذا الموضِعِ() .
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُّ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾. يقولُ: أصلَحوا فيما بينَهم وبينَ اللَّهِ، وَبَيِّنُوا الذى
جاءَهم من اللَّهِ فلم يكتُموه، [٩٢/٤ظ] ولم يَجْحَدُوا به، ﴿ فَأَوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ
وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١).
حدثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿إِلَّا
الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾. قال: بيَّنُوا ما فى كتابِ اللَّهِ للمؤمنين، ولِمَا
(١) فى م، ت٢: ((عن)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٤٧٢ .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٧٠/١ (١٤٥٠) من طريق شيبان النحوى عن قتادة ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١٦٣/١ إلى عبد بن حميد.

٧٤٠
سورة البقرة : الآيتان ١٦٠، ١٦١
سألوهُم عنه من أمرِ النبيِّ عَلَه، وهذا كلُّه فى يهودَ.
وقد زعم بعضُهم أنَّ معنَى قوله: ﴿وَبَيَّنُواْ﴾. إنما هو: وبيَّنوا التوبةً
بإخلاصِ العملِ .
ودليلُ ظاهرِ الكتابِ والتنزيلٍ بخلافِه؛ لأن القومَ إنما تُوتِبوا فى (١) هذه الآية
على كتمانِهِم ما أنزل اللَّهُ تعالى ذِكرُه وبيّنه فى كتابِهِ من(١) أمرٍ محمدٍ عٍَّ ودينه،
ثم استثنَى منهم جلَّ ثناؤه الذين يبيّنون أَمْرَ محمدٍ عََّّهِ ودينه، ويتوبونَ مما كانوا عليهِ
من الجُحودِ والكتمانِ، فأخرَجَهم من عِدادٍ(٣) مَن يَلْعَنُه اللَّهُ ويَلْعَنُه اللّاعنون، ولم
يكنِ العتابُ على تركِهم تبْبِينَ التوبةِ بإخلاصِ العملِ .
والذين استثنَى اللَّهُ مِن الذين يكتمون ما أَنْزَل اللَّهُ مِن البيناتِ والهدَى مِن بعدٍ
ما بيَّنه(٤) للناسِ فى الكتابٍ، عبدُ اللَّهِ بنُّ سَلَامٍ وذَؤُوه مِن أهلِ الكتابِ الذين أَسْلَموا
فحسُنَ إِسْلامُهم واتَّبعوا رسولَ اللَّهِ عَهِ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ
١٦١
لَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَيْكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
/ يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: إنَّ الذين جَحدُوا نبوّةَ محمدٍ
عَّهِ وكذَّبوا به، مِن اليهودِ والنصارَى وسائرِ أهلِ المللِ، والمشركينَ مِن عَبَدَةٍ
الأوثانِ، ﴿ وَمَا تُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ . يعنى: وماتوا وهم على مجحُودِهم ذلك وتكذيهم
٥٨/٢
(١) بعده فى م: ((مثل)).
(٢) فى م: ((من)) .
(٣) فى م: ((عذاب)) ..
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بيناه)).