النص المفهرس
صفحات 701-720
٧٠١
سورة البقرة : الآية ١٥٤
أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَّةٌ﴾ مِن خصوصيةِ الخبرِ عن المقتولِ فى سبيلِ اللهِ الذى لم يُعمَّ به غيرُه ،
وقد عَلِمتَ تَظاهرَ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ وَّهِ أنه وصَف حالَ المؤمنينَ والكافرينَ بعدَ
وفاتِهم ، فأخبرَ عن المؤمنينَ أنهم تُفتحُ لهم مِن قبورِهم أبوابٌ إلى الجنةِ يتَتَشَّمُون (١)
منها رَوْحَها، ويَسْتَعْجِلونَ اللهَ قيامَ الساعةِ؛ ليَصيروا إلى مساكنِهم منها، ويُجْمَعَ
بينهم وبينَ أهاليهم وأولادِهم فيها، وعن الكافرين أنه (١) تُفْتَحُ لهم من قبورِهم أبوابٌ
إلى النارِ يَنْظُرُونَ إليها ويُصيئُهم مِن نَتْنِها ومَكْروهِها، ويُسلَّطُ عليهم فيها إلى قيامٍ
الساعةِ مَن يَقمَعُهم فيها ، ويسألون اللهَ فيها تأخيرَ قيام الساعةِ ؛ حَذارًا مِن المصيرِ إلى
ما [٨٣/٤و] أُعِدَّ لهم فيها، من(٣) أشباهِ ذلك من الأخبارِ(٤). فإذا كانت الأخبارُ
بذلك مُتَظَاهرةً عن رسولِ الله ◌ِِّ، فما الذى خُصَّ به القتيلُ فى سبيلِ اللهِ مما لمْ يُعَّ
به سائرُ البشرِ غيرُه من الحياةِ ، وسائرُ الكفارِ والمؤمنين غيرُه أحياءٌ فى البَرْزَخ؛ أما
الكفارُ فمعذَّبونَ فيه بالمَعِيشَةِ الضَّنْكِ، وأما المؤمنون فمُنَعَّمون بالرَّوْحِ والرَّيْحَانِ
ونَسِيمِ الجِنَانِ ؟
قيل : إنّ الذى خَصَّ اللهُ به الشهداءَ فى ذلك وأفادَ المؤمنين بخبرِه عنهم جلّ
ثناؤه، إعلامُه إِيَّاهم أنَّهم مَرْزُوقون مِن مآكلِ الجنةِ ومطاعِمِها فى بَرْزَخِهم قَبَلَ
بَعْثِهم، ومُنْعَّمُون بالذى يُنَّمُ به داخلُوها بعدَ البعثِ / من سائرِ البشرِ مِن لَذيذٍ ٤٠/٢
مطاعمِها، "التى لم يُعْطِهاْ) اللهُ أحدًا غيرَهم فى بَرْزَخِه قبلَ مَبْعَثِهُ ، فذلك هو
= المصنف وابن أبى شيبة فى المصنف . وعثمان بن غياث، كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عكرمة فى التفسير.
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((يشمون)).
(٢) فى م: ((أنهم)) .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مع) .
(٤) ينظر مسند الطيالسى (٧٨٩).
(٥ - ٥) فى م، ت ٣: ((الذى لم يطعمها))، وفى ت ١، ت ٢: ((التى لم يعطها)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعثه).
٧٠٢
سورة البقرة : الآية ١٥٤
الفضيلةُ التى فضَّلَهَم بها وخصّهم بها مِن غيرِهم ، والفائدةُ التى أفاد المؤمنين بالخبرِ
عنهم، فقال جلَّ وعزَّ لنبيّه محمدٍ عَ لَّهِ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلٍ
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن
اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
فَضْلِهِ،﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠].
وبمثلِ ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ عَ لَّهِ .
حدثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ وعَبْدَةُ بنُ سليمانَ ، عن
محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن الحارثِ بنِ فُضيلٍ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: قال رسولُ اللهِ عَّهِ: ((الشُّهَداءُ على بارقٍ(١)؛ نهرٍ ببابِ الجنَّةِ، فى قُبَّةٍ
خَضْراءَ - وقال عَبْدَةُ: فى رَوْضَةٍ خَضْراءَ - يَخْرُجُ عليهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الجنَّةِ بُكرَةٌ
(٢)
وَعَشِيًّا))(٢) .
(٣)
حدثنا أبو گُریب ، قال : ثنا جابُ بنُ نوح، عن الإفریقیّ ، عن ابنِ یسارٍ
السّلَمِيِّ، أو أبى يسارٍ(٢) - الطبرىُّ يشكُّ - قال: أرواح الشهداءِ فى قِبابٍ بِيضٍ مِن
قِبابِ الجنةِ ، فى كلِّ قُبةٍ زوجتانِ، رِزْقُهمْ فى كلِّ يومٍ طَلَعتْ فيه الشمسُ ثَوْرٌ وحُوتٌ؛
فأمّا الثورُ ففيه طَعْمُ كلِّ ثَمَرةٍ فى الجنةِ ، وأما الحوتُ ففيهِ طَعْمُ كلِّ شرابٍ فى الجنةِ(٤).
فإن قال قائلٌ : فإن الخبرَ عمَّا ذكرتَ أن الله أفاد المؤمنين بخبرِه عن الشهداءِ من
النِّعمةِ التى خصَّهم بها فى البرزَخِ، غيرُ موجودٍ فى قولِهِ: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَحْيَّةٌ﴾ وإنما فيه الخبرُ عن حالِهِم؛ أمواتٌ هُمْ أَمْ أحياءٌ.
(١) بعده فى ص، ت٢، ت٣: ((على)).
(٢) سيأتى تخريجه فى ٦/ ٢٣٠.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يشار)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٦/٢ إلى المصنف.
،
٧٠٣
سورة البقرة : الآيتان ١٥٤، ١٥٥
قيل : إن المقصودَ بذكرِ الخبرِ عن حياتهم إنما هو الخبرُ عمَّا هُمْ فيه مِنَ النِّعمةِ،
ولكنَّه جلَّ ذكرُه لمّا كان قد أنبأ عبادَه عمَّا قد خصَّ به الشهداءَ - فى قوله: ﴿ وَلَا
تَّحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وعلِمُوا حالَهم بخبرِه ذلك ، ثم كان المرادُ من اللهِ فى قوله: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ نَهْىَ خَلْقِه عن أن يقولوا للشهداءِ: إِنَّهم مَوْنَى - ترَك
إعادةَ ذكرِ ما قد بينَّ لهم مِن خبرِهم .
وأما قولُه: ﴿ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ فإنه يعنى به: ولكنَّكم لا تَرونَهم،
فتعلَموا أنّهم أحياءٌ، وإنما [٨٣/٤ظ] تعلمون ذلك بخبرِی إيّا كم به .
وإنما رفَع قولَه: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ بإضمارٍ مكنئٍّ من أسماءِ: ((من يُقتلُ فى سبيلٍ
اللهِ)).
ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يُقتلُ فى سبيل اللهِ: هُم أمواتٌ . ولا يجوزُ
النصبُ فى ((الأمواتِ))؛ لأنّ ((القولَ)) لا يعملُ فيهم، وكذلك قولُه: ﴿ بَلْ
أَعْيَّةٌ ﴾ رَفعٌ بمعنى "بل هم أحياءٌ.
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَنَبْلُؤَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ
١٥٥
الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشْرِ الصَّبِينَ
/وهذا إخبارٌ من اللهِ أتباعَ رسوله محمدٍ ، أنه مُبتلیھم فممتحنُھم بشدائدَ من
الأمورِ؛ ليعلَمَ مَن يَتَبِعُ الرسولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ، كما ابتلاهم فامتحَنهم
بتحويلِ القِبلةِ مِن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ ، وكما امتحَن أَصْفِياءَه قبلَهم ، ووعدهم
٤١/٢
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عن)).
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أنهم)).
٧٠٤
سورة البقرة : الآية ١٥٥
ذلك فى آيةٍ أخرى فقال لهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ
الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اُللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وبنحوِ الذى قُلنا فى ذلك كان ابنُ عباسٍ وغيرُه يقولُ .
حدثنى المثنى ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ، قال: حدثنى معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنٍ
عباسٍ، قولَه: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ ونحوِ هذا. قال: أخبرَ اللهُ
سبحانَه المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاءٍ، وأنه مُبْتَلِيهم فيها ، وأمَرَّهُم بالصبرِ وبشَّرهم،
فقال: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾. ثم أخبرَهم أنه هكذا فعَل بأنبيائِه وصِفْوَتِه ؛ لتَطِيبَ
أنفسُهم، فقال: ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّةُ وَزُلْزِلُواْ﴾(١).
فمعنى قولِه: ﴿ وَلَنَبْلُوَّنَّكُمْ ﴾: وَلَنَخْتَبِرَتَّكم، وقد أَتَيْنا على البيانِ عن أن معنى
الابتلاءِ الاختبارُ، فيما مضَى قبلُ(١).
وقولُه: ﴿ بِشَىْءٍ مِّنَ اٌلْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، يعنى: من الخوفِ مِن العدوِّ،
وبالجوع، وهو القَخْطُ ، يقولُ: لَنَخْتَبِرَنَّكُم بشىءٍ مِن خوفٍ ينالُكم مِن عدُوِّكم،
وبسَنةٍ تُصيبُكم ، ينالُكم فيها مجاعةٌ وشدَّةٌ وتَعَذُّرُ المطالبِ عليكم، فتنقُصُ لذلك
أموالكمْ ، وحروبٍ تكونُ بينَكم ، وبينَ أعدائِكم من الكفارِ ، فينقُصُ لها عددُكم،
وموتٍ ذَرَارِّكم وأولادِ كم، وجُدوبٍ تحدُثُ، فَتَنْقُصُ لها ثمارُكم، كلٌّ ذلك
امتحانٌ مِّی لکم ، واختبارٌ منِّی لکم ؛ لیتبیّنَ صادقُوكُم فی إیمانهم مِن کاذِبیکم
فيه ، ويُعرفَ أهلُ البصائرِ فى دينِه(٣) مِنكم مِن أهلِ النفاقِ فيه ، والشكُّ والارتيابِ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣/١، ٢٦٤ (١٤١٦، ١٤١٩) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٢) ينظر ما مضى فى ٦٥٣/١، ٦٥٤.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢: (( دينهم)) .
٧٠٥
سورة البقرة : الآية ١٥٥
كلُّ ذلك خطابٌ منه لأتباعِ رسولِ اللهِ عَلَه وأصحابِه .
كما حدثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ الکوفیُ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
محمدٍ المحاربيُّ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ فى قولِهِ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْقَوْفِ
وَالْجُوعِ﴾. قال: هم أصحابُ محمدٍ عَّ(١).
وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ ﴾، ولم يقُلْ: بأشياءَ؛ لاختلافٍ
أنواع ما أعلمَ عبادَه [٨٤/٤و] أنه مُمْتَحنُهم به، فلما كانَ ذلك مختلفًا - وكانتْ
((مِن)) تدلُّ على أن مع كلِّ نوع منها مُضْمَرًا (( شىءٌ))، وأنّ معنى ذلك: وَنَبِلونَّكم
بشىءٍ مِن الخوفِ، وبشىءٍ من الجوع، وبشىءٍ من نقصٍ الأموالِ - اكتفَى بدَلالةٍ
ذِكرِ ((الشىءٍ)) فى أولِه من إعادته مع كلِّ نوعٍ منها. ففعَل جلَّ ثناؤُه كلَّ ذلك بهِم،
فامتخنھم بضُروپِ المِحنِ .
كما حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع فى قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَرَتِ ﴾. قال: قد كان ذلك، وسيكونُ ما هو أشدُّ مِن ذلك، قال اللهُ عند ذلك:
الَّذِينَ إِذَا / أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ ٤٢/٢
١٥٥
وَبَشِّرِ الصَّبِينَ
رَجِعُونَ ﴿٢) أَوْلَّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتُ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ
١٥٧
اُلْمُهْتَدُونَ
ثم قال جلَّ ثناؤه لنبيّه محمدٍ : وبشِّرْ، يا محمدُ ، الصابرين على امتحانِی بما
أُمْتَحِنُهم(١) به ، والحافظين أنفسَهم عن التقدّمِ على نهْبى عما أنهاهم عنه، والآخذِین
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٣/١ (١٤١٤، ١٤١٥)، من طريق عبد الملك به .
(٢) أخرجه البيهقى فى الشعب (٩٦٨٦) من طريق أبى جعفر، عن الربيع ، عن أبى العالية .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((امتحنتهم)).
( تفسير الطبرى ٤٥/٢ )
٧٠٦
سورة البقرة : الآيات ١٥٥ - ١٥٧
أنفُسَهم بأداءِ ما أكلِّفُهم مِن فرائضِى مع ابتلائِى إِيَّاهم بما أَبْتَلِيهم(١) به ، القَائلين إذا
أصابتهم مصيبةٌ : نحن(٢) للهِ ونحن(٢) إليه راجعون. فأمَره اللهُ عزَّ وجلَّ بأن يَخصَّ
بالبشارَةِ على ما يَمْتَحِنُهم به من الشدائدِ ، أهلَ الصبرِ الذين وصَف صِفتَهم.
وأصلُ ((التبشيرِ)): إخبارُ الرجلِ الرجلَ الخبرَ يَسُرُّه أو يَسوءُه لم يَشْبِقْه به إليه غيرُه.
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ
إِلَيْهِ رَجِعُونَ
١٥٦
يعنى بذلك: وبشِّرْ، يا محمدُ ، ("من الصابرين)، الصابرين الذين يعلمون
أن جميعَ ما بهم مِن نعمةٍ فمنِّى، فيُقُّون بعبودتى، ويوحّدونَنى بالُّبوبيةِ،
ویصدقون بالمعادِ والرجوع إلىّ، فیستشلِمون لقضائی ، ویرُون ◌َوایی ، ويخافون
عقایی ، ویقولون - عند امتحانی إیًّاهم ببعضٍ مِحَنِی ، وابتلائِی إيَّاهم بما وعَدتُهم
أن أبتلِيَهم به من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وغيرِ ذلك
من المصائبِ التى أنا تُمْتَحِنُهم بها - : إنّا مماليكُ ربِّنا ومَعبودِنا أحياءً ونحنُ عبيدُه،
وإنّا إليه بعدَ مَماتِنا صائرونَ. تسليمًا لقضائِى ورضًا بأحكامِى .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ أُوْلَيْكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن زَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
١٥٧)
[٨٤/٤ظ] يعنى بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾: هؤلاءِ الصابرين الذين وصَفهم ونعَتهم .
عَلَيْهِمْ﴾ يعنى: لهم ﴿ صَلَوَتُ﴾ يعنى : مغفرةٌ. وصلواتُ اللهِ على عبادِه:
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ابتليتهم).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إنا)).
(٣ - ٣) سقط من: م .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بعبوديتى).
٧٠٧
سورة البقرة : الآية ١٥٧
غُفرانُهُ(١)، كالذى رُوِى عن النبيِّ ◌َّم أنه قال: ((اللّهُم صَلِّ على آلِ أبى أَوْفَى))(٢).
يعنى : اغفر لهم .
وقد بينًا الصلاةَ وما أصلُها فى غيرِ هذا الموضعِ(٣) .
وقولُه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ ، يعنى: ولهم مع المغفرةِ التى(٤) صفَح عن ذنوبهم
وتغمَّدها ، رحمةٌ من اللهِ لهم ورأفةٌ .
ثم أخبَر عزَّ وجلَّ - مع الذى ذكَر أنه مُعطيهم على اصطِبارِهم على مِحَنِه
تسليمًا منهم لقضائه من المغفرة والرحمةِ - أنهم هم المهتدون المصيبون طريقَ الحقِّ ،
والقائلون ما يُرْضِى عنهم ربَّهم ، والفاعلون ما استوجَبُوا به من اللهِ الجزيلَ مِن
الثواب .
وقد بيَّنا معنى الاهتداءِ فيما مضى، وأنه بمعنى الرُّشْدِ للصوابِ (١) .
وبمعنى ما قلنا فى ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنى المثنى، قال : ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالح،
عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ
أُوْلَّكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَكَ هُمُ
١٥٦)
إِلَيْهِ رَجِعُونَ
(١) بعده فى م: ((لعباده))، وبعده فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عباده)).
(٢) أخرجه البخارى (١٤٩٧)، ومسلم (١٠٧٨). وينظر مسند الطيالسى (٨٥٧).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٢٤٨/١.
(٤) بعده فى م: (( بها)).
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦) ينظر ما تقدم فى ٢٣٤/١.
٧٠٨
سورة البقرة : الآيتان ١٥٧، ١٥٨
٤٣/٢
. قال: أخبرَ اللهُ أنّ المؤمنَ /إذا سلَّم لأمرِ اللهِ، ورجَّع واسْتَرْجَعَ
١٥٧
اُلْمُهْتَدُونَ
عندَ المصيبَةِ، كتَب اللـهُ(١) له ثلاثَ خصالٍ من الخيرِ: الصلاةَ مِن اللهِ ، والرحمةَ،
وتحقيقَ سبيلِ الهدَى. وقال رسولُ اللهِ مَ ◌ّه: ((مَن اسْتَرْجَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ جَبَر اللهُ
مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجعَل له خلَفًا صَالِحاً يَرْضَاهُ)) (١).
حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ . يقولُ : الصلواتُ والرحمةُ
على الذين صبرُوا واسْتَرجعوا(١) .
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ العُصْفُرِىِّ، عن سعيد بن جبيرٍ ،
قال: ما أُعطِىَ أحدٌ ما أُعطِيَتْ هذه الأَمةُ: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم ◌ُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ
أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولو أُعطِيَها أحدٌ
١٥٦)
وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَجِعُونَ
لأَعطِيَها يعقوبُ، ألمْ تسمَعْ إلى قوله: ﴿ يَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [ يوسف: ٨٤].
(٤)
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ:
والصَّفَا: جمعُ صَفَاةٍ، وهى الصخْرَةُ الْمَلْسَاءُ، ومنه قولُ الطِّمَّحِ بن حكيمٍ(٥):
أتَى لى ذُو القُوَى والطّوْلِ أَلَّ يُؤَبِّسَ(١) حافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِى
(١) ليس فى: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٤/١ (١٤٢١)، والطيرانى فى الكبير (١٣٠٢٧)، والبيهقى فى
الشعب (٩٦٨٩) من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦/١ (١٤٢٨)، والبيهقى فى الشعب (٩٦٨٦) من طريق أبى
جعفر، عن الربيع ، عن أبى العالية .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٥/١ (١٤٢٢)، والبيهقى فى الشعب (٩٦٩١) من طريق سفيان
العصفری به .
(٥) ديوانه ص ٢٤. وفيه يؤيس بدلا من يؤبس، وهما بمعنى. وينظر التاج (أ ب س، أى س ).
(٦) ذو القوى والطول: هو الله تعالى ذكره، ويؤبس: يذلل ويكسر. ينظر التاج (أ ب س).
٧٠٩
سورة البقرة : الآية ١٥٨
وقد قيل: إن الصَّفَا واحدٌ ، وأنه يُثنَّى صفَوَان، ويُجمعُ أصْفاءٌ وصُفِيًّا وصِفيًّا.
واستشهدوا [٨٥/٤ و] على ذلك بقولِ الراجزِ(١) :
كأنَّ مَتْنَيْه مِن النَّفِىُِّ
مَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِىِّ
وقالوا: هو نظيرُ عَصَا وَعُصِيٍّ ورَحَا ورُحِىٌّ وأَرْحَاءَ(٢).
وأمَّا المزوَةُ فإنَّها الحصاةُ الصغيرةُ يُجمعُ قليلُها؛ مَرَوَاتٌ، وكثيرُها؛ المرؤُ مثلُ
ثْرَةٍ وتَمَرَاتٍ وَتَمْرٍ. كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قَيْسٍ() :
"وُولِّى الأرْضَْ) حُفًّا زائِلًا(٢) فإذا ما صادَف المَرْوَ رَضَعْ(٧)
يعنى بالمَزْوِ : الحصَى(٨) الصغارَ، ومِن ذلك قولُ أبى ذؤيبٍ الهُذَليّ(١):
٤٤/٢
بصَفا المُشَرَّقِ (١٠) كلَّ يَوْمِ تُقْرَعُ
/حتى كأنّى للحَوَادِثِ مَرْوَةٌ
(١ ) ويُقالُ: المشقَُّ(١). وإنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا
(١) هو الأخيل الطائى. كما فى اللسان (ن ف ی، هـ ى ص، هـ ى ض). وينظر أمالى القالى ٢/ ٨.
(٢) فى الأصل، ت ١، ت ٣، وفى ت ٢: ((التقى)) والنفى: ما وقع عن الرّشاء من الماء على ظهر المُستقى.
وقيل : هو تطاير الماء عن الرشاء عند الاستقاء. اللسان (ن ف ی ).
(٣) ينظر تفسير الطبرى تحقيق الشيخ محمود شاكر ٢٢٥/٢.
(٤) ديوانه ص ٢٤١.
(٥ - ٥) فى م: ((وترى بالأرض)). وفى ت ٢: ((وترى الأرض)).
(٦) فى الأصل: ((زابلا))، وفى الديوان: ((مجمرًا)).
(٧) رضَح الحصى والنَّى تَرْضَحه رَضْحا. كسره ودقُّه . التاج ( رض ح).
(٨) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الصخر)). وينظر القاموس المحيط (م ر و).
(٩) ديوان الهذليين ٣/١ وشرح أشعار الهذليين ١/ ٩، واللسان: (شرق).
(١٠) قال الضبى: المشرّق المُصلَّى. قال ابن الأنبارى: وإنما خص المشرق ؛ لكثرة مرور الناس به . ديوان
المفضليات ص ٨٥٧.
(١١ - ١١) سقط من: الأصل. والمشقر: لفظ رواية أبى عبيدة، قال ابن الأنبارى: يعنى سوق الطائف .=
٧١٠
سورة البقرة : الآية ١٥٨
وَالْمَرْوَةَ﴾. فى هذا الموضع: الجبّلَيْن المسمَّبَيْنِ بهذَيْنِ الاسْمَيْنِ اللذَيْنِ فى حَرَمِه
دونَ سائرِ الصَّفا والمروةِ(١)، ولذلك أدخَل فيهما الألفَ واللَّمَ؛ ليُعْلِمَ عبادَه أنه عنَى
بذلك الجبلَيْ المعروفَيْن بهذَيْنِ الاسمَيْن، دون سائرِ الأصفاءِ والمرْوِ.
وأما قولُه: ﴿ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾. فإنه يَعْنى به : مِن معالم اللهِ التى جعَلَها جلَّ
ثناؤه لعبادِه مَعْلَمًا ومَشْعَرًا يعبدونَه عندَها إِمَّ بالدُّعاءِ، وإِمَّا بالذِّكرِ(٢) ، وإما بأداءٍ ما
فُرضَ عليهم من العملِ عندَها ، ومنه قولُ الگميتِ(٣) بن زيدٍ :
نُقَتِّلُهُمْ جِيلاً(٤) فجِيلًا ذَرَاهُمُ(٥) شَعائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ نَتَقَرَّبُ (١)
وكان مجاهدٌ يقولُ فى الشعائرِ ما حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرو، قال : ثنا أبو
عاصم، حدثنا عيسى، وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةً، قال: حدَّثنا
شِئْلٌ، جميعًا عن ابنٍ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ
اللَّهِ ﴾. قال: من الخيرِ الذى أَخبركم عنه(٧).
فكأنّ مجاهدًا كان يرى أن الشعائرَ إنما هو جمعُ شَعِيرةٍ من إِشْعارِ اللهِ عبادَه أَمْرَ
الصفا والمروةِ ، وما عليهم فى الطوافِ بهما، بمعنى " إعلامِهم ذلك، وذلك تأويلٌ
من المَفْهومِ بعيدٌ .
= ينظر المصدر السابق .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((المرو)).
(٢) فى الأصل: ((الصلاة)). وفى ت ٣: ((بالفكرة)).
(٣) البيت فى اللسان ، والتاج (شعر ).
(٤) فى م: ((جبيلا)).
(٥) فى م، واللسان، والتاج: ((تراهم)). وينظر تفسير الطبرى للشيخ محمود شاكر ٢٢٦/٢ حاشية (٣).
(٦) فى م، ت ٢، ت ٣: ((يتقرب)).
(٧) تفسير مجاهد ص ٢١٧، بزيادة ستأتى فى ص ٧١٦، ٧٢٣، ٧٢٨.
(٨) فى م: (( فمعناه)).
٧١١
سورة البقرة : الآية ١٥٨
وإِنما أعلَمَ اللهُ تعالى ذكرُه بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ
عبادَه المؤمنين أن السَّعىَ بينهما مِن مَشاعرِ الحِّ التى سنَّها لهم، وأمَر بها خليلَه
إبراهيمَ عْرِهِ، إذْ سألَه أن يُرِيَه مناسكَ الحجّ، وذلكَ وإنْ كان مَخرجُه مَخْرَجَ الخبرِ،
فإنه مرادٌ به الأمر؛ لأن الله تعالى ذكره قد أمَر نبيَّه محمدًا عَ لَه باتّباع مِلةِ إبراهيمَ عليه
السلامُ، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَِّعْ مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ حَنِيفًا ﴾ [النحل: ١٢٣]
وجعَل تعالى ذِكرُه إبراهيمَ إمامًا لمن بعدَه، فإذا كان صحيحًا أن الطوافَ والسعىَ بينَ
الصفا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ ومن مَناسِكِ الحِّ، فمعلومٌ أَنَّ إبراهيمَ عَ لَه، قد عمِل
به، وستَّه لَمَنْ بعدَه، وقد أَمِرَ نبيّنا ◌ِلَّهِ وَأَمَّتُه باتِّباعِه ، فعليهمُ العملُ بذلكَ على ما بيَّنه
رسولُ اللَّهِ صَ لّه [٥٨٥/٤].
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ ﴾.
يعنى تعالى ذِكرُه: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ فمَن أتاه عائدًا إليه بعدَ بدءٍ ،
وكذلك كلُّ مَن أكثَرَ الاختلافَ إلى شىءٍ فهو حاجٌ إليه ، ومنه قولُ الشاعرِ(١) :
وَأَشْهَدَ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثيرةً
يَحُجُّونَ بِيتَ(٢) الزِّبْرِقانِ(٢) المُزَغْفَرَا
٤٥/٢
/ يعنى بقولِه يَحُون: يُكثِرِون التردُّدَ إليه لسُؤْدَدِه ورِياسَتِه، وإنَّما قيل
للحاجّ: حاجٌ. لأنه يأتى البيتَ قبلَ التعريفِ (٤)، ثم يعودُ إليه للطوافِ يومَ النَّخْرِ
(١) هو المخبل السعدى، والبيت فى البيان والتبين ٣/ ٩٧، وفى التاج (س ب ب). واللسان (س ب ب، ح
ج ج، ز ب رق ).
(٢) كذا فى النسخ، وفى مصادر التخريج: ((سِبّ)) والسب: هو العمامة كما ذهب إليه الجاحظ ووافقه
الطبرى، وذهب غيرهم إلى أن السب هنا هى الاست. ينظر تعليق الشيخ شاكر ٢٢٨/٣.
(٣) الزبرقان : هو حصين بن بدر الفزارى من سادات العرب. المصدر السابق (س ب ب ).
(٤) التعريف : الوقوف بعرفات . اللسان (ع رف ).
(٥) فى م، ت ٣: ((لطواف)) وفى ت ٢: ((مرة بعد أخرى لطواف)).
٧١٢
سورة البقرة : الآية ١٥٨
بعدَ التعريفِ، ثم يَنْصَرِفُ عنه إلى مِنَّى، ثم يعودُ إليه لِطوافِ الصَّدَرِ (١) ، فلِتَكْرَارِهِ
العَوْدَ إليه مرّةً بعدَ أُخرى قيل له: حاتجٌ. وأما المعتمرُ فإنما قيلَ له: مُعْتَمِرٌ. لأنه إذا
طاف به انْصَرَف عنه بعدَ زيارتِه إيّاه، وأما قولُه: ﴿أَوِ أَعْتَمَرَ ﴾ فإنه يعنى : أو
اعتمَرَ البيتَ ، ويعنى بالاعتمارِ الزيارَةَ، فكلٌّ قاصدٍ لشىءٍ فهو له مُعتمِرٌ، ومنه قولُ
العَجَّاجِ(٢) :
(٢)
لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَرْ
مَغْزَى بَعيدًا مِن بَعِيدٍ وَضَبَوْ(٣)
يعنى بقولِه حينَ اعْتَمر: حين قصَدَه وأَنَّه .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ .
يعنى تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. يقولُ : فلا
حَرَجَ عليه ولا مأْثَمَ فى طوافِه بهما .
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ هذا الكلام، وقد قَلْتَ لنا: إنّ قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اَللَّهِ﴾ وإنْ كان ظاهرُه ظاهرَ الخبرِ، فإنَّه فى معنى الأَمْرِ بالطوافِ
بهما(٤) ؟ فكيف يكونُ أمْرًا بالطوافِ، ثم يقالُ: لا يُجُناعَ على مَن حَجّ البيتَ أو
اعْتَمر فى الطوافِ بهما . وإنما يُوضعُ الجُنَاحُ عمن أتَى ما عليه بإتيانِهِ الجُنَاعَ والحَرَجَ،
(١) طواف الصدر: هو طواف الوداع. وسمى بذلك؛ لأن الناس يصدرون عن مكة بهذا الطواف إلى
أماكنهم بعد قضاء نسكهم. ينظر تاج العروس (ص د ر ).
(٢) ديوانه ص ٥٠.
(٣) قال الأصمعى: إذا وثب الفرس فوقع مجموعة يداه، فذلك الضَّبْرُ. التاج (ض ب ر).
(٤) فى الأصل: ((بينهما)).
٧١٣
سورة البقرة : الآية ١٥٨
فالأمرُ بالطوافِ بهما ، والترخيصُ فى الطوافِ بهما غيرُ جائزِ اجتماعُهما فى حالٍ
واحدةٍ ؟! قيلَ : إِنّ ذلك بخلافٍ ما إليه ذهبتَ(١) ، وإنما معنَى ذلك عندَ أقوامٍ أن النبىَّ
عَظِلّه لما اعتمَرَ عُمرَ القضيّةِ تَحَّبَ (٢) أقوام كانوا يَطُوفون بهما فى الجاهليةِ قبلَ
الإسلامِ لصَنَمَيْن كانا عليْهما؛ تعظيمًا منهم لهما فقالوا: وكيف نطوفُ
بهما، وقد علِمْنَا أن تعظيمَ الأصنامِ وجميع ما كانَ مِن ذلك يُعبدُ مِن دونِ اللهِ
باللهِ شِرٌ، (٣ وطواقُنا) بهذين الحَجَريْن أحدُ ذلك؛ لأن الطوافَ بهما فى الجاهِليةِ
إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما، وقد جاء اللهُ اليومَ بالإسلامِ ولا سبيل إلى تعظيم
شىءٍ مع اللهِ بمعنى العبادةِ له ؟! فأنزل اللهُ تعالى ذِكرُه فى ذلك مِن أمرِهمْ: [٨٦/٤ و] ﴿إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ يعنى: إنّ الطوافَ بهما. فترَك ذِكرَ الطوافِ بهما
اكتفاءً بذكرِهما منه، إذْ كان معلومًا عند المخاطَبينَ به أن معناهُ: من معالم اللهِ
التى جعَلها عَلَمًا لعبادِه يَعبُدونَه عندَهما بالطوافِ بينَهما ويَذْكُرونه عليْهما
وعندَهما، بما هو له أهلٌ من الذِّكرِ، فمَن حجَّ البيتَ أو اعتمَرَ فلا يَتَحَوَّبَنَّ
مِن" الطوافِ بهما، مِن أجل ما كان أهلُ الجاهليةِ يَطوفُون بهما، مِن أجلٍ
الصنَمَيْن الّذيْن كانَا عليهما، فإِنّ أهلَ الشركِ كانوا يَطوفُون بهما كفرًا،
وأنتم تَطوفُون بهما إيمانًا بى(٥) وتصديقًا لرسولِى، وطاعةً لأُمْرِى، فلا جناحَ
عليكم فى الطوافِ بهما .
والجناح: الإثمُ. كما حدثنى موسى ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ذهب)).
(٢) فى م: ((تخوّف))، والتَّحوُّبُ: التحرُّج والتأثُّم. وينظر اللسان (ح و ب ).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٣: ((ففى طوافنا)). وفى ت ٢: ((بطوافين فى صلواتنا)).
(٤ - ٤) فى م: ((يتخوفن)).
(٥) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٧١٤
سورة البقرة : الآية ١٥٨
السُّدىِّ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَفَ بِهِمَا ﴾ . يقولُ: ليس عليه إثم ولكنْ له
أجرٌ.
وبمثلِ الذى قلْنا فى ذلك تظاهرتِ الروايةُ عن السّلفِ من الصحابة والتابعين .
/ذِكرُ الأخبارِ التى رُويتْ بذلك
٤٦/٢
حدثنى محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشواربِ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ ، قال :
ثنا داودُ، عن الشَّعبىِّ، أن وَثَنَا كان فى الجاهليةِ على الصَّفَا يُسمَّى إِسَافًا ، ووَثَنَا على
المَرْوةِ يُسمَّى نائلةَ ، فكان أهلُ الجاهليةِ إذا طافوا بالبيتِ مسَحُوا الوثَتَيْن ؛ فلمَّا جاء
الإسلامُ وكُسرت الأوثانُ ، قال المسلمون : إن الصّفا والمروةَ إنما كان يُطافُ بهما من
أجلِ الوثَنِيْنْ ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ. قال: فَأَنزَل اللهُ أنهما من الشعائرِ:
﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا هُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأَ﴾(١)
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، عن
الشَّعبيّ، نحوَه،وزادَ فيه، قال: فجعَله اللهُ تَطوُّعَ خيرٍ .
حدثنا ابنُ المثنى، قال : ثنا عبدُ الوهابِ ، قال: ثنا داودُ ، عن عامرٍ ، قال: كان
صَنمٌ بِالصَّفا يُدعى إسافًا، ووَثَنّ بالمروةِ يُدعَى نائلةَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ أبى
الشواربٍ، وزادَ فيه، قال: فذُكِّرَ الصَّفا من أجل الوثَنِ الذى كان عليه مذكّرًا ،
وأُنْث المروةُ من أجلِ الوثنِ الذى كان عليه مؤنَّئًا .
حدثنى يعقوبُ، قال : ثنا ابنُ أبى زائدَةَ، قال: أخبرنى عاصم الأحولُ ، قال :
(١) أخرجه سعيد بن منصور فى سننه (٢٣٤ - تفسير) من طريق داود بن أبى هند به . وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ١٦٠/١ إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وعزاه الحافظ فى الفتح ٥٠٠/٣ إلى الفاكهى وإسماعيل
القاضى فى الأحكام بإسناد صحيح عن الشعبى .
٧١٥
سورة البقرة : الآية ١٥٨
قلتُ لأنسٍ بنِ مالكٍ : أَكُنتم تكرهون الطوافَ بينَ الصَّفَا والمروةِ حتى نزَلتْ هذه
الآيةُ؟ فقال: نعمْ كنّا نَكرَهُ الطوافَ بينَهما ؛ لأنهما مِن شعائرِ الجاهليةِ حتى نزَلتْ
هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ ﴾
حدثنى علىُّ بنُ سهلِ الرَّمْلىُ، قال: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن
عاصم، قال : سألتُ أنسًا عن الصفا والمروةِ ، فقال: كانتا من مشاعرِ أهلِ الجاهليةِ ،
فلما كان الإِسلامُ أَمْسَكوا عنهما، فنزلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ الَّهِ﴾(١).
حدثنى عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ "قال: حدثنى أبى»،
قال: حدثنى الحسينُ (٤) المعلِّمُ، قال: ثنا شيبانُ(٥) أبو معاويةَ، عن جابرِ الجُغْفىِّ ، عن
عمرو بنِ حُبشىٍّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ
حَجَّ الْبَيْتَ [٨٦/٤ظ] أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ﴾ قال: انْطلِقْ
إلى ابنِ عباسٍ فاسْأَلْه، فإِنه أعلمُ مَن بقىّ بما أَنزِل على محمدٍ عَِّهِ، فأتيتُه فسألتُه ،
فقال: إنه كان عندَهما أصْنَامٌ(١)، فلمَّا محُرِّمْنَ أَمسَكوا عن الطوافِ بينهما حتى
أَنزلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾(٢).
(١) أخرجه البخارى (١٦٤٨)، ومسلم (١٢٧٨)، والنسائى فى الكبرى (٣٩٥٩)، وابن خزيمة (٢٧٦٨)
من طرق عن عاصم به . وينظر ما سيأتى فى ص ٧١٧، ٧٢٣ .
(٢) أخرجه عبد بن حميد (١٢٢٤ - منتخب)، والبخارى (٤٤٩٦)، والترمذى (٢٩٦٦)، وابن أبى حاتم
فى تفسيره ٢٦٧/١ (١٤٣٢) من طريق سفيان به .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((أبو الحسين)). ينظر تهذيب الكمال ٦/ ٤٧٢.
(٥) فى م: ((سنان)) وهو تحريف .
(٦) بعده فى الأصل: (( وعند البيت أصنام)). وليس فى مصدر التخريج.
(٧) ذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٣١ عن عمرو بن حبشى، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/١ إلى المصنف.
٧١٦
سورة البقرة : الآية ١٥٨
حدثنى المثنى ، قال : ثنا عبدُ اللهِ ، قال: حدثنى معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ
عباس قولَه: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾. وذلك أن ناسًا تَحرَّمجوا (١) أن
يَطَّّفُوا بينَ الصفا والمروةِ، فأخبَر اللهُ أنهما مِن شعائرِهِ، والطوافُ بينَهما أحبُّ
إليه(٢) ، فمضت السُّنةُ بالطوافِ بينَهما(٢).
٤٧/٢
حدثنى موسى، قال: ثنا عَمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ
بِهِمَا﴾. قال: زعَم أبو مالكِ، عن / ابنِ عباس أنه كان فى الجاهليةِ شياطينُ
تعزِفُ (٤) الليلَ أجمعَ بينَ الصفا والمروةِ، وكانت بينَهما آلهةٌ، فلمّا جاء الإسلامُ
وظهَر، قال المسلمون: يا رسولَ اللهِ لا تَطُوفَنَّ(٥) بينَ الصفا والمروةِ، فإنه شِرْكٌ كنّا
نَصْنَعُهُ(١) فى الجاهليةِ فأنزل اللهُ: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَأَ﴾(٧).
حدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ سَعَابِرِ اللهِ﴾ قال: قالت الأنصارُ: إن السعىَ بينَ
هذينِ الحَجَريْن مِن أمرِ الجاهليةِ، فأنزل اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
شَعَِّرِ اللَّهِ﴾(٨).
(١) فى م: ((كانوا يتحرّجون)).
(٢) فى الأصل: ((إلى)). وينظر مصدر التخريج.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٥٩/١ إلى المصنف.
(٤) عزيف الجن: جرس أصواتها . اللسان (ع ز ف ).
(٥) فى م: ((نطوف)).
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( نفعله)).
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٧/١ (١٤٣٥)، والحاكم ٢٧١/٢ من طريق عمرو عن أسباط به .
كلاهما بزيادة فى آخره ((يقول: ليس عليه إثم ولكن له أجر)). وأخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ١٠٠
من طريق عامر بن الفرات ، عن أسباط به .
(٨) أخرجه سعيد بن منصور سننه (٢٣٥ - تفسير) عن ابن علية به . وتقدم أوله فى ص ٧١٠.
٧١٧
سورة البقرة : الآية ١٥٨
حدثنى محمدُ بنُ عَمرو ، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عیسی ، عن ابنٍ أُبی
نجیح ، عن مجاهدٍ نحوه .
(١ حدثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةً، قال: حدثنا شِبلٌ ، عن ابنِ أبى
تَجیح ، عن مجاهدٍ نحوه ) .
حدثنى يونسُ، قال: أُخْبَرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال: كان أهلُ الجاهليةِ قد وضَعوا على كلِّ واحدٍ
منهما صنمًا يُعَظِّمونَهما؛ فلمَّا أَسلَم المسلمون كرِهوا الطوافَ بالصفا والمروةِ لمكانٍ
الصنَميْنْ، فقال اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ
أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقرَأ: ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا
مِن تَقْوَ الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وسَنَّ رسولُ اللهِ عَِِّّ الطوافَ بهما .
حدثنا ابنُ محُميدٍ ، قال : ثنا جريرٌ، عن عاصم ، قال : قلت لأنسٍ بنِ مالكٍ :
الصفا والمروةَ أكنتمْ تكرَهون أنْ تطوفُوا بهما مع الأصنامِ التى نُهيتُم عنها ؟ قال: نعمْ
(٢)
حتى نزَلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ
حدثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصم، قال : سَمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ
يقولُ : إِن الصفا والمروةَ كانا من مشاعرٍ قريشٍ فى الجاهليةِ، فلمَّا كان الإِسلامُ
تَرَكْنَاهُما .
وقال آخرون: بل أنزل اللهُ تعالى ذكره هذه الآيةَ فى سببٍ قومٍ كانوا فى
الجاهليةِ لا يسعَوْنَ بينَهما، فلما جاءَ الإِسلامُ [٥٨٧/٤] تَحَوَّبوا السعْىَ بينَهما كما
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٧١٥ .
(٣) فى م: ((تخوّفوا)).
٧١٨
سورة البقرة : الآية ١٥٨
كانوا يَتَحَوَّبُونه(١) فى الجاهليةِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ، فكان حىٌّ مِن تِهامَةً فى الجاهليةِ لا يسعَوْن
بينَهما، فأخبرهمُ اللهُ أنّ الصفا والمروةَ من شعائرِ اللهِ وكان من سُنةِ إبراهيمَ
وإسماعيلَ الطوافُ بينَهما (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال : أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن
قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهل تِهامةَ لا يَطُوفُونَ بين الصفا والمروةِ ، فأنزلَ اللهُ: ﴿ إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ قال: حدَّثنى الليثُ، قال: حدَّثنی ◌ُقيلٌ،
عن ابنِ شهابٍ، قال : حدَّثنى عروةُ بنُ الزبيرِ ، قال: سألتُ عائشةَ فقلتُ لها :
أرأيتِ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن سَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَظَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقلتُ لعائشةَ: واللهِ ما على أحدٍ جناح أن لا
يُطُوفَ بالصفا والمروةِ؟ فقالتْ عائشةُ : بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أختِى ، إن هذه الآيةَ لو
كانت كما أوَّلْتَها كانت : لا بجناحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما، ولكنها إنما أُنزِلتْ فى
٤٨/٢ الأنصارِ كانوا /قبلَ أنْ يُسلموا يُهِلُّونَ لَنَاةَ الطاغيةِ التى كانوا يَعْبُدونَ بالمُشَلَّلُ(١).
وكان مَن أهَلَّ لها يَتَحرَّجُ أن يَطُوفَ بالصفا والمروةِ ، فلمّا أسلموا سألوا رسولَ اللَّهِ
مَ الِ عن ذلك، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنّ كنّا نتحرّجُ أن نطوفَ بالصَّفَا والمروةِ . فلما
(١) فى م: (( يتخوّفونه)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٦٠/١ إلى المصنف.
(٣) المشلّل، بالضم ثم الفتح: جبل يُهبط منه إلى قُديدٍ (موضع قرب مكة) من ناحية البحر. ينظر معجم
البلدان ٥٤٣/٤، ومعجم ما استعجم ١٠٥٥/٣، ١٢١٧/٤، ٠١٢٣٣
٧١٩
سورة البقرة : الآية ١٥٨
سألوا رسولَ اللَّهِ عن ذلك؛ أَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِرِ اللَّهِ
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَ هُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾. قالت عائشةُ: ثم
قدْ سنَّ رسولُ اللَّهِ وَمِ الطوافَ بينَهما، فليس لأحدٍ أن يتركَ الطوافَ بينَهما (١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
الزهرىِّ، عن ◌ُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجالٌ مِن الأنصارِ مِمَّن يُهِلُّ لَنَاةَ فى
الجاهليةِ، ومَناةُ صَنمٌ بينَ مكةً والمدينةِ ، قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ ، إنّ كنا لا نطوفُ بينَ
الصفا والمروةِ تعظيمًا لمناةَ ، فهلْ علينا مِن خَرَج أن نطوفَ بهما؟ فأنزل اللَّهُ تعالَى
ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَن يَطَوَّفَ بِهِمَا﴾ قال عروةُ: فقلت لعائشةَ: ما أبالِى أن لا أطوفَ بينَ
الصفا والمروةِ ، قال اللَّهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ قالت: يا ابنَ أختِى ، ألا ترى أنه
يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ ﴾. قال الزهرىُّ: فذكرتُ ذلك لأبى
بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، فقال: هذا العلمُ ! قال أبو بكرٍ : ولقد
سمِعتُ رِجالاً مِن أهلِ العلم يقولون: لمّا أَنزَل اللَّهُ [٨٧/٤ ] الطوافَ بالبيتِ، ولم يُنزِلِ
الطوافَ بينَ الصفا والمروةِ، قيل للنبىِّ مِ لّهِ: إِنّا كُنا نطوفُ فى الجاهليةِ بينَ الصفَا
والمروةٍ، وإنّ اللَّهَ قد ذكّر الطوافَ بالبيتِ ، ولم يَذْكُرِ الطوافَ بينَ الصفا والمروةِ،
فهل علينا مِن حرَج أن لا نطوفَ بهما؟ فأنزل اللَّهُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ
مِن شَعَآبِرِ اللَّهِ﴾ الآيةَ كلَّها. قال أبو بكرٍ: فأسمعُ هذه الآيةَ نزلتْ فى الفريقينْ
كلَيْهما؛ فيمن طافَ وفيمن لمْ يَطُفْ(٢) .
(١) أخرجه مسلم (٢٦٢/١٢٧٧)، والبيهقى ٩٦/٥، ٩٧ من طريق ليث به. وأخرجه أحمد ١٤٤/٦،
٢٢٧ (الميمنية)، والبخارى (١٦٤٣، ٤٨٦١)، ومسلم (٢٦١/١٢٧٧، ٢٦٣)، والترمذى (٢٩٦٥)،
والنسائى (٢٩٦٧، ٢٩٦٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٦٦/١ (١٤٣٠، ١٤٣١) من طريق الزهرى به.
وسيأتى من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه فى ص ٧٢١، ٧٢٦.
(٢) أخرجه أحمد ١٦٢/٦ (الميمنية)، وابن أبى داود فى المصاحف ص ١٠٠ من طريق عبد الرزاق به .
٧٢٠
سورة البقرة : الآية ١٥٨
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةً لا يطوفون بينَ الصفا والمروةِ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَيْرِ اللّهِ﴾(١).
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندنَا ، أن يُقالَ: إِنّ الله تعالی ذ کرُه قد جعل
الطوافَ بينَ الصفا والمروةِ مِن شعائرِ اللَّهِ، كما جعَل الطوافَ بالبيتِ مِن شعائرِهِ،
فأما قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فجائزٌ أن يكونَ قيلَ لكلا
الفريقين اللّذْنِ تَحَوَّب(٢) بعضُهم الطوافَ بهما مِن أجلِ الصّنمينْ اللَّذيْنِ ذكَرهما
الشعبىُّ(٤)، وبعضُهم من أَمْلِ ما كان مِن كراهتِهم الطوافَ بهما(٥) فى الجاهليةِ
على ما رُوىَ عن عائشةً. وأىُّ الأمرينِ كان مِن ذلك فليسَ فى قولِ اللَّهِ تعالى
ذِكرُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَأْ﴾ دلالةٌ " فى الآية" على أنه عنى به
وضْعَ الحرَجِ عمَّن طاف بهما، مِن أجلٍ أن الطوافَ بهما كان غيرَ جائزٍ بحظْرِ اللَّهِ
ذلك، ثم جَعَل الطوافَ بهما رُخْصةٌ؛ لإجماع الجميع على أنَّ اللَّهَ تعالى ذِكرُه لم
يَحظُرْ ذلك فى وقتٍ، ثم رخّص فيه بقولِه: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطّوَّفَ
وإنما الاختلافُ فى ذلك بينَ أهلِ العلم على أَوْجُهٍ ؛ فرأى بعضُهم أن تاركَ
٤٩/٢ الطوافٍ بينَهما تاركٌ مِن مَناسكِ /حَجِّهِ ما لا يُجزتُه منه غيرُ قضائِه بعَيْنِه، كما لا
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) تقدم فى ص ٧١٨ .
(٣) فى م: ((تخوف)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٧١٣ .
(٥) فى الأصل: (( بينهما)).
(٦ - ٦) سقط من: م .