النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سورة البقرة : الآية ١٣٧
-
بين التصديقَينْ والإقرارَيْن اللذين هما إيمانُ هؤلاءٍ وإيمانُ هؤلاءِ، كقولِ القائلِ: مَّ
عمرو بأخيك مثلَ ما مرَرْتُ به. يعنى بذلك : مَّ عمرو بأخيك مثلَ مرورِی به .
فالتمثيلُ(١) إِنما دخَل تمثيلًاً بين المرورَيْن، لا بين عمرٍو وبين المتكلِّم، فكذلك قولُه:
﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ﴾ إنما وقَع التمثيلُ بين الإِيمانَيْ لا بين المؤمَنِ به.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِن نَوَلَّوْ فَإَِّا هُمْ فِ شِقَاقٍ ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِنِ نَوَلَّوْاْ﴾: وإن تَوَلَّى هؤلاء الذين قالوا لمحمدٍ
عَ لَّهِ وأصحابِهِ : كونوا هُودًا أَو نَصارَى. فأعرَضوا، ولم يُؤْمِنوا مثلَ إِيمانِكم أيها
المؤمنون باللّهِ ، وبما جاءت به الأنبياءُ، وابْتُعِثتْ به الرسلُ، وفَّقُوا بين رسلِ اللَّهِ ،
وبين اللَّهِ ورسُولِه(٢) ، فصدَّقوا ببعضِ وكَفروا ببعضٍ، فاعلَمُوا أيها المؤمنون أنهم إنما
هم فى عِصيانٍ وفِراقٍ وحربٍ للَّهِ ولرسولِه ولكم .
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، ("قال: حدَّثنا سعيدٌ عن قتادةَ:
﴿فَإَِّا هُمْ فِ شِقَاقٍ ﴾ أى: فى فِراقٍ (٤) .
وحدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال ثنا ابنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن الربيعِ :
فَإِّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ ﴾ يعنى : فِراقٍ (٥) .
وحدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِن نَوَلَّوْاْ فَإِنَّا
= أبى عطاء القصاب، وأبو جمرة نصر بن عمران كلاهما رويا عن ابن عباس، وروى عنهما شعبة.
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((والتمثيل)).
(٢) فى م، ت ١: (( ورسله)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٤/١ عقب الأثر (١٣١١) معلقًا .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٤/١ عقب الأثر (١٣١١) من طريق ابن أبى جعفر به.

٦٠٢
سورة البقرة : الآية ١٣٧
هُمْ فِى شِقَاقٍ﴾ قال: الشِّقاقُ المنازعةُ والمحاربةُ ، إذا شاقَّ فقد حارَبَ ، وإذا حارَبَ
فقد شاقَّ، وهما واحدٌ فى كلامِ العربِ. وقرَأ: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء:
١١٥] .
وأصلُ الشِّقاقِ عندنا، واللَّهُ أعلمُ ، مأخوذٌ من قولِ القائلِ: شقَّ علىّ(١) هذا
الأمرُ، إذا كَرَّثَه(٢) وآذاه . ثم قيل: شاقّ فلاٌ فلانًا. بمعنى : نال كلَّ واحدٍ منهما مِن
٥٧٠/١ صاحبه ما كَرَثَه / وآذاه [٥٨/٤و] وأَثْقلَتْه مَساءتُه، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه ﴿ وَإِنْ
خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]. بمعنى: فِراقَ بينهما.
ج
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَسَكْفِكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(١٣٧)
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾: فسيَكْفِيك اللَّهُ يا محمدُ هؤلاءٍ
الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كونوا هُودًا أو نَصارَى تَهْتَدُوا﴾. من اليهودِ
والنصارَى، إن هم تَوَلَّوْا عن أن يُؤْمِنوا مثلَ (٣) إيمانٍ أصحابِك باللَّهِ، وبما أُنزِل إليك ،
وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ وسائرِ الأُنبياءِ غيرِهم، وفَوَقوا بين اللَّهِ ورسِلِهِ،
إما بقتل بالسيفِ ، وإما بجلاءٍ عن جِوارِك، وغيرٍ ذلك من العقوباتِ ، فإن اللَّهَ هو السميعُ لما
يقولون لك بألسنتِهم، ويُتْدُون لك بأفواهِهم من الجهلِ والدعاءِ إلى الكفرِ والمللِ الضالّةِ،
العليمُ بما يَنْطُوون(٤) لك ولأصحابِك من المؤمنين عليه(٥) فى أنفسِهم من الحسَدِ
والبغضاءِ، ففعَل اللَّهُ بهم ذلك عاجلًا، وأَنْجَزَ وَعْدَه، فكفاهم (١) نبيّه ◌َ اقام بتسليطِه إياه
عليهم حتى قَتَل بعضَهم، وأَجلَى بعضًا، وأَذلَّ بعضًا وأَخزاه بالجِزْيَةِ والصَّغَارِ .
(١) فى م، ت ١، ت ٢ ت ٣: ((عليه)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كربه))، وكرثه الأمر يَكْرِثه ساءه واشتد عليه وبلغ منه المشقة . اللسان ( كرث).
(٣) فى م، ت ٢: ((بمثل)).
(٤) فى م: ((يبطنون))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ينطرون)).
(٥) سقط من : م، ت١، ت٢.
(٦) فى م، ت ٢: ((فكفى)).

٦٠٣
سورة البقرة : الآية ١٣٨
القول فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾
يعنى تعالى ذكرُه بالصِّبغةِ صبغةَ الإِسلام، وذلك أن النصارَى إذا أرادت أن
تُنَصِّرَ أطفالَهم جعَلتهم فى ماءٍ لهم تزعُمُ أن ذلك لها تقديسٌ بمنزلةِ الخِتَانِةِ() لأهل
الإسلام، وأنه صِبغةٌ لهم فى النصرانيةِ ، فقال اللَّهُ تعالى ذكره ، إذ قالوا لنبيّه محمدٍ
عَلَه وأصحابِه المؤمنين به: ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىْ تَهْتَدُواْ﴾: قل لهم يا
محمدُ : أيُّها اليهودُ والنصارَى، بل اتَّبِعُوا ملةَ إبراهيمَ صِبغةَ اللَّهِ التى هى أحسنُ
الصِّبَغ، فإنها هى الحَنِيفيّةُ الْمُسلِمَةُ، ودَعُوا الشركَ باللَّهِ والضلالَ عن مَحَجّةِ هُداه .
ونَصَب (الصِّبغةَ)) مَن قرَأَها نَصْبًا على الردِّ على ((الملةِ))، وكذلك رفَع
((الصِّبغةَ)) مَن رفَع ((المِلةَ)) على ردِّها عليها. وقد يجوزُ رفعُها على غيرِ هذا الوجهِ ،
وذلك على الابتداءٍ، بمعنى: هى صِبغةُ اللَّهِ . وقد يجوزُ نصبُها على غیرِ وجهِ الردٌ
على ((الملةٍ))، ولكن على قولِه: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿ وَنَّحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ صبغةَ اللَّهِ، بمعنى: آمَنَّا هذا الإِيمانَ. فيكونُ الإيمانُ حينئذٍ هو صِبغةَ اللَّهِ .
وبمثلِ [٥٨/٤ظ] الذى قلنا فى تأويلِ ((الصِّبغةِ)) قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ
أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾: إن اليهودَ تَصْبُغُ أبناءَها يهودَ ، والنصارَى تَصْبُغُ
أبناءَها نصارَى ، وإن صبغةَ اللَّهِ الإِسلامُ، فلا صِبْغةَ أحسنُ من الإسلامِ ولا أَظْهرُ،
وهو دينُ اللَّهِ الذى بعَث به نوحًا والأنبياءَ بعدَه(٢) .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((غسل الجنابة)). وينظر معانى القرآن للفراء ١/ ٨٢.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤١/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر.

٦٠٤
سورة البقرة : الآية ١٣٨
حدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حجّاجٌ، عن ابنٍ جريج ، قال :
قال لى عطاءٌ: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: صَبَغت اليهودُ أبناءَهم، خالَفُوا الفِطرةَ .
واختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: دينَ
اللهِ .
/ ذكرُ من قال ذلك
٥٧١/١
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دينَ اللَّهِ(١) .
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال : ثنا وكيع، عن أبى جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ
فى قولِه: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ﴾ قال: دينَ اللَّهِ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾ :
ومَن أحسنُ من اللَّهِ دينًا(٢)؟.
وحدثنا المثَّنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
(٣)
مثلَه(٣) .
وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال : ثنا
سفيانُ، عن رجلٍ ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤) .
وحدثنى المثنَّى، قال : ثنا أبو نُعَيم ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه .
وحدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أَبِى تَجيحٍ ، عن
(١) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٠.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٥/١ عقب الأثر (١٣١٣، ١٣١٥) من طريق أبى جعفر به.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٥/١ عقب الأثر (١٣١٣، ١٣١٥) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) أخرجه عبد بن حميد - كما فى الفتح ١٦١/٨ من طريق منصور، عن مجاهد ، وهو فى تفسير سفيان
ص ٤٩ من قوله .

٦٠٥
سورة البقرة : الآية ١٣٨
مجاهدٍ مثله .
وحدثنا أحمدُ بنُ إِسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ
مرزوقٍ ، عن عطيةً قولَه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دينَ اللَّهِ(١).
وحدثنا موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ﴾ يقولُ: دينَ اللَّهِ، ومن
أحسنُ من اللَّهِ دينًا(٢) ؟.
وحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنی عمِّى، قال :
حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دينَ اللَّهِ(٣).
وحدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ:
صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دينَ اللَّهِ.
وحدثنى ابنُ البَرْقَيِّ ، قال : ثنا عمرُو بن أبى سلمةَ، قال : سألتُ ابنَ زيدٍ عن
قولِ اللّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ﴾ ( قال: دينَ اللَّهِ) .
وقال آخرون: ﴿صِبْغَةً اَللَّهِ﴾: فطرةَ اللَّهِ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح،
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٥/١ عقب الأثر (١٣١٣) معلقًا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٥/١ عقب الأثر (١٣١٣، ١٣١٥) من طريق عمرو به.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤١/١ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٥/١ (١٣١٣)
من طريق الضحاك ، عن ابن عباس .
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فذكر مثله)).

٦٠٦
سورة البقرة : الآية ١٣٨
عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللّهِ ﴾ قال: فطرةَ اللَّهِ التى فطَر الناسَ عليها(١).
وحدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ ، قال : ثنا ابنُ
لَهِيعةً، عن جعفرٍ بنٍ ربيعةً، عن مجاهدٍ : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ [١٥٩/٤] مِنَ اللَّهِ
صِبْغَةَ﴾. قال : الصِّبغةُ الفطرةُ .
وحدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن
مجاهدٍ، قال: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: الإسلامَ، فطرةَ اللَّهِ التى فطرَ الناسَ عليها . قال ابنُ
جريج: قال لى عبدُ اللَّهِ بنُ كَثِيرٍ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال: دينَ اللَّهِ، ومَن أحسنُ من
اللَّهِ دينًا ؟ قال : هى فطرةُ اللَّهِ .
قال أبو جعفرٍ : ومن قال هذا القولَ فوجَّه الصِّبغةَ إلى الفطرةِ، فمعناه: بل نَتَّبُ
٥٧٢/١ فطرةَ اللَّهِ وملْتَه / التى خَلَق عليها خلقه، وذلك الدينُ القيِّمُ، من قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه
﴿ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] بمعنى: خالقِ السماواتِ والأرضِ.
٣٨
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه : ﴿ وَغَحْنُ لَهُ عَبِدُونَ
وقولُه تعالى ذكره: ﴿ وَفَحْنُ لَهُ عَبِدُونَ﴾ أمرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه عَلِ أَن
يقولَه لليهودِ والنصارَى الذين قالوا له ولَمَن تَبعه من أصحابِهِ: ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ
نَصَرَى﴾ فقال النبيِّه محمدٍ ◌َ ◌ِهِ: قُلْ: بل نَشَّبِعُ ملةَ إِبْرَاهيمَ حَنِيفًا صِبْغَةَ اللَّهِ، ونَحْنُ
لَهُ عابِدُونَ - "ويعنى بالعابدين": الخاضعين للَّهِ المستكِينِين له - فى اتّباعِنَا ملةً
إِبْرَاهِيمَ ودَيْنُونَتِنا له بذلك، غيرَ مستكبِرِين عليه(٢) فى اتِّباع أمرِهِ والإقرارِ برسالة(٤)
(١) تفسير مجاهد ص ٢١٤، وعزاه الحافظ فى الفتح ٨/ ١٦١، والسيوطى فى الدر المنثور ١٤١/١ إلى عبد
ابن حميد من طريق ابن أبى نجیح به .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يعنى ملة)).
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رسالته)).

٦٠٧
سورة البقرة : الآيتان ١٣٨، ١٣٩
رُسلِهِ، كما استكْبَرت اليهودُ والنصارَى، فكفَروا بمحمدٍ عَّ الِ استكبارًا وبَغْيًا وحسَدًا .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ أَتْحَاجُونَنَا فِىِ اَللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ
١٣٩
وَلَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قُلْ أَتُحَآَ جُونَنَا فِىِ اللَّهِ﴾: قل يا محمدُ لَعَاشِ اليهودِ
والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ﴾
وزعَموا أن دينَهم خيرٌ من دينكم، وكتابَهم خيرٌ من كتابِكم؛ لأنه كان قبلَ
كتابِكم، وزعموا أنهم من أجلِ ذلك أَوْلَى باللّهِ منكم - : أتُحاُوننا فى اللَّهِ وهو ربًُّا
وربُّكم؟ بيدِه الخيراتُ، وإليه الثوابُ والعقابُ، والجزاءُ على الأعمالِ ، الحسناتِ
منها والسيئاتِ ، فتزعُمون أنكم أولى باللّهِ منا من أجلٍ أن نبيَكم قبلَ نبيّنا ،
وكتابَكم قبلَ كتابِنا، وربُّكم وربُّنا واحدٌ، وإنّما (١) لكلِّ فريقٍ منا ما عَمِل
واكتسَب من [٥٩/٤ظ] صالح الأعمالِ وسيِّها، وعليها١) يُجازَى، فيثابُ أو
يُعاقَبُ، لا على الأنسابِ وقِدَمِ الدينِ والكتابِ .
ويعنى بقوله: ﴿قُلْ أَتُحَآتُونَنَا﴾ قَلْ: أَتُخاصِموننا وتُجَادِلُوننا ؟
كما حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ
أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُونَنَا فِىِ اللَّهِ﴾ قل: أتُّخاصِمُوننا؟
حدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿قُلْ أَتُحَآْجُونَنَا﴾:
أتُخاصِمُوننا ؟
حدثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنی ابی ، قال : حدثنی عمِّی ، قال : حدثنى
(١) فى م، ت ١، ت ٢: ((إن)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٦٠٨
سورة البقرة : الآيتان ١٣٩، ١٤٠
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ "﴿أَتُمَاْ جُونَنَا﴾: أتُّادِلوننا؟؟
فأمّا قولُه: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فإنه يعنى: ونحنُ للَّهِ مُخْلِصو العبادةِ
والطاعةِ ، لا نُشرِكُ به شيئًا، ولا نَعْبُدُ غيرَه أحدًا، كما عبّد أهلُ الأوثانِ معه الأوثانَ ،
وأصحابُ العجلِ معه العجلَ. وهذا من اللَّهِ تعالى ذكرُه توبيخٌ لليهودِ واحتجاجٌ
لأَهلِ الإِيمانِ، بقوله تعالى ذكرُه للمؤمنين من أصحاب محمدٍ مَ له : قولوا - أيها
المؤمنون لليهودِ والنصارى الذين قالوا لكم: ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى
تَهْتَدُواْ﴾ -: أَتُجادلوننا(٢) فى اللَّهِ. وإنما (٣) يعنى بقولِه: ﴿فِ اَللَّهِ﴾: فى دينِ اللَّهِ
الذى أمَرنا أن نَدِينَه به، وربُّنا وربُّكم واحدٌ عَدْلٌ لا يَجورُ، وإنما يُجازِى العبادَ على ما
اكْتَسَبوا، فتَزْعُمون أنَّکم أَوْلَی باللَّهِ منا لقِدَمِ دینکم و کتابِکم ونبێکم، ونحن
مُخلِصون له العبادةَ / لم نُشرِكْ به شيئًا، وقد أَشركْتُم فى عبادتِكم إياه، فعبد
بعضُكم العجلَ، وبعضُكم المسيحِ، فَأَنَّى تكونوا خيرًا منا، وأَوْلَى باللَّهِ منا؟
٥٧٣/١
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿ أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وفى قراءةِ ذلك وجهان؛ أحدُهما: ﴿أَمْ نَقُولُونَ﴾ بالتاءِ ،
فمَن قرَأَه كذلك، فتأويلُه: قل يا محمدُ - للقائلين لك من اليهودِ والنصارَى:
كُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ﴾ -: أتُجادِلُوننا فى اللَّهِ ؟ أمْ تُقَولُونَ: إن إبْرَاهيمَ؟
(١ - ١) فى الأصل: ((تحاجون: تجادلون)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/ ١٤١، إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٥/١
(١٣١٦) من طريق الضحاك، عن ابن عباس بلفظ ((أتخاصموننا)).
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((أتحاجوننا)).
(٣) سقط من : م.
(٤) وهى قراءة حفص عن عاصم وابن عامر وحمزة والكسائى. ينظر حجة القراءات ص ١١٥ .

٦٠٩
سورة البقرة : الآية ١٤٠
فيكونُ ذلك معطوفًا على قولِه ﴿ أَتُحَآَجُونَنَا﴾ .
والوجهُ الآخرُ منهما: (أم يقولون) بالياءٍ(١) . ومن قرَأ ذلك كذلك وجَّه قولَه:
(أم يقولون ) إلى أنه استفهامٌ مُستأنَفٌ كقوله: ﴿أَمَّ يَقُولُونَ أَفْتَرَهُ ﴾ [ يونس: ٣٨].
وكما يقالُ : إنها لإبلٌ أم شاءٌ؟ وإنما جعَله استفهامًا مستأنَفًا لمجىءٍ خبرٍ مُستأنَفٍ ،
كما يقالُ: أتقومُ أم يقومُ أخوك؟ فيصيرُ قولُه: أم يقومُ أخوك؟ خبرًا مستأنَفًا
بجملةٍ (٢) ليست من الأوّلِ واستفهامًا مبتدأً، ولو كان نَسَقًا على الاستفهامِ الأوّلِ
لكان خبرًا عن الأوّلِ ، فقيل: أتقومُ أم تقعدُ؟
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ أن ذلك إذا قُرِئ [٦٠/٤و] كذلك بالياءِ ، فإن كان
الذى بعد ((أَمْ)) جملةً تامةً فهو عطفٌ على الاستفهامِ الأُوّلِ؛ لأن معنى الكلامِ قيل :
أُّ هذين الأمرَيْن كائنٌ ، أهذا أم هذا؟
والصوابُ من القراءةِ عندنا فى ذلك: ﴿أَمْ نَقُولُونَ﴾ بالتاءِ دون الياءِ(١) ،
عطفًا على قولِه: ﴿قُلْ أَتُحَآْجُونَنَا﴾ بمعنى: أيَّ هذين الأمرَيْن تفعَلون ؟ أتُجَادِلُوننا فى
دينِ اللَّهِ؟ فَتَزَعُمون أنكم أَوْلَى مِنّا ، وأَهْدَى منّا سبيلاً، وأمْرُنا وأَمْرُكم ما وصَفْنَا على
ما قد بَيّنّاه آنفًا(*) ، أم تزعُمون أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ ومن سمَّى اللَّهُ
كانوا هُودًا أو نَصارَى على مِلَّتِكم؟ فيَضِحُ للناسِ بَهْتُكم وكَذِبُكم؛ لأن اليهوديةَ
والنصرانيةَ حدَثَتْ بعدَ هؤلاءِ الذين سمّاهم اللَّهُ من أنبيائه. وغيرُ جائزةٍ قراءةُ ذلك بالياءِ
الشذوذِها عن قراءةِ القَرَأَةِ .
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو، وأبى بكر عن عاصم. حجة القراءات ص ١١٥.
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لجملة)).
(٣) القراءتان كلتاهما صواب ؛ لأنهما متواترتان .
(٤) فى م ، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أيضا)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يصح)).
( تفسير الطبرى ٣٩/٢ )

٦١٠
سورة البقرة : الآية ١٤٠
وهذه الآيةُ أيضًا احتجاج من اللَّهِ تعالى ذكرُه النبيِّه عَ لِّ على اليهودِ والنصارَى
الذين ذكَر اللَّهُ قَصَصَهم، يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ عَّ ◌َله: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ اليهودِ
والنصارَى: أَتُحَاجُوننا فى اللَّهِ ، وتزعمون أن دينَكم أفضلُ من ديننا، وأنَّكم على
هُدَّى ونحن على ضلالةٍ بيزهانٍ من اللَّهِ تعالى ذكرُه فتَدْعُوننا إلى دينكم ؟ فهاتُوا
برهانكم على ذلك فتَتبِعَكم عليه. أم تقولون: إنّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ
ويعقوب والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارَى على دينكم ؟ فهاتوا على دَعْواكم ما ادَّعيتم
من ذلك بُرْهانًا فتُصَدِّقَكم، فإن اللَّهَ قد جعَلَهم أئمةً يُقْتَدَى بهم ، ثم قال تعالى ذكرُه
النبيِّه عَّهِ: قل لهم يا محمدُ إن ادَّعَوا أن إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ
والأسباطَ كانوا هُودًا أو نَصارَى: أأنتم أَعْلمُ بهم وبما كانوا عليه من الأديانِ أم اللَّهُ؟
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾
٥٧٤/١
/ يعنى جل ثناؤه بذلك: فإن زعَمَتْ يا محمدُ اليهودُ والنصارى الذين قالوا
لك ولأصحابِك: ﴿كُونُواْ هُودَّا أَوْ نَصَرَى﴾، أن إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ
ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هُودًا أو نصارَى، فمن أظلمُ منهم؟! يقولُ: وأُّ امرِىٌّ
أظلمُ منهم وقد كَتَموا شهادةً عندَهم من اللَّهِ بأن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ
ويعقوب والأسباطَ كانوا مسلمين، فَكَتَموا ذلك ونحَلُوهم اليهوديةَ والنصرانيةَ .
واختلف أهلُ التأويلِ فی تأويل ذلك ؛ فحدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو
عاصم، قال: ثنا [٦٠/٤ظ] عيسى، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ﴾ قال: فى قولٍ يهودَ لإبراهيمَ وإسماعيلَ ومَن
ذُكِر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فيقولُ اللَّهُ: لاتَكْتُموا منى شهادةً إن كانت
عندَكم فيهم. وقد عَلِم أنهم كاذبون(١).
(١) تفسير مجاهد ص ٢١٥، وعزاه السيوطى أيضا فى الدر المنثور ١٤١/١ إلى عبد بن حميد.

٦١١
سورة البقرة : الآية ١٤٠
وحدثنى المثنَّى ، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: فى قولِ اليهودِ
لإبراهيمَ وإسماعيلَ ومن ذُكِر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى. فقال اللَّهُ لهم:
لا تَكْتُموا منى الشهادةَ فيهم إن كانت عندَكم فيهم، وقد عَلِمِ اللَّهُ أنَّهم كانوا
كاذبين .
وحدّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى إسحاقُ ، عن أبى الأشهبِ،
عن الحسنِ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِعَمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾. إلى قولِه: ﴿قُلْ
ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الحسنُ:
واللَّهِ لقد كان عندَ القوم من اللَّهِ شهادةٌ أن أنبياءَه بُرَآءُ من اليهوديةِ والنصرانيةِ ، كما
أن عندَ القومِ من اللَّهِ شهادةً أن دماءكم وأموالكم حرام بينكم ، فبم استحلُّوها(١)؟.
وحدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع قولَه :
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ﴾: أهلُ الكتابِ كَتَموا الإسلامَ،
وهم يعلمون أنه دينُ اللَّهِ ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيلِ ، أنهم لم
يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهوديةُ والنصرانيةُ بعدَ هؤلاءِ بزمانٍ (١) ..
وإنما عَنَى تعالى ذكرُه بذلك أن اليهود والنصارى إن ادَّعَوْا أن إبراهيمَ ومن
سُمِّىَ معه فى هذه الآيةِ كانوا هودًا أو نصارَى، تَبَيَّنَ(١) لأَهلِ الشركِ الذين هم
نصراؤُهم كَذِبُهم وادِّعاؤُهم على أنبياءِ اللَّهِ الباطِلَ ؛ لأن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدثت
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤١/١ إلى المصنف، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٦/١ (١٣٢٠)
من طريق عباد بن منصور ، عن الحسن بنحوه .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٦/١ عقب الأثر (١٣١٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) فى م: (( بين)).

٦١٢
سورة البقرة : الآية ١٤٠
بعدَهم ، وإن هم نَفَوْا عنهم اليهوديةَ والنصرانيةَ ، قيل لهم : فهَلُمّوا إلى ما كانوا عليه
من الدينٍ ، فإنا وأنتم مُقِرُّون جميعًا بأنَّهم كانوا على حقٌّ، ونحن مختلفون فيما
خالَف الدينَ الذى كانوا عليه .
وقال آخرون: بل عَنَى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً
عِندَمُ مِنَ اللهِ ﴾ اليهودَ فى كتمانِهِم أمرَ محمدٍ عَلَّه ونبوَّتَه، وهم يعلمون ذلك
ويَجِدُونہ فی کُتُبِهم .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشر بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ [٦١/٤و] بنُ زريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ: ﴿ أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا
أَوْ نَصَرَى﴾: أولئك أهلُ الكتابِ، كَتَموا الإسلامَ / وهم يعلمون أنه دینُ اللَّهِ ،
واتَّخَذُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ، وكَتَموا محمدًا عَّهِ وهم يعلمون أنه رسولُ اللَّهِ
عَ لَّهِ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم فى التوراة والإنجيلِ .
٥٧٥/١
وحدثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
قتادةً فى قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قال:
الشهادةُ ، النبىُّ عَظَلِ مكتوبٌ عندَهم، وهو الذى كَتَموا(٣).
وحدثنی المثنّی قال: حدثنى إسحاقُ) ، قال : ثنا ابنُ أُبی جعفر ، عن أبيه، عن
الربيعِ نحوَ حديثٍ بشرِ بنِ معاذٍ، عن يزيد بن زريعٍ(9) .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤١/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٦٠.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٦/١ عقب الأثر (١٣١٩) من طريق ابن أبى جعفر به.

٦١٣
سورة البقرة : الآية ١٤٠
حدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: هم يهودُ يُسألون عن النبيِّ عَ لَه
وعن صفتِه فى كتابِ اللهِ عندَهم، فيَكْتُمون الصفةَ .
وإنما اخترنا القولَ الذى قُلْناه فى تأويلٍ ذلك؛ لأنَّ قولَه تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ
أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ فى إِثْرِ قصةِ مَن سمَّى اللَّهُ من أنبيائِه ،
وأمامَ قَصِّه(١) لهم، فأَوْلَى بالذى هو بين ذلك أن يكونَ من قَصصِهم دون غيرِه .
فإن قال قائلٌ: وأيّةُ شهادةٍ عندَ اليهودِ والنصارَى من اللَّهِ فى أمرِ إبراهيمَ
وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ ؟
قيل : الشهادةُ التى عندَهم من اللَّهِ فى أمرِهم ما أنزل اللَّهُ إليهم فى التوراةِ
والإنجيلِ، وأَمَرَهم فيهما ) بالاستنانِ بسنتِهم واتباع مِلَّتِهم، وأنهم كانوا حنفاءَ
مسلمين ، فتلك هى الشهادةُ التى عندهم من اللَّهِ التى كتَموها حين دعاهم نبىُّ اللَّهِ
عَّه إلى الإسلامِ، فقالوا له: ﴿لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَكَ﴾.
وقالوا له ولأصحابِه: ﴿كُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ﴾. فأنزل اللّهُ فيهم هذه
الآياتِ بتكذيِهِمُ ١ وكتمانِهم الحقَّ، وافترائهم على أنبياءِ اللَّهِ الباطلَ والزُّورَ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤
يغْنى تعالى ذكرُه بذلك: وقل لهؤلاءِ اليهودِ والنصارَى الذين
يحالجُونك يا محمدُ: ﴿وَمَا اَللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمانِكم الحقَّ
فيما ألزَمَكم فى كتابِهِ بيانَه للناسِ، من أمرِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ
(١) فى م: ((قصته)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((فيها)).
(٣) فى م: ((فى تكذيبهم)).

٦١٤
سورة البقرة : الآيتان ١٤٠، ١٤١
والأسباطِ و(أمرِ الإسلام، وأنهم كانوا مسلمين، وأن الحنيفيّةَ المسلمةَ دينُ اللَّهِ
الذى على جميع الخلقِ الدَّينُونةُ به دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ وغيرِهما [٦١/٤ظ] من
المللِ، ولا هو ساهٍ عن عقابكم على فعلِکم ذلك، بل هو مُخْصٍ عليكم حتى
يُجازيَكم به من الجزاءِ ما أنتم له أهلٌ فى عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ . فجازاهم جلّ
ذكرُه عاجلًا فى الدنيا بقَتْلِ بعضِهم وتَشريدِ بعضِهم وإجلائِه عن وطنِه ودارِهِ،
وهو مُجازِيهم فى الآخرةِ العذابَ المُهِينَ .
القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا
١٤١
كَسَبْتُمٌ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يغْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ ﴾ إِبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ
والأسباطَ .
٥٧٦/١
/ كما حدثنا بشرُ بنُّ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ يعنى: إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ (٣) ..
حدَّثنى المثنَّى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبى جعفرٍ ، عن أبيه ، عن
الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه(٣) .
وقد بَيْنًا فيما مضَى أن الأُمّةَ الجماعةُ (٤).
فمعنى الآيةِ إذن : قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين يُجادِلُونك فى اللَّهِ من اليهودِ
والنصارى إن كَتَموا ما عندهم من الشهادةِ فى أمرِ إبراهيمَ ومَنْ سَمَّيْنا معه، وأنّهم
(١) فى م: ((فى)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٤١/١ إلى المصنف.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٥٦٦.

٦١٥
سورة البقرة : الآيتان ١٤١، ١٤٢
كانوا مسلمِينَ، وزَعَمُوا أَنّهم كانوا هودًا أو نصارَى، فَكَذَبوا: إنّ إبراهيمَ
وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ أُمّةٌ قد خَلَتْ ؛ أى: مضَت لسبيلِها،
فصارت إلى ربِّها، وخَلَت بأعمالِها، وإنما (١) لها (٢) عندَ اللَّهِ ما كانت(٢) كَسَبت من
خيرٍ فى أيامٍ حياتِها ، وعليها ما اكْتَسَبت من شرٍّ، لا ينفعُها غيرُ صالح أعمالها ، ولا
يضرُّها غيرُ سَيِّئِها، فاعلموا أيها اليهودُ والنصارَى ذلك، فإنَّكم إن كان هؤلاءِ -
وهم الذين بهم تَفْتَخِرون وتزعمون أن بهم تَرْجُون النجاةَ من عذابِ ربِّكم مع
سيئاتِكم ، وعظيم خطيئاتِكم - لا ينفعُهم عندَ اللَّهِ غيرُ ما قدَّمُوا من صالحِ الأعمالِ ،
ولا يضرُّهُمْ غيرُ سيِّها، فأنتم كذلك أَحْرَى ألا ينفعَكم عند اللَّهِ غيرُ ما قَدَّمْتُم من
صالح الأعمال ، ولا يضرُ كم غیرُ سَيِّئِها ، فاحذَرُوا على أنفسكم وبادِرُوا خروجها
بالتوبةِ وبالإنابةِ إلى اللَّهِ مما أنتم عليه من الكفرِ والضلالةِ والفِرْيةِ على اللَّهِ وعلى أنبيائِه
ورسلِه، ودَعُوا الاتّكالَ على فضائلِ الآباءِ والأجْدادِ ، فإنما لكم ما كسبتم ، وعليكم
ما اكْتَسَبتم، ولا تُسألُون عمَّا كان إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباطُ
يَعمَلون من الأعمالِ؛ لأن كلَّ نفسٍ قَدِمَتْ على اللّهِ يومَ القيامةِ فإنما تُسألُ عما
كسَبت وأَسْلَفت، دون ما أَسلفَ غيرُها .
[٦٢/٤و] / القولُ فى تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. ١/٢
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ﴾: سيقولُ الجُهالُ من الناسِ، وهم
اليهودُ وأهلُ النفاقِ . وإنما سمّاهم اللهُ عز وجل سفهاءَ؛ لأنهم سفِهوا الحقَّ ،
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((آمالها)).
(٢) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) سقط من: م، ت ١.
(٤) سقط من : م .

٦١٦
سورة البقرة : الآية ١٤٢
فتجاهَلتْ أحبار اليهودِ ، وتعاظمَت ◌ُهّالُهم وأهلُ الغباءِ منهم عن اتباع
محمدٍ عَ لَه، إذ كان من العربِ ولم يكنْ من بنى إسرائيلَ، وتحيََّ المنافقون
فتبَّدوا .
وبما قلنا فى السفهاءِ أنهم هم اليهودُ وأهلُ النفاقِ قال أهلُ التأويلِ .
ذکرُ من قال : هم الیھودُ
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنٍ أبی
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّهُمْ عَن قِبْلَئِمُ﴾
(٢)
قال : اليهودُ تقولُه حين ترَك بيت المقدسِ .
وحدثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةً، قال : حدثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيع، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ ، عن
البراءِ: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: اليهودُ(٣).
وحدِّثتُ عن أحمدَ بنِ يونسَ ، عن زهيرٍ ، عن أبى إسحاقَ ، عن البراءِ :
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾. قال: اليهودُ(٤).
(١) فى ت١، ت٣: ((عند)).
(٢) تفسير مجاهد ص ٢١٥. وأخرجه الثورى فى تفسيره ص٥٠ عن رجل، عن مجاهد. وينظر الفتح ٨/ ١٧١.
(٣) أخرجه وكيع - كما فى الدر المنثور ١٤٢/١ - وأخرجه ابن المقرئ فى معجمه (٧١٧) من طريق وكيع،
عن سفيان، عن أبى إسحاق به. وأخرجه البخارى (٣٩٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٧/١ (١٣٢٣)،
والواحدى فى أسباب النزول ص ٢٨ من طريق إسرائيل به . وعزاه السيوطى إلى عبد بن حميد وأبى داود فى
ناسخه وابن المنذر .
(٤) سيأتى مطولا فى ص ٦٢٠.

٦١٧
سورة البقرة : الآية ١٤٢
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثْنا الحِمَّانِيُ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبى إسحاقَ ،
عن البراءِ فى قولِهِ: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: أهلُ الكتابِ(١).
/ وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالح، عن ٢/٢
علىّ ابنٍ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اليهودُ(١) .
وقال آخرون: السفهاءُ المنافقون .
ذِكرُ من قال ذلك
حدثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدِّىِّ، قال : نزلَت :
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ﴾: فى المنافقين(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَئِمُ أَلَّى كَانُواْ عَلَيْهَاَ ﴾ .
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿مَا وَلَّنْهُمْ﴾: أىُّ شىءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من
قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستذْبَرَه، فكذلك قولُه: ﴿ مَا
وَلَّنْهُمْ ﴾ : أىُّ شىءٍ حوَّل وجوهَهم ؟
وأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَئِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ ،
بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ وصِفوةِ الشىءٍ، [٦٢/٤ظ] من قول القائل: قابلتُ فلانًا، إذا
صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ ، وأنا له قِبلةٌ ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ
صاحبه .
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٠٠١)، والبغوى فى الجعديات (٢١٣٢) من طريق شريك به. وسيأتى
مطولا فى ص ٦٢٠.
(٢) تقدم مطولا فى ص ٤٥٠.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٧/١ (١٣٢٤) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به. وسيأتى مطولا
فى ص ٦٤٠.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.

٦١٨
سورة البقرة : الآية ١٤٢
فتأويلُ الكلام إذن إذْ كان ذلك (١) معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها
المؤمنون باللهِ وبرُسلِهُ (١)، إذا حوّلْتم وجوهَكم عن قبلةِ اليهودِ التى كانت لكم قبلةً،
قبلَ أمرِى إياكم بتحويلٍ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ : أَىُّ شىءٍ حوّل وجوه
هؤلاء فصرَفها عن الموضع الذى كانوا يستقبلونه بوجوهِهم فى صلاتِهم ؟
فأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه عَِّ ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القول عند تحويلٍ
اللهِ(٢) قبلتَه وقبلةَ أصحابِهِ، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغى أن يكونَ
مِن ردِّه عليهم من الجوابِ ، فقال له : إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ ، فقلْ لهم: ﴿لِلَّهِ
الْمَشْرِقُ وَاَلْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وكان سببَ ذلك أن النبيُّ
◌ِِّ صلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء الله تعالى، ثم أرادَ
اللهُ تعالى صرفَ قبلةِ نبيِّه عَ لَه إلى المسجد الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ
عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِهِ شَطْرَه ، وما الذى ينبغى أن يكون من مَردِّه(٤
عليهم من الجوابِ .
ذكرُ المدةِ التى صلّى(٥) رسولُ اللهِ عََّهِ وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما
كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذى دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيل ما قالوا عند
تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدس إلى الكعبةِ
اختلف أهلُ العلم فى المدّةِ التى صلّى(٥) رسولُ اللهِ ◌َّمِ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ
الهجرةِ ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحدَّثنا ابنُ
(١) سقط من: م، ت ١، ت٢، ت٣.
(٢) فى م: ((رسوله))، وفى ت١، ت٣: ((برسوله)).
(٣) سقط من: م، ت١، ت٢ ، ت٣.
(٤) فى م : ((رده)).
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((صلاها)).

٦١٩
سورة البقرة : الآية ١٤٢
٣/٢
حُميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُّ إسحاقَ ، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولَی زیدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنی سعیدُ بنُ جبير، أو عكرمةُ ۔
/ شكَّ محمدُ بنُ أبى محمدٍ - عن ابنِ عباسٍ، قال: لما صُرِفت القبلةُ عن الشامِ إلى
الكعبةِ - وصُرِفت فى رجبٍ على رأسٍ سبعةً(١) عشرَ شهرًا من مَقْدَمِ رسولِ اللهِ عَليه
المدينةَ - أتى رسولَ اللهِ مَّ ◌َهِ رفاعةُ بنُ قيسٍ، وَقَوْدَمُ بنُ عمرٍو ، وكعبُ بنُ
الأشرفِ ، ونافعُ بنُ أبى نافع - هكذا قال ابنُ حميدٍ ، وقال أبو كُريبٍ :
ورافعُ بنُ أبي رافعٍ - والحجاجُ بنُ عمرٍو ، حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ ، والربيعُ
ابنُ الربيعِ بنٍ أبى(٢) الحُقَيَقِ، وكِنانةُ (" بنُ الربيعِ بنِ أبى الحُقَيقِ، [٦٣/٤ ]
فقالوا له : يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك
على ملةِ إبراهيمَ ودينِه ، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك .
وإنما يُريدون فتنتَه عن دينه ، فأنزل اللهُ فيهم: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا
وَلَّنْهُمْ عَن قِبْلَئِمُ الَِّ كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةِ﴾(٤).
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشِ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ
عَّ نحوَ بيت المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ.
قال: فبينا نحن نصلّى ذات يوم، فمرّ بنا مارٌ، فقال: ألا هل علمتم أن النبيَّ ◌ٍَّ قد
صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلَّينا ركعتين إلى هلهنا، وصلّينا ركعتين إلى هلهنا .
(١) فى ت١، ت٢، ت٣: (( تسعة).
(٢) سقط من: ت ١، ت٢، ت٣.
(٣ - ٣) زيادة من : م . وهو كذلك فى سيرة ابن هشام .
(٤) سيرة ابن هشام ٥٥٠/١، وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٥٧٥/٢ من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه
ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٧/١، ٢٤٨ (١٣٢٧) من طريق سلمة به .

٦٢٠
سورة البقرة : الآية ١٤٢
قال أبو كريبٍ : فقيل له : فيه أبو إسحاقَ ؟ فسكت .
وحدّثنا ابنُ و کیع ، قال : ثنا یحیی بنُ آدمَ ، عن أبی بکرِ بنِ عیاشٍ ، عن أبی
إسحاقَ ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدوم النبيِّ عَظ ◌ِلّهِ المدينةَ ستةً عشرَ شهرًا إلى
بیتِ المقدسِ() .
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ ، قال: ثنا أبو إسحاقَ ،
عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلّيتُ مع النبيِّ عَ لَه نحوَ بيتِ المقدس ستةَ عشرَ شهرًا أو
سبعةَ عشرَ شهرًا - شكّ سفيانُ - ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ(٢) .
وحدَّثنى المثنَّى، قال : حدثنا النُّفيلىُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: ثنا زهيرٌ، قال :
ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أن رسولَ اللهِ عَظِلّهِ كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه
أو أخوالِه من الأنصارِ ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ (أو سبعةَ عشرَ )
شهرًا ، وكان يُعجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ ،
فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه ، فمرّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ ، فقال: أشهَدُ لقد
صليْتُ مع رسولِ اللهِ صَ لّهِ قِبَلَ مكةً. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ ، وكان يُعجِئُه أن
يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ ، وكان اليهودُ قد(٥) أعجَبَهم هذا(٥)؛ أن كان رسولُ اللهِ مَ لاتحمل
(١) فى م: ((سبعة)).
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠١٠)، والدار قطنى ٢٧٣/١ من طريق أبى بكر بن عياش به .
وأورد الحافظ فى الفتح ٩٧/١ الخلاف فى هذه المدة ، وقال: وشذت أقوال أخرى؛ ففى ابن ماجه من طريق
أبى بكر بن عياش عن أبى إسحاق فى هذا الحديث: ((ثمانية عشر شهرا)). وأبو بكر سئ الحفظ ، وقد اضطرب
فيه، فعند ابن جرير من طريقه فى رواية: ((سبعة عشر)). وفى رواية: ((ستة عشر)).
(٣) تفسير سفيان ص ٥٢. وأخرجه النسائى (٤٨٧) عن ابن بشار به. وأخرجه أحمد ٥١١/٣٠
(١٨٥٣٩)، والبخارى (٤٤٩٢)، ومسلم (٥٢٥)، وابن خزيمة (٤٢٨) من طريق يحيى به.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٥) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.