النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
سورة البقرة : الآية ١٣١
اُلْعَلَمِينَ
١٣١
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ، أَسْلِمْ﴾: إذ قال لإبراهيمَ ربُّه :
أَخْلِصْ لِىّ العبادةَ، واحْضَعْ لى بالطاعةِ .
وقد دلَّنا فيما مضى على معنى ((الإسلامِ)) فى كلامِ العربِ، فأغْنى ذلك عن إعادته(٢).
وأمَّا معنى قوله: ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ فإنه يعنى تعالى ذكرُه : قال
إبراهيمُ مُجيبًا لربِّه: خضَعتُ بالطاعةِ ، وأخلَصتُ العبادةَ لمالكِ جميعِ الخلائقِ
ومُدَيِّرِها دونَ غيرِه .
فإن قال قائلٌ: قد علِمتَ أنَّ ((إِذ)) وقْتُ، فما الذى وُقِّتَ به، وما الذى
جلبَه(٢)؟. قيل: هو صلةٌ لقوله: ﴿وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ فِى الذُّنْيَاً﴾. وتأويلُ الكلام ":
ولقد اصْطَفَيناه فى الدنيا حين قال ربُّه: أسلمْ. قال: أَسْلَمْتُ لربِّ العالمين. وأَّما
معنى الكلام" : ولقد اصْطَفَيناه فى الدنيا حين قلنا له : أَسْلِمْ. قال: أسلمتُ لربِّ
العالمين. فأظْهَر اسمَ اللَّهِ تعالى ذكرُه فِى قولِه: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ﴾ على وجهِ الخبرِ
عن غائبٍ ، وقد جرَى ذكرُه قبلُ على وجهِ الخبرِ عن نفسِه، كما قال خُفَافُ ابنُ نُدْبَةً (٥):
تَأَمَّلْ خُفَافًا إِنَّنِى أَنَا ذَالِكا
أَقْولُ لَهُ والُمْخُ يَأْطِرُ مَثْتَهُ
فإن قال لنا قائلٌ: وهل دعا اللَّهُ جل ثناؤه إبراهيمَ إلى الإسلام. قيل له (١) :
(١) فى م: ((له)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ص ٤٣١، ٤٣٢.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((صلته).
(٤ - ٤) سقط من : م .
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٣٠/١.
(٦) زيادة من : م .
٥٨٢
سورة البقرة : الآيتان ١٣١، ١٣٢
نعم ، قد دعاه إليه .
فإن قال: وفى أىِّ حالٍ دعاه إليه؟ قيل: حينَ قال: ﴿يَقَّوْمِ إِنِى بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ ﴿٨ إِىِ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ الشََّوَتِ وَاُلْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَآ أَنَأْ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾[ الأنعام: ٧٨، ٧٩]. وذلك هو الوقتُ الذى قال له ربُّه: أسلِمْ.
مِن بعدٍ ما امتحَنه بالكوكبِ (١) والقمرِ والشمسِ.
[٥٢/٤ظ] القول فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِهِ وَيَعْقُوبٌ
يَبَنِىَّ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ وَوَضَّى بِهَا﴾: ووصَّى بهذه الكلمةِ، أعنى
بالكلمةِ قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ ( وهى" الإسلامُ الذى أمَر به نبيّه ◌َلِّ،
وهى إخلاصُ العبادةِ والتوحيدِ للَّهِ، وخضوعُ القلبِ والجوارحِ له .
ويعنى بقولِه: ﴿وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِمُ بَنِهِ﴾: عهد إليهم بذلك وأمرَهم به.
وأمَّا قولُه: ﴿ وَيَعْقُوبٌ﴾ فإنه يعنى : ووصَّى بذلك أيضًا يعقوبُ بَنِيه .
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿وَوَصَّى بِهَاآت ◌ِبَهِعُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبٌ﴾ يقولُ: ووصَّى بها يعقوبُ بَنِيه بعد إبراهيمَ (١).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال:
حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿ وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَهِمُ بَنِهِ﴾: وصَّاهم
بالإسلامِ ، ووصَّى يعقوبُ بمثلٍ ذلك(١).
(١) فى م: (( بالكواكب)).
(٢ - ٢) فى م: ((وهو)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٩/١ عقب الأثر (١٢٧٦) معلقًا .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسیره ٢٣٩/١ (١٢٧٥، ١٢٧٦) عن محمد بن سعد به .
٥٨٣
سورة البقرة : الآية ١٣٢
/ وقال بعضُهم: قولُه ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَهِمُ بَنِهِ﴾ خبرٌ مُنْقَضٍ. وقولُه: ٥٦١/١
وَيَعْقُوبٌ ﴾ خبرٌ مُبْتَدَأْ، كأنه(١) قال: ووَصَّى بها إبراهيمُ بَنِيه بأنْ يقولوا : أسلمنا
لربِّ العالمين. ووصَّى يعقوبُ بَنِيه أنْ: يا بنىَّ إن اللهَ اصْطَفَى لكم الدينَ فلا تموتُنَّ
إلَّا وأنتم مسلمون .
ولا معنى لقولٍ مَن قال ذلك؛ لأنَّ الذى أُوْصَى به يعقوبُ بَنيه نظيرُ الذى
أوصَى به إبراهيمُ بَنيه مِن الحَثِّ على طاعةِ اللَّهِ والخضوعِ له والإسلامِ .
فإن قال قائلٌ: فإنْ كان الأمرُ (" على ما٢) وصفتَ مِن أنَّ معناه: ووصَّى بها
إبراهيمُ بَنِيه ويعقوبُ أن يا بنىٌّ. فما بالُ ((أنْ)) محذوفةٌ مِن الكلامِ؟
قيل : لأن الوصيةَ قولٌ ، فحمِلت على معناها ، وذلك أن ذلك لو جاء بلفظٍ
القولِ (٢) لم تَحْسُنْ معه ((أن))، وإنما كان يقالُ: وقال إبراهيمُ لبَنِيه ويعقوبُ : يابَنِىَّ.
فلمَّا كانت الوصيةُ قولًا حُملتْ على معناها دونَ لفظِها، فخُذفتْ ((أن)) التى تَحْسُنُ
معَها، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظٍّ
اُلْأَنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وكما قال الشاعرُ():
إِنِّى سَأُبْدِى لَكَ فيما أُتْدِى
لِى شَجَنانِ شَجَنٌ(٥) بنَجْدٍ
وشَجَنٌّ لى بِبِلادِ السِّنْدِ
(١) فى م: ((فإنه)).
(٢ - ٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كما)).
(٣) فى الأصل: ((القرآن)).
(٤) معانى القرآن ١/ ٨٠، ١٨٠، واللسان (ش ج ن ) بغير نسبة.
(٥) الشجن : الحاجة أينما كانت . اللسان ( ش ج ن).
٥٨٤
سورة البقرة : الآية ١٣٢
فخُذِفت ((أنْ) إذ كان الإبداءُ باللسانِ فى المعنى قولًا، فحمَله على معناه دونَ لفظِه .
وقد قال بعضُ أهلِ العربيةِ: إنما حذفتْ ((أن)) من قوله: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِهِ
وَيَعْقُوبٌ﴾ اكتفاءً بالنِّداءِ. يعنى بالنداءِ قولَه: ﴿ يَبَنِيَّ﴾ وزعَم أن علَّتَه فى ذلك أن مِن
شأنِ العربِ الاكتفاء بالأدواتِ من (١) ((أنْ))، كقولهم: ناديتُ هل [٥٣/٤و] قمتَ؟
وناديتُ أين زيدٌ؟ . قال: وربّما أدْخَلوها مع الأدواتِ فقالوا : ناديتُ أن هل قمتَ؟.
وقد قرأ جماعةٌ مِن القَرَأَةِ: ( وأوصَى بها إبراهيمُ)(٢). بمعنى: عهِد.
وأمّا مَن قَرَأ: ﴿ وَوَضََّى﴾ مشدَّدةٌ، فإنه يعنى بذلك أنه عهد إليهم عهدًا بعد
عهدٍ ، وأوصَى وصيةً بعد وصيةٍ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾: إن اللَّهَ اختار لكم
هذا الدِّينَ الذى "عَهِدنا فيه إليكم٢، واجتباه لكم. وإنما أدخَل الألف واللامَ فى
﴿الدِّينَ ﴾؛ لأن الذين خُوطبوا مِن ولدِهما ويَنِيهما بذلك كانوا قد عرفوه بتوصيتهما
إِيَّاهم به ، وعهدِهما إليهم فيه، ثم قالا لهم بعد أن عرّفا هموه: إنَّ اللَّهَ اصطفَى لكم
هذا الدينَ الذى قد عهِدنا إليكم فيه ، فاتَّقوا(٤) أن تموتوا إلَّا وأنتم عليه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ
١٣٢
إن قال لنا قائلٌ: أوَ إلى بنى آدمَ الموتُ والحياةُ فيُنْهَى أحدُهم أن يموتَ إلَّا على
حالةٍ دونَ حالةٍ ؟
(١) فى م، ت ١: ((عن)).
(٢) وهى قراءة نافع وابن عامر، والباقون بدون همز وتشديد الصاد . السبعة لابن مجاهد ص ١٧١.
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عهد إليكم فيه)).
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اللَّه)).
٥٨٥
سورة البقرة : الآيتان ١٣٢، ١٣٣
قيل له : إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ظننتَ، وإنما معناه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ أى: فلا تُفارِقُنَّ هذا الدِّينَ - وهو الإسلامُ - أيامَ حياتِكم،
وذلك أن أحدًا لا يَدْرِى متى تأتِيه مَنِيَّتُه، فلذلك قالا لهم: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم
مُسْلِمُونَ﴾ لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مَنايا كم مِن ليلٍ أو نهارٍ ، فلا تُفارِقوا الإسلامَ
فتأتيَكم مناياكُم وأنتم على غيرِ الدِّينِ الذى اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربُّكم
عليكم ساخطٌ ، فَتَهْلِكوا .
/ القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾. ٥٦٢/١
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ ﴾: أكنتُم شهداءَ ) . ولكنَّه
اسْتَفْهم بـ ((أم)) إذ كان استفهامًا مستأنَفًا على كلام قد سبقه، كما
تَزِيلُ الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ أَمْ
قيل : ﴿ الـ ہ
ج
يَقُولُونَ [٥٣/٤ظ] اُفْتَرَنُهُ﴾ [السجدة: ١-٣]. وكذلك تفعلُ العربُ فى كلِّ
استفهامٍ ابتدَته بعدَ كلامٍ قد سبقه، تَستفهِمُ فيه بـ ((أَمْ)) .
والشهداءُ جمعُ شهيدٍ، كما الشُّرَكاءُ جمعُ شَرِيكِ، والخُصَمَاءُ جمعُ خَصيمٍ .
وتأويلُ الكلام: أكنتُم يا معشرَ اليهودِ والنصارى المكذِّبِين بمحمدٍ عَّهِ،
الجاحدِين نبؤَّتَه - حُضورَ يعقوبَ وشُهودَه إذ حضره الموتُ. أى: إِنَّكم لم تَحْضُروا
ذلك، فلا تَدَّعوا على أنبيائى ورُسُلى الأباطيلَ، وتَنْخُلوهم اليهوديََّ والنَّصرانيةَ،
فإِنِّى ابْتَعَثتُ خليلى إبراهيمَ وولدَه إسحاقَ وإسماعيلَ وَذُرِّيَّتَهم بالحنيفيَّةِ المسلمةِ ،
وبذلك وصَّوْا بَنِيهم ، وبه عهِدوا إلى أولادِهم مِن بعدِهم ، فلو حضَرْتموهم فسمِعتُم
منهم علِمْتُم أنَّهم على غيرِ ما تَنْحُلونهم مِنِ الأُديانِ والمِلَلِ(١).
(١) سقط من: م .
(٢) بعده فى م: (( من بعدهم).
٥٨٦
سورة البقرة : الآية ١٣٣
وهذه الآياتُ نزَلت تكذيبًا مِن اللَّهِ تعالى لليهودِ والنصارى فى دعواهم إبراهيم
وولدَه و "يعقوبَ أنَّهم كانوا على ملَّتِهم، فقال لهم فى هذه الآية: ﴿أَمَ كُنْتُمْ
شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ ﴾ فَتَعْلَموا ما قال لولدِه، وقال له ولدُه؟ ثم
أعلمهم ما قال لهم وقالوا له .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّ ثنى المُنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
قولَه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ﴾: يعنى أهلَ الكتابِ(٢).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ
(١٣٣)
إِلَّهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا وَفَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَِنِيهِ﴾: إذ قال يعقوبُ لبَنِيه.
و﴿إِذْ﴾ هذه مُكَوّرةٌ إبدالاً مِن ﴿إِذْ﴾ الأولى، بمعنى: أم كنتُم شهداءَ يعقوبَ إذ
قال يعقوبُ ليَنِيه حينَ حضورِ موتِهِ؟ .
ويعنى بقولِه: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى﴾: أىَّ شىءٍ تَعْبُدون مِن بعدِی ؟
أى: مِن بعدٍ وفاتى؟ ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ يعنى به: قال بَنُوه له: نَعْبُدُ معبودَك
الذى تعبُدُه، ومعبودَ آبائِك إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ﴿إِلَهَا وَحِدًا﴾ أى:
نُخْلِصُ له العبادةَ، ونُوَحِّدُ له الرُّبُوبِيَّةَ ، فلا نشرِكُ به شيئًا ولا تَّخذُ دونَه ربًّا .
ويعنى بقولِه: ﴿ وَتَحْنُ لَهٍُ مُسْلِمُونَ﴾: ونحن له خاضِعون بالعبودةِ والطاعةِ .
(١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٩/١ (١٢٧٨) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية من قوله.
٥٨٧
سورة البقرة : الآية ١٣٣
ويَحْتَمِلُ قولُه: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أن تكونَ بمعنى الحالِ ، كأنهم قالوا :
نعبُدُ إِلَهَكَ مُسلمينَ له بطاعتِنا وعبادتِنا إِيَّاه. ويَحتمِلُ أن يكونَ خبرًا مُستأنفًا ،
فيكونَ بمعنى: نعبدُ إِلهَك بعدَك، ونحن له الآن وفى كلِّ حالٍ مسلمون .
/ قال أبو جعفرٍ: وأحسنُ هذين الوجهينِ فى تأويلِ ذلك أن يكونَ بمعنى الحالِ ، وأن ٥٦٣/١
يكونَ بمعنى: نعبُدُ إِلهَك وإلهَ آبَائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ مسلمينَ لعبادتِه .
وقيل : إنما قُدِّم ذكرُ إسماعيلَ على إسحاقَ؛ لأن إسماعيلَ كان أسنَّ مِن إسحاقَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ بنُ [٥٥٤/٤] عبدِ الأَعِلى، قال: أُخْبَرَنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ
زيدٍ فى قوله: ﴿ قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ قال:
يُقالُ: بدَأ بإسماعيلَ لأنه أكبرُ(١).
وقرَأُ بعضُ القرأةٍ(٢): (وَإِلَه أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ)(٢). ظنًّا منه أن إسماعيلَ إذ كان عمّا
ليعقوبَ ، فلا يجوزُ أن يكونَ فى من تُرْجِم به عنِ الآباءِ وداخلًا فى عِدادِهم . وذلك
من قارئِه(٤) كذلك قِلَّةُ علم منه بمجَارِى كلامِ العربِ ، والعربُ لا تَمْتَنِعُ مِن أَن تَجْعَلَ
الأعمامَ بمعنى الآباءِ، والأُخوالَ بمعنى الأُمَّهَاتِ، فلذلك دخَل إسماعيلُ فى مَن
تُرجِم به عن الآباءِ .
و﴿إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ ترجمةٌ عن الآباءِ فى موضعٍ جرٍّ، ولكنَّهم
نُصِبوا بأنهم(٥) لا يُجْرَون.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/١ إلى المصنف.
(٢) فى م: ((المتقدمين)).
(٣) هى قراءة ابن عباس والحسن وابن يَعمر والجحدرى وأبى رجاء. ينظر البحر المحيط ١/ ٤٠٢.
(٤) فى الأصل: ((قراءته)) .
(٥) فى م، ت١، ت ٢: ((لأنهم)).
٥٨٨
سورة البقرة : الآيتان ١٣٣، ١٣٤
والصوابُ مِن القراءةِ عندنا فى ذلك: ﴿ وَ إِلَهَ ءَابَآبِكَ﴾ لإجماع القَرَأةِ على
تصويبٍ ذلك وشذوذٍ مَن خالَفه مِنِ القَرَأَةِ مَمَّن قَرَأْ خلافَ ذلك .
ونُصِب قولُه: ﴿ إِلَهَا﴾ على الحالِ من قوله: ﴿ إِلَهَكَ﴾.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَهُم ◌َا
كَسَبْتٌُّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٣٤
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إِبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ
ويعقوبَ وولدَهم . يقولُ لليهودِ والنصارى: يا معشرَ اليهودِ والنصارى، دَعُوا ذكْرَ
إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والمسلمينَ مِن أولادِهم بغيرِ ما هم أهلُه، ولا
تَنْخُلوهم الكفرَو اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ فتُضِيفُوها إليهم ، فإنهم أَمَّةٌ - ويعنى بالأمّةِ
فى هذا الموضعِ الجماعةَ والقرنَ مِن الناسِ - ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: قد(١) مضَت لسبيلها .
وإنما يقالُ للذى قد مات فذهَب: قد خلا. لتخلِيه مِن الدنيا، وانفرادِه مما(١)
كان مِن الأُنْسِ بأهلِه وقُرْناِه فى دنياه، وأصلُه مِن قولهم: خلا الرجلُ . إذا صار إلى
المكانِ الذى لا أنيسَ له فيه وانفرَد مِن الناسِ، فاسْتُعمِل ذلك فى الذى يموتُ على
ذلك الوجهِ .
ثم قال تعالى ذكْرُه لليهودِ والنصارى : إن لمَن نحَلْتُموه ضلالكم(4) وكفرَكم
الذى أنتم عليه مِن أنبيائى ورسلی ما كسب (9).
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كفر)).
(٢) سقط من : م.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بما)).
(٤) فى م، ت ٣: ((بضلالكم)) .
(٥) فى م: (( كسبت)).
٥٨٩
سورة البقرة: الآيتان ١٣٤، ١٣٥
والهاءُ والألفُ فى قوله: ﴿لَهَا﴾ عائدةٌ إن شئتَ على ﴿تِلْكَ﴾، وإن
شئتَ على ﴿أُمَّةٌ﴾ .
ويعنى بقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أى: ما عمِلت مِن خيرٍ، ولكم يا معشرَ
اليهود والنصارى مثلُ ذلك ما عمِلتم، ولا تُؤَاخَذون أنتم أيها الناحِلوهم ما
تنحُلونهم) من المِلِلِ، فتُشْألوا عمَّا كان إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ
یں
وولدُهم يعملون فيكسِبون مِن خيرٍ [٥٤/٤ظ] وشرّ؛ لأن لكلِّ نفسٍ ما كسبت،
وعليها ما اكتسبت، فدَعُوا انتحالَهم وانتحالَ مِلَلِهم، فإن الدعاوَى غيرُ مُغْنِيَّتِكم
عندَ اللَّهِ شيئًا(٢) ، وإنما يُغْنى عنكم عنده ما سلَف لكم مِن صالح أعمالِكم إن كنتم
عمِلتموها وقدَّمْتُموها أمامَكم(١) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ ﴾ .
/ يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَقَالُوا كُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَكَرَى تَهْتَدُواْ ﴾: وقالتِ
اليهودُ لمحمدِ عٍَّ وأصحابِهِ من المؤمنين: كونوا يُهُودًا تَهْتَدُوا . وقالتِ النصارَى لهم:
كونوا نَصارَى تَهْتَدُوا. ويعنى بقولِه: ﴿تَهْتَدُواْ﴾. أى: تُصِيبوا طريقَ الحقِّ .
٥٦٤/١
کما حدّثنا أبو گُریب ، قال : ثنا یونسُ بنُ بگیرٍ ، وحدثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : ثنا
سلمةُ ، جمیعًا عن ابن إسحاق ، قال : حدثنى محمدُ بنُ أبی محمدٍ مولی زیدِ بنِ
ثابتٍ ، قال: حدثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، أو عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍٍ ، قال: قال عبدُ اللَّهِ
ابنُ صُورِيا الأعورُ لرسولِ اللَّهِ سَمِ: ما الهُدَى إلا ما نحن عليه، فاتَّبِعْنا يا محمدُ
تَهْتَدْ. وقالتِ النصارَى مثلَ ذلك، فأنزل اللَّهُ فيهم: ﴿وَقَالُوا كُونُواْ هُودًا أَوْ
(١ - ١) فى م، ت ١، ت ٣: ((الناحلون مانحلتموهم))، وفى ت ٢: ((الناحلون ما ينحلونهم)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٥٩٠
سورة البقرة : الآية ١٣٥
نَصَكَرَىْ تَهْتَدُواْ فُلْ بَلْ مِلَّةَ إِنَّهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾(١)
فاحتجَّ اللَّهُ لنبيّه محمدٍ عَّ ◌َّهِ أَبلغَ حُجةٍ وأوجزَها وأكملَها، وعلَّمها محمدًا
نبيَّه عَ لِ فقال: يا محمدُ، قل للقائلين لك من اليهودِ والنصارَى ولأصحابِك :
كونوا هُودًا أُو نَصارَى تَهْتَدُوا -: بل تعالَوْا فلنَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ التى يُجْمِعُ(٢) جميعُنا
على الشهادةِ لها بأنها دينُ اللَّهِ الذى ارْتَضاه واجْتَبَاه وأمَر به ، فإنَّ دينَه كان الحَنِيفيةَ
المسلِمَةَ، ونَدَعْ سائرَ المللِ التى نَخْتَلِفُ فيها فيُنكَرُّها بعضُنا ويُقِرُ بها بعضُنا ، فإن
ذلك على اختلافِه لا سبيلَ لنا إلى الاجتماع عليه، كما لنا السبيلُ إلى الاجتماع
على ملةِ إبراهيمَ .
وفى نَصْبٍ قولِه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَهِمَ ﴾ أوبجة ثلاثةٌ:
أحدُها: أن يُوَجَّةَ معنى قوله: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَى﴾ إلى معنى:
وقالوا: اتَّبِعُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ. لأنهم إذا قالوا: ﴿كُونُواْ هُودَّا أَوْ نَصَرَى﴾ إلى
اليهودية والنصرانيةِ دَعَوْهم، ثم يُعطَفُ على ذلك المعنى بالملةِ، فيكونُ معنى الكلامِ
حينئذٍ: قلْ يا محمدُ : لا نتّبعُ اليهوديةَ والنصرانيةَ، ولا نتّخِذُها ملةً، بل نتبعُ ملةَ إبراهيمَ
حنيفًا. ثم يُحذَفُ ((نَتبعُ)) الثانيةُ، وَيُعطَفُ بالملةِ على إعرابِ ((اليهوديةِ)) و((النصرانيةِ)).
والآخرُ: أن يكونَ نَصْبُه بفعلٍ مُضْمَرٍ بمعنى ((نَتّبعُ)) .
والثالثُ: أن يكونَ أُريدَ: بل نكونُ أصحابَ ملِ إبراهيمَ، أو أهلَ ملةٍ إِبراهيمَ .
ثم حذَف الأهلَ والأصحابَ ، وأَقِيمتِ الملةُ [٥٥/٤و] مُقَامَهم، إذ كانت مُؤَديةً عن
(١) سيرة ابن هشام ٥٤٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤١/١ (١٢٩٠) من طريق يونس به. وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٤٠/١ إلى ابن المنذر. وينظر تفسير البغوى ١٥٥/١، وتفسير ابن كثير ٢٧١/١.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((تجمع)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((على)).
٥٩١
سورة البقرة : الآية ١٣٥
معنى الكلام، كما قال الشاعرُ():
حَسِبْتَ بُغامَ راحلتى عَناقًا وما هى وَيْبَ غِيرِكَ بالعَناقِ
يعنى صوتَ عَناقٍ . فتكونُ الملةُ حينئذٍ منصوبةً عطفًا فى الإعرابِ على اليهودِ
والنصارَى . وقد يجوزُ أن يكونَ منصوبًا على وجهِ الإغراءِ باتباع ملةِ إبراهيمَ .
وقرَأَ بعضُ القَرَأَةِ ذلك رفعًا(٢) ، فتأويلُه على قراءةٍ من قرأه رفعًا: بل الهُدى ملةُ إبراهيمَ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إَِهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ
٣٥
والملَّهُ الدينُ، وأما الحَنِيفُ فإنه المستقيمُ من كلِّ شىءٍ. وقد قيل: إن الرجلَ
الذى تُقْبِلُ إحدى قدمَيْه على الأخرى إنما قيل له : أَحْتَفُ . نظرًا له إلى السلامةِ، كما
قيل للمَهْلَكةِ من البلادِ : المَفَازَةُ. بمعنى الفوزِ بالنجاةِ فيها(١) والسلامةِ، وكما قيل
لِلَّديغ: السَّلِيمُ. تفاؤُلًا له بالسلامةِ من الهلاكِ ، وما أَشبةَ ذلك .
/ فمعنى الكلام إذن: قلْ يا محمدُ: بل نَتَّبِعُ ملةَ إبراهيمَ مستقيمًا. فيكونُ ٥٦٥/١
((الحنيفُ)) حينئذٍ حالاً من ((إبراهيم)).
وأما أهلُ التأويلِ، فإنهم اختلفوا فى تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: الحَنِيفُ
الحائج. وقال(٤): إنما سُمِّى دينُ إبراهيمَ الإِسلامَ الحَنِيفيةَ؛ لأنه أوّلُ إمامٍ لَزِمِ العِبادَ
الذين كانوا فى عصرِهِ، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامةِ - اتباعُه فى مناسكِ
الحجّ، والائتمامُ به فيه. قالوا: فكلُّ من حجّ البيتَ فنَسَك مَناسِكَ إِبراهيمَ على
ملتِه ، فهو حَنِيفٌ مسلمٌ على دينٍ إبراهيمَ .
(١) تقدم فى ص ٢٦٥ .
(٢) هى قراءة ابن هرمز الأعرج وابن أبى عبلة وابن جندب. ينظر مختصر ابن خالويه ص ١٧، والبحر المحيط ١/ ٤٠٦.
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( منها)).
(٤) فى م، ت ٢، ت ٣: ((قيل)).
٥٩٢
سورة البقرة : الآية ١٣٥
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٌّ، قال : ثنا القاسمُ بنُ
الفضلِ، عن كَثِيرٍ أبى سهلٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الحنيفيةِ، قال: حُّ البيتِ .
وحدثنى محمدُ بنُ عُمارةَ(١) الأسدىُّ، قال: ثنا عبيدُ(٢) اللَّهِ بنُ موسى ، قال:
أخبرَنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ فى قوله: ﴿ حَنِيفًا﴾ قال: الحَنِيفُ الحامجُ(٣).
وحدثنى الحسينُ بنُ علىِّ الصُّدائيُ، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيلِ، عن عطيةً مثلَه.
وحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكّامُ بنُ سلم(٤) ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن القاسم بنِ أبى بَزَّةً، عن مجاهدٍ ، قال : الحَنِيفُ الحاجُ .
وحدثنى الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ التَّيْمِيِّ،
عن كَثيرِ بنِ زيادٍ ، قال : سألتُ الحسنَ عن الحنيفيةِ، قال: هو حَجُّ هذا البيتِ . قال
ابنُّ التَّيْمِىِّ: وأخبرنى جويبرٌ، عن الضحاكِ [٥٥/٤ظ] بنِ مُزاحِمٍ مثلَه (٥).
وحدثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ مَهْدِىٌّ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدىِّ، عن
.. مجاهدٍ ﴿ حُنَفَاءَ﴾ [الحج: ٣١] قال: حُجَّاجًا(٦).
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبادة)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عبد)).
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٤١، عقب الأثر (١٢٩١) معلقا .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سالم)).
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩.
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٩/٤ إلى عبد بن حميد وهو فى تفسير سفيان ص ٢١٢ عن السدى من
قول ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤١/١ عقب الأثر (١٢٩١) من طريق أسباط ، عن السدى . وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ١/ ١٤٠، ٣٥٩/٤ إلى ابن المنذر عن السدى.
٥٩٣
سورة البقرة : الآية ١٣٥
وحدثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال: حدثنى معاويةُ بنُ
صالحٍ، عن علىٍّ بنِ أبى طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَنِيفًا﴾ قال:
."(١)
حائًّ(١).
حدِّثْت عن وكيع، عن فُضَيلٍ بِنِ غَزْوانَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ القاسم ، قال: كان
ناسٌ(٢) من مُضَرَ يَحُجُون البيتَ فى الجاهليةِ يُسَمَّوْن حُنفاءَ، فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِّ﴾(٢).
وقال آخرون : الحَنِيفُ المُتَّبِعُ. كما وصَفْنا قبلُ مِن قولِ الذين قالوا: إن معناه
الاستقامةُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنِ أبی
نَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿حُنَفَآءَ﴾ قال: مُتَّبِعِينَ(٤).
وقال آخرون : إنما سُمِّ دينُ إبراهيمَ الحنيفيةَ؛ لأنه أوّلُ إِمامٍ سَنَّ للعبادِ الخِتانَ ،
فاتَّبَعه مَن بعدَه عليه. قالوا: فكلُّ مَن اخْتَتَنَ على سبيلِ اخْتِتانِ إبراهيمَ ، وهو على
ما كان عليه إبراهيمُ من الإسلام، فهو خَنيفٌ على ملةِ إبراهيمَ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤١/١ (١٢٩١) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٥٩/٤ إلى ابن المنذر.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢: ((الناس)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣٥٩/٤ إلى ابن أبى حاتم .
(٤) تفسير سفيان ص ٢١٢، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤١/١ (١٢٩٢). وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٣٥٩/٤ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥ - ٥) فى م: ((فهو)).
( تفسير الطبرى ٣٨/٢ )
٥٩٤
سورة البقرة : الآية ١٣٥
/ وقال آخرون: قولُه: ﴿ بَلْ مِلَّةَ إِنَّرَهِمَ حَنِيفًا﴾: بل ملةَ إبراهيمَ مُخلِصًا .
فالحَنِيفُ على قولِهِم، المُخْلِصُ دينَه للَّهِ وحدَه .
٥٦٦/١
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
السدىِّ: ﴿ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]. يقولُ: مخْلِصًا (١).
وقال آخرون: بل الحَيفيةُ الإِسلامُ، فكلُّ مَن اثْتَمَّ بإبراهيمَ فى مِلَّتِه فاستقام
عليها فهو حَنِيفٌ .
قال أبو جعفرٍ: والحَنَيفُ عندى هو الاستقامةُ على دينِ إبراهيمَ واتباعُه على
مِلَّتِه ، وذلك أن الحَنِيفيةَ لو كانت حجَّ البيتِ، لوجب أن يكونَ الذين كانوا يَحُجُونه
فى الجاهليةِ من أهلِ الشركِ كانوا حنفاءَ ، وقد نَفَى اللَّهُ جل ثناؤه أن يكونَ ذلك تَتَّقًا
بقولِه: ﴿ وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
وكذلك القولُ فى الختانِ؛ لأن الحَنَيفيةَ لو كانت هى الخِتانَ، لوجب أن يكونَ
اليهودُ حنفاءَ، وقد أخرجَهُمُ اللَّهُ من ذلك بقوله: ﴿ مَا كَانَ إِنَهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا
نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا تُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. فقد صحَّ إذن أن الحنيفيةَ
ليست الختانَ وحدَه، ولا حجّ البيتِ وحدَه، ولكنّه هو ما وصَفْنا من الاستقامةِ
على ملةِ إبراهيمَ واتباعِه عليها والائتمامِ به فيها .
فإن قال قائلٌ: أَوَما كان مَن كان قبلَ إبراهيمَ عليه السلامُ من الأنبياءِ وأتباعِهم
مستقيمين على ما أُمِروا به من طاعةِ اللَّهِ استقامةَ إبراهيمَ وأتباعِه؟ قيل : بلى.
فإن قال قائلٌ: فكيف أَضِيفَ الحَبِيفيةُ إلى إبراهيمَ وأتباعِه على مِلَّتِهِ خاصةً دونَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٠٧٤/٤ (٦٠١١) من طريق أحمد بن المفضل به .
٥٩٥
سورة البقرة : الآيتان ١٣٥، ١٣٦
سائرِ الأنبياءِ قبلَه وأتباعِهم ؟
قيل: إن كلَّ مَن كان قبلَ إبراهيمَ من الأنبياءِ كان حنيفًا مُتَبِعًا طاعةَ اللَّهِ، ولكنَّ اللَّهَ
تعالى ذكرُه لم يَجعلْ أحدًا منهم إمامًا لمن بعده من عِبادِه إلى قيام الساعة ، كالذى فعَل
مِن ذلك بإبراهيمَ ، فجعَله إمامًا فيما بَيَّنه من مناسكِ الحجّ [٥٦/٤و] والخِتانِ ، وغيرِ ذلك
من شرائع الإسلامِ - يُقتدَى (١ به أبدًا إلى قيام الساعةِ، وجعَل ما سنَّ من ذلك عَلَمًا مُميّزًا بين
مؤمِنى عبادِه وكفارِهم ، والمطيعِ منهم له والعاصى ، فسُمِّىَ الحنيفُ من الناسِ حنيفًا باتِباعِه
مِلْتَه واستقامتِه على هَدْيِهِ ومِنهاجِه، وسُمِّى الضّالَّ عن ملَّتِه بسائرِ أسماءِ المللِ، فقيل :
يهودىٌّ ونصرانىٌّ ومَجوسىٍّ، وغيرُ ذلك من صنوفِ المللِ.
وأما قولُه: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. فإِنه يقولُ: إنه لم يكنْ ممن يَدِينُ بعبادةٍ
الأوثان والأصنام، ولا كان من اليهودِ ولا من النصارَى، بل كان حنيفًا مسلمًا.
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى
إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتَِّ
النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
/ يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: قولوا أيُّها المؤمنون لهؤلاء اليهود والنصارى الذين ٥٦٧/١
قالوا لكم: كونوا هُودًا أو نصارَى تَهتدُوا -: ﴿ءَمَنَا بِاللَّهِ﴾. أى: صدَّقْنا.
وقد دلَّلْنا فيما مضى على أن معنى الإيمانِ التصديقُ، بما أَغْنى عن إعادتِهِ(٢).
﴿ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يقولُ: وصدَّقْنا أيضًا بالكتابِ الذى أَنزَل اللَّهُ إلى نبيّنا
محمدٍ عَ الِ . فأضاف الخطابَ بالتنزيلِ إليهم ، إذ كانوا مُتَّبِعِيه ومأمورِين مَنْهِيِّين به،
فكان وإن كان تنزيلًا إلى رسولِ اللَّهِ عَ ◌ّ - بمعنى التنزيلِ إليهم الذى لهم فيه من
(١) فى م: ((تعبدا)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٤٠/١، ٢٤١ .
٥٩٦
سورة البقرة : الآية ١٣٦
المعانى التى وَصَفْتُ .
ويعنى بقولِه: ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِعَمَ﴾: وصدَّقْنا أيضًا وَآمَنًا بما أُنزِل إلى
إبراهيمَ وإلى إسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ . وهم الأنبياءُ من ولدِ يعقوبَ .
وقولُه: ﴿ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعنى: وَآمَنًا أيضًا بالتوراةِ التى آتاها اللَّهُ
موسى ، وبالإنجيلِ الذى آتاه عيسى، والكتبِ التى آتى النبيِّين كلَّهم، وأَقْرَرْنا
وصدَّقْنا أن ذلك كلَّه حقٍّ وهُدّى ونورٌ من عندِ اللَّهِ ، وأن جميعَ مَن ذكَر اللَّهُ من
أُنبيائِه كانوا على حقٍّ وهُدّى يُصَدِّقُ بعضُهم بعضًا على مِنهاج واحدٍ فى الدعاءِ إلى
توحيدِ اللَّهِ والعملِ بطاعتِه .
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾. يقولُ: لا نؤمنُ ببعض [٥٦/٤ظ] الأنبياءِ ونكفُرُ
ببعض ، ونتبرّأَ من بعضٍ ونَتَوَلَّى بعضًا، كما تبَّأَتِ اليهودُ من عيسى ومحمدٍ عليهما
السلامُ وأقرَّتْ بغيرِهما (١) من الأنبياءِ(٢)، وكما تَبْوَأَتِ النصارَى من محمدٍ عَظِلّهِ، وأقرّت
بغيرِه من الأنبياءِ، بل نَشْهَدُ لجميعِهم أنهم كانوا رسلَ اللَّهِ وأنبياءَه، بُعِثُوا بالحقِّ والهُدَى .
وأما قولُه: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإنه يعنى تعالى ذكره: ونحن للَّه خاضِعون
بالطاعةِ، مُذْعِنون له بالعبودةِ. فذُكِر أن رسولَ اللَّهِ يَّامِ قال ذلك لليهودِ، فَكَفروا
بعیسی ویمن یُؤمِنُ به .
كما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ،
قال : حدّثنا محمدُ بنُ ابی محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال: حدَّثنی سعیدُ بنُ مجبيرٍ ،
أو عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أَتَّى رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ نفرٌ من يهودَ فيهم أبو ياسرِ بنُ
أَخْطَبَ ، ورافعُ بنُ أبى رافعٍ، وعازَرُ وخالدٌ ، وزيدٌ ، وإزارُ بنُ أبى إزارٍ، وأَشْيَعُ،
فسألوه عمن يُؤْمِنُ به من الرسلِ، فقال: ((أُومِن بِاللَّهِ وما أُنزِلَ إلينا، وما أُنزِلَ إلى
(١) فى الأصل: ((بغيره)).
(٢) فوقها إحالة فى الأصل ، وفى الحاشية كلام غير مقروء .
٥٩٧
سورة البقرة : الآية ١٣٦
إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ ، وما أُوتِىَ موسى وعيسى، وما
أَوْتِىَ النبيُّون من ربّهم ، لا نُفَرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحن له مُسلِمُون)). فلما ذكر عيسى
جَحَدوا نُبُوَّتَه وقالوا: لا نُؤْمِنُ بعيسى، ولا نُؤْمِنُ بمن آمَن به. فَأَنزَل اللَّهُ فيهم: ﴿قُلّ
يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلََّ أَنْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَّكُمْ
فَسِقُونَ ﴾ [ المائدة: ٥٩].
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
حدثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ ، عن عكرمةَ ، أو عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: أتى رسولَ اللَّهِ ◌ِّ ◌ِهِ. فذكَر نحوَه، / إلا أنه قال: ونافعُ بنُ أبى نافع. مكانَ ٥٦٨/١
رافعِ بنِ أبي رافعٍ(١) .
وقال قتادةُ : أُنزِلت هذه الآيةُ أمرًا من اللَّهِ تعالى ذكرُه للمؤمنين بتصديقٍ رسلِه
كلِّهم .
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُولُواْ
ءَامَنَا بِالَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أَنْزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ﴾. إلى قولِه: ﴿ وَغَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾: أمَر اللَّهُ المؤمنين أن يُؤْمِنوا ويُصَدِّقُوا بأنبيائِه ورسِلِه كلِّهم(٢)، ولا يُفَرّقوا
بين أحدٍ منهم (٢).
وأما الأسباطُ الذين ذكَرهمُ اللَّهُ، فهم اثنا عشَرَ رجلاً من ولدٍ يعقوبَ بنِ
(١) سيرة ابن هشام ٥٦٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ٢٤٣، ١١٦٤/٤ (١٢٩٩، ٦٥٥٩)
من طريق سلمة به .
(٢) فى الأصل: (( كلها)).
(٣) أخرج آخره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٣/١ (١٣٠٥) من طريق يزيد به، وأخرج أوله (١٣٠٤) من
طريق شيبان النحوى عن قتادة .
٥٩٨
سورة البقرة : الآية ١٣٦
إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، ولَد كلَّ رجلٍ منهم أَمةً من الناس ، فشُمُّوا أسباطًا .
كما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال :
الأسباطُ : يوسفُ وإخوتُه بنو يعقوبَ ، ولَد اثنَيْ عشَرَ رجلًا، فولَد كلُّ رجلٍ منهم
أُمّةً من الناسِ ، فسُمُّوا أسباطًا(١).
حدثنى موسى، قال: ثنا [٥٧/٤و] عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما
الأسباطُ فهم بنو يعقوبَ ؛ يوسفُ ، وبِنْيامِينُ ، ورُوبِيلُ ، ويهوذا، وشَمْعُونُ ، ولَاوِى،
. (٢)
ودانُ ، وقهاتُ(٢) .
حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ (١) ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن
الربيع، قال: الأسباطُ : يوسفُ وإخوتُه بنو يعقوبَ اثنا عشَرَ رجلًا، فؤُلِد لكلِّ رجلٍ
منهم أُمةٌ من الناسٍ، فسُوا الأسباطَ (٤) .
حدثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال :
نكَح يعقوبُ بنُ إسحاقَ - وهو إسرائيلُ - ابنةَ خالِهِ ليا ابنةَ ليانَ بنِ تبويلَ بنِ
إلياسَ، فولدت له رُوبِيلَ بنَ يعقوبَ، وكان أكبرَ ولدِه، وشَمْعُونَ بنَ يعقوبَ، ولَاوِى
ابنَ يعقوبَ، ويهوذا بنَ يعقوبَ، وربالونَ (١) بنَ يعقوبَ، ويشجرَ بنَ يعقوبَ، ودينةً
بنتَ يعقوبَ، ثم تُؤُفِّيَّت ليا بنتُ ليانَ ، فخلَف يعقوبُ على أختِها راحيلَ بنتِ ليانَ بنِ
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٣/١ عقب الأثر (١٣٠٠) معلقًا.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٣/١ (١٣٠١) من طريق عمرو به .
(٣) فى الأصل: ((أسباط)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٣/١ عقب الأثر (١٣٠٠) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٥) فى م: ((توبيل))، وفى ت ٣: ((يوبيل))، وفى تاريخ المصنف: ((بتويل)).
(٦) فى م: ((ريالون)).
٥٩٩
سورة البقرة : الآيتان ١٣٦، ١٣٧
تبويلَ بنِ إلياسَ، فَوَلَدتْ له يوسفَ بنَ يعقوبَ وبِنْيامِينَ بنَ يعقوبَ) ، وهو بالعربيةِ
شدادٌ(٢) ، ووُلِد له من سُرِّيَتَيْ له، اسمُ إحداهما زلفةُ، واسمُ الأخرى بلهةُ (٢)، أربعةُ
نفرٍ : دانُ بنُ يعقوبَ ، ونفثالى(١) بنُ يعقوبَ، وجادُ بنُ يعقوبَ ، وأَشرُ بنُ يعقوبَ،
فكان بنو يعقوبَ اثْنَىْ عشَرَ رجلًا، نَشَر اللَّهُ منهم اثْنَىْ عَشَرَ سِبْطًا لا يُخْصِى عددَهم
ولا يعلمُ أنسابَهم إلا اللَّهُ، يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿ وَقَّعْنَهُمُ أَثْنَتَّ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا
(٦)
ج
[ الأعراف: ١٦٠ ] .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنْتُم بِهِ، فَقَدِ
أُهْتَدَواْ ﴾ .
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ،﴾: فإن صَدَّق
اليهودُ والنصارَى باللَّهِ وما أُنزِل إليكم وما أُنزِل إلى إبراهيم وإسماعيلَ وإسحاقَ
ويعقوبَ والأسباطِ ، وما أُوتِىَ موسى وعيسى، وما أُوتِىَ النبيُون من ربِّهم، وأقرُّوا
بذلك مثلَ ما صدَّقْتم أنتم به أيُّها المؤمِنون وأَقْرَرْتم، فقد وُفِّقوا ورَشَدوا ولَزِموا/ طريقَ
الحقِّ فاهتدَوا(٢)، وهم حينئذٍ منكم وأنتم منهم لدخولهم " فى ملَّتِكم، ياقرارِهم
بذلك . فدَلَّ تعالى ذكره بهذه الآيةِ على أنه لم يَقْبَلْ من أحدٍ عملاً إلا بالإيمانِ بهذه
٥٦٩/١
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى م: ((أشد)) .
(٣) فى م: ((بلهية)).
(٤) فى الأصل: ((تفثالى)).
(٥) فى م: ((أشرب)) .
(٦) أخرجه المصنف فى تاريخه ٣١٧/١ .
(٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((واهتدوا)).
(٨) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بدخولهم).
٦٠٠
سورة البقرة : الآية ١٣٧
المعانى التى "عدَّها قبلَها ١) .
كما حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : حدثنى معاويةُ بنُ صالح، عن
علىِّ بنِ أبي طلحةً، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ، فَقَدِ
اهْتَدَواْ﴾ ونحو هذا. قال: أخبرَ اللَّهُ سبحانه أن الإيمانَ هو العروةُ الوُثْقَى، وأنه لا
يَقْبَلُ عملًا إلا به، ولا يُحَرِّمُ الجنةَ إلا على مَن تَرَكه(٢) .
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ فى ذلك قراءةٌ جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافِها ،
وأجمعتْ قَرَأَةُ القرآنِ على تركِها .
وذلك ما حدثنا به محمدُ بنُ المثنى، قال : ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال : ثنا
شعبةُ، عن أبى حمزةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: لا تقولوا: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ
ءَامَنْتُم بِهِ، فَقَدِ أَهْتَدَواْ ﴾ - [٥٧/٤ظ] فإنه ليس للَّهِ مِثْلٌ - ولكن قولوا: (فإِن آمَنوا
بالذى آمَنتم به). أو قال: (فإن آمَنوا بما آمَنتم به) (١).
فكأن ابنَ عباسٍ فى هذه الروايةِ - إن كانت صحيحةٌ عنه - وَجَّه تأويلَ قراءةٍ
من قِرَأْ: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآ ءَا مَنْتُم بِهِ﴾: فإن آمَنُوا بمثلِ اللّهِ، وبمثلٍ ما أُنْزِل على
إبراهيمَ وإسماعيلَ. وذلك إذا صُرِف إلى هذا الوجهِ شِرْكٌ - لا شكَّ - باللَّهِ العظيم؛
لأنه لا مثلَ للَّهِ تعالى ذكرُه فَيُؤْمَنَ أو يُكْفَرَ به، ولكنَّ تأويلَ ذلك على غيرِ المعنى الذى
وُجّه إليه تأويلُه ، وإنما معناه ما وصَفْنا، وهو: فإن صدَّقوا مثلَ تصديقِكم بما صدَّقْتم
به مِن جميعٍ ما عدَدْنا عليكم من كُتبِ اللَّهِ وأنبيائِه، فقد اهتدَوْا . فالتشبيهُ إنما وقَع
(١ - ١) فى الأصل: ((عددها فيها)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٤/١ (١٣٠٧) من طريق أبى صالح به .
٠
(٣) أخرجه ابن أبى داود فى المصاحف ص ٧٦، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٤/١ (١٣٠٦)، والبيهقى فى
الأسماء والصفات (٦٠٣) من طريق شعبة به. وعنه ابن أبى داود (( أبو جمرة )) وأبو حمزة هو عمران بن =