النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١
سورة البقرة : الآية ١٢٧
هاجرُ: يا إبراهيمُ إلى مَن تَكِلُنا؟ قال: إلى اللَّهِ. قالت: انْطَلِقْ فإنه لا يُضَيِّعُنا. قال:
فعَطِش إسماعيلُ عَطَشًا شديدًا، قال: فصَعِدت هاجرُ الصَّفَا فنظَرت فلم تَرَشيئًا ، ثم
أَتَتِ المَروةَ فنَظَرتْ فلم ترَ شيئًا، ثم رجعت إلى الصَّفَا فَتَظَرت فلم تَر شيئًا ، حتى
فعَلت ذلك سبعَ مرارٍ ، فقالت : يا إسماعيلُ مُتْ حيثُ لا أراك. فأتَتْه وهو يَفْحَصُ
برجلِهِ مِن العطشِ ، فناداها جبريلُ، فقال لها: مَن أنتِ ؟ فقالت: أنا هاجرُ أُمُّ ولدٍ
إبراهيمَ . قال : إلى مَن وَكَلكما؟ قالت: وَكَلنا إلى اللَّهِ. قال: وَكَلكما إلى كافٍ. قال:
فَفَخَص الغلامُ(١) الأرضَ بأصبعِه، فَتَبَعت زمزمُ، فجعَلت تحبسُ الماءَ، فقال: دَعيه ،
(٢)
فإنها رَوَاءٌ(١) .
حدَّثنا " هنادُ بنُ السرىِّ) ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ
عرعرةَ ، أن رجلًا قام إلى علىِّ فقال: ألا تُخْبرُنى عن البيتِ أَهو أولُ بيتٍ وُضِعَ فى
الأرضِ؟ فقال: لا ، ولكنه أولُ بيتٍ وُضِعَ فيه (٤) البركةُ، مَقامُ إبراهيمَ، ومَن دخَله
كان آمنًا ، وإن شِئْتَ أَنْبأَتُك كيف بُنِىَ، إن اللَّهَ أَوْحَى إلى إبراهيمَ أَن ابْنِ لى بيتًا فى
الأرضِ . قال : فضاق إبراهيمُ بذلك ذَرْعًا ، فأرسل اللَّهُ السكينةَ - وهى ريحٌ خَجُوجٌ،
ولها رأسان - فَأَتْبع أحدُهما صاحبَه حتى انْتَهت إلى مكةَ ، فَتَطوَّت على مَوضعِ البيتِ
(١) زيادة من تاريخ المصنف .
(٢) الماء الرواء : العذب . اللسان ( روى ).
والأثر أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٥٢/١. وأخرجه الحاكم ٥٥١/٢ من طريق مؤمل به. وقال : صحيح
الإسناد. وأخرجه الأزرقى فى أخبار مكة ٢٧/١، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣١/١ (١٢٢٩) من طريق أبى
إسحاق به، بأوله. ونقله ابن كثير ٢٥٧/١، ٢٥٨ عن المصنف ، وقال : ففى هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن
يفارقهما، وقد يحتمل - إن كان محفوظًا - أن يكون أوّلاً وضع له حوطا وتحجيرا ، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى
كبر إسماعيل فبنياه معًا كما قال اللَّه تعالى.
(٣ - ٣) فى م: ((عباد)).
(٤) فى الأصل، م: ((فى)). والمثبت من مصادر التخريج.
( تفسير الطبرى ٣٦/٢ )
٥٦٢
سورة البقرة : الآية ١٢٧
كتَطوِّى الحَجَفَةِ(١)، وأُمِر إبراهيمُ أن يبنىَ حيثُ تَستقرُّ السكينةُ. فبنى إبراهيمُ وبِقِى
حجرٌ، فذهب الغلامُ يَبْنى شيئًا، فقال إبراهيمُ: لا ، أَبْغِنى حجرًا كما آمُرُك. قال :
فَانْطَلق الغلامُ يَلْتِمِسُ له حجرًا، فأتاه به (١٢) فوجَده قد رَكَّب الحجرَ الأسودَ فى مكانِه،
فقال : يا أَبَتِ ، مَن أتاك بهذا الحجرِ ؟ فقال : أتانى به مَن لم يَتَّكِلْ على بنائِك ، جاء به
٥٠ (٤)
جبريلُ مِن السماءِ. فأتَّهُ(٤).
وحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةٌ ، عن
سماكِ، قال: سمِعت خالدَ بنَ عرعرةَ يُحدِّث عن علىِّ بنحوِه .
وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ ، قال: ثنا شعبةُ وحمادُ بنُ سلمةً وأبو
الأحوصِ، كلُّهم عن سماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةً، عن علىٍّ بنحوِه() .
فمن قال : رفَع القواعدَ إبراهيمُ وإسماعيلُ. أو قال: رفَعها إبراهيمُ وكان
إسماعيلُ يناولُه الحجارةَ. فالصوابُ فى قولِه أن يكونَ المضمرُ مِن القولِ لإبراهيمَ
وإسماعيلَ، ويكونُ الكلامُ حينئذٍ وإذ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعِدَ من البيتِ وإسماعيلُ
يقولان : [٤٧/٤ ] ربَّنا تقبّلْ منا .
(١) الحجفة : التُوس. النهاية ٣٤٥/١.
(٢) فى م: ((يبغى)).
(٣) سقط من : م .
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ٢٥١/١ .
وأخرجه البيهقى فى الدلائل ٥٦/٢ من طريق أبى الأحوص به .
وأخرجه الحاكم ٢٩٢/٢، والبيهقى فى الدلائل ٥٥/٢ من طريق سماك به .
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢٦/١ إلى ابن أبى شيبة وعبد بن حميد والحارث بن أبى أسامة. والحديث
إسناده ضعيف لجهالة خالد بن عرعرة .
(٥) فى م: (( سعيد)).
(٦) أخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده - كما فى المطالب العالية (٣٩٢٣) - والأزرقى فى أخبار مكة ٢٨/١
من طريق حماد به .
٥٦٣
سورة البقرة : الآية ١٢٧
٥٥٢/١
/وقد كان يَحْتمِل على هذا التأويلِ أن يكونَ المُضمرُ مِن القولِ لإسماعيلَ
خاصةً دونَ إبراهيمَ ، ولإبراهيمَ خاصةً دونَ إسماعيلَ ، لولا ما عليه عامةُ أهل التأويل
مِن أن المُضمرَ مِن القولِ " فى ذلك" لإبراهيمَ وإسماعيلَ جميعًا .
وأما على التأويلِ الذى رُوِىَ عن علىٍّ - أن إبراهيمَ هو الذى رفَع القواعدَ
دونَ إسماعيلَ - فلا يجوزُ أن يكونَ المضمرُ مِن القولِ عندَ ذلك إلا لإسماعيلَ
خاصةً .
والصوابُ مِن القولِ عندَنا فى ذلك أن المُضمرَ مِن القولِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ ،
وأن قواعدَ البيتِ رفَعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا؛ وذلك أن إبراهيمَ وإسماعيلَ إن
كانا هما بنياهاً) ورفعاها، فهو ما قلنا. وإن كان إبراهيمُ تَفرَّد ببنائِها، وكان
إسماعيلُ يُناولُه أحجارَها (٢) ، فهما أيضًا رفعاها، لأن رفعها كان بهما ؛ مِن أحدِهما
البناءُ، ومِن الآخرِ نقلُ الحجارةِ إليها ومعونةُ وَضْع الأحجارِ مواضعَها . ولا تَمْتَنِعُ
العربُ مِن إضافةِ ( ٢) البناءِ إلى مَن كان بسببِه البناءُ ومَعونتِه . وإنما قلنا ما قلنا مِن ذلك
الإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ على أن إسماعيلَ معنىٌّ بالخبرِ الذى أخْبَرِ اللَّهُ عنه
وعن أبيه أنهما كانا يقولانه، وذلك قولُهما: ﴿ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فمعْلُومٌ أن إسماعيلَ لم يَكُنْ ليقولَ ذلك إلا وهو إما رجلٌ كاملٌ،
وإما غلامٌ قد فَهِم مواضعَ الضُّرِّ مِن النفعِ، ولزِمَته فرائضُ اللَّهِ وأحكامُه. وإذا
كان " ذلك أمرَه فى حالٍ بناءِ أبيه ما أَمَره اللَّهُ بينائِه ورفعِه قواعدَ بيتِ اللَّهِ(٥) -
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى م: (( بنياهما)).
(٣) سقط من : م.
(٤) فى م: ((نسبة)).
(٥) بعده فى م: (( كذلك)).
٥٦٤
سورة البقرة : الآية ١٢٧
فمعلوم أنه لم يكن تاركًا معونةً أبيه ، إما على البناءِ، وإما على نقلِ الحجارةِ . وأىُّ
ذلك كان منه، فقد دخَل فى معنى مَن رفَع قواعدَ البيتِ، وثبت أن القولَ المُضمرَ
خبرٌ عنه وعن والدِه إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليهما. فتأويلُ الكلام: وإذ يَرفَعُ إبراهيم
القواعدَ مِن البيتِ ، يقولان : ربَّنَا تَقَبلْ مِنَّا عملَنا، وطاعتَنا إياك وعبادَتنا لك، فى
انتهائِنا إلى أمرِك الذى أمَرتنا به فى بناءِ بيتِك الذى أمَرْتنا ببنائِه ، إنك أنت السميعُ
العليمُ .
وفى إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه أنهما رفَعا القواعدَ مِن البيتِ وهما يقولان: ﴿ رَبَّنَا
نَقَبَّلْ مِنَّأَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ دليلٌ واضحٌ على أن بناءَهما ذلك لم يَكُنْ بناءَ
مَسكنٍ يَشْكُنانه ولا منزلٍ يَنْزلانِه، بل هو دليلٌ على أنهما بنياه ورفَعا قواعدَه
لكلِّ مَن أراد أن يَعْبُدَ اللَّهَ، تَقْرًُّا منهما إلى اللَّهِ بذلك، ولذلك قالا: ﴿رَبَّنَا نَقَبَّلْ
مِنَّاً﴾ ولو كانا بنياه مسكنًا لأنفسِهما لم يكنْ لقولِهما: ﴿ نَقَبَّلْ مِنَّاً ﴾ وَجةٌ
مفهومٌ؛ لأنه كان يكون١ُ) - لو كان الأمرُ كذلك - "سألا ربَّهما٢) أن يَتَقبَّلَ
منهما ما لا قُرْبةَ فيه إليه . وليس (من صفتِهما) مسألةُ اللَّهِ قبولَ ما لا قُربةَ إليه
فيه .
[٤٨/٤ و] القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
(١٢٧)
وتأويلُ قولِه: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: إنك أنت السميعُ دعاءَنا
ومَسألتَنا إياك قَبولَ ما سألناك قَبولَه منا مِن ( طاعتِنا لكُ" فى بناءٍ بيتِك الذى أُمَرْتنا
بينائِه ، العليمُ بما فى ضمائرِ نفوسِنا مِن الإذعانِ لك بالطاعةِ والمصيرِ إلى ما فيه لك
(١ - ١) فى م: ((كانا يكونان)).
(٢ - ٢) فى م: ((سائلين)).
(٣ - ٣) فى م: ((موضعهما)).
(٤ - ٤) فى م: ((طاعتك)).
٥٦٥
سورة البقرة : الآيتان ١٢٧، ١٢٨
الرضا والمحبةُ ، وما نُبْدِى وما(١) نُخْفِى مِن أعمالِنا.
كما حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، قال: قال ابنُ
بجريج: أُخْبَرنى ابنُ(١ كثيرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿نَقَبَّلْ مِنَّاً
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يقولُ: تَقبَّلْ مِنَّ إنك سميعُ الدعاءِ().
/ القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآَ أُمَّةً ٥٥٣/١
مُسْلِمَةُ لَّكَ﴾ .
وهذا أيضًا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن إبراهيمَ وإسماعيلَ ، أنهما كانا يَرفعان
القواعدَ مِن البيتِ وهما يقولان: ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾. يعنيان بذلك:
واْعَلْنا مُستسلِمَينْ لأمرِكَ، خاضعينٍ لطاعتِكَ، لا نُشْرِكُ معَك فى الطاعةِ أحدًا
سواك ، ولا فى العبادةِ غيرَك .
وقد دلَّلْنا فيما مضى على أن معنى ((الإسلامِ)) الخضوعُ للَّهِ بالطاعةِ(٤).
وأمّا قولُه: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةُ لَّكَ﴾ فإنهما خصَّا بذلك بعضَ الذُّرِّيَّةِ؛
لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قد كان أعلمَ إبراهيم خليلَه قبلَ مسألتِه هذه أن مِن ذُرِّيَتِهِ مَن لا
يَنالُ عهدَه، لظلمِه وفجورِهِ، فخَصَّا بالدعوةِ بعضَ ذُرِّيَّتِهما . وقد قيل: إنهما عنَيا
بذلك العربَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
(١) زيادة من: ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( أبو)).
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٥٥٧.
(٤) ينظر ما تقدم فى ص ٤٣٢، ٤٣٣.
٥٦٦
سورة البقرة : الآية ١٢٨
السُّدِّىِّ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾: يَعنيانِ العربَ(١).
وهذا قولٌ يَدُلُّ ظاهرُ الكتابِ على خلافِه ؛ لأن ظاهرَه يَدُلُّ على أنهما دَعَوَا اللَّهَ
أَن يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهما أهلَ طاعتِهِ وولايتِه والُسْتَجِيبينَ لأمرِه، وقد كان فى ولدٍ
إبراهيمَ العربُ وغيرُ العربِ ، والمستجيبُ لأمرِ اللَّهِ والخاضعُ له بالطاعةِ مِن الفريقين ،
فلا وجهَ لقولِ مَن قال: عنَى إبراهيمُ بدعائِه ذلك فريقًا مِن ولدِه بأعيانِهم دونَ
غيرِهم ، إلَّ التحكّمَ الذى لا يُعْجِزُ عنه أحدٌ .
[٤٨/٤ ظ] وأمَّا ((الأُمَّةُ)) فى هذا الموضع، فإنه يَعنى بها الجماعةً مِن الناسِ، مِن
قولِ اللَّهِ تعالى ذكره: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىّ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه : ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ .
اخْتَلَفتِ القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه بعضُهم: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾. بمعنى
رُؤيةِ العينِ، أى: أَظهِرْها لأعيُنِنا حتى نراها. وذلك قراءةُ عامَّةٍ قرأةٍ() الحجازِ
والكوفةِ. وكان بعضُ مَن يُوَجّهُ تأويلَ ذلك إلى هذا التأويلِ يُسَكِنُ الراءَ مِن
34
(أرْنا)(٢)، غيرَ أنه يُشِمُها كسرةً (٤).
واختلف قائلُو هذه المقالةِ وقَرَأَةُ هذه القراءةِ فى تأويل قوله: ﴿ مَنَاسِكْنَا﴾؛
فقال بعضُهم : هى مناسكُ الحجِّ ومعالِمُه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٤/١ (١٢٤٦) من طريق عمرو به.
(٢) فى م: ((أهل)).
(٣) تسكين الراء قراءة ابن كثير المكى ، والسوسى عن أبى عمرو، ويعقوب الحضرمى ، وهو من العشرة .
والاختلاس قراءة الدورى عن أبى عمرو ، والباقون بكسر الراء. ينظر النشر ٢/ ٢٢٢، وإتحاف فضلاء البشر
ص ٠٩٠
(٤) المراد بالإشمام هنا: الاختلاس ، أى: إخفاء الحركة، وهو الإتيان بثلثى الحرف بحيث يكون المنطوق به
من الحركة أكثر من المحذوف منها. ينظر الوافى فى شرح الشاطبية ص ٢٠٣.
٥٦٧
سورة البقرة : الآية ١٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَنَا﴾: فأراهما اللَّهُ مناسِكَهما بالطوافِ بالبيتِ ، والسعي بين الصفا والمروةِ ،
والإِفاضةِ مِن عَرَفاتٍ ، والإِفاضَةِ مِن جَمْعٍ، ورمي الجمارِ، حتى أكمل اللَّهُ الدِّينَ -
أو : دِينَهُ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةً فى قولِه: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: أرِنا نُسُكَنا وحِجَّنا(٢).
/حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لمّا فرَغ
إبراهيمُ وإسماعيلُ مِن بنيانِ البيتِ أمَره اللَّهُ أن يُنادىَ، فقال: ﴿ وَأَذِّن فِ النَّاسِ
بِالحَجِ﴾ [الحج: ٢٧]. فنادَى بينَ أَخْشَبَى مكةً(٣): يا أيُّها الناسُ، إِن اللَّهَ يأمركم أن
تَحُوا بِيتَه. قال: فوقَرت فى قلبٍ كلِّ مؤمنٍ، فأجابه كلُّ شىءٍ(٤) سمِعه مِن جبلٍ أو
شجرٍ أو دائَّةٍ : لِبَيْكَ لبَئِك . فأجابوه بالتلبيةِ: لبَئِك اللهمَّ لبَيْك. وأتاه مَن أتاه ، فأمَره
اللَّهُ أن يَخْرُجَ إلى عرفاتٍ ونعَتها فخرَج، فلمَّا بلَغ الشجرةَ عندَ العَقَبَةِ اسْتَقْبَله الشيطانُ
فردَّهُ(٥) ، فرمَاه بسبع حَصَياتٍ يُكَبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ ، فطار فوقَع على الجمرةِ الثانية
أيضًا، فصدَّه فرماه وكبّر، فطار فوقَع على الجمرةِ الثالثةِ ، فرماه وكبّر ، فلمَّا رأى أنه
٥٥٤/١
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٩.
(٣) الأخشب من الجبال الغليظ ، والأخشبان : جبلان يضافان تارة إلى مكة، وتارة إلى منى ، وهما واحد ،
أحدهما أبو قبيس والآخر قعيقعان ، ويقال: أحدهما أبو قبيس، والآخر الجبل الأحمر المشرف هنالك . معجم
البلدان ١/ ١٥٩، ١٦٣.
(٤) فى م: ((من)).
(٥) سقط من : م .
٥٦٨
سورة البقرة : الآية ١٢٨
لا يُطِيقُه، ولم يَدْرِ إبراهيمُ أين يذهبُ ، فانطلق حتى أتى ذا المجازِ، فلمَّا نظَر إليه فلم
يَعْرِفْه جاز، فسُمِّى ذا المجازِ، ثم انْطَلق حتى وقَع بعرفاتٍ، فلمَّا نظَر إليها عرَف
النعتَ ، قال : قد عرفتُ . فسُمِّى عرفاتٍ ، فوقَف إبراهيمُ بعرفاتٍ ، حتى إذا أمسى
ازْدَلَف إلى جَمْعٍ، فسُمِّيتِ المُزْدَلِفَةَ ، فوقَف بجمع ، ثم أقبل حتى أتى الشيطانُ حيثُ
لِقِيه أوَّلَ مرَّةٍ، فرمَاه بسبع حَصَياتٍ سبعَ مرَّاتٍ ، ثم أُقام بمِنّى حتى فرَغ مِن الحجّ
وأمرِهِ، وذلك قولُه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾(١).
وقال آخَرون - [٤٩/٤ و] مَمَّن قرأ هذه القراءةَ -: المناسكُ: المذابح. فكان تأويلُ
هذه الآيةِ على قولٍ مَن قال ذلك: وأرِنا كيف نَنْسُك لك ياربَّنا نسائكنا فتَذْبَحُها لك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ
جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾ قال: ذَبْحَنا .
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن
ابن جُرَيْج، عن عطاءٍ، قال: مذابحَنا (٢).
وحدَّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أُبی
نجيحِ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣) .
وحدَّثنا المُنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى تَجِيحٍ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
(١) ذكره البغوى فى تفسيره ٢٢٨/١ بنحوه .
(٢) تفسير الثورى ٤٩/١، وتفسير عبد الرزاق ٥٩/١، ولفظ تفسير الثورى: ((ذبائحنا)).
(٣) تفسير مجاهد ص ٢١٤. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٥/١ (١٢٥١) من طريق سفيان، عن
ابن أبى نجيح به .
٥٦٩
سورة البقرة : الآية ١٢٨
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ ، قال :
قال لى(١) عطاءٌ: سمعتُ عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾. قال: مذا بحَنا.
وقرأ ذلك آخرون: (وأَرْنا مَناسِكَنا). بتسكينِ الراءٍ، وزعموا أن معنى ذلك:
وعَلِّمْنا ودُلَّنا عليها. لا أن معناها: أرِناها بأبصارِنا. وزعموا أن ذلك نظيرُ قولٍ
مُحُطائِطِ بنِ يَعْفُرَ أخى الأسودِ بنِ يَعْفُرَ(٢):
أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا
أَرِينِى جَوَادًا ماتَ هَزْلًا لِأَنَّنِى (٣)
يعنى بقولِه: أرينى: دُلِّينى عليه وعَرِّفِينى مكانَه . ولم يَعْنِ به رؤيةَ العينِ. وهذه
قراءةٌ رُوِيتْ عن بعضِ المُتُقدِّمين .
/ ذكرُ مَن قال ذلك
٥٥٥/١
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنى حجَّاجْ ، عن ابنِ جُرَيْجِ ، قال :
قال عطاء: (أَزْنَا مَناسِكَنا): أخرِجْها لنا ، علِّمْناها(٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ مجرَيْج، قال : قال
ابْنُ الْمُسَيَّبِ ، قال علىّ بن أبى طالبٍ: لمّا فرَغ إبراهيمُ مِن بناءِ البيتِ، قال: قدُ فعَلتُ أىْ
ربِّ، فَأَزْنَا مناسِكَنا - أَبْرِزْها لنا، علِّمْناها - فبعَث اللَّهُ جبريلَ عليه السلامُ فحَّ به(٢).
(١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) البيت مختلف فى نسبته: فهو لحطائط بن يعفر فى الحماسة ٣٥٨/٢، ومجاز القرآن ٥٥/١، والشعر
والشعراء ١ / ٢٤٨، ٢٥٦، وسمط اللآلى ٧١٤/٢، ولحاتم الطائى فى ديوانه ص ٤٠ ، ولمعن بن أوس فى ديوانه
٤٩، ولدريد بن الصمة أو حائط أو حاتم أو معن فى اللسان (أن ن)، وسيأتى ٤٨٨/٩ منسوبًا لدريد .
(٣) فى ت ١، ت ٢: ((أننى))، وفى الشعر والشعراء وسمط اللآلى: ((لعلنى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٤/١ (١٢٤٩) من طريق حجاج به.
(٥) سقط من: م.
(٦) أخرجه عبد الرزاق فى المصنف (٩٠٩٩) مطولًا.
٥٧٠
سورة البقرة : الآية ١٢٨
والقولُ (١عندى فى ذلك أن تأويلَ (أرنا) بكسر الراءِ وتسكينِها واحدٌ؛ فمَن
كسر الراءَ جعَل علامةَ الجزمِ سقوطَ الياءِ التى فى قولِ القائلِ: "أريتُه، أُرِيه١). وأقرّ
الراءَ مكسورًا كما كانت قبلَ الجزم. ومَن سكّن الراءَ مِن (أرْنا) توهَّم أن إعرابَ
الحرفِ فى الراءِ فسكّنها للجزمُ(١)، كما فعلوا ذلك فى ((لم يكن)) ((ولم يكُ))،
وسواء كان ذلك مِن رؤيةِ العينِ، أو مِن رؤيةِ القلبِ ، ولا معنى لفرقٍ مَن فرّق بين
رؤية العينِ فى ذلك وبين رؤيةِ القلبِ .
وأمَّا ((المناسكُ)) فإنها جمعُ مَنْسِكِ، [٤٩/٤ظ] وهو الموضعُ الذى يُنْسَكُ للَّهِ
فيه ، ويُتَقَّرَّبُ إليه فيه بما يُرْضِيه مِن عملٍ صالحٍ؛ إِمَّا بذبحِ ذبيحةٍ له ، وإما بصلاةٍ أو
طوافٍ أو سعي، وغيرِ ذلك مِن الأعمالِ الصالحةِ ، ولذلك قيل لمشاعرِ الحجّ :
مناسكُه؛ لأنها أماراتٌ وعلاماتٌ يعتادُها الناسُ، ويَتَرَدَّدون إليها .
وأصلُ ((المنسِك)) فى كلامِ العربِ: الموضعُ المعتادُ الذى يَعتادُه الرجلُ ويألفُه ،
يقال : إن لفلانٍ منسِكًا. وذلك إذا كان له موضعٌ يعتادُه لخيرٍ أو لشرٌّ، ولذلك
سُمِّيت المناسكُ مناسكَ؛ لأنها تُعْتَادُ ويُتَرَدَّدُ إليها بالحجّ والعمرةِ، وبالأعمالِ (٤) التى
يُتَقَرَّبُ بها إلى اللّهِ .
وقد قيل : إن معنى النسكِ : عبادةُ اللَّهِ ، وإن الناسكَ إِنما سُمِّی ناسكًا بعبادتِه
ربَّه. فتأوَّل قائلُو هذه المقالةِ قولَه: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾: وعلِّمْنا عبادتَك كيف
تعبُدُك، وأين نعبدُك، وما يُرْضِيك عنَّا فنفعلُه. وهذا القولُ وإن كان مذهبًا يحتمِلُه
الكلامُ، فإن الغالبَ على معنى المناسكِ ما وصَفْنا قبلُ مِن أنها مناسكُ الحجّ التى
(١ - ١) سقط من: م.
(٢ - ٢) فى م: ((أرنيه)).
(٣) فى م: ((فى الجزم)).
٤٠) فى الأصل: ((للأعمال)).
٥٧١
سورة البقرة : الآية ١٢٨
ذكَرْنا معناها، وخرَج هذا الكلامُ مِن قولِ إبراهيمَ وإسماعيلَ على وجهِ المسألةِ منهما
ربَّهما لأنفسِهما ، وإنما ذلك منهما مسألةُ ربِّهما لأنفسِهما وذُرِّيَّتِهما المسلمين ، فلمَّا
ضمَّا ذُرِّيَتَهما المسلمين إلى أنفسِهما صارا كالمُخُبِرِيْن عن أنفسِهما بذلك . وإنما قلنا :
إن ذلك كذلك؛ لتقدم الدعاءِ منهما للمسلمين مِن ذُرِّيَّتِهما قبلُ فى أوَّلِ الآيةِ ،
وتأخرِهِ بعدُ فى الآيةِ الأُخرى .
فأمَّا الذى فى أوَّلِ الآيةِ فقولُهما: ﴿ رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآَ أُمَّةً
مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾. ثم جَمَعَا أنفسَهما والأمّةَ المسلمةَ مِن ذُرِّيَّتِهما فى مسألتِهما ربَّهما أن
يُرِيَهم مناسكهم فقالا: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾
٠
وأمَّا الذى (١) فى الآيةِ التى بعدَها: ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾. فجعَلا
المسألةَ لذُرِّيَّتِهما خاصَّةٌ .
وقد ذُكِر أنها فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ : (وَأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ)(٣) . يعنى بذلك: وأرٍ
ذُرِّيَّتنا المسلمةَ مناسكهم .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَتَّبْ عَليناً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
٨٢٨
أمّا التوبةُ فأصلُها الأَوْبَةُ مِن مكروهٍ إلى محبوبٍ، فتوبةُ العبدِ إلى ربِّه أوبتُه مَّا
يكرهُه اللَّهُ منه بالندمِ عليه والإقلاعِ عنه ، والعزمِ على تركِ العودِ فيه . وتوبةُ الربِّ على
عبدِه عَوْدُه عليه بالعفوِ له عن جُزْمِه والصفحِ له عن عقوبةٍ ذنبِهِ ، مغفرةٌ منه له ،
وتَفَضَّلًا عليه .
(١) فى م: ((التى)).
(٢) ينظر البحر المحيط ١/ ٣٩٠.
٥٧٢
سورة البقرة : الآيتان ١٢٨، ١٢٩
/ فإن قال لنا قائلٌ : وهل كانت لهما ذنوبٌ فاحتاجا إلى مسألةِ ربِّهما التوبةَ؟
٥٥٦/١
قيل : إنه لا أحدَ مِن خلقِ اللَّهِ إلَّ وله مِن العمل فيما بينه وبين ربِّه ما يَجِبُ علیه
الإنابةُ منه والتوبةُ ، فجائزٌ أن يكونَ ما كان مِن قِيلِهما (١) ما قالا مِن ذلك(٢)، [٥٠/٤,]
إنما خصَّا به الحالَ التى كانا عليها مِن رفْع قواعدِ البيتِ؛ لأن ذلك كان أحْرَى
الأماكنِ أن يستجيبَ اللَّهُ فيها دعاءَهما ، وليَجْعَلا ما فعَلا مِن ذلك سُنَّةً يُقْتَدَى بها
بعدَهما، وتَتَّخِذَ الناسُ تلك البقعةَ بعدَهما موضعَ تَنَصُّلِ مِن الذُّنُوبِ إلى اللهِ . وجائزٌ
أن يكونا عَنَيا بقولِهما: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَاً﴾: وتُبْ على الظَّلَمةِ مِن أولادِنا وَذُرِّيَّتِنا،
الذين أعلَمْتَنا أمرَهم مِن ظلمِهم وشركِهم، حتى يُنِيبوا إلى طاعتِك. فيكونُ ظاهرٌ
الكلامِ على الدعاءِ لأنفسِهما ، والمعنىُ به ذُرِّيَّتُهما، كما يقالُ: أكرَمنى فلانٌ فى
ولدى وأهلى، وبرَّنى فلانٌ، إذا برّ ولدَه .
وأمَّا قولُه: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعنى به : إنك أنت العائدُ على
عبادِك بالفضلِ ، وَالمتفضِّلُ عليهم بالعفوِ والغفرانِ ، الرحيمُ بهم ، المستنقذُ مَن تشاءُ
منهم برحمتك مِن هَلكتِهِ، المُنْجِى مَن تُرِيدُ نجاتَه منهم برأفتِك مِن سَخَطِك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِكَ
وهذه دعوةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ صلواتُ اللهِ عليهما لنبيِّنا محمدٍ عَ لَّهِ خَاصَّةً ،
وهى الدعوةُ التى كان نبيْنا ◌َّهِ يقولُ: ((أنا دعوةُ أَبِى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى)).
حدّثنا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ ، قال : ثنا سلمةُ ، عن محمد بن إسحاق ، عن ثورِ بنِ
(١) فى م: ((قبلهما)).
(٢) بعده فى م: (( و)).
٥٧٣
سورة البقرة : الآية ١٢٩
يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ الكَلاعيِّ، أن نفرًا مِن أصحابِ رسولِ اللَّه عَ لتهم قالوا له :
يارسولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنا عن نفسِك. قال: ((نعم، أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وَبُشْرَى
عيسى عليه السلامُ))(١).
حدَّثْنى عمرانُ بنُ بَكَّارِ الكَلاعُّ ، قال: ثنا أبو اليمانِ ، قال : ثنا( " أبو بكرٍ بِنُ"
أبى مريمَ، عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ ، عن العِزْبَاضِ بنِ سَارِيَةَ السُلَمِىِّ، قال : سمعتُ رسولَ
اللَّهِعَه يقولُ: ((إنى عندَ(٣) اللَّهِ فِى أُمّ الكتابِ لخاتُ النبيِّين، وإن آدَمَ لُجَدِلٌ(٤) فى
طِينِه، وسوف أَنَبِّئُكُم بتأويلِ ذلك(١)؛ دعوةُ أبى إبراهيمَ ، وبشارةُ عيسى قومَه ، ورُؤْيا
أُمِى))(٦).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أُخبرَنى معاويةُ بنُ
صالح ، وحدّثنی ◌ُبَيْدُ بنُ آدمَ بنِ ابی إیاس العسقلانىُ ، قال : حدثنى أبى ، قال : ثنا
الليثُ بنُ سعدٍ، عن معاويةَ بنِ صالح، قالا جميعًا: عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ ، عن
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١٦٥/٢، مطولا. وأخرجه ابن إسحاق فى السيرة ص ٢٨ - ومن طريقه
الحاكم ٢/ ٦٠٠، والبيهقى فى الدلائل ٨٣/١، مطولا . وصححه الحاكم.
(٢ - ٢) فى م: ((أبو كريب عن)). وينظر تهذيب الكمال ١٠٩/٣٣.
(٣) فى ت ١، ت ٣: ((عبد)) .
(٤) المنجدل: الملقى على الجَدَالة، وهى الأرض. النهاية ١/ ٢٤٨.
(٥) بعده فى م: ((أنا)).
(٦) أخرجه أحمد ٣٩٥/٢٨ (١٧١٦٣)، والحاكم ٢/ ٦٠٠، والبيهقى فى الدلائل ٨٣/١ من طريق أبى
اليمان به . وأخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (٤٠٩)، والبزار (٢٣٦٥ - كشف)، والطبرانى فى الكبير ١٨/
٢٥٣ (٦٣١)، وابن بشران فى الأمالى (٤٠) من طريق أبى بكر به. وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبى
بضعف أبى بكر . وقد خولف فيه .
وقال البيهقى : قصر أبو بكر بن أبى مريم بإسناده فلم يذكر فيه عبد الأعلى بن هلال ، وقصر بمتنه فجعل الرؤيا
بخروج النور منها وحده، وكذلك قال خالد بن معدان عن أصحاب النبى عن الته .
٥٧٤
سورة البقرة : الآية ١٢٩
عبدِ اللَّهِ(١) بنِ هلالِ السُّلَمِىِّ، عن عِرْبَاضِ بنِ ساريةَ السُّلَمِىِّ، عن النبيِّ ◌َِّ بنحوِهِ(٢).
وحدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: حدَّثنی معاویةُ، عن سعيد بنِ
◌ُوَيْدٍ ، عن عبدِ الأُعلى بنِ هلالِ السُّلَمْىِّ ، عن عِرْبَاضٍ بنِ سارِيَةً أنه قال : سمِعتُ
رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ يقولُ. فذكَر نحوَهُ(٢) .
/ [٥٠/٤ ظ] وبمثلِ الذى قلنا فى ذلك قال جماعةُ(٤) أهلِ التأويلِ.
٥٥٧/١
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا
وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: ففعَل اللَّهُ ذلك، فبعث فيهم رسولاً مِن أنفسِهم يعرفون
وجهَه ونَسَبَه، يُخْرِجُهِم مِن الظلماتِ إلى النورِ، ويَهْدِيهم إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ(٥).
(١) قوله: ((عبد الله)). هكذا قال ابن مهدى عند أحمد. والصواب: عبد الأعلى. كما قال عبد الله بن
أحمد ٣٨٦/٢٨ (١٧١٥٤). وكذلك هو فى المصادر.
(٢) أخرجه المصنف فى تفسير الآية ٦ من سورة الصف ، عن يونس به. وفيه: عبد الأعلى بن هلال. على
الصواب. وفيه زيادة بعد قوله: ((ورؤيا أمى)).
وأخرجه ابن حبان (٦٤٠٤)، وأبو نعيم فى الدلائل (٩)، والبغوى فى تفسيره ١/ ١٥١، من طريق ابن
وهب به. وأخرجه ابن سعد ١/ ١٤٨، ١٤٩، وأحمد ٣٨٢/٢٨ (١٧١٥١)، والطبرانى فى الكبير ١٨/
٢٥٢ (٦٣٠) من طريق الليث به، بالزيادة. وأخرجه أحمد ٣٧٩/٢٨ (١٧١٥٠) - ومن طريقه أبو نعيم فى
الدلائل (١٠) - من طريق معاوية به .
(٣) أخرجه الفسوى فى تاريخه ٣٤٥/٢، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٦/١ (١٢٥٤)، والطبرانى فى
الكبير ٢٥٢/١٨ (٦٢٩)، والآجرى فى الشريعة (٩٤٨)، والبيهقى فى الدلائل ١ / ١٣٠/٢،٨٠ من طريق
أبى صالح به. وينظر تعجيل المنفعة ٥٨٣/١، ٥٨٤، ولسان الميزان ٣٣/٣، ومسند الطيالسى (١٢٣٦)،
والصحيحة (١٩٢٥)، والضعيفة (٢٠٨٥).
(٤) بعده فى م: ((من)) .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٣٦/١ (١٢٥٧) من طريق يزيد به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/١ إلى
عبد بن حميد .
٥٧٥
سورة البقرة : الآية ١٢٩
وحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ
فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: وهو محمدٌ عَه(١).
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿ رَبَّنَا
وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: هو محمدٌ عَظِلّهِ، فقيل له: قد استجبتُ لك" ، وهو
فى آخرِ الزمانِ (٢) .
ويغنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ﴾: يَقْرَأْ عليهم كتابَك الذى
تُوحِیه إليه .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ .
ويعْنى بالكتابِ القرآنَ. وقد بيَّنتُ فيما مضى لمَ سُمِّى القرآنُ كتابًا ، وما
تأويلُهُ(٤) . وهو قولُ جماعةٍ (٥) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ
اُلْكِنَبَ﴾: "قال: الكتابُ) القرآنُ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى ((الحكمةِ)) التى ذكرها اللَّهُ فى هذا الموضعِ؛
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٦/١ (١٢٥٦) عن أبى زرعة ، عن عمرو به .
(٢ - ٢) فى م: ((استجيب ذلك)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/١ إلى المصنف وابن أبى حاتم عن أبى العالية، وهو عند ابن أبى حاتم
فى تفسيره ٢٣٦/١ (١٢٥٥) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢٢٨/١ - ٢٣١.
(٥) بعد فى م: ((من)).
(٦ - ٦) سقط من: م.
٥٧٦
سورة البقرة : الآية ١٢٩
فقال بعضُهم: هى السُنَّةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشر بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَاَلْحِكْمَةَ﴾ .
أى: الشُنَّةَ(١).
وقال بعضُهم: الحكمةُ هى المعرفةُ بالدِّينِ والفقهُ فيه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قلتُ لمالكِ: ما الحكمةُ؟ قال:
المعرفةُ بالدِّينِ، والفقهُ فيه، والاتِّباعُ له (١) .
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه :
وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: الحكمةُ: الدِّينُ (" التى لا يعرفونها٢) إلَّ به عَهِ، يُعَلِّمُهم
إِيَّها. قال: والحكمةُ: العقلُ فى الدِّينِ. وقرَأ: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ
خَيْرًاً كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقال لعيسى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ اُلْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَةَ وَاُلْإِنِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨]. قال: وقرَأْ ابنُ زيدٍ: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ
ءَاتَّيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]. قال: لم يَنْتَفِعْ بالآياتِ حين(٤) لم
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٧/١ عقب الأثر (١٢٦٢) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١/
١٣٩ إلى المصنف وعبد بن حميد، مطولا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٥٣٢/٢ (٢٨٢٩)، وابن عبد البر فى جامع بيان العلم (٧٠) من طريق
ابن وهب به نحوه مطولا .
(٣ - ٣) فى م: ((الذى لا يعرفونه)).
(٤) فى م: ((حيث)).
٥٧٧
سورة البقرة : الآية ١٢٩
تَكُنْ معَها حكمةٌ. قال: والحكمةُ شىءٌ يَجْعَلُه اللَّهُ فى القلبِ يُنَوّرُهُ(١) له به(٢).
والصوابُ مِن القولِ عندَنا فى ((الحكمةِ)) أنها العِلْمُ بأحكام اللَّهِ التى لا يُدْرَكُ
عِلْمُها إِلَّا ببيانِ الرسولِ عَلَّهِ والمعرفةِ بها، وما دَلّ عليه ذلك مِن نظائرِه، وهو عندى
مأخوذٌ [٥١/٤و] مِن ((الحُكْمِ)) الذى بمعنى الفصلِ / بين الحقِّ والباطلِ، بمنزلةِ((الجلسةِ
والقِعْدَةِ )) مِن الجلوسِ والقعودِ ، يقال منه: إن فلانًا لحكيمُ بيِّنُ الحِكمةِ . يغنى بذلك أنه
لبيِّنُ الإصابةِ فى القولِ والفعلِ .
٥٥٨/١
وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويلُ الآيةِ : ربَّنا وابعَتْ فيهم رسولا منهم يتلو عليهم
آياتِك، ويُعَلِّمُهم كتابَك الذى تُنزّلُه عليهم، وفصلَ قضائِك، وأحكامَك التى
تُعلِّمُهِ إِيَّاها .
القولُ فی تأويل قوله جل ثناؤه : ﴿ وَيُزَكِمْ ﴾
قد دلَّلْنا فيما مضى قبلُ على أن معنى التزكيةِ التطهيرُ، وأن معنى الزكاةِ النماءُ
والزيادةُ(١). فمعنى قوله: ﴿ وَيُزَكِبِمْ﴾ فى هذا الموضعِ: ويُطَهِّرُهم مِن الشركِ
باللَّهِ ، وعبادةِ الأوثانِ ويُتَمِّيهم ويُكَثِّرِهم بطاعةِ اللَّهِ .
كما حدَّثنى المُنَى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال : حدَّثنی
معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ
وَيُزَكْبِمُ﴾. قال: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللَّهِ والإخلاصَ().
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسيْنُ، قال: ثنا حَجَّاجْ، قال: قال ابنُ مجرَيْج :
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( ينور)).
(٢) ينظر تفسير ابن أبى حاتم ٥٣٤/٢ (٢٨٣٨)، وما سيأتى فى تفسير، الآية (٢٦٩) من هذه السورة .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٦١١/١، ٦١٢ .
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٧/١ (١٢٦٥) من طريق عبد الله بن صالح به .
٣٧/٢ )
(تفس الطرح ٢٪
٥٧٨
سورة البقرة : الآيتان ١٢٩، ١٣٠
قولَه: ﴿ وَيُزَكْبِهِمْ﴾ قال: يُطَهِّرُهم مِن الشركِ ويُخَلِّصُهم منه (١)
١٢٩١
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه : ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إنك ياربِّ أنت العزيزُ. يعنى: القوىُّ الذى لا
يُعْجِزُه شىءٌ أَرادَه، فافعلْ بنا وبذُرَِّتِنا ما سأَلْناه وطلَبْناه منك. والحكيمُ الذى لا
يَدْخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ، فَأَعْطِنا ما يَنْفَعُنا وينفعُ ذُرِّيَتَنَا ، ولا يَنْقُصُك ولا يَنْقُصُ
خزائنَك .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إِبْرَهِمَ﴾.
يغنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَهِمَ﴾: وأىُّ الناسِ
يَزْهَدُ فى مَّةِ إبراهيمَ ويتركُها رغبةً عنها إلى غيرِها. وإنما عنَى اللَّهُ بذلك اليهودَ
والنصارَى لاختيارِهم ما اختارُوا مِن اليهوديَّةِ والنَّصْرانيةِ على الإسلام؛ لأن ملَّةً
إبراهيمَ هى الحنيفيَّةُ المُسْلِمةُ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿ مَا كَانَ إِنَهِمُ يَهُودِيًّا وَلَا
نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] فقال تعالى ذكرُه لهم: ومَن
يَزْهَدُ فى مَّةِ إبراهيمَ الحنيفيَّةِ المسلمةِ إلّا مَن سفِه نفسَه .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ
قولَه: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةٍ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: رغِب عن ملَّتِهِ اليهودُ
والنصارَى، واتَّخَذوا اليهوديةَ والنصرانيةَ بدعةً ليستْ مِن اللَّهِ ، وترَكوا ملةَ إِبراهيمَ ،
يعنى الإسلامَ حنيفًا، [٥١/٤ظ] كذلك بعَث اللَّهُ نبيَّه محمدًا عَ لَه بملةِ إبراهيمَ(١).
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/١ إلى المصنف.
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٨/١ عقب الأثر (١٢٧٠) معلقًا، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/١
إلی عبد بن حميد .
٥٧٩
سورة البقرة : الآية ١٣٠
٥٥٩/١
حُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع فى
قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَن / مِلَّةِ إِبْرَهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: رغبت اليهودُ
والنصارى عن ملةِ إبراهيمَ وابْتَدَعوا اليهوديةَ والنصرانيةَ وليستْ مِن اللَّهِ، وترَكوا ملةً
إبراهيمَ الإِسلامَ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُمْ﴾ .
يعْنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: إلَّا مَن سفِهت نفسُه. وقد
بَيِّنَّا فيما مضى أن معنى السفَهِ الجهلُ(١) . فمعنى الكلام: وما يَرْغَبُ عن ملةِ إبراهيمَ
الحنيفيَّةِ إلَّ سفية جاهلٌ بموضعٍ حظِّ نفسِه فيما يَنْفَعُها ويَضُرُّها فى مَعَادِها .
كما حدَّثنی يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: إِلَّا مَن أخطأ حظّه(٣).
وإنما نصَب ((النفسَ)) على معنى المفسّرِ؛ وذلك أن ((السفَةَ)) فى الأصل
للنفسٍ، فلمَّا نُقِل إلى ((مَن)) نُصِبت ((النفسُ)) بمعنى التفسيرِ(٤)، كما يقالُ: هو
أوسعُكم دارًا . فتدخلُ الدارُ فى الكلام على أن السّعةَ فيها لا فى الرجلِ ، فكذلك
النفسُ، أُدْخِلت لأن السفة للنفسِ لا لـ ((مَن))، ولذلك لم يَجُزْ أن يقالَ: نفسَه(٥)
سَفِه أخوك . وإنما جاز أن يُفَشَرَ بالنفْسِ وهى مضافةً إلى معرفةٍ؛ لأنها فى تأويلِ نكرةٍ .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٣٨/١ (١٢٧٠) من طريق أبى جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية من
قوله .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٣٠٢/١.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٣٩/١ إلى المصنف.
(٤) يريد بالتفسير هنا التمييز . مصطلحات النحو الكوفى ص ٢٩ .
(٥) سقط من: م.
١
٥٨٠
سورة البقرة : الآيتان ١٣٠، ١٣١
وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إن قوله: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ جرَت مَجْرَى
ج
((سفه)) إذا كان الفعلُ غيرَ مُتَعَدٍّ، وإنما عدَّاه إلى ((نفسِه)) و ((رأيِه)) وأشباه ذلك ممّا
هو فى المعنى نحوُ ((سَفِه))، إذا هو لم يَتَعَدَّ، فأمَّا (غيِن)) و ((خسِر)) فقد يَتَعَدَّى إلى
غيرِه ، يقال : غین خمسين وخسِر خمسين .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه : ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَهُ فِي الدُّنْيَّاً
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَلَقَدِ أَصْطَفَيْنَهُ فِ الدُّنْيَا﴾: ولقد اصطفَيْنا
إبراهيمَ. والهاءُ التى فى قوله: ﴿أَصْطَفَيْنَهُ﴾ مِن ذكْرِ إبراهيمَ .
والاصطفاءُ الافتعالُ، مِن الصفوةِ، وكذلك ((اصطفيْنا)): افتعلْنا، منه،
صُيِّرت تاؤها طاءً لقربٍ مخرجِها مِن مخرجِ الصادِ .
ويغْنى بقولِه: ﴿ أَصْطَفَيْنَهُ﴾: اخترناه، واجْتبيناه للخُلَّةِ ، ولنُصَيِّرَه فى الدنيا
لمنْ بعدَه إمامًا. وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن أن مَن خالف إبراهيمَ فيما سنَّ لَن
بعدَه فهو للَّهِ مخالفٌ، وإعلامٌ منه خلقه أن مَن خالف ما جاء به محمدٌ عَِّ ، فهو
لإبراهيمَ مخالفٌ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكره أخبرَ أنه [٥٢/٤,] اصطفاه لخُلَّتِهِ ،
وجعَله للناسِ إمامًا ، وأخبرَ أن دينَه كان الحنيفيَّةَ المسلمةَ ، ففى ذلك أوضحُ البيانِ مِن
اللَّهِ تعالى ذكرُه عن أن مَن خالفه فهو للَّهِ عدوٌّ، لمخالفتِهِ الإِمامَ الذى نصَبه لعبادِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه : ﴿وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ
١٣٠
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ وَإِنَّهُ فِ الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾: وإن إبراهيم
فى الدارِ الآخرةِ لمن الصالحين، والصالحُ مِن بنى آدمَ هو المُؤَدِّى حقوقَ اللَّهِ عليه .
فأخبرَ تعالى ذكرُه عن إبراهيمَ خليلِه أنه فى الدنيا له صَفِيٌّ ، وفى الآخرةِ ولىِّ ، وأنه
واردٌ مواردَ أوليائِهِ المُوفِين بعهدِه .
/ القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ، أَسْلِمِّ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ
٥٦٠/١