النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
سورة البقرة : الآية ١٢٥
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَأَمْنًا﴾ .
والأمنُ مصدرٌ؛ من قولِ القائلِ: أَمِن يَأْمَنُ أَمْنًا. وإنما سَمّاه اللَّهُ أَمْنًا؛ لأنه كان
فى الجاهليةِ مَعاذًا لمن اسْتعاذَ به، وكان الرجلُ منهم لو لَقِىَ به قاتلَ أبيه أو أخيه لم
يَهِجْه ولم يَعْرِضْ له حتى [٣٨/٤و] يَخرُجَ منه، وكان كما قال جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْأ
أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
حدثنی یونسُ بنُ عبدِ الأعلی ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زید فی
قوله: ﴿ وَأَمْنًا﴾. قال: مَن أَمَّ إليه فهو آمِنٌ، كان الرجلُ يَلقَى قائلَ أبيه أو أخيه فلا
(١)
يَعْرِضُ له(١) .
حدثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما ﴿ أَمْنًا﴾
فمَن دخَله كان آمنًا(٢) .
" حدثنى محمدُ بنُّ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثناعيسى ، عن ابنِ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ فى قولِ اللّهِ: ﴿وَأَمْنًا﴾٢). قال: تحريمُهُ(٤)، لا يخافُ فيه مَن
دخَله(٥)
وحُدِّثْت عن عَمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه :
وَأَمْنَا﴾. يقولُ: أمنًا مِن العدوِّ أن يَحْمِلَ فيه السلاحَ، وقد كان فى الجاهليةِ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٣/١ عن ابن زيد .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٥/١ عقب الأثر (١١٩٤) من طريق عمرو بن حماد به ..
(٣ - ٣) سقط من : الأصل.
(٤) فى الأصل: ((عربمة)).
(٥) تقدم أوله فى ص ٥١٨ .

٥٢٢
سورة البقرة : الآية ١٢٥
يُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حولِهم وهم آمنون لا يُسْبَوْن (١).
وحُدِّثْت عن المنجابِ، قال: أخبرَنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن
ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَأَمْنًا﴾. قال: أمنًا للناسِ(٣) .
وحدثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : حدثنى حَجّاجْ ، عن ابن جريجٍ ، عن
مجاهدٍ قوله: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: تحريُه، لا يَخافُ فيه مَن دخَله .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ ﴾
اختلف القَرَأَةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأَه بعضُهم: ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ
مُصَلَّى﴾. بكسرٍ الخاءِ على وجهِ الأمرِ باتخاذِهِ مصلَّى، وهى قراءةُ عامةٍ قَرَأَةٍ
المِصْرَيْنِ ؛ الكوفَةِ والبصرةٍ ، وقراءةُ عامةٍ قَرَأَةِ أهلِ مكةَ، وبعضٍ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ(٣).
" وذهَب الذين قرءوا ذلك إلى" الخبرِ الذى حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُّ
إبراهيمَ ، قالا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حُميدٌ ، عن أنس بن مالكٍ، قال: قال
عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ ، لو اتخذْتَ المَقَامَ مُصَلَّى! فَأَنزل اللَّهُ:
(٥)
﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٥/١ عقب الأثر (١١٩٤) من طريق ابن أبى جعفر به ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١١٨/١ إلى المصنف عن أبى العالية .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٥/١ (١١٩٣) عن أبى زرعة ، عن منجاب به.
(٣) وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو وعاصم وحمزة والكسائى، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء ، وسيأتى،
ينظر حجة القراءات ص ١١٣ .
(٤ - ٤) فى م: ((وذهب إليه الذين قرءوه كذلك من))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((وذهب إليه الذين قرءوه
كذلك إلى أن )) .
(٥) أخرجه أحمد ٢٣/١ (١٥٧)، والبخارى (٤٠٢)، والترمذى (٢٩٦٠)، والنسائى فى الكبرى
(١٠٩٩٨)، وابن ماجه (١٠٠٩) من طريق هشيم به .
=

٥٢٣
سورة البقرة : الآية ١٢٥
وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٌّ، وحدَّثنی يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ،
قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، عن عمرَ، عن النبيِّ عَ اله
مثلَهُ(١).
/ وحدثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا محُمَيدٌ، عن أنسٍ، ٥٣٥/١
قال : قال عمرُ بنُ الخطابِ : قلتُ : يارسولَ اللَّهِ . فذكَر مثلَه.
قالوا : فإنما أنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ أمرًا منه نبيَّه ◌َّهِ باتِّخاذٍ مَقامِ إبراهيمَ
مُصَلَّى، فغيرُ جائزةٍ قراءتُها وهى أمرٌ ، على وجهِ الخبرِ.
وقد زعم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن قوله: ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ
مُصَلِلْ﴾. جزمٌ(٢) معطوفٌ على قولِه: ﴿يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ﴾ واتَّخِذوا
مصلَّى من مَقام إبراهيمَ . فكان الأمرُ بهذه الآيةِ، وباتخاذِ المصلّى من مَقامِ إبراهيمَ -
على قولِ هذا القائِلِ - لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا على عهدٍ رسولٍ
اللَّهِ چله .
"وقال٣) الربيعُ بنُ أنسٍ بما حدِّثْت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال : ثنا ابنُ أبى
جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع بنِ أنَس٢٤ِ ، قال: من الكلماتِ التى ابْتُلِىَ بها إبراهيم
قوله: [٣٨/٤ظ] ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾. يأمُرُهم أن يَتَّخِذُوا مِن مَقام
= وأخرجه الترمذى (٢٩٥٩) من طريق حماد بن سلمة، عن حميد به. وينظر مسند الطيالسى (٤١).
(١) أخرجه أحمد ٢٤/١ (١٦٠)، وفى فضائل الصحابة (٤٣٤) من طريق ابن أبى عدى به.
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣ - ٣) فى م: ((كما حدثنا))، وفى ت١، ت٢، ت٣: ((حدثنا)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.

٥٢٤
سورة البقرة : الآية ١٢٥
إبراهيمَ مُصَلَّى، فهم يُصَلُون خلفَ المَقَامِ .
فتأويلُ قائلِ هذا القولِ : وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهُنَّ، قال : إنى
جاعِلُك للناسِ إمامًا . قال: اتَّخِذوا من مَقامِ إبراهيمَ مصلَّى .
والخبرُ الذى ذكَرْناه عن عمرَ بنِ الخطابِ عن رسولِ اللَّهِ مَِّّمِ قبلُ، يَدُلُّ على
خلافٍ الذى قاله هؤلاء، وأنه أمرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه بذلك رسولَ اللَّهِ عَ العِ ،
والمؤمنين به ، وجميعَ الخلقِ المكلَّفِين .
وقرَأه بعضُ قرأةِ أَهلِ المدينةِ والشامِ : (واَّخَذوا). بفتحِ الخاءِ، على وجهِ الخبرِ.
ثم اختُلِف فى الذى عُطِف عليه بقولِه: (واتَّخَذوا). إذا قُرِئ كذلك على
وجهِ الخبرِ، فقال بعضُ نحويِّى البَصْرةِ: تأويلُه إذا قُرِئ كذلك: وإذ جعَلْنا البيتَ
مَثابةً للناسِ وَأَمْنًا، (وإذ اتخَذُوا١) من مقامٍ إبراهيمَ مُصَلَّى.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ : بل ذلك معطوفٌ على قوله: ﴿جَعَلْنَا﴾. فكأن
معنى الكلام على قولِه: وإذ جعَلْنا البيتَ مثابةً للناسِ ، واتَّخَذُوه مُصَلَّى .
والصوابُ من القولِ والقراءةِ فى ذلك عندنا: ﴿ وَأَّخِذُواْ﴾. بكسرِ الخَاءِ ،
على تأويلِ الأمرِ باتخاذٍ مَقَامٍ إبراهيمَ مُصَلَّى ، للخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللهِ ◌َّمِ الذى
ذكَرْناه آنفًا، وأن عمرَو بنَ علىِّ حدثنا، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال : ثنا جعفرُ بنُ
محمدٍ ، قال: حدثنى أبى، عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ ، أن رسولَ اللَّهِ مَلِ قرأ:
﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ﴾(٣).
(١ - ١) فى م: ((وإذ واتخذوا)).
(٢) القراءتان صواب لأنهما متواترتان .
(٣) أخرجه أحمد ٣٢٥/٢٢ (١٤٤٤٠)، وأبو داود (١٩٠٧، ١٩٠٩)، وابن خزيمة (٢٧٥٤) من طريق
يحيى بن سعيد به مطولاً، وهو جزء من حديث جابر الطويل فى صفة حجة النبى معَ هٍ فى صحيح مسلم
(١٢١٨)، وينظر مسند الطيالسى (١٧٧٣).

٥٢٥
سورة البقرة : الآية ١٢٥
ثم اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ .
وفى مقامِ إبراهيمَ ؛ فقال بعضُهم : مقامُ إبراهيمَ هو الحجُ كلُّه .
٥٣٦/١
/ذكر من قال ذلك
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن
عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿مَّقَامِ إِرَهِمَ﴾. قال: الحُ كلُّه مقامُ إبراهيمَ (١).
وحدثنى المُثُنَّى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُبَيْنَةَ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلَّ﴾. قال: الحجُ كلُّه.
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن ابنِ جريج، عن عطاءٍ،
قال : الحجُ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ .
وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ عَرَفَةُ وَالْمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
نجيحِ، عن عطاءِ بنِ أبى رَباحِ: ﴿وَأَتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾. قال: لأنى
قد جعَلْتُه إمامًا، فمَقَامُه عَرَفَةُ وَالْمُرْدَلِفَةُ والجِمارُ(٢).
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: [٣٩/٤ و] أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ ، قال: أخبرنا
مَعْمَرٌ، عن ابن أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ
(١) تفسير عبد الرزاق ٥٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٦/١ (١١٩٧) من طريق حجاج، عن
ابن جريج به مطولاً .
(٢) تفسير مجاهد ٢١٤/١.
(٣) بعده فى م: ((عن قتادة)).

٥٢٦
سورة البقرة : الآية ١٢٥
مُصَلٌّ﴾. قال: مَقَامُه جَمْعُ(١) وعَرَفَةُ ومِنَّى. لا أعلمُه إلا وقد ذكَر مكةً(٢).
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ ، قال: ثنا أبو عاصِم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
نجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾ .
قال : مَقامُه عَرفُ .
وحدثنا عمرُو بنُ علىٍّ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا داودُ ، عن الشعبىِّ،
قال : نزلَتْ عليه وهو واقفٌ بعرفةَ مَقامِ إبراهيمَ ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
(٣)
الآية [المائدة: ٣] .
وحدثنا عمرُو بنُ علىّ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفُضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبى هندٍ ،
عن الشعبىِّ مثلَه .
وقال آخرون : مَقامُ إبراهيمَ الحرم .
ذكرُ من قال ذلك
حدِّثْتُ عن حمادِ بنِ زيدٍ ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ وَأَتَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ مُصَلٌّ﴾. قال: الحرمُ كلُّه مَقَامُ إبراهيمَ(٤).
وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ هو الحَجَرُ الذى قام عليه إبراهيمُ حين ارتفع
بناؤُه، وضَعُف عن رَفْعِ الحِجارةِ .
(١) جمع : المزدلفة . اللسان (ج م ع).
(٢) تفسير عبد الرزاق ٥٨/١ .
(٣) سيأتى هذا الأثر فى سورة المائدة من طريق عبد الأعلى، وابن علية ، وليس فيه: عرفة مقام إبراهيم.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٦/١ عقب الأثر (١١٩٨) معلقا .

٥٢٧
سورة البقرة : الآية ١٢٥
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا ابنُ(١) سِنانِ القَزّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو علىِّ الحنفىُ ، قال :
ثنا إبراهيمُ بنُ نافع، قال: سمِعتُ كَثيرَ بنَ كَثیرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ مُبَيْرٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، قال: جعَل إبراهيمُ يَيْنيه، وإسماعيلُ يُنَاوِلُه الحجارةَ، ويقولان(١): ﴿ رَبَّنَا نَقَبَّلْ
مِنَّأْ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلمّا ارتفع البنيانُ وضعُف الشيخُ عن رَفْع
الحجارةِ، قام على حجَرٍ ، فهو مَقامُ إبراهيمَ (١).
وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ، هو مَقامُّه الذى هو فى المسجدِ الحرامِ .
/ ذكرُ من قال ذلك
٥٣٧/١
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّى﴾: إنما أمِروا أن يُصلُّوا عندَه ولم يُؤْمَروا بَمَسْجِه،
ولقد تَكَلَّفَت هذه الأمةُ شيئًا ما(٤) تَكَلَّفَتْه الأممُ قبلَها ، ولقد ذكر لنا بعضُ مَن رأى أَثَرَ
عَقِبِه وأصابِعِه (٢) ، فما زالت هذه الأمةُ يِمِسَحُونه حتى احْلَوْلَقَ(١) وانْمَحَى(١).
(١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) فى الأصل: ((يقولون)).
(٣) أخرجه البخارى (٣٣٦٥) من طريق إبراهيم بن نافع به مطولا، وليس فيه: فهو مقام إبراهيم . وكذلك
أخرجه البخارى (٣٣٦٤) من طريق معمر، عن أيوب وكثير بن كثير، عن سعيد به مطولاً ، وهذه العبارة عند
الأزرقى فى أخبار مكة ٢٧٣/١، ٢٧٤ من طريق مسلم بن خالد عن ابن جريج عن كثير به .
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( مما)).
(٥) بعده فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيها))، وفى تفسير ابن كثير ٢٤٦/١ ((فيه)). والمثبت موافق لما
فى أخبار مكة والدر المنثور .
(٦) خلق الشىء خلقا واخلولق: املاسّ ولان واستوى . اللسان (خ ل ق).
(٧) فى الأصل: ((امحى)).
والأثر أخرجه الأزرقى فى أخبار مكة ٢٧٢/١ من طريق يزيد به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٩/١
إلی عبد بن حميد وابن المنذر .

٥٢٨
سورة البقرة : الآية ١٢٥
وحدِّثْت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿ وَأَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ﴾: ( بَأْمُهم أن يَتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلَّى)، فهم
يُصلُّون خلفَ المقامِ .
وحدثنى موسى (١)، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَأَتَّخِذُواْ
مِن مَّقَامِ إِبْرَهِعَمَ مُصَلّى﴾: وهو الصلاةُ عند مَقامِه فى الحَجُ . والمقام هو الحَجَرُ الذى
كانت زوجةُ إسماعيلَ وَضَعَتْ(٢) تحت قَدَمِ إبراهيمَ حين غسَلتْ رَأْسَه، فوضَع
إبراهيمُ رِجْلَه عليه وهو راكِبٌ ، فغسَلتْ شِقَّه، ثم رفَعتْه(٤) من تحته وقد غابت رِجْلُه فى
الحَجَرِ ، فوضَعتْه تحت الشِّقِّ الآخَرِ فغسَلتْه، فغابت رِجْلُه أيضًا فيه ، فجعَلها اللَّهُ من
شعائِرِه، فقال: ﴿وَلَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ﴾ (٥).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندنا ما قاله القائلون: إنَّ مَقامَ إبراهيمَ هو المَقَامُ
المعروفُ بهذا الاسم، الذى هو فى المسجد الحرامِ؛ لما روَيْنا آنفًا عن عمرَ بنِ
الخطابِ، ولما حدَّثنا به يوسفُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ ، قال : ثنا جعفرُ
ابنُ محمدٍ ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: استلَم رسولُ اللَّهِ عَمِ الرُّكْنَ، [٣٩/٤ظ] فرَمَل
ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم نفَذُ(١) إلى مَقامِ إبراهيمَ فقرًا: ﴿ وَأَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهَِ
مُصَلٌّ﴾. فجعَل المَقَامَ بينَه وبينَ البيتِ ، فصلَّى ركعتين(٧).
(١ - ١) سقط من: م .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يونس)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وضعته)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((دفعته).
(٥) أخرج ابن أبى حاتم أوله فى تفسيره ٢٢٧/١ (١٢٠٢) من طريق عمرو به .
(٦) فى الأصل: ((نفد)) بالدال المهملة .
(٧) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤) من طريق حاتم بن إسماعيل به ،
وهو جزء من حديث جابر الطويل فى صفة حجة النبى معَةٍ ، وينظر ص ٥٢٤ .

٥٢٩
سورة البقرة : الآية ١٢٥
فهذان الخبرانِ يُثْبِئان أنَّ اللَّهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بمقام إبراهيمَ الذى أَمَرنا(١)
باتخاذِه مصلَّى منه(٢)، هو الذى وصَفْنا، ولو لم يكنْ على صِحَّةٍ ما اختَرْنا فى تأويلِ
ذلك خبرٌ عن رسولِ اللَّهِ مَّهِ، لكان الواجبُ من القولِ فيه ما قلْنا؛ وذلك أنَّ الكلامَ
مَحْمولٌ معناه على ظاهِرِهِ المعروفِ دونَ باطِنِه المجهولِ، حتى يأتىَ ما يدلُّ على
خِلافٍ ذلك مما يَجِبُ التسليمُ له . ولا شكَّ أنَّ المعروفَ فى الناسِ بِمَقامِ إبراهيمَ،
هو "ما وصَفتُ دونَ جميعِ الحَرَمِ، ودونَ مَواقِفِ الحجُ كلِّها .
وأمّا٢) المُصَلَّى الذى قال اللَّه تعالى ذِكْرُه: ﴿ وَأَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِعَ
مُصَلّى﴾. فإنَّ أهلَ التأويلِ مُختلفون فى معناه؛ فقال بعضُهم: هو المُدَّعَى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُبَيْنَةَ ، عن ابنِ أبى نجيح ، عن
مجاهدٍ: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلٌّ﴾. قال: مصلَّى إبراهيمَ مُدَّعَى(٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك : بل اتخِذُوا مصلَّى تصلُّون عنده .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ، قال:
أُمِروا أن يُصلُّوا عنده(٥).
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((اللَّه)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢١٤ - تفسير) عن سفيان به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٧/١
(١٢٠١) من طريق زكريا بن إسحاق ، عن ابن أبى نجيح به .
(٥) تقدم تخريجه بتمامه فى ص ٥٢٧ .
( تفسير الطبرى ٣٤/٢ ).

٥٣٠
سورة البقرة : الآية ١٢٥
/ وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن
الشدِّىِّ، قال: هو الصلاةُ عندَه(١) .
٥٣٨/١
فكأنَّ الذين قالوا: تأويلُ المُصَلَّى ههنا المُدَّعَى. وجّهوا المُصَلَّى إلى أنه مُفَتَّل،
مِن قولِ القائلِ: صلَّيتُ . بمعنى: دعوتُ. وقائلو هذه المقالةِ هم الذين قالوا: إِن مَقامَ
إبراهيمَ هو الحُ كلُّه .
فكأنَّ معناهم فى تأويل هذه الآيةِ: واَّخِذوا عرفَةَ والمُزْدَلِفَةَ والمَشْعَرَ
والجَمَراتِ (٢) وسائرَ أماكنِ الحجّ التى كان إبراهيمُ يقومُ بها، مُدَّعَى(٣) تَدْعونَنِى(٤)
عندَها، وتَأْمُّون(٥) بإبراهيمَ خليلى صلواتُ اللَّهِ عليه فيها، فإنى قد جعَلتُه لَمن
بعدَه - مِن أوليائى وأهلِ طاعَتِى - إمامًا يَقْتَدون به وبآثارِهِ ، فَاقْتَدوا به .
وأما تأويلُ القائلين القولَ الآخرَ، فإنه: اتَّخِذوا أيها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ
مُصلَّى تُصَلُّون عندَه، عِبادةً مِنكم لى، وتَكْرِمةٌ منى لإبراهيمَ .
وهذا القولُ هو أوْلَى بالصوابِ عندَنا؛ لما ذَكَّرنا مِن الخَبرِ عن عمرَ بنِ الخطّابِ
وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ عَلٍ .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا
بَيْتِىَ﴾ .
[٤٠/٤ و] يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَهِدْنَآَ﴾: وأَمَوْنا .
(١) تقدم تخريجه بتمامه فى ص ٥٢٨ .
(٢) فى م: ((الجمار)).
(٣) فى م: ((مداعى)).
(٤) فى الأصل: ((يدعوننى)).
(٥) فى الأصل: ((يأتمون)).

٥٣١
سورة البقرة : الآية ١٢٥
كما حدثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجّاتجٌ، عن ابنِ
◌ُجُرَيْجٍ ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: ما عَهْدُه؟ قال: أَمْرُه(١).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
وَعَهِدْنَآ إِلَ إِبْرَهِمَ﴾. قال: أَمَوْناهُ(٣) .
فمعنى الآية: وأَمَرْنا إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرٍ بيتى للطائفين. و ((التَّطهيرُ))
الذى أمَرَهما اللَّهُ به فى البيتِ هو تطهيرُه مِن الأصنام ، وعبادةِ الأوثانِ فيه، ومِن
الشركِ باللَّهِ .
فإن قال قائلٌ: وما معنى قوله: ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِعْمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ
لِلَّطَِّفِينَ﴾؟ وهل كان أيامَ إبراهيمَ - قبلَ بنائِه البيتَ - بيتٌ يُطَهَّرُ مِن الشركِ
وعبادةِ الأوثانِ فى الحَرَم ، فيجوز أن يكونا أَمِرا بتَطْهيره؟
قيل : لذلك وجهانٍ مِن التأويل، قد "قال بكلٌ) واحدٍ مِن الوَجْهين مِن
أهلِ التأويلِ جماعةٌ ؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه : وعَهِدْنا إلى إبراهيم وإسماعيلَ أن
اثْنِيَا بَيْتِىَ مُطَهَّرًا مِن الشركِ والرّيْبِ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ
بُنْيَكْنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرُّ أَم مَنْ أَسْسَ بُنْيَكِنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ
هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]. فكذلك قوله: ﴿وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِرَا
بَيْتِىَ﴾. أى: ابْنِيا بَيْتَىَ على طُهْرٍ مِن الشِّركِ بی والرَّيْبِ.
كما حدَّثنی موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ،
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٧/١ ، عن ابن جريج به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/١ إلى
المصنف .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٨/١ .
(٣ - ٣) فى م، ت١، ت ٣: ((كان لكل)).

٥٣٢
سورة البقرة : الآية ١٢٥
عن السُّدِّىِّ: ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ﴾. يقولُ: ابْنِيا بيتى
(١)
للطائفين(١).
فهذا أحدٌ وَجْهَيْهِ .
والوجهُ الآخرُ منهما: أن يكونا أُمِرا بأن يُطَهِّرا مكانَ البيتِ قبلَ بِنائِه(٢) والبيتَ
بعدَ بِنائِه (٢) ، مما كان أهلُ الشركِ باللَّهِ يَجْعَلونه فيه، على عهدِ نوحٍ ومَن قبلَه مِن
الأوثانِ؛ ليكونَ ذلك سُنَّةً لمن بعدَهما ، إذ كان اللَّهُ جلَّ ثناؤه قد جعَل إبراهيمَ إِمامًا
يُقْتَدَى به(٢) بعدَه .
/ كما حدَّثنى يونسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهب ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ﴾. قال: مِن الأصنامِ التى يَعْبُدون، التى كان المشركون
يُعَظِّمونها(٤).
٥٣٩/١
" ذكرُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿أَنْ طَهِرَا بَيْتِىَ﴾ أى: طهِّراه من الشِّرْكِ
والرَّئْبِ)
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا
سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْج١، عن عطاءٍ، عن تُبيدِ بنِ عُمَيرٍ: ﴿طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّيِفِينَ
(١) سقط من م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٧/١ (١٢٠٤) من طريق عمرو بن حماد به.
(٢) فى م: (( بنيانه)).
(٣) بعده فى م: ((من)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٤٨/١ .
(٥ - ٥) سقط من : م .
(٦) فى م: ((أبى نجيح)).

٥٣٣
سورة البقرة : الآية ١٢٥
قال : مِن الآفاتِ(١) والرّيْبٍ(٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنٍ مُرَيْجٍ، عن
عطاءٍ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ مثلَه(٣) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ليثٍ ، عن
مجاهدٍ ، قال : مِن الشركِ(٣) .
وحدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا(٤) إسرائيلُ، عن أبى حصينٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلَّبِفِينَ﴾. قال: مِن الأوثانِ(٥) .
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحبى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ [٤٠/٤ظ]، قال: أُخْبَرنا
مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَّطَّبِفِينَ﴾. قال: مِن الشركِ وعبادةِ
(٦)
الأوثانِ(٦) .
حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ بمثله ، وزاد فيه :
وقولِ الزُّورِ(٧).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه : ﴿ لِلَطَآئِفِينَ ﴾
اختلف أهلُ التأويل فى معنى ((الطائِفين)) فى هذا الموضِعِ؛ فقال بعضُهم: هم
(١) فى م: ((الأوثان)).
(٢) أخرجه الأزرقى فى أخبار مكة ١٩٩/١ من طريق عثمان بن ساج، عن ابن جريج به .
(٣) تفسير سفيان ص ٢١٠ .
(٤) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( أبو)). وينظر تهذيب الكمال ٥١٥/٢.
(٥) ذكره القرطبى فى تفسيره ١١٤/٢.
(٦) تفسير عبد الرزاق ٥٨/١، ٣٦/٢.
(٧) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٢١/١ إلى المصنف وعبد بن حميد .

٥٣٤
سورة البقرة : الآية ١٢٥
الغرباءُ الذين يَثْتابون (١) البيتَ الحرامَ مِن غربةٍ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُرِيبٍ، قال ثنا أبو بكرٍ بنُ عَياشِ ، قال : ثنا أبو حَصِينٍ، عن سعيدِ
ابنِ جُبَيْرٍ فى قوله: ﴿لِلَّبِفِينَ﴾ قال: مَن أتاه مِن غربةٍ(١).
وقال آخرون: بل الطائفون هم الذين يَطُوفون به، "غريبًا كان٢) أو مِن أهلِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن أبى بكرٍ الهُذَليّ، عن عطاءٍ :
﴿ لِلَّطَّائِفِينَ﴾. قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ ، فهو مِن الطائفين().
وأوْلَى التأويلين بالآيةِ ما قاله عطاءٌ؛ لأن الطائفَ هو الذى يَطُوفُ بالشىءِ دونَ
غيرِهِ، والطَّارِئُ مِن غربةٍ لا يَسْتحِقُّ اسمَ طائفٍ بالبيتِ إن لم يَطُفْ به.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَالْعَلَكِفِينَ﴾ .
يعنى تعالى ذِكْرُه بقوله: ﴿ وَالْمَكِفِينَ﴾: والمُقِيمين به. والعاكِفُ على
الشىءٍ: المُقِيمُ عليه، كما قال نابغةُ بنى ذُثْيانَ(٥) :
رَمَى اللَّهُ فِى تِلكَ الأَكُفِّ الكوَانِعُ
تُكُوفًا لَدَى أَبْيَاتِهِمْ يَثْمِدُونَهُمْ(١
(٧)
(١) فى م: ((يأتون)). وينتابون: يأتون مرة بعد مرة. اللسان (ن وب) ..
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٨/١ (١٢١١) من طريق أبى بكر بن عياش به.
(٣ - ٣) فى م، ت ١: ((غرباء كانوا)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٨/١ (١٢٠٩) من طريق أبى بكر الهذلى به نحوه .
(٥) ديوانه ص ١٨٩، وفيه: ((قعودا)) مكان ((عكوفا)).
(٦) يثمدونهم : يطلبون معروفهم فى إلحاح . اللسان (ث م د)
(٧) الكوانع : الذليلة . اللسان (ك ن ع).

٥٣٥
سورة البقرة : الآية ١٢٥
وإنما قيل للمُعْتكِفِ : مُعْتكِفٌ. مِن أجلِ مُقامِه فى الموضِع الذى حَبَس نفسَه
فيه للَّهِ تعالى .
/ ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى مَن عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿ وَأَلْمَكِفِينَ﴾؛ فقال !
بعضُهم : عَنَى به الجالسَ فى البيتِ الحرامِ بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبى بكرِ الهُذلِيِّ، عن عطاءٍ، قال: إِذا
كان طائفًا بالبيتِ ، فهو مِن الطائفين، وإذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين (١).
وقال بعضُهم: العاكفون : هم المُغْتَكِفون المجاورون .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال : ثنا شريكٌ، عن
جابرٍ، عن مُجاهدٍ [٤١/٤ و] وعكرمةَ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّبِفِينَ وَالْمَكِفِينَ ﴾. قال:
العاِفون(١) المجاورون .
وقال بعضُهم : العاكفون هم أهلُ البلدِ الحرامِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كُرَيبٍ ، قال : ثنا أبو بكرٍ بنُ عياشٍ ، قال : ثنا أبو حصينٍ ، عن سعيدِ
ابنِ جبيرٍ فى قوله: ﴿ وَاَلْعَكِّفِينَ﴾ قال: أهلُ البلدِ(٣) .
(١) الشطر الأول تقدم فى ص ٥٣٤، والشطر الثانى ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٨/١ عقب الأثر
(١٢١٢) معلقا .
(٢) سقط من : م .
(٣) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٨/١ عقب الأثر (١٢١٣) معلقا .

٥٣٦
سورة البقرة : الآية ١٢٥
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ،
قال : العاكفون أهلُهُ(١).
وقال آخرون : العاكفون هم المُصلُّون .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال :
قال ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿ طَهِرَا بَيْتِىَ لِلَطَّيِفِينَ وَاَلْعَكِفِينَ﴾ قال: العاكِفون
المصلون .
وأؤْلَى هذه التأويلاتِ بالصوابِ ما قاله عطاءٌ، وهو أن العاكفَ فى هذا الموضِعِ
المقيمُ فى البيتِ مجاورًا فيه بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ ؛ لأن صِفَةَ الُكوفِ ما وصَفنا مِن
الإقامةِ بالمكانِ ؛ والمقيمُ بالمكانِ قد يكونُ مقيمًا به وهو جالسٌ ومصلٍّ وطائفٌ
ونائم ، وعلی غیرٍ ذلك مِن الأحوال ، فلما كان جلَّ ثناؤه قد ذكر فى قوله : ﴿ أَنْ
طَهِرَا بَيْتِىَ لِلِّفِينَ وَالْعَلَكِفِينَ وَالرَُّعِ السُّجُودِ﴾ المُصلِين والطائفين، عُلِمَ بذلك
أن الحالَ التى عَنَى جلَّ ثناؤُه مِن العاِفِ غيرُ حالِ المُصلِّى والطائفِ، وأن الذى(٣)
عَنَى مِن أحوالِهِ هو العُكوفُ بالبيتِ على سبيلِ الجوارِ فيه، وإن لم يَكُنْ مُصلِیًا فيه ولا
راكعًا ولا ساجدًا .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَالرُّكَعِ السُّجُودِ
١٢٥)
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَالرُّكَعِ﴾ جماعةَ القوم الراكعين فيه له،
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٨/١ عقب الأثر (١٢١٣) معلقا .
(٢) فى م: (قائم)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((التى)).

٥٣٧
سورة البقرة : الآيتان ١٢٥، ١٢٦
واحدُهم ((راكِتٌ)). وكذلك ﴿الشُّجُودِ﴾ هم جماعةُ القوم الساجدين فيه له،
واحدُهم ((ساجِدٌ))، كما يُقالُ: رجلٌ قاعِدٌ، ورجالٌ قُعودٌ، ورجلٌ جالسٌ،
ورجالٌ مجلوسٌ. وكذلك : رجلٌ ساجدٌ ، ورجالٌ سجودٌ .
وقيل (١) : عُنِى بـ﴿الرُّكَعِ السُّجُودِ﴾: المصلُّون .
٥٤١/١
/ ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرِيبٍ، قال: حدَّثنا وكيع، عن أبى بكرٍ الهُذليّ، عن عطاءٍ :
وَالُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قال: إذا كان يُصَلِّى فهو مِن الوَّعِ السُّجودِ(١).
[٤١/٤ ظ] حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
وَالزُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أهلُ الصلاةِ(٣) .
وقد أتينا فيما مضى على بيانِ معنى ((الركوع)) و((السجودِ))، فأَغْنَى ذلك عن
(٣)
إعادته (١) .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَإِنَا﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِرُ رَبٍ أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًا ءَإِنَّا﴾: واذْكُرُوا
إذ قال إبراهيمُ: ربِّ اجْعَلْ هذا البلدَ بلدًا آمنًا. يعنى بقولِه: ﴿ءَامِنًا ﴾: آمنًا مِن
الجبابرةِ وغيرِهم، أن يُسَلَّطوا عليه، ومِن عقوبةِ اللَّهِ أن تنالَه، كما تنالُ سائرَ البلدانِ،
مِن خَسْفٍ وائتفاكٍ (٤) وغرقٍ، وغيرِ ذلك مِن سخطِ اللَّهِ ومَثُلاتِه التى تُصيبُ سائرَ
(١) بعده فى م، ت ١، ت ٢: ((بل)).
(٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٢٩/١ عقب الأثر (١٢١٦) معلقا .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٦١٣/١، ٧١٥ .
(٤) فى م: ((انتقال)). والائتفاك: الانقلاب، يقال منه: ائتفكت بهم الأرض، أى انقلبت. ينظر
اللسان (أ ف ك).

٥٣٨
سورة البقرة : الآية ١٢٦
البلادِ غيرَه .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال :
ذُكِرَ لنا أن الحَرَّمَ حُرِّمَ (١ بحيالِه إلى العرش١ِ). وذُكِر لنا أن البيتَ هبَط مع آدمَ حينَ
هبَط ، قال اللَّهُ له: أُهْبِطُ معك بيتى يُطافُ حولَه كما يُطافُ حولَ عَرْشِى . فطافَ
حولَه آدمُ ومَن كان بعدَه مِن المؤمنين، حتى إذا كان زمنُ الطَّوفانِ - حين أعْرَق اللَّهُ
قومَ نوحٍ - رفَعه وطَهَّره فلم تُصِبْه عُقوبةُ أهلِ الأرضِ ، فَتَبَّع منه إبراهيمُ أثرًا ، فبناه
على أساسٍ قديم كان قبلَه (٢).
فإن قال لنا قائلٌ: أو ما كان الحرمُ آمنًا إلا بعدَ ما سأَل إبراهيمُ ربَّه له الأمانَ ؟
قيل : قد اخْتُلِفَ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: لم يَزَلِ الحرمُ آمنًا مِن عقوبةِ اللَّهِ
وعقوبةِ جبابرةٍ خلقِه، منذُ خُلِّقَتِ السماواتُ والأرضُ .
واعْتُلُوا فی ذلك بما حدّثنا أبو کریبٍ ، قال : ثنا يونسُ بنُ بُگیرٍ ، عن محمدِ بنِ
إسحاقَ ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ أبى سعيدِ المَقْبُرىُّ، قال: سمِعت أبا شُريح
الخُراعىُّ يقولُ: إن رسولَ اللّهِ وٍَّ لما افْتَتح مكةَ قَتَلت خُزَاعةُ رجلًا مِن هُذَيلٍ ، فقام
رسولُ اللَّهِ وَلِ خطيبًا فقال: ((يا أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ حرَّم مكةَ يومَ خَلَق السماواتِ
والأرضَ، فهى حرامٌ بحرامٍ(٢) اللَّهِ إلى يومِ القيامةِ، لا يَحِلُّ لامرئٍ يُؤْ منُ باللَّهِ واليوم
الآخرِ أن يَشْفِكَ فيها(٤) دمًا، أو يَعْضِدَ بها شجرًا (٥)، وإنها لا تَحِلُّ لأحدٍ بعدِى،
(١ - ١) فى حاشية الأصل: ((فى الأم: بحياله العرش)).
(٢) أخرجه الأزرقى فى أخبار مكة ٣٥٥/١ من طريق يزيد به إلى قوله: ((العرش)).
(٣) فى م، ت ٢: (( بحرمة)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بها)).
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ألا)).

٥٣٩
سورة البقرة : الآية ١٢٦
لا(١) تَحِلُّ لى إلا هذه الساعةَ غضبًا(١) على أهلِها، ألا فهى قد رجعت على حالِها
بالأمس ،/ ألَا لِيُبَلِّغ الشاهدُ الغائِبَ، فمَن قال: إن رسولَ اللَّهِ عَ لِّ قد قتَل بها، ٥٤٢/١
فقولوا: إِنَّ اللَّهَ قد أحلَّها لرسولِه ولم يُحِلَّها لك))(٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ
وكيع، قالا : ثنا جريرٌ، جميعًا عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ،
قال: قال [٤٢/٤ و] رسولُ اللَّهِ عَ لَّمِ لمكةَ حين افتتحها: ((هذه حَرَمُ حرَّمها اللَّهُ يومَ
خَلَق السماواتِ والأرضَ وخلَق الشمسَ ( والقمرَ) ووضَع هذين الأخْشَبَيْنِ، لم
تَحِلَّ لأحدٍ قبلِى، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدى، أُحِلَّت لى ساعةً من نهارٍ )) (١).
قالوا : فمكةُ لم تَزَلْ منذ خُلِقت حَمًا آمنًا مِن عقوبةِ اللَّهِ وعقوبةِ الجبابرةِ .
قالوا: وقد أَخبَرَت عن صحة ما قلنا مِن ذلك الروايةُ الثابتةُ عن رسولٍ
اللَّهِ عَ لِّ التى ذكرناها .
قالوا : ولم يسألْ إبراهيمُ ربَّه أن يؤمِّنَه من عقوبته وعقوبة الجبابرة ، ولكنه سأله
أن يؤمِّنَ أهلَه من الجدوبِ والقحوطِ ، وأن يرزُقَ ساكنيه (٧) من الثمراتِ، كما أخبر
ربُّه عنه أنه سأله بقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبٍّ أَجْعَلْ هَذَا بَدًّا ءَاِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لم)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عصى)).
(٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٨٣/٥ من طريق يونس بن بكير به، وأخرجه أحمد ٣٠٠/٤ (١٦٣٧٧)،
والطحاوى ٢٦٠/٢، والطبرانى فى الكبير ١٨٥/٢٢ (٤٨٥) من طرق عن ابن إسحاق به بنحوه، كما أخرجه
البخارى (١٠٤، ١٨٣٢، ٤٢٩٥)، ومسلم (١٦٥٤) من طريق سعيد بن أبى سعيد المقبرى به بنحوه .
(٤ - ٤) سقط من: الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩٦/١٤، ٤٩٧، والدارقطنى ٢٣٥/٤ من طريق يزيد به .
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الثانية)).
(٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ساكنه)).

٥٤٠
سورة البقرة : الآية ١٢٦
الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِلَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾.
قالوا : وإنما سأل ربَّه ذلك؛ لأنه أَسْكَن فيه ذرِّيَّتَه، وهو غيرُ ذی زَرْعٍ ولا
ضَرْعٍ، فاستعاذ بربِّه من أن يُهلكهم بها جوعًا وعطشًا، فسأله أن يؤمِّنَهم مما حذِر
عليهم منه .
قالوا : وكيف يجوزُ أن يكونَ إبراهيمُ صلواتُ اللَّهِ عليه سأل ربَّه تحريمَ الحرمِ ،
وأن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ جبابرةٍ خلقِه ، وهو القائلُ حينَ حلَّه ونزَله بأهلِه وولدِه :
﴿ رَبَّنَآ إِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
قالوا: فلو كان إبراهيمُ هو الذى حرَّم الحرمَ أو سأل ربَّه تحريمَه لَمَا قال: ﴿عِندَ
بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، عندَ نزولِه به، ولكنه حُرِّم قبلَه وحُرِّم بعدَه .
وقال آخرون : كان الحَرَمُ حلالاً قبلَ دعوةِ إبراهيمَ كسائرِ البلادِ غيرِهِ ، وإنما صار
حرامًاً بتحريم إبراهيمَ إياه، كما كانت مدينةُ رسولِ اللَّهِ مَ لِ حلالاً قبل تحريم رسولٍ
اللَّهِ عَةٍ إياها، " فصارت حرامًا بتحريمِ رسولِ اللَّهِ عَّه إياها).
قالوا : والدليلُ على صحة ما قلنا فى ذلك ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ
الرحمنِ بنُ مهدئٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الزّييرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ ، قال :
قال رسولُ اللَّهِ مَ له: ((إن إبراهيمَ حرَّم بيتَ اللَّهِ وأمَّنه، وإنى حرَّمت المدينةَ ما بينَ
لا بَيْها(١) ، فلا يصادُ صَيْدُها، ولا تُقْطَعُ عِضاهُها (*))
(١) فى الأصل: (( حرما)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) اللابتان: تثنية لابة ، وهى الحرّة ، وهى الأرض ذات الحجارة السود التى قد ألبستها لكثرتها .
النهاية ٢٧٤/٤ .
(٤) العضاه : أعظم الشجر ، وقيل : ما عظم من شجر الشوك. اللسان (ع ض هـ).
(٥) أخرجه النسائي في الكبرى (٤٢٨٤) عن ابن بشار به، وأخرجه مسلم (١٣٦٢) من طريق سفيان به .