النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١
سورة البقرة : الآية ١٠٩
وجهِ المصدرِ الذى يأتى خارجًا من معنى الكلام الذى يخالفُ لفظُه لفظَ المصدرِ ،
كقولِ القائلِ لغيرِه: تمتَِّتُ لك ما تمَّيْتُ من السوءِ حسَدًا منى لك. فيكونُ الحسَدُ
مصدرًا مِن معنى قولِه: تمَّيْتُ «لك ما تَنَّيْتُ) من السوءِ. لأنَّ فى قوله: تميَّيْتُ لك
ذلك. معنى: حَسَدْتُك على ذلك. فعلى هذا نَصْبُ الحسدِ؛ لأنَّ فى قولِه: ﴿وَدَّ
كَثِيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ .
معنى (٢) : حسَد كم أهلُ الكتابِ على ما أَعْطاكم اللَّهُ من التوفيقِ، ووَهَب لكم من
الرّشادِ لدينِهِ والإِيمانِ به وبرسولِه ◌ِ ◌َه"، وخَصَّكم بهِ من أن جعَل رسولَه إليكم
رجلاً منكم ، رَءُوفًا بكم رَحيمًا، ولم يجعَلْه منهم ، فتكونوا لهم تبعًا. فكان قولُه :
حَسَدًا﴾ . مصدرًا مِن ذلك المعنى .
وأما قوله: ﴿مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِم﴾. فإنه يَغْنى بذلك(٤) : من قِبَلِ أنفسِهم.
كما يقولُ القائلُ: لی عندك كذا وكذا. بمعنى: لی قِبَلَك .
وكما حدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، (°عن أبيه، عن الربيع" قولَه:
﴿مِّنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾: "من قِبَلِ أنفسِهم" .
وإنما أخبرَ اللَّهُ جل / ثناؤُه عنهم المؤمنين أنهم وَدُّوا ذلك للمؤمنين من عندٍ ٤٨٩/١
أنفسِهم ، إعلامًا منه لهم أنهم لم يُؤْمَروا بذلك فى كتابِهم ، وأنهم يَأْتُونَ ما يَأْتُون من
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٢) فى م: ((يعنى)).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، وفى ت ٢، ت ٣: ((برسوله)).
(٤) فى ت ١، ت ٣: (( به ذلك)).
(٥ - ٥) سقط من: م، ت ٢، وفى ت ١، ت ٣: ((فى)).
(٦ - ٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ٥ ٣.
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٥/١ (١٠٨٥) من طريق ابن أبى جعفر به.
٤٢٢
سورة البقرة : الآية ١٠٩
ذلك على علم منهم بنَهْىِ اللَّهِ إياهم عنه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤُه : ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَّنَ لَهُمُ الْحَقُِّ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّّ﴾. أى: من بعدِ ما
تَبَيَّنَ لهؤلاءِ الكثيرِ من أهلِ الكتابِ - الذين يَوَدُّون أنهم يَؤُدُّونکم کفارًا من بعدٍ
إيمانِكم - الحقُّ فى أمرٍ محمدٍ عَ لَه، وما جاء به من عندِ ربِّه، والملّةِ التى دعا إليها،
فأضاء لهم أن ذلك الحقُّ الذى لا (١) يَشْتَرُون فيه .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ: ﴿ مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقَُّّ﴾: من بعدِ ما تَبَيَّنَ لهم أن محمدًا رسولُ
اللَّهِ ، والإِسلامَ دينُ اللَّهِ(١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعُ: ﴿مِّنْ بَعْدٍ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقَُّّ﴾. يقولُ: تَبَيِّنَّ لهم أن محمدًا
رسولُ اللَّهِ عَظَهِ، يَجِدُونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيلِ".
وحدِّثْت عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيع مثلَه، وزاد
فيه : فكفَروا به حسدًا وبَغْيًا، إذ كان من غيرِهم .
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مِّنْ بَعْدٍ [١٤/٤ و]
مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: فإِنَّ(١) الحقَّ هو محمدٌ عَظِلّهِ، وَبَيَّنَ لهم أنه هو الرسولُ(١).
(١) سقط من: ت ٣.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٧/١ إلى المصنف وعبد بن حميد.
(٣) بعده فى م: ((عن أبى العالية)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٥/١ عقب الأثر (١٠٨٧) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٥) فى م: ((قال)).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٥/١ عقب الأثر (١٠٨٧) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به .
١
٤٢٣
سورة البقرة : الآية ١٠٩
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا
نَبَّيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. قال: قد تَبَّيَّنَ لهم أنه رسولُ اللَّهِ .
فدَلَّ جلَّ ثناؤُه بقيلِه ذلك أن كُفْرَ الذين قَصَّ قِصَّتَهم فى هذه الآيةِ باللَّهِ
وبرسولِه ، عنادٌ ، وعلى علم منهم ومعرفةٍ بأنهم على اللَّهِ مُفْتَرُون.
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن
أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: يقولُ
اللَّهُ تعالى ذكره: من بعدِ ما أضاءً لهم الحقُّ لم يَجْهَلُوا منه شيئًا، ولكنَّ الحسدَ
حملَهم على الجَخْدِ ، فعيَّرهم اللَّهُ ولامَهم ووَبَّخَهم أشدَّ الملامةِ(١).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِءَ
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَاعْفُواْ ﴾: فتجاوَزُوا عما كان منهم من إساءةٍ وخطأً
فى رأي أشارُوا به عليكم فى دينكم ، إرادةَ صدِّكم عنه، ومحاولةَ ارتدادِ كم بعد
إيمانِكم، وعما سلَفَ منهم من قيلِهم لنبيِّكم عَ الَلِ: ﴿ وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا
بِاَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنَا فِىِ الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]. ﴿ وَأَصْفَحُواْ ﴾ عما كان منهم من جهلٍ
فى ذلك ﴿حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرًِ﴾، فيُحْدِثَ لكم من أمرِهِ فيهم(٢) ما يشاءُ،
ويَقْضِىَ فيهم بما (١) يريدُ. فقضَى فيهم ( بعدَ ذلك" تعالى ذكرُه، وأَتَّى بأمرِه ، فقال
النبيِّه ◌َ ◌ّه وللمؤمنين به: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الَْخِرِ وَلَا
يُحِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ / أُوتُواْ الْكِتَبَ
٤٩٠/١
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٥/١ (١٠٨٦) من طريق أبي كريب به .
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (فيكم)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ما)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٤٢٤
سورة البقرة : الآية ١٠٩
حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. فنسخ العفوَ جل ثناؤه
عنهم والصفحَ، بفرضٍ قتالِهم على المؤمنين ، حتى تصيرَ كلمتُهم وكلمةُ المؤمنين
واحدةٌ ، أو (١) يُؤَدُّوا الجِزْيةَ عن يدٍ صَغارًا .
كما حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالح،
عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ
بِأَمْرَِّ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. نسَخ ذلك قولُه: ﴿فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [ التوبة: ٥].
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ:
فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِةً﴾: فأتى اللَّهُ بأمرِه فقال: ﴿قَئِلُوا
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِ﴾ فَقَرَأُ) حتى بلَغَ ﴿وَهُمْ
صَغِرُونَ﴾. أى: صَغَارًا ونِقْمةً لهم، فنسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها ﴿فَاعْفُواْ
(٤)
وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِّةٌ
وحدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
قولَه: ﴿ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْيِّةً ﴾ قال: اعفُوا عن أهلِ الكتابِ حتى
يُحدِثَ اللَّهُ أمرًا، فَأَحدَثَ اللَّهُ بعدُ فقال: [١٤/٤ظ] ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾(١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(١) فى الأصل: ((و)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٦/١ (١٠٨٩) من طريق أبى صالح به .
(٣) زيادة من : الأصل .
(٤) أخرجه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٣٦ من طريق همام عن قتادة نحوه .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٦/١ عقب الأثر (١٠٩٠) من طريق ابن أبى جعفر به.
٤٢٥
سورة البقرة : الآيتان ١٠٩، ١١٠
قتادةَ فى قوله: ﴿ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِةٍ﴾ قال: نسخَتْها :
فَاقْئُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(١).
حدّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿فَاعْفُواْ
وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللَّهُ بِأَمْرِهَ﴾. قال: هذا منسوخٌ نسَخَه: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا
(٢)
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾
القولُ فى تأويلٍ قولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
١٠٩
قال أبو جعفر : قد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى القديرِ وأنه القوىُّ(٢). فمعنى الآية
هلهنا: إِنَّ اللَّهَ على كلِّ ما يشاءُ () ويُريد٤ُ) - بالذين وصَفْتُ لكم(٥) أمرَهم من أهلِ
الكتابِ وغيرِهم - قديرٌ؛ إن شاء الانتقامَ منهم بعنادِهم ربَّهم ، وإن شاء هِدايَتَهم لما
هداكم (١) له من الإِيمانِ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شىءٌ أرادَه، ولا يمتنعُ(١) عليه أمرٌ شاء قضاءَه؛
لأن له الخلقَ والأمرّ .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَأَقِيمُواْ الْضَلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةً وَمَا نُقَدِّمُواْ
لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَهِّ﴾ .
قال أبو جعفرٍ : قد دلَّلْنا فيما مضى قبلُ (٩) على معنى إقامة الصلاةِ، وأنها أداؤها
(١) تفسير عبد الرزاق ٥٥/١، ومن طريقه ابن الجوزى فى ناسخه ص ١٣٧ .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٦/١ عقب الأثر (١٠٩٠)، والنحاس فى ناسخه ص ١٠٦ من طريق عمرو به.
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٤٠٣.
(٤ - ٤) زيادة من : الأصل.
(٥) فى ت ٢: ((لك)).
(٦) فى م: ((هداهم)) .
(٧) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الله)).
(٨) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يتعذر)).
(٩) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٤٢٦
سورة البقرة : الآية ١١٠
بحدودِها وفروضِها ، وعلى تأويلِ الصلاةِ ، وما أصلُها، وعلى معنى إيتاء الزكاةِ ، وأنه
٤٩١/١ إعطاؤُها بطِيبِ نفسِ مُؤْتيها، على ما فُرِضَت ووجَبَتْ، / وعلى معنى الزكاةِ ،
واختلافٍ المختلفين فيها ، والشواهدِ الدالةِ على صحة القولِ الذى اختونا فى ذلك بما
أُغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
وأما قولُه: ﴿وَمَا نُقَدِّمُواْ لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ﴾. فإنه يعنى جل
ثناؤه بذلك: ومَهْمَا تَعمَلُوا من عملٍ صالح فى أيامٍ حياتِكم ، فتُقَدِّموه قبلَ وفاتِكم
ذُخْرًا لأنفسِكم فى مَعادِ كم ، تَجِدُوا ثوابَه عند ربِّكم يومَ القيامةِ ، فيُجازِیكم به .
والخيرُ: هو العملُ الذى يَرضاه اللَّهُ .
وإنما قال: ﴿ تَجِدُوهُ﴾. والمعنَى: تَجِدُوا ثوابَه.
كما حدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ قوله: ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ يعنى: تَجِدُوا ثوابَه عند اللَّهِ(٢) .
قال أبو جعفرٍ : لاستغناءِ سامِعُ ذلك بدليلٍ ظاهرِه على معنى المرادِ منه، كما
قال عمرُ(٤) بنُ لَجْأُ (٥) :
رَأَتْ قمَرًا بسُوقِهِمُ نهَارَا
[١٥/٤ و] وسبَّحَتِ المدِينةُ لا تَلُمْها
وإنما أراد : وستَّح أهلُ المدينةِ .
وإنما أمَرهم جل ثناؤه فى هذا الموضع بما أمَرهم به من إقام الصلاة وإيتاء الزكاةِ
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٤٧/١، ٦١١ وما بعدهما.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٧/١ عقب الأثر (١٠٩٢) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سامعى)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عمرو)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٨٧/١.
٤٢٧
سورة البقرة : الآيتان ١١٠، ١١١
وتقديم الخيراتِ لأنفسِهم؛ ليَتَطَهَّرُوا بذلك من الخطأُّ الذى سَلَف منهم فى
استِنْصاحِهم اليهودَ ، وركونٍ من كان ركن منهم إليهم ، وجفاءِ من كان جَفَا منهم
فى خطابِه رسولَ اللَّهِ وَ لَه بقولِه: ﴿ رَعِنَا﴾. إذ كانت إقامةُ الصلَواتِ كفارةٌ
للذنوبِ، وإيتاءُ الزكاةِ تطهيرًا للنفوسِ والأبدانِ من أدناسِ الآثامِ، وفى تقديم
الخيراتِ إدراكُ الفوزِ برِضْوانِ اللَّهِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ وعزَّ : ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١٠
وهذا خبرٌ من اللَّهِ جل ثناؤه للذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ من المؤمنين ، أنهم
مَهْما فعَلُوا من خيرٍ أو (١) شرٌّ، سرًّا و(٢)عَلانيةً، فهو به بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منه
شىءٌ، فَيَجْزِيهم بالإحسانِ جزاءَه ، وبالإساءةِ مثلَها .
وهذا الكلامُ وإن كان خرَج مَخْرَجَ الخبرِ، فإن فيه وغْدًا ووَعيدًا، وأمرًا
وزَجْرًا ، وذلك أنه أعلمَ القومَ أنه بَصِيرٌ بجميع أعمالِهِم ، لِيَجِدُّوا فى طاعته ؛ إذ كان
ذلك مَذْخورًا لهم عندَه حتى يُثِيبَهم عليه، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿ وَمَا نُقَدِّمُواْ
لِأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾. ولِيَحْذَرُوا معصيتَه، إذ كان مُطَّلِعًا على
راكِبِها ، بعد تَقَدُّمِه إليه فيها بالوعيدِ عليها، وما أُوْعَدَ عليه ربّنا جل ثناؤُه فمَنْهِىٌّ
عنه، وما وعَد عليه فمأمورٌ به .
أما قولُه: ﴿بَصِيرٌ﴾. فإِنه مُبْصِرٌ، صُرِف إلى بَصيرٍ، كما صُرِف مُبْدِيٌ
إلى بَدِيعٍ ، ومُؤْلِمٌ إلى أَلِيمٍ .
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ
نَصَرَىَّ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: (( و)).
(٢) فى ت ١، ت ٢، ت٣: ((أو)).
٤٢٨
سورة البقرة : الآية ١١١
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ وَقَالُواْ﴾: وقالت اليهودُ والنصارَى، ﴿لَنْ يَدْخُلَ
اُلْجَنَّةَ ﴾ .
فإن قال قائلٌ : وكيف جمعَ اليهودَ والنصارَى فى هذا الخبرِ ، مع اختلافٍ
٤٩٢/١ مقالةِ الفريقَيْن، واليهودُ تَدْفَعُ / النصارَى عن أن يكونَ لها فى ثوابِ اللَّهِ نصيبٌ ،
والنصارَى تَدْفَعُ اليهودَ عن مثلٍ ذلك ؟
قيل : إن معنى ذلك بخلافٍ الذى ذهبْتَ إليه، وإنما عَنَى به : وقالت اليهودُ :
لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا من كان [١٥/٤ ظ] هودًا. وقالت النصارَى: لن يَدخُلَ الجنةَ إلا
النصارَى . ولكنَّ معنى الكلام لما كان مفهومًا عند المخاطَبِين به معناه، ◌ُمِع الفريقان
فى الخبرِ عنهما، فقيل: ﴿ وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ﴾.
" كما حدثنى موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباطُ، عن
السُّدِّىِّ: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ﴾ الآية. قالت
اليهودُ: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًّا. وقالت النصارَى: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن
(٢)
کان نصرانيًّا
وأما قولُه: ﴿مَن كَانَ هُودًا﴾. فإن فى الهودِ قولين: أحدُهما، أن يكونَ
جمعَ هائدٍ، كما ◌ُوطٌ جمعُ عائطٍ(٣)، وتُوذٌ جمعُ عائذٍ(٤)، وحولٌ جمعُ حائلٍ(٥)،
فيكونَ جمعًا للمذكرِ والمؤنثِ بلفظٍ واحدٍ ، والهائدُ : التائبُ الراجحُ إلى الحقِّ .
(١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٤٩٢/١ عقب الأثر (١٠٩٤) عن أبى زرعة، عن عمرو بن
حماد به .
(٣) الغُوط: الناقة إذا لم تحمل سنين من غير عُقْر. التاج (ع وط).
(٤) العُوذ : الحديثات النّتاج من الظباء والإبل والخيل ومن كل أنثى. التاج (ع وذ).
(٥) الحُول: كل حامل ينقطع عنها الحمل سنة أو سنوات حتى تحمل. التاج (ح ول).
٠ ٠
٤٢٩
سورة البقرة : الآية ١١١
والآخرُ، أن يكونَ مصدرًا أدَّى(١) عن الجميع، كما يقالُ: رجلٌ صَوْمٌ، وَقَوْمٌ
صَوْمٌ، ورجلٌ فِطْرٌ، وقومٌ فِطرٌ، ونسوةٌ فِطْرٌ.
وقد قيل: إن قوله: ﴿إِلَّا مَن كَانَ هُودًا﴾. إنما هو: إلا مَن كان يهودِيًّا .
ولكنَّه حُذِفَت الياءُ الزائدةُ ، ورجَع إلى الفعلِ من اليهوديةِ . وقيل: إنه فى قراءةٍ أَبىّ:
(إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًا)(١).
وقد بَيًّا فيما مضى معنى النصارَى ، ولِمَ سُمِّیَتْ بذلك وجُمِعت كذلك ، بما
أَغْنَى عن إعادتِه(٣) .
وأما قولُه: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾. فإنه خبرٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قولٍ
الذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ﴾. أنه أمانىُ منهم
يَتَمَنَّوْنها على اللَّهِ ، بغيرِ حقٍّ ولا حُجَّةٍ ولا برهانٍ، ولا يقينِ علم بصحةِ ما يَدَّعون ،
ولكنْ بادِّعاءِ الأباطيلِ وأمانىِّ النفوسِ الكاذبةِ .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: أمانيُ يَتَمَنَّونها على اللَّهِ كاذبةٌ(٤).
وحدثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن
الربيع: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾. قال: أمانُ تَّوْا على اللَّهِ بغيرِ الحقِّ (٥).
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِِّينَ
(١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) معانى القرآن للفراء ٧٣/١، وفيه أنها قراءة ابن مسعود أيضًا .
(٣) ينظر ما تقدم فى ص ٣٢ - ٣٤ .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٧/١ عقب الأثر (١٠٩٥) معلقًا .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٧/١ عقب الأثر (١٠٩٥) من طريق ابن أبى جعفر به .
٤٣٠
سورة البقرة : الآية ١١١
وهذا أمرٌ من اللَّهِ جل ثناؤه لنبيِّه ◌َمِ بدعاءِ الذين قالُوا: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَىَّ﴾ إلى أمرٍ عَدْلٍ بين جميع الفِرَقِ ؛ مُسلِمِيها ويهودِها
ونصاراها، وهو إقامةُ الحجةِ على دَعْواهم التى اذَّعَوْا من أن الجنةَ لا يَدخُلُها إلا
من كان هودًا أَو نَصارَى. يقولُ اللَّهُ لنبيّه محمدٍ عَلَّهِ: يا محمدُ، قلْ للزاعِمِين
أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أَو نصارَى ، دون غيرِهم من سائرِ البشرِ:
هاتُوا حُجَّتَكم(١) على ما تزعُمون من ذلك، فتُسَلِّمَ لكم [٥١٦/٤] دَعْواكم، إن
كنتم فى دَعْواكم - مِن أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أو نصارى -
مُحِقِّين .
والبرهانُ : هو البيانُ والحجةُ والبيّنةُ .
- كما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ:
هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾. يقولُ: هاتوا يَسْتَتَكم(٢).
/ وحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿هَاتُواْ
٤٩٣/١
بُهَنَكُمْ﴾: هاتُوا حُجَّتَكم(١).
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجْ، عن ابنِ جريجٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾. قال: حَُّتَكم(٤) .
وحدثنى المثنى، قال : ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه، عن
(١) فى م: ((برهانكم)) .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٧/١ (١٠٩٧) من طريق شيبان، عن قتادة بنحوه .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٧/١ عقب الأثر (١٠٩٦) عن أبى زرعة، عن عمرو بن
حماد به .
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٧/١ عقب الأثر (١٠٩٦) معلقًا .
٤٣١
سورة البقرة : الآيتان ١١١، ١١٢
الربيع: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾. أى: حُجَّتَكُم(١).
وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ دعاءٍ للقائلين: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن
كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ﴾. إلى إحضارِ حجةٍ على دَعْواهم ما ادَّعَوا من ذلك، فإنه
بمعنى تكذيبٍ من اللَّهِ لهم فى دَغْواهم وقيلِهم ؛ لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضارٍ
برهانٍ على دَغْواهم تلك أبدًا .
وقد أبان قولُه: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾. على أن الذى
ذُكِرَ(٢) من الكلامِ بمعنى التكذيبِ لليهودِ والنصارَى فى دَعْواهم ما ذكر اللَّهُ عنهم .
وأما تأويلُ قولِهِ: ﴿هَاتُواْ بُهَنَكُمْ﴾ فإنه : أَخْضِرُوا وأُتُوا به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ .
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ ﴾: ليس الأمرُ(١) كما قال الزاعمون :
﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَىَ﴾. ولكن مَن أَسلمَ وجهَه للَّهِ وهو
مُحسِنٌّ، فهو الذى يَدخُلُها ويُنَّمُ فيها .
كما حدثنى موسى ، قال : ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ ، قال:
أَخْبَرَهم(٤) مَن يدْخُلُ الجنةَ (فقال: ﴿بَلَىْ) مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآية .
وقد بيًّا معنى ((بَلَى)) فيما مضَى قبلُ(٦).
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٧/١ عقب الأثر (١٠٩٦) من طريق ابن أبى جعفر.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((ذكرنا)).
(٣) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٤) بعده فى م: ((أن)).
(٥ - ٥) فى م: ((هو)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ١٧٩ .
٤٣٢
سورة البقرة : الآية ١١٢
وأما قولُه: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾. فإنه يَعنى بإسلام الوجهِ التذلَّلَ لطاعته
والإذعانَ لأمرِه. وأصْلُ الإسلامِ الاستسلام؛ لأنه مِن: اسْتَشْلَمتُ له (١). وهو
الخُضومُ لأمرِهِ. وإنما سُمِّىَ المسلمُ مسلمًا؛ لخضوعِ جوارحِه لطاعةِ ربِّه.
کما حدثنی المثنی ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبی جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيعِ قولَه: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾. يقولُ: أَخْلَصَ للَّهِ(٢).
وكما قال زيدُ بنُّ عمرو بنِ نُفَيلٍ(٣) :
له المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالا
(٢) وَأَسْلَمْتُُ) وَجْهِى لمن أُسْلَمَتْ
يعنى بذلك: اسْتَسْلَمْتُ لطاعةٍ من اسْتَسْلَم لطاعتِه المُزْنُ وانقَدْتُ(٥) له.
٤٩٤/١
/وخصَّ اللَّهُ جل ثناؤه بالخبرِ عمن أخبرَ عنه بقوله: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
لِلَّهِ﴾ بإسلامٍ وجهِه له دون سائرٍ [١٦/٤ ظ] جوارحِه؛ لأن أكرمَ أعضاءِ ابنِ آدمَ
وجوارحِه وجهُه، وهو أعظمُها عليه حرمةٌ وحقًّا، فإذا خضَع لشىءٍ وجهُه الذى هو
أكرمُ أجزاءٍ جسدِه عليه ، فغيرُه من أجزاءٍ جسدِه أَخْرَى أن يكونَ ("قد خَضَعَ) له .
ولذلك تَذْكرُ العربُ فى مَنْطقِها الخبرَ عن الشىءِ فَتُضِيفُه إلى وجهِه، وهى تعنى
بذلك نَفْسَ الشىءٍ وعَيْنَه، كقولِ الأُغْشَى(٧):
(١) فى م: ((لأمره)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨/١ عقب الأثر (١٠٩٩) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٢٣١، والأغانى ١٢٨/٣.
(٤ - ٤) فى الأصل، ت ٢، والأغانى: ((أسلمت)).
(٥) فى م ت١، ت٢، ت ٣: ((انقادت)).
(٦ - ٦) فى م: ((أخضع)).
(٧) ديوانه ص ١٤٣.
٤٣٣
سورة البقرة : الآية ١١٢
لَيْسَ قَضَائِى بالهَوَى الجَائِرِ
أُؤَوَّلُ(١) الحُكْمَ على وجْهِهِ
يعنى بقوله: على وجهِه: على ما هو به مِن صحتِه وصوابِه. وكما قال ذو الرُّمَّةِ (١) :
فَطاوَعْتُ هَمِّى وَانْجَلَى وَجْهُ بازِلٍ(٣) مِن الأمْرِ لم يَتْرِكْ خِلاَجًا(٤) بُزُولُها (٥)
يريدُ : وانجلَى البازلُ(١) من الأمرِ فتَبيَّن. وما أُشْبَهَ ذلك، إذ كان حُسْنُ كلِّ
شىءٍ وقبحُه فى وجهِه، فكان (١٧) وصْفُها مِن الشىءٍ وجهَه بما تَصِفُه به ، إبانةً عن عینِ
الشىءٍ ونفسِه. فكذلك معنى قولِه جل ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ﴾. إنما
يعنى: بلى مَن أَسلَم للَّهِ بدنَه، فخضَع له بالطاعةِ جَسدُه، وهو مُحسِنٌّ فى إسلامِه له
جسدَه ، فله أجرُه عندَ ربِّه. فاكْتَفَى بذكرِ الوجهِ مِن ذكرٍ جسدِه ، لدلالةِ الكلام
على المعنى الذى أُرِيدَ به بذكرِ الوجهِ .
وأما قولُه: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فإنه يعنى به: فى حالٍ إحسانِه. وتأويلُ
الكلامِ: بلى مَن أخلَص طاعتَه ( وعبادته للَّهِ محسنًا فى فعلِه ذلك.
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ فَلَهُ: أَجْرُؤُ عِنْدَ رَبٍِّ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
يَحْزَنُونَ
١١٢
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿ فَلَهُ أَجْرُءُ عِندَ رَبِّهِ،﴾: فللمُسْلم وجْهَه للَّهِ
محسنًا ، جزاؤه وثوابُه على إسلامِه وطاعتِهِ ربَّه، عندَ اللَّهِ فی معادِه .
(١) فى النسخ: ((وأوّل)). والمثبت من الديوان.
(٢) ديوانه ٢/ ٩٣٨.
(٣) فى النسخ، ونسخة من الديوان: ((نازل))، والمثبت من بقية نسخ الديوان، وأمر بازل: مستحكم،
وخطب بازل: شديد . التاج ( ب زل ).
(٤) الخلاج : الشك. اللسان ( خ ل ج).
(٥) فى الأصل، م، ت: ((نزولها)، وفى ت٢: ((يرولها)). والمثبت من الديوان.
(٦) فى النسخ: ((النازل)). والباء غير منقوطة فى الأصل .
(٧) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: (( وكان فى)).
(٨ - ٨) فى م، ت١، ت٢: ((لله وعبادته له)).
( تفسير الطبرى ٢٨/٢ )
٤٣٤
سورة البقرة : الآيتان ١١٢، ١١٣
ويعنى بقولِه: ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: (ولا خوفٌ" على المسلمين وجوهَهم
للَّهِ وهم محسِنون، المُخُلِصِين للَّهِ الدينَ، فى الآخرةِ مِن عقابِه وعذابٍ جحيمِه، ومما
قَدِموا عليه مِن أعمالهم .
ويعنى بقولِه: ﴿وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ولا هم يَخْزنون على ما خَلَّفوا وراءَهم فى
الدنيا، ولا أن يُمْنَعوا ما قَدِموا عليه مِن نعيم ما أعدَّ اللَّهُ لأهلٍ طاعتِه .
وإنما قال جل ثناؤُه: ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقد قال قبلُ:
فَلَهُ: أَجْرُؤُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. لأن ﴿مَنْ﴾ التى فى قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ
لِلّهِ﴾ فى لفظٍ واحدٍ ومعنَى جمعُ، فالتوحيدُ فى قولِه: ﴿فَلَهُ: أَجْرُهُ﴾ للَّفْظِ ،
والجميعُ(٢) فى قولِه: ﴿ وَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ﴾. للمعنى.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَقَالَتِ أَلْيَّهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ
وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَ﴾ .
[١٧/٤ و] ذُكِرَ أن هذه الآيةَ نزَلَت فى قومٍ مِن أهلِ الكتابين تنازَعوا عندَ رسولِ اللهِ
مَله، فقال ذلك(٤) بعضُهم لبعضٍ.
/ ذِكْرُ مَن قال ذلك
٤٩٥/١
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةٌ، وحدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا يونسُ بنُ
بُكَيرٍ ، قالا جميعًا : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ أبی محمدٍ مولی
زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال: حدَّثنی سعیدُ بنُ جبيرٍ ، أو عكرمةُ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : لما
(١ - ١) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٢) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: (( جميع)).
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((الجمع)).
(٤) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
٤٣٥
سورة البقرة : الآية ١١٣
قَدِم أهلُ نَجْرانَ مِن النصارى على رسولِ اللَّهِ عَظَهِ، أَتَتْهم أحبارُ يهودَ، فتنازَعوا عندَ
رسولِ اللَّه عَ لَّهِ، فقال رافعُ بنُ مُرَّيْمِلَةَ: ما أنتم على شىءٍ. وكفَر بعيسى ابن مريمَ
وبالإنجيلِ ، فقال رجلٌ مِن أهلِ نجرانَ مِن النصارى: ما أنتم على شىءٍ . وجحَد نبؤَّةَ
موسى وكفَر بالتوراةِ ، فَأَنزَل اللَّهُ فى ذلك مِن قولِهما: ﴿ وَقَالَتِ الْيَّهُودُ لَيْسَتِ
النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فِيمَا كَانُواْ
فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(١).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ بنِ الحسنِ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع
قولَه : ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى
شَىْءٍ﴾. قال: هؤلاء أهلُ الكتابِ الذين كانوا على عهدِ النبيِّ عَ له".
وأما تأويلُ الآيةِ فإنه : وقالت اليهودُ: ليست النصارَى فى دينها على صوابٍ.
وقالت النصارى : ليست اليهودُ فى دينها على صوابٍ .
وإنما أُخْبَرِ اللّهُ عنهم بقيلهم ذلك المؤمنين(٤)، إعلامًا منه لهم تَضْبِيعَ(٥) كلِّ فريقٍ
منهم حُكمَ الكتابِ الذى يُظْهِرُ الإقرارَ بصِحتِه وأنه مِن عندِ اللَّهِ، وجحودَهم مع
ذلك ما أنزل اللَّهُ فيه مِن فروضِه؛ لأن الإنجيلَ الذى تَدينُ بصِحتِه وحقيقتِه النصارى،
يُحققُ ما فى التوراةِ مِن نبؤَّةِ موسى، وما فرَض اللَّهُ على بنى إسرائيلَ فيها مِن
الفرائضِ ، وأن التوراةَ التى تَدينُ بصحتِها وحقيقَتِها اليهودُ ، ثُحققُ نبؤَّةَ عيسى ، وما
(١) سيرة ابن هشام ٥٤٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٨/١ (١١٠٣) من طريق
سلمة به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩/١ عقب الأثر (١١٠٥) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: ((للمؤمنين).
(٥) فى م، ت١، ت٢، ت ٣: (( بتضييع)).
:
٤٣٦
سورة البقرة : الآية ١١٣
جاء به من عندِ اللَّهِ مِن الأحكام والفرائضِ. ثم قال كلّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخرِ ما
أخبرَ اللَّهُ عنهم فى قوله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى
لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ﴾. مع تلاوةِ كلّ واحدٍ مِن الفريقين كتابَه الذى يشهَدُ على
کذپه فی قیله ذلك .
فأخْبَر جل ثناؤه أن كلِّ فريقٍ منهم قال ما قال مِن ذلك، على علم منهم أنهم
فيما قالوه مُبْطِلون ، وأتَوْا ما أتَوْا مِن كفرِهم بما كفروا به، على معرفةٍ منهم بأنهم فيه
مُلحِدون .
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ كانت اليهودُ أو النصارَى بعدَ أن بعَث اللَّهُ رسولَه عَلَّمِ على
شىءٍ، فيكونَ الفريقُ القائلُ ذلك منهم للفريقِ الآخرِ مُبطِلًا فى قيلِه ما قال مِن ذلك؟
قيل : قد روَينا الخبرَ الذى ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ قبلُ ، مِن أن إنكارَ كلِّ فريقٍ
منهم إنما كان إنكارًا لنبوَّةِ النبيِّ الذى كان يَنْتِلُ التَّصْدِيقَ به وبما جاء به الفريقُ
الآخر، لا دفعًا منهم أن يكونَ الفريقُ الآخرُ - فى [١٧/٤ ] الحالِ التى بعَث اللَّهُ فيها
نبيّنا ◌ِ لّهِ - على شىءٍ مِن دينه، بسببٍ جحودِهِ نبوَّةً نبيّنا محمدٍ عَلَّه. وكيف
يجوزُ أن يكونَ معنى ذلك إنكارُ كلّ فريقٍ منهم أن يكونَ الفريقُ الآخرُ على شىءٍ بعدَ
ما بُعث نبيّنا مِلَّهِ، وكلّ الفَرِيقين كان جاحدًا نبؤَّةَ نبيّنا مَِّ فى الحالِ التى أَنزَل
اللَّهُ فيها هذه الآيةَ؟/ ولكن معنى ذلك: وقالت اليهودُ : ليست النصارى على شىءٍ
مِن دينِها منذ دانَتْ دينَها . وقالت النصارى: ليست اليهودُ على شىءٍ منذ دانَتْ
دينَها . وذلك هو معنى الخبرِ الذى روَيناه عن ابنِ عباس آنِفًا. فكَذَّب اللَّهُ الفريقين فى
قيلهما ما قالا .
٤٩٦/١
(١) فى م، ت ١، ت٢، ت٣: ((كلا)).
:
٤٣٧
سورة البقرة : الآية ١١٣
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً
قولَه: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ﴾: "أَلَا وبلَى"! قد كانت
أوائلُ النصارَى على شىءٍ، ولكنَّهم ابتدَعوا وتَفرَّقوا، ﴿ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ
اٌلْيَهُودُ عَلَى شَىءٍ﴾: (ألا وبِلَى! قد كانت أوائلُ اليهودِ علَى شىءٍ)، ولكن
القومَ (" افتَروا وتفرَّقوا وابتدَعوا) .
وحدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن ابنٍ جريج :
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ﴾ .
قال : قال مجاهدٌ : قد كانت أوائلُ اليهودِ والنصارى على شىءٍ .
وأما قولُه: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبُّ﴾. فإنه يعنى كتابَ اللَّهِ التوراةَ والإنجيلَ، وهما
شاهدانِ على فريقَي اليهودِ والنصارى بالكفرِ، وخِلافِهم أمرَ اللَّهِ الذى أمرَهم به فيه .
کما حدّثنا أبو کریب ، قال : ثنا یونسُ بنُ بُکیرٍ ، وحدّثنا ابنُ حُمیدٍ ، قال : ثنا
سلمةُ بنُ الفضلِ ، قالا جميعًا : ثنا ابنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُّ أبى محمدٍ
مولى زيدِ بنِ ثابتٍ ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ فى
قوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَبُّ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. أى: كلِّ
يَتْلو فى كتابِهِ تصديقَ ما كفَر به، أى: تَكْفُرُ اليهودُ بعيسى وعندَهم التوراةُ فيها ما
أخَذ اللَّهُ عليهم مِن الميثاقِ على لسانِ موسى بالتصديق بعيسى ، وفى الإنجيلِ مما جاء
(١ - ١) فى م: ((قال: بلى)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت ٣.
(٣ - ٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((ابتدعوا وتفرقوا)).
والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد، وينظر تفسير ابن كثير ٢٢٣/١.
(٤) فى ت٢: ((أبى نجيح)).
(٥) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٢٢٣/١.
٤٣٨
سورة البقرة : الآية ١١٣
به عيسى تصديقُ موسى ، وما جاء به مِن التوراةِ مِن عندِ اللَّهِ ، وكلِّ يَكْفُرُ بما
فی یدِ صاحبه (١) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ
قَوْلِهِمْ﴾ .
اخْتَلف أهلُ التأويل فى الذين عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا
يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به المُثُنى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى
جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. قال: وقالت
النصارى مِثلَ قولِ اليهودِ قبلَهم(١).
حدَّثنا بشرٌ، "قال: حدثنا [١٨/٤و] يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قال: قالت النصارى مِثلَ قولِ اليهودِ
(٤)
قبلهم(٤).
وقال آخرون بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثی حجاجٌ،
قال : قال ابنُ جريج : قلتُ لعطاءٍ : مَن هؤلاء الذين لا يعلمون ؟ قال: أممٌ كانت قبلَ
اليهودِ والنصارى، وقبلَ التوراةِ والإنجيلِ(٥) .
وقال بعضُهم: عَنَى بذلك مُشرِكى العربِ؛ لأنهم لم يكونوا أهلَ كتابٍ ،
فتُسِبوا إلى الجهلِ، ونُفِى عنهم مِن أجلٍ ذلك العلمُ .
(١) سيرة ابن هشام ٥٤٩/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩/١ (١١٠٦) من طريق سلمة به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩/١ عقب الأثر (١١٠٩) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩/١ عقب الأثر (١١٠٩) معلقا .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩/١ (١١٠٨) من طريق حجاج به.
٤٣٩
سورة البقرة : الآية ١١٣
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ :
كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: / فهمُ العربُ، قالوا: ليس محمدٌ على شىءٍ. ٤٩٧/١
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا أن يقال: إن اللَّهَ أَخْبَر تبارك وتعالى عن قومٍ
وصفَهم بالجهلِ ، ونفَى عنهم العلمَ بما كانت اليهود والنصارى به عالِمِين - أنهم قالوا
بجهلِهِم نظيرَ ما قالت اليهودُ والنصارى بعضُها لبعضٍ، مما أَخْبَر اللَّهُ عنهم أنهم قالوه
فى قوله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ
عَلَى شَىْءٍ﴾. وجائزٌ أن يكونوا هم المشركين مِن العربِ، وجائزٌ أن يكونوا أُمّةً كانت
قبلَ اليهودِ والنصارى، ولا أمَّةٌ هى(٢) أوْلَى أن يُقالَ هى التى عُنِيت بذلك من
الأَخْرى، إذ لم يَكُنْ فى الآيةِ دلالةٌ على أىِّ من أىِّ، ولا خبرَ بذلك عن
رسولِ اللَّهِ عَلِ تَثْتُ(٣) حجتُه من جهةِ النقلِ المُسْتفيضِ، ولا مِن جهةِ نقلٍ
الواحدِ العدْلِ .
وإنما قصَد اللَّهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ:
إلى(٤) إعلام المؤمنين أن اليهودَ والنصارَى قد أتَوْا - مِن قِيلِ الباطلِ، وافتراء
الكذبِ على اللَّهِ ، وجحودِ نبوَّةِ الأنبياءِ والرسلِ، وهم أهلُ كتابٍ يَعْلمون أنهم
فيما يقولون مُبْطِلون، وبجُحودِهم ما يجحَدون مِن ملتِهم خارجون، وعلى
اللَّهِ مُفْترون - مِثلَ الذى قاله أهلُ الجهلِ باللَّهِ وكتُبِه ورسلِه الذين لم يَبْعثِ اللَّهُ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٩/١ (١١٠٧) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به .
(٢) سقط من: م، ت١، ت٢، ت٣.
(٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((ثبتت)).
(٤) سقط من : م .
٤٤٠
سورة البقرة : الآية ١١٣
إليهم(١) رسولًا ، ولا أوحى إليهم كتابًا .
وهذه الآيةُ تُنْبُ عن (٢) أن مَن أَتَى شيئًا مِن معاصِى اللَّهِ على علم منه بنَهْىِ اللَّهِ
عنها ، فمُصيبتُه فى دينِه أعظمُ مِن مصيبةٍ مَن أتَى ذلك جاهلاً به؛ لأن الله تعالى
ذِكرُه عظّم توبيخَ اليهودِ والنصارَى بما وبَّخَهم به - فى قيلِهم ما أخبَر عنهم بقولِه:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى
شَىْءٍ﴾ - مِن أجلِ أنهم أهلُ كتابٍ ، قالوا ما قالوا مِن ذلك على علم منهم بأنهم فيه
مُبْطِلون .
القولُ فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ فَلَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [١٨/٤ ظ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا
كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
١٣
يعنى بذلك جل ثناؤه : فاللَّهُ يَقْضِى فِيَفْصِلُ بينَ هؤلاءِ المُختلفِين القائلِ
بعضُهم لبعضٍ : لستم على شىءٍ مِن دينكم . يومَ قيامِ الخلقِ لربِّهم مِن قبورِهم،
فيتبيَّنُ (٤) المحقُّ منهم مِن المُطلِ، بإيتائِه المحقَّ ما وعَد أهلَ طاعتِه على أعمالِهم
الصالحةِ ، ومجازاتِه المُبُطِلَ منهم بما أوْعَد أهلَ الكفرِ به على كفرهم به ، فیما كانوا
فیه یختلفون مِن أديانهم ومِللهم فی دار الدنيا .
وأما ((القيامةُ))، فهى مصدرٌ مِن قول القائلِ: قمتُ قِيامًا وقيامةٌ. كما يقالُ:
عُدْتُ فلانًا عِيادةً. و: صُنْتُ هذا الأمرَ صِيانةً . وإنما عنَى بالقيامةِ قيامَ الخلقِ مِن
قبورهم لربِّهم. فمعنى ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يومَ قيامِ الخلائقِ مِن قبورِهم لمحشرِهم .
(١) فى م: ((لهم)) .
(٢) فى ت١، ت٢: ((على)).
(٣) فى م: (( بإثابة)) .
(٤) فى متن الأصل: ((فيبين))، وكتب مقابله: ((فتبين).