النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
سورة البقرة : الآية ١٠٤
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ
خَيْرٍ مِّن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فدلَّ بذلك أن الذى عاتبهم عليه مما يَسُرُ
اليهودَ والمشركين .
فأما التأويلُ الذى حُكِى عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿ رَعِنَا﴾. أنه بمعنى :
خِلافًا. فما (٢) لا يُعْقَلُ فى كلام العربِ؛ لأنَّ ((رَاعَيْتُ)) فى كلامِ العربِ إنما هو على
أحدٍ وجهَيْن؛ أحدُهما، بمعنى: فاعَلْتُ، من الرِّعْيةِ، وهى [٣/٤ظ] الرَّقْبَةُ
والكَلاءةُ ) . والآخرُ، بمعنى إفراغ السمع، بمعنى: أَرْعَيْتُه سمعى. وأما ((راعَيْتُ))
بمعنى: ((خالَفْتُ))، " فما لا) وجه له مفهومٌ فى كلام العربِ، إلا أن يكونَ قَرأ
ذلك بالتنوينٍ ، ثم وَجهه إلى معنى الرُّعُونةِ والجهلِ والخطأ، على النحوِ الذى قال فى
ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ ، فيكونُ لذلك - وإن كان مخالفًا قراءةَ القَرَأَةِ - معنى
مفهومٌ حينئذٍ .
وأما القولُ الآخرُ الذى حُكِىَ عن عطيةً ومَن حُكِىَ ذلك عنه أن قولَه :
﴿ لَعِنَا﴾. كانت كلمةً لليهودِ بمعنى السبِّ والسخريةِ، فاستعملَها المؤمنون
أُخْذًا منهم ذلك عنهم ، فإن ذلك غيرُ جائزٍ فى صفةِ المؤمنين أن يأخذوا مِن كلامٍ أهلٍ
الشركِ كلامًا لا يَعْرِفون معناه، ثم يَسْتعملُونه بينهم وفى خطابٍ نبيِّهم ◌َّهِ . ولكنه
جائزٌ أن يكونَ ذلك كما®) رُوِى عن قتادةَ، أنها كانت كلمةً صحيحةٌ مفهومةً من
كلامِ العربِ، وافقَتْ كلمةً من كلامِ اليهودِ بغيرِ اللسانِ العربيِّ، هى عند اليهودِ
(١) فى الأصل، ت ٣: ((عاقبهم).
(٢) فى م، ت ١، ت ٣: ((فمما)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((الوقفة والكلمة))، وفي ت ١: ((الرتبة والكلية))، وفى ت ٢: ((الرقبة والكلية)).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣:(*).
(٥) فى م: (مما)).

٣٨٢
سورة البقرة : الآية ١٠٤
سَبّ، وهى عند العربِ: أَرْعِنِى سمعَك وفرّغْه لى(١)؛ لتَفْهَمَ عنى. فعلَّم اللَّهُ جلَّ
ثناؤه معنى اليهودِ فى قيلِهم ذلك للنبيِّ عَ لِّ، وأن معناها منهم خلافُ معناها فى
كلامِ العربِ ، فَتَهَى اللَّهُ عزّ وجلّ المؤمنين عن قيلِها للنبىِّ عَ لِّ ؛ لئلا يَجْتَرِئَّ مَن كان
معناه فى ذلك غيرَ معنى المؤمنين فيه، أن يُخاطِبَ رسولَ اللَّهِ سَمِ به. وهذا
تأويلٌ لم يَأْتِ الخبرُ بأنه كذلك مِن الوجهِ الذى تقومُ به الحجةُ . وإذ كان ذلك
كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ الآيةِ ما وصَفْنا، إذ كان ذلك هو الظاهرَ المفهومَ
بالآية دون غيره .
وقد حُكِىَ عن الحسنِ البصرىِّ أنه كان يقرؤُه: (لا تقولوا راعًا)(٢).
بالتنوينٍ، بمعنى : لا تقولوا قولًا راعنًا. من الزّعونةِ، وهى الحُفْقُ والجهلُ.
وهذه قراءةٌ لقَرأَةِ المسلمين مخالفةٌ ، فغيرُ جائزٍ لأحدِ القراءةُ بها ، لشذوذِها
وخروجها من قراءةِ المتقدِّمين والمتأخّرين ، وخلافِها ما جاءت به الحجّةُ من المسلمين .
ومن نَوَّن (راعنا) نَوَّنه بقولِه: ﴿لَا تَقُولُواْ﴾؛ لأنه حينئذٍ عاملٌ فيه، ومن لم يُنَوِّنْه
٤٧٣/١ فإنه تَرَك تنوينَه لأنه أمرٌ مَحْكِىٌّ؛ / لأن القومَ كأنهم كانوا يقولون للنبىِّ عَلَّه: راعِنا .
بمعنى مَسألتِه؛ إمّا أن يُزْعِيَهم سمعَهُ(١) ؛ وإمّا أن يرعاهم ويَرْقُبَهم - على ما قد بَنْتُ
فيما مضى - فقيل لهم: لا تقولُوا فى مسألتِكم إياه: ﴿رَعِنَا﴾. فتكونُ الدلالةُ
على معنى الأمر فى ﴿ رَعِنَا﴾ حينئذٍ سقوطَ الياءِ التى كانت [٤/٤ر] تكونُ فى
((راعَيتُه)) (٤)، ويدلَّ عليها - أَعنى على الياءِ الساقطةِ - كسرةُ العينِ مِن ﴿رَعِنَا﴾.
(١) زيادة من : الأصل .
(٢) إتحاف فضلاء البشر ص ٨٨.
(٣) سقط من: الأصل.
(٤) فى م: ((يراعيه))، وفى ت ١ ت ٢، ت ٣: ((راعيه)).

٣٨٣
سورة البقرة : الآية ١٠٤
وقد ذُكر أن (١) قراءةَ ابن مسعودٍ: (لا تقولوا راعونا) (١) . بمعنى حكاية أمرٍ(٢)
صالحةٍ لجماعةِ بمراعاتِهم" . فإن كان ذلك من قراءته صحيحًا، وُجِّه(٥) أن يكونَ
القومُ كأنهم نُهُوا عن استعمالِ ذلك بينهم فى خطابٍ بعضِهم بعضًا، كان خطابُهم
للنبىّ ◌َ لَه أو لغيرِهِ، ولا نعلمُ ذلك صحيحًا من الوجهِ الذى تصحُ منه الأخبارُ.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ .
يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾: وقولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم عَ الَه:
انتظِرْنا وارقُتنا، نَفْهَمْ ونتبيَّنْ ما تقولُ لنا وتُعلِّمُنا .
کما حدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ
أبى تَجِيحِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾: فَقُّهْنَا(٩)، بَيِّنْ لنا يا محمدُ(٧).
حدَّثنا المثنّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾: أَفْهِمْنا، بَيِّنْ لنا يا محمدُ .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسینُ ، قال : حدَّثنی حجاجٌ ، عن ابنٍ جریچٍ ،
عن مجاهدٍ مثلَه .
يقالُ منه : نظَرْتُ الرجلَ، أَنْظُرُه نَظِرةٌ . بمعنى: انتظرْتُهُ ورقَبْتُه. ومنه قولُ
(١) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أنها)).
(٢) البحر المحيط ١/ ٣٣٨.
(٣) فى الأصل: ((من)).
(٤) فى الأصل: ((مراعاتهم)).
(٥) فى الأصل: ((وجب)) .
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فهمنا)).
(٧) تفسير مجاهد ص ٢١٠، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٨/١ (١٠٤٤).

٣٨٤
سورة البقرة : الآية ١٠٤
الحُطَيئةِ(١):
(١)
للخِمْسِ (٣) طالَ بِها حَوْزِى(٤) وتَتْساسِى (٥)
٢)
وقد نَظَرْتُكُمُ أغشاءَ صادِرَةٍ
ومنه قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُوْنَا
نَقَِْسْ مِن نُِّكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. يَعنى به: انتظِرُونا. " وقد قُرِئ: (أنظِرونا نَقْتَبِسْ
من نُورِكم) (١). يعنى به: انْتَظِرونا. وقد قُرِئَ: (أنظِرونا)). وقد قرِئ:
( أنظِرْنا)(٨). بقطع الألفِ فى الموضِعَيْن جميعًا. فمَن قَرأ ذلك كذلك، أراد:
أَخِّرْنا. كما قال جلَّ ثناؤه ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِيَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩] . أى :
أَخِّرْنى. ولا وجه لقراءةِ ذلك كذلك فى هذا الموضع؛ لأن أصحابَ رسولِ اللَّهِ مَ التّعل
إنما أُمِروا بالدنوِّ من رسولِ اللهِ عَ له، والاستماع منه، وإلطافٍ الخطاب له، وخَفْضٍ
الجناحِ، لا بالتأخّرِ عنه، ولا بمسألتِه تأخيرَهم عنه. فالصوابُ - إذا كان ذلك
كذلك - من القراءةِ، قراءةُ مَن وصَل الألفَ من قولِه: ﴿ أَنْظُرْنَا﴾ ولم يَقْطَعْها،
بمعنى : انتظِرْنا .
وقد قيل : إن معنى : (أَنْظِرْنا) بقطع الألفِ بمعنى : أَمْهِلْنا. محُكِى عن بعضٍ
(١) ديوانه ص ٢٨٣.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((إيناء عاشية)). والأعشاء، واحدتها عِشْىٌ، والعشى: ما يتعشى به. اللسان
(ع ش ی).
(٣) الخمس: من أظماء الإبل، وهو أن ترعى ثلاثة أيام وترد اليوم الرابع، أو هو أن ترد الماء يوما فتشربه ، ثم
ترعى ثلاثة أيام ، ثم ترد الماء اليوم الخامس. التاج ( خ م س).
(٤) الحوز: السوق اللين. وقد حاز الإبل يحوزها ويحيزها وحوَّزها: ساقها سوقًا رويدًا. التاج (ح وز).
(٥) التنساس : سرعة الذهاب لورود الماء. التاج ( ن س س).
(٦ - ٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧) هى قراءة حمزة، وقرأ الباقون بوصل الألف. حجة القراءات ص ٦٩٩.
(٨) هى قراءة أبىّ والأعمش. البحر المحيط ٣٣٩/١.

٣٨٥
سورة البقرة : الآية ١٠٤
العرب سماعًا: أَنْظِرْنى أكلِّمْك. وذكَر سامعُ ذلك من بعضِهم أنه استَثْبته فى
معناه، فأخبره أنه أراد: أَمْهِلْنِى. فإن لم(١) يَكُنْ ذلك صحيحًا عنهم، فـ((انظُرْنا))
و((أَنْظِرْنا))، بقطع الألفِ ووصلِها متقاربتا المعنى، غير أن الأمرَ وإن كان كذلك،
فإن القراءةَ التى لا) أستجيزُ [٤/٤ظ] غيرَها قراءةُ مَن قَرَأَه: ﴿ وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾.
بوصلِ الأُلِفِ ، بمعنى : انتظِرْنا . لإجماع الحجةِ على تصويبِها ، ورفضِهم غيرَها من
القراءاتِ "فى ذلك" .
/ القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَأَسْمَعُواْ وَالْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٠
١٠٤١
٤٧٤/١
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَأَسْمَعُواْ﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم، ويُثْلَى عليكم
من كتابٍ ربِّكم، وعُوه وافهمُوه .
كما حدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ:
وَأَسْمَعُواْ﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم(٤).
فمعنى الآية إذن : يأيُّها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيِّكم: راعِنا سمعَك وفرّغْه لنا،
نَفْهَمْك وتَفْهَمْ عنا ما نقولُ، ولكن قولوا: انتظِرْنا وَتَرَقَّبنا حتى نَفهمَ عنك ما تُعلِّمُنا
وتبينُه لنا . واسمعوا منه ما يقولُ لكم فعُوه واحفظُوه وافهمُوه . ثم أخبرَهم جل ثناُه
أن لمن جحد منهم ومِن غيرِهم آياتِه، وخالفَ أمرَه ونَهْيَه، وكذَّب برسولِه - العذابَ
الموجعَ فى الآخرةِ ، فقال: وللكافرين بى وبرسولى عذابٌ أليم. يعنى بقولِه: ((الأليم)).
الموجعَ. وقد ذكَرْنا الدلالةَ على ذلك فيما مضى قبلُ وما فيه مِن الآثارِ(٥) .
(١) سقط من: م، ت ١.
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى المصنف.
(٥) ينظر ما تقدم فى ٢٩١/١ - ٢٩٣.
( تفسير الطبرى ٢٥/٢ )

٣٨٦
سورة البقرة : الآية ١٠٥
القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤه : ﴿ مَّا يَوَذُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ
وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِن رَّبِّكُمْ﴾ .
يعنى بقوله: ﴿ مَّا يَوَدُ﴾: ما يُحِبُّ. أى: ليس يَوَدُّ) كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ.
يقالُ منه: وَدَّ فلانٌ كذا، يَوَدُّ ، وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا(٢) ومَودَّةً.
وأما ((المشركون)) فإنهم فى موضعٍ خَفْضٍ بالعطفِ على ((أهلِ الكتابِ)).
ومعنى الكلام: ما يَوَدُُّ ) الذين كفروا من أهلِ الكتابِ ولا من المشركين أن
يُنَزَّلَ عليكم من خيرٍ من ربِّم .
وأما ((أنْ)) فى قولِه: ﴿أَن يُغَزَّلَ﴾ فَنُصِب بقولِه: ﴿يَوَذُّ﴾. وقد دلَّلْنا
على(٥) دخولٍ ((مِن)) فى قوله: ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾. وما أشبه ذلك من الكلام الذى
يكونُ فى أولِهِ جَحْدٌ فيما مضى، فأغنى ذلك عن إعادتِه فى هذا الموضعِ .
فتأويلُ الكلام: ما يحبُّ الكافرون من أهلِ الكتابِ ولا من(٤) المشركين باللَّهِ
مِن عَبَدَةِ الأوثانِ ، أن يُنَزِّلَ اللَّهُ(٤) عليكم شيئًا(٤) مِن الخيرِ الذى " هو عندَه. والخيرُ
الذى كان" اللَّهُ يُنزِّلُه عليهم فَتَمنَّى المشركون [٥/٤و] وكَفَرةُ أهلِ الكتابِ أَلَّا يُنَزَِّهُ(٨)
اللَّهُ عليهم - الفرقانُ وما أوحاه إلى نبيّه محمدٍ مَّالِ من حُكْمِه وآياتِهِ ، وإنما أُحبَتِ
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يحب)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى م: (( يحب)).
(٤) زيادة من : الأصل .
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وجه).
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ١٤، ١٥.
(٧ - ٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كان عند)).
(٨) فى م: ((ينزل)).

٣٨٧
سورة البقرة : الآية ١٠٥
اليهودُ وأتباعُهم مِن المشركين ذلك حسدًا وبَغْيًا منهم على المؤمنين .
وفى هذه الآيةِ دلالةٌ بَيَّةٌ على أن الله تبارك وتعالى نَهَى المؤمنين عن الوُّكونِ إلى
أعدائِهم من أهلِ الكتابِ والمشركين، والاستماع من قولهم، وقَبولِ شىءٍ مما
يَأتونهم) به على وجهِ النصيحةِ لهم منهم، بإطلاعِه جلّ ثناؤُه إياهم على ما
يَستبطِئُه لهم أهلُ الكتابِ والمشركون مِن الضِّغْنِ والحسدِ ، وإن أظهَرُوا بألسنتِهم
خلافَ ما هم ("مُستبطِنوه لهم) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ وَ اللَّهُ يَخْنَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو
اُلْفَضْلِ الْعَظِيمِ
يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿ وَ اللَّهُ يَخْلَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَآءُ﴾: واللَّهُ يختصُّ
مَن يشاءُ لنبوَّتِه ورسالاتِه ، فيُرسِلُه إلى من يشاءُ من خلقِه، ويتفضّلُ بالإِيمانِ به(٣)
على مَن أحبَّ فيَهْديه له . واختصاصُه إياهم بها ، إفرادُهم بها دونَ غيرِهم من
خلقِه . وإنما جعَل اللَّهُ رسالته إلى من أرسَل إليه من خلقِه، وهدايته من هدی من
عبادِه رحمةً(٢) منه له؛ ليُصَيِّرَه / بها إلى رضاه ومحبتِه، وفوزِه بها بالجنةِ ، ٤٧٥/١
واستحقاقِه بها ثناءَه(١) ، وكلُّ ذلك رحمةٌ من اللَّهِ له .
وأما قولُه: ﴿ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾. فإنه خبرٌ من اللَّهِ ( جل ثناؤه(١)
(١) فى الأصل، ت ١: ((يأتوهم))، وحذف النون لغة. ينظر صحيح مسلم بشرح النووى ٣٦/٢.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((مستبطنون)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى الأصل، ت ٢، ت ٣: ((إقرارهم).
(٥) فى الأصل: ((ورحمة)) .
(٦) فى الأصل: ((ثناء)).
(٧ - ٧) سقط من: الأصل .

٣٨٨
سورة البقرة : الآيتان ١٠٥، ١٠٦
"عن أن كلَّ خيرٍ ناله عبادُه فى دينهم ودنياهم، فإنه مِن عندِه ابتداءً، وتفضُّلًا منه
عليهم من غير استحقاقٍ منهم ذلك عليه .
وفى قوله: ﴿ وَاَللَّهُ يَخْلَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
اَلْعَظِيمِ﴾. تعريضٌ مِن اللَّهِ تعالى ذِكرُه بأهلِ الكتابِ أن الذى آتى نبيَّه
محمدًاً لَّهِ والمؤمنين به من الهدايةِ تَفَضُّلٌ(١) منه، وأن نعمَه لا تُدْرَكُ بالأمانيِّ،
ولكنها مواهبُ منه يَختصُّ بها مَن يشاءُ من خلقِه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾: ( ما نقُلْ مِن حكم آيةٍ" إلى
غيرِهِ، فنغيّوْه ونبدِّلْه. وذلك أن يحوِّلَ الحلالَ حرامًا، والحرامَ حلالاً، والمباع
محظورًا ، والمحظورَ مباحًا . ولا يكونُ ذلك إلا فى الأمرِ والنهي، والحظرِ والإطلاقِ،
والمنعِ والإباحةِ. فأما الأخبارُ فلا يكونُ منها(٤) ناسخٌ ولا منسوٌ.
وأصلُ النسخِ من نَشْخِ أصلٍ (٥) الكتابِ، وهو نقلُه مِن نسخةٍ إلى أُخْرِى
غيرِها . فكذلك معنى نَشْخ الحكم إلى غيرِهِ، "إنما هو تحويلُه ونقلُ عبادِه(١) عنه إلى
غيرِه . فإذا كان ذلك معنى نسخ الآيةِ، فسواءٌ - إذا نُسِخَ حكمُها فَغُيِّر وبُدِّل
فرضُها، ونُقِل ١ العبادُ عن اللازم كان لهم بها - "أُقِرَّ خطَّها" فتُرِك، أو مُحِىَ أثرُها
(١ - ١) سقط من: الأصل.
(٢) فى م: (( تفضلا)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيها)).
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٦ - ٦) سقط من: الأصل .
(٧) فى م: ((عبارته)). وفى تفسير ابن كثير ٢١٥/١ عن المصنف: عبادة إلى غيرها .
(٨) بعده فى م: ((فرض)).
(٩ - ٩) فى م: ((أوفر حظها)).

٣٨٩
سورة البقرة : الآية ١٠٦
فعُفِّىَ و( نُسِى؛ إذ هى حينئذٍ فى كلتى حالتَيْها منسوخةٌ ، والحُكْمُ الحادثُ [٥/٤ظ]
المُدَلُ به الحكمُ الأولُ والمنقولُ إليه فرضُ العبادِ هو الناسخُ. يقالُ منه: نسَخ اللَّهُ
حكمَ (٢) آيةٍ كذا وكذا ، يَنْسَخُه نَسْخًا، والنُّسخةُ الاسمُ .
وبمثلِ الذى قلنا فى ذلك كان الحسنُ البصرىُّ يقولُ(٣).
حدَّثنا سَوّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ ، قال: ثنا خالدٌ ، قال: ثنا عوفٌ ، عن الحسنِ أنه قال
فى قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفسِهَا(٤) ثَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَآَ﴾ قال(٥): أُقْرِىَ قرآنًا ثم
نُسّيَه، فلم يكنْ شيئًا، ومن القرآنِ ما قد نُسِخ وأنتم تقرءُونه (١).
اختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿مَا نَنسَخْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به
موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿ مَا
نَفْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ﴾: أما نسخُها فقبضُها(١) .
وقال آخرون بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالح، قال : حدَّثنی
معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ
ءَايَةٍ﴾. ما نُبَدِّلْ من آيةٍ(٨).
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أو)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) بعده فى الأصل: ((قال)).
(٤) فى ت ٢، ت ٣: ((ننساها))، وغير منقوطة فى الأصل. وقراءة الحسن: ( تَنْسها). ينظر إتحاف فضلاء
البشر ص ٨٨، وسيأتى ما فى هذه الكلمة من قراءات .
(٥) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال)).
(٦) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/١ إلى المصنف .
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٠/١ (١٠٥٧) عن أبى زرعة ، عن عمرو به .
(٨) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٥، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١/١ (١٠٦٥)، والبيهقى فى الأسماء
والصفات (٤٨٦) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى ابن المنذر.

٣٩٠
سورة البقرة : الآية ١٠٦
وقال آخرون بما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا
عيسى ، عن ابنِ أبى تَجيح، عن أصحابٍ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنهم قالوا: ﴿مَا نَنَخْ
مِنْ ءَايَةٍ ﴾. نُثْبِتْ خَطَّها، ونُبَدِّلْ محُكمَها (١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةً، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ: ﴿ مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾. نُثْبِتْ خطَّها، ونُبَدِّلْ حكمَها. حدِّثْت به عن
أصحاب ابنٍ مسعودٍ .
/ حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنى بكرُ بنُ شرودٍ(٢) ، عن ابنِ أبى
نَجيح، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾: نُثْبِتُ خطّها.
٤٧٦/١
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ أَوْ نُنِهَا﴾ .
اختلف أهلُ القراءةِ فى قراءةِ ذلك، فقرَأها قَرَأَةُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿ أَوْ
نُفِسِهَا﴾﴾(١). ولقراءةٍ مَن ( قرأها كذلك) وجهانٍ من التأويلِ:
أحدُهما، أن يكونَ تأويلُه: ما نَنْسَخْ يا محمدُ مِن آيةٍ فَتُغَيِّزْ حكمَها أو
نُتْسِكَها(٥) - وقد ذُكِر أنها فى مصحفِ عبدِ اللهِ (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو
(١) تفسير مجاهد ص ٢١١، ومن طريقه البيهقى فى الأسماء والصفات (٤٨٧)، وأخرجه ابن أبى حاتم
فى تفسيره ١٩٩/١ (١٠٥٥)، والنحاس فى ناسخه ص ٥٨ من طريق ابن أبى نجيح به، وليس عند
النحاس ذكر أصحاب ابن مسعود، وأخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٦ ، وابن أبى حاتم ٢٠٠/١ (١٠٦٢)
من طريق ابن جريج ، عن مجاهد ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/١ إلى آدم بن أبى إياس وأبى داود
فی ناسخه .
(٢) فى م، ت١: ((شوذب))، وفى ت٢، ت٣: ((شودب)).
(٣) وهى قراءة نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٨.
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قرأ ذلك)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ننسها)).

٣٩١
سورة البقرة : الآية ١٠٦
نَتْسحُها)(١) - نجِئْ بمثلها. فذلك تأويلُ النسيانِ. وبهذا التأويل قال جماعةٌ مِن
أهلِ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثْنا بشرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعِ، قال : ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه:
﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاً﴾: كان ينسَخُ الآيَةَ بالآيةِ
بعدَها، ويقرأُ نبِىُّ اللّهِ عَمِ الآيةً أو أكثرَ مِن ذلك ثم يُنَسَّى وتُزْفَعُ(١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِسِهَا﴾. قال: كان اللَّهُ تعالى ذِكْرُه [٦/٤و]
يُنْسِى نبيَّه عَلَّمِ ما شاء، ويَنْسَخُ ما شاء" .
حدَّثنى المُنَّى ، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابن أبى نَجيح، عن
مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنِهَا﴾: نَوْفَعها مِن عندٍ كم ) .
حدثنا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ ، قال: ثنا عوفٌ، عن
الحسن أنه قال فى قوله: ﴿أَوْ نُنِهَا (٥)﴾. قال: إن نبئكم ◌َّهِ أُقْرِئ قرآنًا ثم نُشِيه .
وكذلك كان سعدُ بنُ أبى وقَّاصٍ "يتأوَّلُ الآيَةً)، (" إلَّا أنه١) كان يَقْرَؤُها :
(١) ينظر المصاحف لابن أبى داود ص ٥٨، والناسخ والمنسوخ لأبى عبيد ص ١٠.
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٥/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٥٥/١.
(٤) سيأتى بأتم مما هنا فى ص ٤٠٠ .
(٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((ننساها)). وينظر ما تقدم فى ص ٣٨٨.
(٦ - ٦) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يتأوله)).
(٧ - ٧) سقط من: الأصل.

٣٩٢
سورة البقرة : الآية ١٠٦
(أو تَنْسَها(٢١). بمعنى الخطابِ لرسولِ اللَّه عَّهِ، كأنه عنَى: أو تَنْسَها أنت يا محمدُ.
ذكرُ الأخبارِ "عن ذلك)
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا يَعْلَى بنُ
عطاءٍ، عن القاسم بنٍ ربيعةً، قال: سمِعتُ سعد بن أبى وقاصٍ يقولُ: (مَا
نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها). قال(٢): قلتُ له: فإن سعيدَ بنَ المُسَيّبِ يقرؤُها:
﴿ أَوْ نُنِسِهَا﴾. قال: فقال سعدٌ: إن القرآنَ لم يَنْزِلْ على المُسَيِّبِ ولا على آلٍ
المسيَّبِ، قال اللَّهُ: ﴿ سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنْسَ﴾ [الأعلى: ٦]. ﴿ وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا
(٤)
[ الكهف : ٢٤ ] .
نسیت
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ ، قال :
حدَّثنا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ ربيعةَ بنِ قانفِ الثَّقَفىُ، قال : سمِعتُ
سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يَذْكُوْ نُحوَه(٥) .
حدَّثنا محمدُ بنُ المُنُنَّى، قال: حدثنا ابنُ مهدىٍّ، وحدَّثنى المثنَّى، قال:
حدَّثنا آدمُ العَشْقلانُ، قالا جميعًا: حدَّثنا شعبةُ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، قال: سمعتُ
القاسمَ بنَ ربيعةَ الثقفىُّ يقولُ : قلتُ لسعدِ بنِ أبى وقاصٍ: إنى سمعتُ ابنَ المُسَيِّبِ
(١) فى ت١: ((تنساها))، وفى ت ٢، ت ٣: ((ننساها))، وهذه القراءة شاذة. ينظر حجة القراءات ص ١١٠.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بذلك)).
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) أخرجه الحاكم ٥٢١/٢ من طريق يعقوب بن إبراهيم به. وأخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ١٠، وسعيد
بن منصور فی سننه (٢٠٨ - تفسیر) ، وابن أبى داود فی المصاحف ص ٩٦، والمزی فی تهذيب الكمال ٢٣/
٣٧٥ من طريق هشيم به . وصححه الحاكم، والقاسم مجهول . وفى المصادر اختلاف فى حكاية قراءة سعد
وسعید فانظره فيها .
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٥.
(٦ - ٦) سقط من: م.

٣٩٣
سورة البقرة : الآية ١٠٦
٤٧٧/١
يَقْرَأُ: ﴿ مَا نَنسَحْ مِنْ ءَايَةٍ / أَوْ نُنسِهَا﴾. فقال سعدٌ: إن اللَّهَ لم يُنْزِلِ القرآنَ على
الْمُسَيَّبِ ولا على ابنِهُ(١)، إنما هى: (ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها) يا محمدُ . ثم قرأ:
سَنُفْرِئُكَ فَلاَ تَسَى﴾ ﴿وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَّ﴾(١).
حدَّثنى المثَنى، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ
فى قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِسِهَا﴾. يقولُ: ﴿نُنِسِهَا﴾: نَوْفَعْها، وكان
اللَّهُ تعالى ذكرُه أَنْزَل أمورًا مِن القرآنِ ثم رفَعها(١) .
والوجهُ الآخَرُ منهما ، أن يكونَ بمعنى التركِ، مِن قولِ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿نَسُواْ
اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. يعنى به : ترَكوا اللَّهَ فترَكهم. فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينئذٍ
على هذا التأويلِ: ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ فَتُغَيِّرْ حكمَها، (أو نتْرُكْها ولا نُغيِّرْ حُكمَها
٤)
ولاْ نُبَدِّلْ فرضَها، نأتِ بخيرٍ مِن التى نسَخْناها أو مثلِها .
وعلى هذا التأويلِ تأوَّل ذلك(٥) جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنِى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى معاويةُ ، عن علىٍّ بن أبى
طلحةً، عن [٦/٤ظ] ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾. يقولُ: أو نَتْرُكْها لا نُبَدِّلْها(٦).
(١) فى الأصل: ((أبيك)).
(٢) أخرجه أبو داود فى ناسخه - كما فى التحفة ٣٠٩/٣ - والنسائى فى الكبرى (١٠٩٩٦)، وابن أبى
داود فى المصاحف ص ٩٦، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٠/١ (١٠٥٩)، والحاكم ٢٤٢/٢ من طريق شعبة
به. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى ابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١/١ عقب الأثر (١٠٦٤) من طريق ابن أبى جعفر به .
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) سقط من : م.
(٦) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٣٨٩.

٣٩٤
سورة البقرة : الآية ١٠٦
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ قولَه: ﴿أَوْ
نُنسِهَا﴾: نَتْرِكْها لا نَتْسَحُها (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا مُجُوَثِيرٌ، عن الضَّحَّاكِ فى
قولِهِ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا﴾. قال: الناسخُ والمنسوخُ(٣).
قال : وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك بما حدَّثنی به يونسُ بنُ
عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾ .
قال : نَمْحُها .
وقرَأ ذلك آخرون: (أو نَنْسَأَها)(١) . بفتح النونِ وهمزةٍ بعدَ السينِ، بمعنى:
تُؤَخِّرْها. مِن قولِك: نسَأْتُ هذا الأمرَ أَنْسَؤُه نَسْأُ ونَساءَ، إِذا أُخَّرْتَه. وهو مِن
قولهم : بعتُه بنسَاءٍ . يعنى: بتأخيرٍ. ومِن ذلك قولُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ(٤):
لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ ما أَنسَأُ(٥) الفَتَى
لَكَالطِّوَلٍ(٦) المُؤْخَى وَثِنْياهُ باليَدِ
يعنى بقولِه: أَنْسَأُ . أخَّر.
ويَّن قرَأْ ذلك كذلك (٨جماعةٌ مِن الصحابة والتابعين، وقرأهُ جماعةٌ مِن قرأَةٍ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١/١ (١٠٦٦) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن حماد به .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠٠/١ (١٠٦١) من طريق هشيم به.
(٣) هى قراءة ابن كثير وأبى عمرو. حجة القراءات ص ١٠٩.
(٤) ديوانه ص ٣٧.
(٥) فى الديوان: ((أخطأ)).
(٦) الطول: الحبل الطويل جدًّا. اللسان ( ط ول)، والبيت فيه كرواية الديوان .
(٧) سقط من: م.
(٨ - ٨) سقط من: الأصل. وهى قراءة عمر وابن عباس من الصحابة ، وقراءة النخعى وعطاء ومجاهد وعبيد
ابن عمير من التابعين. ينظر البحر المحيط ٣٤٣/١.

٣٩٥
سورة البقرة : الآية ١٠٦
المكيين(١) والبصريين. وتأؤَّله كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا عبدُ
الملكِ، عن عطاءٍ فى قوله: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أَو نَنْسأُها(٢)). قال: تُؤَخِّرْها(٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال: ثنا عيسى ، قال : سمِعتُ
ابنَ أبِى تَجِيحِ يقولُ فى قولِ اللَّهِ: (أو نَنْسَأْهَا). قال: نُرْجِئْها(٤).
حدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال : ثنا شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحِ ، عن
مجاهدٍ : (أو نَنْسَأْهَا): نُوْجِئْها وتُؤَّرُها (٥).
/ حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا ٤٧٨/١
فُضَيلٌ، عن عطيةَ: (أو نَنْسَأْهَا) قال: نُؤَخِّرْها فلا نَنْسَخْها .
حدَّثنا القاسمُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال : حدثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ،
قال: أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن عُبيدِ الأَزْدِىِّ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ: (أو
نَنْسَأْهَا): إرجاؤُها " وتأخِيرُها" .
(١) فى م: ((الكوفيين)).
(٢) فى الأصل، ت٢، والناسخ والمنسوخ: ((ننسها))، وفى سنن سعيد: ((ننسيها)).
(٣) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٦ عن هشيم به. وأخرجه أبو عبيد - أيضا - وسعيد بن منصور في سننه
(٢٠٩ - تفسير) عن مروان بن معاوية عن عبد الملك به .
(٤) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٤٨٧) من طريق ابن أبى نجيح عن أصحاب ابن مسعود . وهو
تتمة الأثر المتقدم فى ص ٣٩٠ .
(٥) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٦، ٧ من طريق جرير بن حازم عن حميد الأعرج عن مجاهد به .
(٦ - ٦) فى الأصل: ((تأخيرها)).

٣٩٦
سورة البقرة : الآية ١٠٦
هكذا حدَّثنا القاسمُ : عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن عُبيدِ الأُزْدِىِّ، وإنما هو: عن
علىّ الأزدىِّ .
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ سلَّام ، قال : حدَّثنا حجاجٌ ،
عن ابنٍ جريج، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن علىِّ الأزدِىِّ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيْرٍ أَنه
قَرأها: (أو نَنْسَأْهَا)(١).
قال: فتأويلُ مَن قَرأ ذلك كذلك: ما نُبدِّلْ مِن آيةٍ أَنزَلناها إليك يا محمدُ ،
فتُبطِلْ مُحُكْمَها ونُثْبِتْ خَطَّها، أو تُؤَخِّرْها فَتُرْجِئْها ونُقِرَّها فلا نُغَيِّرْها ولا نُبطِلْ
مُحُكْمَها، نأتٍ بخيرٍ مِنها أو مِثلِها .
وقد قرأَ بعضُهم [٧/٤ و] ذلك: (مَا نَنْسَحْ من آيةٍ أَو تُنْسَها(١)). وتأويلُ هذه
القراءةِ نظيرُ تأويلٍ قراءةٍ(٢) مَن قرأ: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾. إلا أن معنى: (3 ﴿أَقْ
نُنسِهَا﴾: أو نُنْسِكَها يا محمدُ نحن. مِن: أَتْسَاه اللَّهُ يُنْسِيه. ومعنَى مَن قرأ: (أو
تُنْسَها)" . أو تنْسَها أنتَ يا محمدُ .
وقد قرَأ بعضُهم: (مَا نُنْسِخُ(٢) من آيةٍ). بضَمِّ النونِ وكَسْرِ السِّينِ. بمعنَى: ما
تُنْسِخْكَ يا محمدُ نحنُ مِن آيةٍ . مِن: أَنْسَخْتُكَ فأنا أُنْسِخُك .
قال : وذلك خطأٌ مِن القِراءةِ عندَنا، لخروجِه عما جاءتْ به الحجّةُ مِن القرآَةِ(٦
(١) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٧ .
(٢) رويت هذه القراءة عن سعيد بن المسيب. المحرر الوجيز ١/ ٣٨٢.
(٣) فى الأصل: ((قوله)).
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٥) هى قراءة ابن عامر، من السبعة. حجة القراءات ص ١٠٩.
(٦) فى م: ((القراءة)).

٣٩٧
سورة البقرة : الآية ١٠٦
بالنقلِ المستفيضِ. وكذلك قراءةُ مَن قَرَأ: (تَنْسَها) أو (تُنْسَها). الشذوذِها
وخروجِها عن القراءةِ التى جاءتْ بها الحجةُ مِن قرأَةِ الأمةِ .
وأولى القراءاتِ فى قوله: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾. بالصوابِ، قراءةُ مَن قرأ: ﴿ أَقْ
نُنسِهَا﴾. بمعنى: نَترُكْها؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤه أخبرَ نبيَّه ◌َّمِ أنه مهما بدَّل حُكمًا أو
غيَّرَه ، أو لم يبدِّلْه ولم يغيّرْه، فهو آتِيه بخيرٍ منه أو بمثلِه. فالذى هو أوْلَى بالآيةِ إذ كان
ذلك معناها، أن يكونَ إذ قدَّم الخبرَ عما هو صانعٌ (١) إذا هو غيَّر وبدّل حكمَ آيةٍ - أن
يُعقِّبَ ذلك بالخبرِ عما هو صانِعٌ إذا هو لم يُدِّلْ ذلك ولم يُغيِّرْ. والخبرُ الذى يجِبُ أن
يكونَ عَقيبَ قولِه: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ﴾. قوله: أو نَتُكْ نَسْخَها. إذ كان ذلك
المعروفَ الجارِىَ فى كلامِ الناسِ، مع أن ذلك إذا قُرِئَ كذلك بالمعنى الذى
وَصَفتُ ، فهو يَشتَمِلُ على معنَى الإِنْساءِ الذى هو بمعنى التَّوْكِ، ومعنى النَّسْءِ
الذى هو بمعنَى التَّكِ. ومعنى النَّسْءِ الذى هو بمعنَى" التأخيرِ، إذ كان كلُّ متروكٍ
فمؤخٌّ فى(٤) حالٍ ما هو متروٌ .
وقد أنكَر قومٌ قراءةَ مَن قرأ: (أَوْ تَنْسها). إذا عنَى به النسيانَ . وقالوا: غيرُ
جائزٍ أن يكونَ رسولُ اللَّهِ مِ ظَهِ نَسِى مِن القرآنِ شيئًا مما نُسِخَ(١)، إلا أن يكونَ نَسِى
منه شيئًا ثم ذكره . قالوا : وبعدُ ، فإنه لو نَسِى منه شيئًا لم يكنِ الذين قَرءُوه وحَفِظوه
مِن أصحابِهِ بجائزٍ على جميعِهِم أن يَنْسَوه . قالوا: وفى قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿وَلَپِن
شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦]. ما يُنِْئُ عن أن اللَّهَ تعالی ذِْرُه
(١) فى الأصل: ((سايع)) .
(٢) فى م: ((النساء)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م: ((على)).
(٥) فى م: ((لم ينسخ)).

٣٩٨
سورة البقرة : الآية ١٠٦
لم يُنْسِ نبيَّه شيئًا(١) آتاه مِن العلمِ.
٤٧٩/١
قال أبو جعفرٍ: وهذا قولٌ يَشهَدُ على بُطُولِه وفسادِه الأخبارُ المتظاهِرَةُ عن
رسولِ اللهِ عَه وأصحابِهِ بنحوِ الذى(٢) حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ
زُرَيْعِ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدثنا/ أنسُ بنُ مالكِ: إِنَّ أولئكَ
السَّبْعِين مِن الأنصارِ الذين قُتِلوا ببئرٍ مَعُونةً(١) قرأنا بهم وفيهم [٧/٤ظ] كتابًا: ( بَلِّغوا
عنَّا قَوْمَنا أَنَّا لَقِينا رَبَّنَا فَرَضِىَ عنَّا وُرْضَانا). ثم إن ذلك ◌ُفِعَ " ..
فالذى ذُكِرَ(٥) عن أبى موسى الأشعرىِّ أنهم كانوا يَقْرءون(١): (لو أن لابنِ آدمَ
وادبين مِن مَالٍ لابتغى لهما ثالثًا ، ولا يَمْلأُ جوفَ ابنِ آدمَ إِلا الترابُ، ويَتوبُ اللَّهُ على
من تاب)(٢). ثم رُفعَ.
وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التى يَطُولُ بإخصائِها الكتابُ .
وغيرُ مستحيلٍ فى فِطرةٍ ذِى عقلٍ صحيحٍ، ولا بحجةٍ خبرٍ ، أن يُنْسِىَ اللَّهُ
نبيّه ێ بعض ما قد كان أنزله إلیه، فإذا كان ذلك غير مستحیلٍ مِن أحدِ هذین
الوجهين، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ : ذلك غيرُ جائزٍ.
وأما قولُه: ﴿وَلَيِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾. فإنه جل ثناؤه لم
يُخْبِرْه أنه لا يَذْهَبُ بشىءٍ منه، وإنما أخبره أنه لو يشاءُ لذَهَب بجَميعِه، فلم يَذْهَبْ
(١) بعده فى م: ((مما)).
(٢) بعده فى م: ((قلنا)).
(٣) بئر معونة: بين أرض بنى عامر وحرَّة بنى سليم. معجم البلدان ٤٣٥/١.
(٤) أخرجه البخارى (٤٠٩٠) من طريق يزيد به بنحوه .
(٥) فى م: ((ذكرنا)).
(٦) فى الأصل: ((يقولون)).
(٧) أخرجه مسلم (١٠٥٠) بنحوه. وينظر مسند الطيالسى (٥٤١).

٣٩٩
سورة البقرة : الآية ١٠٦
به ، والحمدُ للَّهِ، بل إنما ذَهَب منه(١) بما (٢) لا حاجةَ بهم إليه منه، وذلك أن ما نَسَخ
منه فلا حاجةَ بالعبادِ إليه، وقد قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿سَنُفْرِتُكَ فَلَا تَنسَىَّ ﴿ إِلَّا مَا
شَآءَ اللَّهُ ﴾ [الأعلى: ٦، ٧]. فأخبرَ أنه يُنْسِى نبيَّه منه ماشاء. فالذى ذَهَب منه الذى
اسْتَثْناه اللَّهُ .
فأما نحن، فإِنما اخْتَرِنا ما اخْتَرِنا مِن التأويلِ طَلَبَ اتِّساقِ الكلامِ على نظامٍ فى
المعنى، لا إنكارَ أن يكونَ اللَّهُ تعالى ذِكرُه قد كان أنسى (٢) نبيّه بعضَ ما نَسَخ مِن
وحیه إليه وتنزيله .
القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَأُ﴾
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويل قوله: ﴿ ◌َأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ . فقال بعضُهم بما
حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالح،
عن علىٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍٍ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاُ﴾. يقولُ:
خيرٍ لكم فى المنفعةِ وأرفقَ بكم (4) .
وقال آخرون بما حدَّثنى به الحسنُ بنُ يحيى، قال : أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال :
أَخْبَرِنا مَعمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ . يقولُ : آيةٍ فيها
تَخْفِيفٌ، فيها رُخْصَةٌ(٥)، فيها أَمْرٌ، فيها نَهْىٌ ).
(١) سقط من: م.
(٢) فى ت ١، ت ٢: (( ما)).
(٣) فى م: ((آتى)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١/١ (١٠٦٧) من طريق عبد الله بن صالح به. وينظر الناسخ
والمنسوخ للنحاس ص ٥٤، والفتح ١٥٨/٨.
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رحمة)).
(٦) تفسير عبد الرزاق ٥٥/١ .
٠

٤٠٠
سورة البقرة : الآية ١٠٦
وقال آخرون: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها ، أو بخيرٍ مِن التى تَرَكْناها فلم نَتْسَخْها .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿نَأْتِ
بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾. يقولُ: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها، ﴿أَوْ مِثْلِهَاً﴾ أو مثلٍ التى
تَركْناها(١).
فالهاءُ والألفُ اللتان فى: ﴿مِّنْهَا﴾ عائدتان - على هذه المقالةِ - على الآيةِ
فى قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾. والهاءُ والألفُ اللتان فى قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَاْ﴾
عائدتان على الهاءِ والألفِ اللتين فى قولِه: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾ .
[٨/٤ر] وقال آخرون بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةً، قال: حدَّثنا
شِئْلٌ، عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ ، قال: كان عُبِيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ:
﴿ نُنِهَا﴾: نرفعها مِن عندِكم، فأتى(٢) بمثلها أو خيرٍ منها(١).
٤٨٠/١
/ حدَّثنى المثنَّى، قال: حدّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيع: ﴿أَوْ نُنِهَا﴾: نَرفعها، نأتِ بخيرٍ منها أو بمثلِها(٤).
وحدّثنی المثنی ، قال : حدّثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا بکژُ بنُ شرودٍ ، عن ابنِ أُبی
نجيح، عن مجاهدٍ ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ مثلَه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١/١ (١٠٦٩) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به .
(٢) فى م: (( نأت)) .
(٣) تفسير مجاهد ص ٢١٠، ٢١١، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٠١/١ (١٠٦٤)، والبيهقى فى
الأسماء والصفات (٤٨٧) عن ابن أبى نجيح عن عبيد بن عمير .
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٣٩٣ .