النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
سورة البقرة : الآية ١٠٢
يعنى : وَرِثتَ مكانَ سلفِ الكرامِ عُقوقًا مِن ولدِكَ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنٍ
.
٠ ٤ج
الله
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾:
وما المتعلِّمون مِن الملَكَين هاروتَ وماروتَ ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، بضارِّين
بالذى تعلَّموه منهما مِن المعنى الذى يفرّقون به بين المرءوزوجه ، من أحدٍ من الناسِ ،
إلا من قد قضَى اللهُ عليه أن ذلك يضُرُه ، فأما مَن دفَع اللهُ عنه ◌ُرَّه وحفظه مِن
مكروهِ السحرِ والنَّفْثِ والرّقى، فإن ذلك غيرُ ضارِّه ولا نائلِه أَذَاه .
وللإِذْنِ فى كلام العربِ أوجهٌ ؛ منها الأمرُ على غيرِ وجهِ الإلزامِ ، وغيرُ جائٍ أن
يكونَ منه قولُه: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأن الله جلّ
ثناؤُه قد حرَّم التفريقَ بينَ الرجلِ (١) وحليلته بغيرِ سحرٍ - فكيف به على وجهِ
ء
السحرِ - على لسانِ الأُمةِ ؟ ومنها التخليةُ بينَ المأذونِ له والمخلَّى بينَه وبينَه/ . ومنها
العلمُ (١) بالشىءٍ، يقالُ منه: قد أذِنْتُ بهذا الأمرِ، إذا علِمتَ به، آذَنُ به إذنًا. ومنه
قولُ الخطيئةِ(٤) :
٤٦٤/١
وإلَّ فائْذِنِينى بانْصِرامِ
ألا يا مِنْدُ إِن جَدَّدْتٍ وَضْلًا
یعنی : فأعلِمینی .
= فى أعراضه لا فى أعالیه. التاج ( ح ی د).
(١) فى م: ((والديك)).
(٢) فى م: ((المرء)).
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((العمل)).
(٤) البيت ليس فى ديوانه ، وهو فى التبيان ١/ ٣٨٠.

٣٦٢
سورة البقرة : الآية ١٠٢
ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وهذا
هو معنى الآيةِ ، كأنه قال جلّ ثناؤه: وما هم بضارين بالذى تعلَّموا مِن الملَكَين مِن
أحدٍ إلا بعلم اللهِ. يعنى : بالذى سبق له فى علم اللهِ أنه يضرُّه .
كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال : ثنا سويدُ بنُ نصرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ
المباركِ، عن سفيانَ فى قوله: ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قال : بقضاءِ اللهِ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَيَنَعَلَُّونَ مَا يَضُرُهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمَّ﴾ .
يعنى "جلَّ ثناؤه بقولِه): ﴿وَيَنَعَلَُّونَ﴾. أى: الناسُ الذين يتعلّمون من
الملَكَين، ما أَنزِل إليهماً من المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه ، يتعلَّمون منهما
السحر الذی یضژهم فی دینھم ، ولا ينفعُهم فی معادهم ؛ فأما فى العاجلِ فى الدنيا ،
فإنهم قد کانوا یکسِبون به ويُصییون به معاشًا .
[٧٥/٣ و] القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَنَهُ مَا لَهُ فِىِ
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ ﴾ .
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَهُ مَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِنْ
خَلَقٍّ﴾ . الفريقَ الذين (أخبرَ عنهم أنهم" لمّ جاءهم رسولٌ من عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما
معهم، نبذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبَعوا ما تتلو الشياطينُ
على ملكِ سليمانَ . فقال جلّ ثناؤه : لقد علِم النابِذون مِن يهودِ بنى إسرائيلَ ،
(١) أخرجه ابن أبى حاتم ١٩٤/١ (١٠٢٠) من طريق ابن المبارك به .
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٣: ((بذلك جل ثناؤه)).
(٣) فى م: ((عليهما)) .
(٤ - ٤) سقط من، م، وفى ت ١، ت ٣: ((أنهم)).

٣٦٣
سورة البقرة : الآية ١٠٢
كتابى وراءَ ظهورِهم تجاهلاً منهم، التاركون العملَ بما فيه، من اتباعِك يا محمدُ
واتباعِ ما جئتَ به ، بعدَ إنزالى إليك كتابى مصدِّقًا لما معهم، وبعدَ إرساليك إليهم
بالإقرارِ بما معهم وما فى أيديهم ، المؤثرون عليه اتباعَ السحرِ الذى تَلته الشياطينُ على
عهدٍ سليمانَ ، والذى أُنزِل على الملَكَين بيابلَ هاروتَ وماروتَ - لمن اشتَرَى السحرَ
بكتابى الذى أنزلتُه على رسولى فآثرَه عليه ما له فى الآخرةِ من خلاقٍ .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريع، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ اشْتَرَّئُهُ﴾. أى: لمن استحبَّه"، ﴿ مَا لَهُ فِي
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍّ ﴾ يقولُ: قد علِم ذلك أهلُ الكتابِ فى عهدِ اللهِ إليهم ؛ أن
الساحرَ لا خلاقَ له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ (١).
وحدَّثنى موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَقَدْ
عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَّرَنَّهُ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَقٍ ﴾ يعنى: اليهودَ، يقولُ: قد
عِلِمَت اليهودُ أن من تعلَّمه و(١) اختاره ما له فى الآخرةِ من خلاقٍ(١).
وحدَّثنى المثنى ، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ : ﴿ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَّئُهُ ﴾: لمن اشتَرِى ما يفرِّق به بينَ المرءِ وزوجِه ).
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٣.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥/١ (١٠٢٤) من طريق يزيد به، إلى قوله: لمن استحبه. وأخرج
باقيه ١٩٥/١ (١٠٢٣، ١٠٢٩) من طريق سعيد وغيره عن قتادة .
(٣) فى م، ت ١، ت ٣: ((أو)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥/١ (١٠٣٠) من طريق عمرو بن حماد به، إلى قوله :
اليهود .
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥/١ (١٠٢٥) من طريق أبي حذيفة عن شبل عن ابن أبى نجيح
من قوله .

٣٦٤
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ
٤٦٥/١
لَمَنِ اشْتَرَهُ مَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ ﴾ . قال: قد علمت یھودُ أن فی کتابٍ
اللهِ فى التوراةِ، أن من اشترى السحرَ، وترَك دينَ اللهِ، ما له فى الآخرةِ من
خلاقٍ، ( ومن لم يكنْ له خَلاقٌ(١) ، فالنارُ مِثْواه ومأواه(٢).
وأما قولُه: ﴿لَمَنِ أَشْتَرََّهُ﴾. فإن ((مَن)) فى موضع رفع، وليس قولُه:
﴿ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ﴾. بعاملٍ فيها؛ لأن قولَه: ﴿عَلِمُواْ﴾. بمعنى اليمينِ ، فلذلك
كانت ((مَن))(١) فى موضع رفع؛ لأن الكلام بمعنى: واللهِ لمن اشترى السحر ما له فى
الآخرةِ من خلاقٍ. ويكونُ(٤) قولُه: ﴿عَلِمُواْ﴾. بمعنى اليمينِ، أُجِيبَ(٥) بلامٍ
اليمين، فقيل: ﴿ لَمَنِ أَشْتَرَنَهُ﴾. كما يقالُ: أقسِمُ لَمَن قام خيرٌ ممن قعَد. وكما
يقالُ: قد علمتَ لعمرٌو خيرٌ من أبيك. وأما ((مَن)) فهو حرفُ جَزاءٍ، وإنما قيل:
اشتراه. ولم يقلْ: يشترِهُ؛ لدخولِ لامِ القسم على ((مَن))، ومِن شأنِ العربِ إذا
أحدثت على حرفِ الجزاءِ لامَ القسم، ألا ينطقوا فى الفعلِ معه إلا بـ ((فَعَل)) دونَ ((
يُفْعَل)) إلا قليلًا؛ كراهةً أن [٧٥/٣ظ] يُحدِثوا على الجزاءِ حادثًا وهو مجزومٌ، كما
قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿لَيِنْ أُخْرِجُواْ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢]. وقد يجوزُ إظهارُ
فعلِه بعدَه على ((يفعلُ)) مجزومًا، كما قال الشاعرُ:
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٣.
(٢) ينظر التبيان للطوسى ١/ ٣٨١.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٣.
(٤) فى م، ت ٢: ((لكون)).
(٥) فى م: ((حققت))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((خففت)).
(٦) فى م: (( يشتروه)).
(٧) معانى القرآن للفراء ٦٦/١ ونسبه فى ١٣١/٢ إلى الكميت بن معروف عن الكسائى، وهو فى الخزانة ٦٨/١٠.

٣٦٥
سورة البقرة : الآية ١٠٢
لَيَعْلَمُ ربِّى أَنَّ بَيتىَ واسِعُ
لَن تُ قد ضاقتْ علیکم یوتکمْ
واختلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قوله: ﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقَّ ﴾ ؛ فقال
بعضُهم : الخلاقُ فى هذا الموضعِ النصيبُ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا أبو حذيفةً ، قال : ثنا شبلّ ، عن ابنٍ أبى
نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقَّ﴾. يقولُ: من نصيبٍ (١).
وحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ :
﴿ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾. قال: من نصيبٍ(٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ ، قال: ثنا وكيع ، قال: قال سفيانُ:
سمِعنا فى قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقَّ﴾. أنه: ما له فى الآخرةِ من
نصيب .
وقال آخرون(٤): الخَلَاقُ هلهنا: الجهةُ(٥).
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٣/١ إلى المصنف، وذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥/١ عقب الأثر
(١٠٢٦) معلقا .
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥/١ عقب الأثر (١٠٢٦) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) فى الأصل، م، ت ١، ت ٣: ((وما)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٣: (( بعضهم) .
(٥) فى م: ((الحجة)).

٣٦٦
سورة البقرة : الآية ١٠٢
قتادةَ: ﴿مَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ مِنْ خَقٍ﴾. قال: ليس له فى الآخرةِ جهةٌ(١)
وقال آخرون : الخَلاقُ الدینُ .
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال:
قال الحسنُ: ﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾. قال: ليس له دينٌ (١).
وقال آخرون : الخلاقُ هلهنا القِوامُ .
/ ذِكرُ مَن قال ذلك
٤٦٦/١
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ ، قال : قال ابنُ جريجٍ :
قال ابنُ عباسٍ: ﴿ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾. قال: قِوامٌ().
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معنى الخلاقِ فى هذا الموضعِ
النصيبُ . وذلك أن ذلك معناه فى كلامِ العربِ. ومنه قولُ النبيِّ عَلَّهِ: «لَيُؤَيِّدنَّ
اللهُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهم)) ). يعنى: لا نصيبَ لهم ولا حظّ فى الإسلام
والدينٍ . ومنه قولُ أميةَ بنِ أبى الصلتِ (١) :
(١) فى الأصل، م، ت١، ت٣: ((وما)).
(٢) فى م: ((حجة))، وفى تفسير عبد الرزاق: ((جنة))، وفى تفسير ابن كثير ٢٠٧/١ عن عبد الرزاق: ((جهة)).
والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٥٤/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥/١ (١٠٢٧) عن الحسن بن
یحیی به .
(٣) تفسير عبد الرزاق ٥٤/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٥/١ (١٠٢٨) عن الحسن بن يحيى به.
(٤) عزاه فى الدر المنثور ١٠٣/١ إلى المصنف .
(٥) حديث صحيح: أخرجه النسائى فى الكبرى (٨٨٨٥)، وابن حبان (٤٥١٧) من حديث أنس . وأخرجه
أحمد ٤٥/٥ (الميمنية) من حديث أبى بكرة، ولفظه: ((إن الله تبارك وتعالى سيؤيد ... )).
(٦) ديوانه ص ٥٤.

٣٦٧
سورة البقرة : الآية ١٠٢
يَدْعون بالوَيْلِ فيها لا خلاقَ لهم إلا سرابيلُ مِن قِطْرٍ(١) وأغلالُ
يعنى بذلك: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ إلا السرابيلُ (" والأغلالُ؟».
فكذلك قولُه: ﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾: ما له فى الدارِ الآخرةِ حظّ
من الجَنَةِ ، من أجلِ أنه لم يكنْ له إيمانٌ ولا دينٌ ولا عملٌ صالحٌ يجازَى به الجنةَ ويثابُ
عليه، فيكونَ له حظٌّ ونصيبٌ من الجنةِ . وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ مَا لَهُ فِى الْآَخِرَةِ
مِنْ خَلٍْ ﴾ . فوصفه بأنه لا نصيب له فى الآخرة ، وهو یعنی به : لا نصيب له من
جزاءٍ وثوابٍ وجنةٍ ، دونَ نصيبه من النارِ ؛ إذ كان قد دلَّ بذمِّه(٢) جلَّ ثناؤه أفعالَهم
التى نفَى [٧٦/٣و] من أجلِها أن يكونَ لهم فى الآخرةِ نصيبٌ ، على مرادِه من الخيرِ ،
وأنه إنما يعنى بذلك أنه لا نصيبَ لهم فيها من الخيراتِ ، فأما من الشرورِ فإن لهم
منها(٤) فيها أنصباءً وأنصباءً ) .
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَيْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِةٍ أَنْفُسَهُمَّ لَوْ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ
١٠٢
قد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على أن معنى: ﴿شَرَوَا﴾: باعُوا). فمعنى الكلامِ
إذن : ولبئسَ ما باع به نفْسَه مَن تعلَّم السحرَ لو كان يعلمُ سوءَ عاقبتِه .
كما حدَّثنا موسى ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ:
(١) القطر: النحاس الذائب. تاج العروس ( ق ط ر).
(٢ - ٢) زيادة من: م، ت ١، ت ٣.
(٣) فى م: (( ذمه)).
(٤) سقط من : م .
(٥ - ٥) فى م، ت ١، ت ٣: ((نصيبا)).
(٦) ينظر ما تقدم فى ص ٢٤٥ .

٣٦٨
سورة البقرة : الآية ١٠٢
﴿ وَلَبِْسَ مَا شَرَوْا بِهِ- أَنفُسَهُمَّ﴾ يقولُ: بئس ما باعوا به أنفسَهم(١).
فإن قال لنا قائل: وكيف قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَبِأْسَ مَا شَرَوْا بِهِ: أَنفُسَهُمْ
لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. وقد قال قبلُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنُهُ مَا لَهُ فِى
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ﴾. فكيف يكونون عالِمِين بأن من تعلّم السحرَ فلا خلاقَ
له(٢) ، وهم يجهلون أنهم بئسَ ما شرَوْا بالسحرِ أنفسَهم؟
قيل : معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توقَّمتَه من أنهم موصوفون ( بجهل
ما) هم موصوفون بالعلم به، ولكنَّ ذلك من المؤشّرِ الذى معناه التقديمُ، وإنما معنى
الكلامِ : وما هم بضارِّين به من أحدٍ إلا بإذنِ اللهِ ، ويتعلّمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم،
ولبئس ما شرّوْا به أنفسَهم لو كانوا يعلمون ، ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرةِ
من خلاقٍ. فقوله: ﴿وَلَيْسَ مَا شَرَوْا بِهِ: أَنفُسَهُمّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
ذٌّ من اللهِ تعالى ذكرُه فعلَ المتعلِّمين من المَلَكَين التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه ، وخبرٌ منه
جلّ ثناؤه عنهم أنهم بئسَ ما باعوا (٩) أنفسَهم ، برضاهم بالسحرِ عِوضًا من دينهم
الذى به نجاةُ أنفسهم من الهلكةِ ، جهلا منهم بسوءِ عاقبةٍ فعلهم، وخسارةِ صفقةٍ
بيعِهم؛ إذ كان قد يتعلَّمُ ذلك منهما من لا يعرِفُ اللهَ، ولا يعرِفُ حلالَه وحرامَه،
٤٦٧/١ وأمرَه ونهيَه. ثم عاد إلى الفريقِ / الذى أخبَر عنهم أنهم نبَذوا كتابَه وراءَ ظهورِهم
كأنهم لا يعلمون، واتَّبِعُوا مَا تَتْلُو الشياطِينُ على ملْكِ سليمانَ وما أُنْزِل على
الملَكَينِ، فأخبَر عنهم أنهم قد علِموا أن من اشترى السحرَ ماله فى الآخرةِ من
(١) تقدم تخريجه فى ص ٢٤٦ .
(٢) فى م، ت٣: ((لهم)).
(٣ - ٣) فى م، ت ١، ت٣: ((بالجهل بما)).
(٤) فى م: ((شروا به)).
(٥) فى م: ((عن)).

٣٦٩
سورة البقرة : الآية ١٠٢
خلاقٍ ، ووصفهم بأنهم يركبون معاصىَ اللهِ على علم منهم بها ، ويكفُرون باللهِ
ورسلِه ، ويُؤْثِرون اتباعَ الشياطينِ والعملَ بما أحدَثَتْهُ من السحرِ ، على العملِ بكتابِهِ
ووحيه وتنزيله، عنادًا منهم له (١، وبغيًا على رسلِه، وتعدِّيًا منهم حُدودَه، على
معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فَعَل ذلك عندَ اللهِ من العقابِ والعذابِ . فذلك تأويلُ
(٢)
ذلك
وقد زعم بعضُ الزاعِمين أن قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنُهُ مَا لَهُ فِى
اُلْآَخِرَةِ مِنْ خَقٍ﴾. معنىٌ(٢) به الشياطينُ، وأن قولَه: ﴿لَوْ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ ﴾ معنىٌّ به الناسُ.
وذلك قولٌ "لقولِ جميع) أهلِ التأويلِ مخالفٌ. وذلك أنهم [٧٦/٣ظ]
مُجْمِعون على أن قولَه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ أُشْتَرَنُهُ ﴾. معنىٌّ به اليهودُ دونَ
الشياطين، ثم هو مع ذلك خلافُ ما دلَّ عليه التنزيلُ؛ لأن الآياتِ قبلَ قولِه :
﴿وَلَقَدْ عَلِّمُواْ﴾. وبعدَ قولِه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ جاءت من اللهِ بِذَمِّ
اليهودِ ، وتوبيخِهم على ضلالهم و "ذَهابِهم عنْ وحي اللهِ وآياتِ كتابِه"، مع
علمِهم بخطأً فعلِهم، فقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ أَشْتَرَّئُهُ مَا لَهُ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنْ
خَلَقٍ ﴾ . أحدُ تلك الأخبارِ عنهم .
وقال بعضُهم: إن الذين وصَف اللهُ بقولِه: ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِةْ
(١) سقط من: م، ت ١، ت ٣.
(٢) فى م، ت ١، ت ٣: ((قوله)).
(٣) فى م، ت ١، ت ٣: (( يعنى).
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٣: ((لجميع)).
(٥ - ٥) فى م: ((وذما لهم على نبذهم))، وفى ت١: ((وذما لهم من نبذهم)).
(٦) بعده فى م: ((وراء ظهورهم)).
( تفسير الطبرى ٢٤/٢ )

٣٧٠
سورة البقرة : الآيتان ١٠٢، ١٠٣
أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ فنفَى عنهم العلمَ ، هم الذين وصفهم اللهُ بقولِه:
وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَنُهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَقٍ﴾. وإنما نفَى عنهم جلّ
ثناؤه العلمَ بقولِه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. بعدَ وصفِه إياهم بأنهم قد علِموا
بقولِه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِّمُواْ﴾. من أجلِ أنهم لم يعملوا بما علِموا، وإنما العالِمُ ، العاملُ
بعلمِه ، فأما إذا خالَف عملُه علمَه، فهو فى معانى الجهَّالِ. قالوا (١) : وقد يقالُ
للفاعلِ الفعلَ بخلافٍ ما ينبغى أن يفعلَ، وإن كان بفعلِه عالماً: لو علِمتَ
لِأَقصَرتَ . كما قال كعبُ بنُ زهيرِ المزنيُ، وهو يصِفُ ذئبًا وغُرابًا تبِعاه لينالا من
طعامِه وزادِه(٢) :
إذا حضَرانى قلتُ لو تَعْلَمانه ألم تَعْلَما أنى مِن الزَّادِ مُؤْمِلُ
فأخبرَ أنه قال لهما: لو تعلَمانه. فنفَى عنهما العلمَ، ثم استخبرَهما فقال: ألم
تعلَما. قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِّمُواْ﴾. و: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
وهذا تأويلٌ، وإن كان له مخرَجٌ ووجةٌ، فإنه خلافُ الظاهرِ المفهومِ بنفسٍ
الخطابِ، أعنى بقولِه: ﴿ وَلَقَدْ عَلِّمُوا﴾. وقولِه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ .
وإنما هو استخراجٌ. وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ بالخطابِ دونَ الخفىِّ الباطنِ
منه - حتى تأتىَ دلالةٌ من الوجهِ الذى يجبُ التسليمُ له ، بمعنَّى خلافٍ دليلِه الظاهرِ
المتعارَفِ فى أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهِم نزَلُ القرآنُ - أَولى (٤) .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ
(١) فى م: ((قال)).
(٢) شرح ديوان كعب بن زهير ص ٥١.
(٣) المرمل: الذى نفد زاده، وأصله من الرمل، كأنه لصق بالرمل. اللسان ( رم ل).
(٤) سقط من: الأصل، ت١، ت٢، ت٣.

٣٧١
سورة البقرة : الآية ١٠٣
١٠٣)
خَبْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ
/ يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْا﴾: لو أن الذين يتعَلَّمون ٤٦٨/١
من الملَكَين ما يُفَرِّقون به بينَ المرءِ وزَوْجِه ﴿ءَامَنُواْ﴾ فصدَّقوا الله ورسوله، وما
جاءهم به من عندِ ربِّهم ﴿وَأَتَّقَوْا ﴾ ربَّهم فخافُوه، وخافوا عقابَه، فأطاعوه بأداءٍ
فرائِضه، وتجنُّبٍ (١) معاصِيه - لكان جزاءُ اللهِ إياهم، وثوابُه لهم على إيمانِهم به
وتقواهم إياه، خيرًا لهم من السحرِ وما اكْتَسَبوا به، ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ أن
ثوابَ اللهِ إِيَّاهم على ذلك خيرٌ لهم من السحرِ ومما اكْتَسَبوا به. وإنما نفَى بقولِه:
﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. العلمَ عنهم أن يكونوا عالِمِين بمَبِّلَغ ثوابِ اللهِ وقَدْرِ جزائِه
على طاعتِه .
والمَثُوبَةُ فى كلامِ العربِ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أَتَبْتُك إثابةً وثَوابًا ومَثوبةً .
وأصلُ ذلك مِن: ثاب إليك الشىءُ. بمعنى: رجَع. ثم يقال: أثَبتُه إليك. أى:
أُرِجَعْتُهُ(٢) إليك وردَدْتُه. فكأنَّ(٣) معنى إثابةِ الرجلِ الرجلَ على الهَدِيَّةِ وغيرِها ،
إرجاعُه إليه (٤) منها [٧٧/٣ و] بَدَلاً، ورَدُّه عليه منها ◌ِوَضًا. ثم جُعِل كلٌّ مُعَوِّضٍ غيرَه
من عملِه أو هديَّتِهِ أو يدٍ له سلَفت منه إليه مُثِيبًا له . ومنه ثوابُ اللهِ عزَّ وجلَّ عبادَه على
أعمالِهِم، بمعنى إعطائِه إياهم العِوَضَ والجزاءَ عليه، حتى يَرْجِعَ إليهم بَدَلٌ مِن
عملهم الذی عملوه له .
وقد زعم بعضُ نحويىٌّ أهلٍ(١) البصرةِ أن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْا لَمَنُوبَةٌ
(١) فى م، ت ١، ت٣: ((تجنبوا)).
(٢) فى م، ت ٣: ((رجعته).
(٣) فى م: ((فكان)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((إليها)).
(٥) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٣٧٢
سورة البقرة : الآية ١٠٣
مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾. مما اكْتُفى بدَلالةِ الكلام على معناه عن ذكرٍ جوابِه، وأن معناه :
ج
ولو أنهم آمنوا واتَّقَوْا لأُثِيبوا. ولكنه اسْتُغْنِى بِدَلالةِ الخبرِ على المئويةِ عن قوله: لأُثِبوا .
وكان بعضُ نحوبِّى الكوفةِ (١) ينكِرُ ذلك، ويرَى أن جوابَ قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ
ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْا﴾ - ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وأن ((لو)) إنما أُجِيبت بالمئويةِ، وإن كانت
أجْوِبتُها (١) بالماضى مِن الفعلِ، لتقارُبِ معناها مِن معنى ((لئن)) فى أنهما جزاءان،
وأنهما جوابان للإيمانِ ، فأَدْخِل جوابُ كلِّ واحدةٍ منهما على صاحبتها ، فأُجِيبت
((لو)) بجوابٍ ((لئن)) و((لئن)) بجواب ((لو))، لذلك، وإن اخْتَلَفت أجوبتُهما ،
وكانت ((لو)) مِن حكمِها وحظُّها أنْ تُجابَ بالماضى مِن الفعلِ، وكانت ((لئن)) مِن
حكمِها وحظُّها أن تُجابَ بالمستقبلِ مِن الفعلِ ، لِما وصَفْنا من تقارُبِهما. فكان يتأوّلُ
معنى قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْا﴾: ولئن آمَنوا واتَّقَوا لمثوبٌ مِن عندِ اللهِ خيرٌ .
وبما قلنا فى تأويل قوله: ﴿ لَمَثُوبَةٌ﴾ . قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ يقولُ: ثوابٌ مِن عندِ اللهِ(٣) .
وحدَّثنى موسى(٤) ، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباطُ ، عن الشُّدِّىِّ :
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾: أَمَّا المثوبةُ فهو الثوابُ(٥) .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أهل البصرة)).
(٢) فى م: ((أخبر عنها)).
(٣) تفسير عبد الرزاق ٥٤/١ .
(٤) فى م: ((يونس)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٦/١ عقب الأثر (١٠٣٣) عن أبى زرعة، عن عمرو بن حماد به .

٣٧٣
سورة البقرة : الآيتان ١٠٣، ١٠٤
وحدَّثنى المُنَّى ، قال: حدثنا إسحاقُ ، قال : حدثنا ابنُ أبى جعفر، عن أبيه ،
عن الربيع: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وَأَثَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ ﴾. يقولُ:
لثوابٌ مِن عندِ اللهِ(١) .
[١/٤ظ٢/ ٣القولُ فى تأويل قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا ٤٦٩/١
تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ .
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾؛ فقال بعضُهم:
تأويلُه : لا تقولوا خِلافًا .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن
عطاءٍ فى قولِه: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾. قال: لا تقولوا خِلافًا (١).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابنِ أبى نَجيحِ،
عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾: لا تقولوا خِلافًا(٣).
وحدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبِى تَجِيحٍ، عن
مجاهدٍ مثلَه .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٦/١ عقب الأثر (١٠٣٣) من طريق ابن أبى جعفر به.
(*) من هنا بداية الجزء الرابع من مخطوطة جامعة القرويين بفاس وسيشار إليها بالأصل، وسيجد القارئ أرقام
صفحاتها بين معقوفين .
(٢) تفسير الثورى ١/ ٤٧، ٤٨.
(٣) تفسير مجاهد ص ٢١٠، ٢٨٣، ومن طريقه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٧/١، ٩٦٦/٣ (١٠٤٠،
٥٣٩٩)، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١، ١٦٨/٢ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. وينظر الناسخ
والمنسوخ للنحاس ص ١٠٥.

٣٧٤
سورة البقرة : الآية ١٠٤
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازِىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا
سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى المنُتَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْم، قال : ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه .
وقال آخرون: تأويلُه : أَرْعِنا سمْعَك. أىْ: اسْمَعْ مِنَّا ونسمَعَ منك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
أبى محمدٍ، عن عكرمةً، أو عن سعيدِ بنِ مُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه :
رَعِنَا﴾. أى: أَرْعِنا سمْعَك(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو (٢) ، قال : ثنا أبو عاصمٍ ، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى
تَجيحِ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ
رَعِنَا﴾. لا تقولوا: اسمعْ منَّا ونَسْمَعَ منك(٢).
وحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أُخبرَنا عُبَيْدُ بنُ
سليمانَ ، قال: سمِعتُ الضََّّاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿ رَعِنَا﴾. قال: كان الرجلُ
مِن المشركين يقول : أَرْعِنِى سمْعَك .
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أْلِه نهَى اللَّهُ المؤمنين أن يقولوا :
(١) سيرة ابن هشام ٥٦٠/١ .
(٢) فى الأصل: ((عمر)).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى المصنف.

٣٧٥
سورة البقرة : الآية ١٠٤
راعِنا ؛ فقال بعضُهم: هى كلمةٌ كانت اليهودُ تقولُها على وجْهِ الاستهزاءِ
والسبّ (١)، فنهَى اللَّه تعالى ذكرُه المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبيّ عَلَه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ يَأَتُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾: قولٌ كانت [٢/٤و] تقولُه اليهودُ استهزاءً،
فرجَر اللَّهُ المؤمنين أن يقولوا كقولهم(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبْرِىُّ، عن فُضَيْلِ بنِ
مرزوقٍ، عن عطيةً: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾. قال: كان أناسٌ مِن اليهودِ يقولون :
أرْعِنا سمْعَك. حتى قالها أناسٌ مِن المسلمين، فكرِهِ اللَّهُ لهم ما قالت اليهودُ ، فقال:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾. كما قالت اليهودُ والتصارَى(٤).
/ حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ فى قوله: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾. قال: كانوا يقولون: راعِنا
سْعَك. فكان اليهودُ يأتون فيقولون مثلَ ذلك مستهْزِئين، فقال اللَّهُ: ﴿لَا تَقُولُواْ
رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾(٥).
٤٧٠/١
ومحُدِّثتُ عن المِنْجابِ ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ ،
٠.
(١) فى م: ((المسبة)).
(٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى المصنف وعبد بن حميد وأبى نعيم فى الدلائل.
(٣) فى الأصل: ((فضل)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٥/٢٣.
(٤) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٧/١، ٩٦٦/٣ عقب الأثر (١٠٣٨، ٥٣٩٨) معلقًا عن عطية،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى المصنف وأبى نعيم فى الدلائل.
(٥) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٤. وينظر ما سيأتى فى ١٠٧/٧ .

٣٧٦
سورة البقرة : الآية ١٠٤
عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾. قال: كانوا يقولون للنبيّ عَ لَّه:
راعِنا سمعَك. وإنما ﴿ رَعِنَا﴾ كقولك: عاطِنا (١).
:
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله:
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ قال: ﴿رَعِنَا﴾
القولُ الذى قاله القومُ؛ قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا
بِأَلْسِنَئِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]. قال: قال: هذا الراعِنُ - والراعِنُ
الخطأ(٢) - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطأً(٤) كما قال القومُ، وقولوا: انظُرْنا
واسْمَعوا. قال: كانوا يَنْظُرُون إلى النبيِّ عَلَه ويُكَلِّمونه ويَسْمَعُ منهم، ويسألونه
ويُچِیبُهم .
وقال آخرون: بل هى كلمةٌ كانت الأنصارُ فى الجاهليّةِ تقولُها ، فنهاهم اللَّهُ فى
الإسلام أن يقولوها لنبيّه من الله .
ذکر مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ(٥)،
عن عطاءٍ فى قوله: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ قال: كانت لغةً فى الأنصارِ فى
الجاهليّةِ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾ ولكن ﴿ وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾ إِلى
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٦/١، ٩٦٦/٣ (١٠٣٨، ٥٣٩٨)، والطبرانى فى الكبير
(١٢٦٥٩) من طريق المنجاب به. وينظر الدلائل لأبى نعيم ص ٤٤ (٦)، والفتح ١٦٣/٨.
(٢) فى الأصل: ((أبو)).
(٣) فى م: ((الخطاء)).
(٤) فى م: ((خطاء)) .
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((الرزاق)).

٣٧٧
سورة البقرة : الآية ١٠٤
آخرِ الآيةِ(١).
(١)
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن عبدِ الملكِ ،
عن عطاءٍ: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾. قال: كانت لغةً فى الأنصارِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه .
وحدَّثنى المتُنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قوله: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾. قال: إن مُشرِكى العربِ
كانوا إذا حدَّث بعضُهم بعضًا يقولُ أحدُهم لصاحبِه: أرْعِنِى سْعَك. [٢/٤ ظ] فَنُهُوا
(٢)
عن ذلك(٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنَى حَجَّاجٌ، قال: قال
ابنُ جُرَيْجِ: ﴿رَعِنَا﴾ قولُ الساخِرِ، فَتَهاهم أن يَسْخَروا مِن قولٍ
محمد اتهم .
وقال بعضُهم : بل كان ذلك كلامَ يهودىٌّ مِن اليهودِ بعينه ، يقال له : رفاعةُ بنُ
زيدٍ. كان يُكَلِّمُ النبىَّ ◌َِّ به(١) على وجْهِ السَّبِّ له، وكان المسلمون أخذوا عنه
ذلك، فنهَى اللَّهُ المؤمنين عن قِيلِه للنبىِّ عَلَّه .
/ ذكر من قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدِّىِّ: ﴿ يَأَيُّهَا
٤٧١/١
(١) أخرجه النحاس فى ناسخه ص١٠٤ من طريق هشيم به، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٧/١
(١٠٣٩) من طريق عبد الملك به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٩٧/١ عقب الأثر (١٠٣٨) من طريق أبى جعفر به.
(٣) سقط من : الأصل.

٣٧٨
سورة البقرة : الآية ١٠٤
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا﴾: كان رجلًا مِن اليهودِ، مِن
قبيلةٍ مِن اليهودِ يقالُ لهم: بنو قَئِنُقَاعَ. كان يُدْعَى رفاعةً بنَ زيدِ بنِ السائبِ - قال
أبو جعفرٍ: هذا خطأ، إنما هو ابنُ التابوتِ، ليس ابنَ السائبِ - كان يأتى
النبىَّ ◌َّهِ، فإذا لِيَّه فَكلَّمَه فقال: أَرْعِنِى سمْعَك، واسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ. فكان
المسلمون يَحْسَبون أن الأنبياءَ كانت تُفَخَّمُ (١) بهذا، فكان ناسٌ منهم يقولون : اسمعْ
غيرَ مُشْمَعٍ. كقولك: اسمعْ غيرَ صاغرٍ. هى(٢) التى فى ((النساءِ)): ﴿مِّنَ الَّذِينَ
هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَِنَا
لَيَّا بِاَلْسِنَئِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦]. يقولُ: إنما يُرِيدُ بقوله طَعْنًا فِى الدّينِ. ثم تقدَّم إلى
المؤمنين فقال: ﴿لَا تَقُولُواْ رَعِنَا﴾().
والصوابُ مِن القولِ فى نهى اللَّهِ جلَّ ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيّه :
﴿ رَعِنَا﴾ أن يقالَ: إنها كلمةٌ كرِهها اللَّهُ لهم أن يقولوها لنبيّه عَلّهِ، نظيرَ الذى
ذُكِر عن النبيِّ ◌َِّ أنه قال: ((لا تَقُولُوا للعِنَبِ الكَوْمَ، ولكن قولوا الحَبَلَةَ))(٤). و((لا
تَقُولُوا عَبْدِى، ولكِنْ قُولُوا فَتَاىَ ))(٥) .
وما أشبه ذلك مِن الكلمتينِ اللَّتينِ تكونان مستعمَلتين بمعنى واحدٍ فى كلامٍ
العربِ، فتأتى الكراهةُ أو النهىُ باستعمالِ إحداهما، واختيارِ الأُخْرَى عليها فى
المخاطَباتِ .
(١) فى الأصل، ت ٢، ت ٣: ((تعجم).
(٢) فى م: ((وهى).
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٠٤/١ إلى المصنف وابن المنذر، وينظر تفسير ابن كثير ٢١٤/١.
(٤) أخرجه الدارمى ١١٨/٢، ومسلم (٢٢٤٨) من حديث وائل بن حجر، وأخرجه البخارى (٦١٨٢)،
ومسلم (٢٢٤٧)، وغيرهما من حديث أبى هريرة، دون قوله: ((ولكن قولوا الحبلة)).
(٥) أخرجه البخارى (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩) من حديث أبى هريرة نحوه .

٣٧٩
سورة البقرة : الآية ١٠٤
فإن قال (١) قائلٌ: فإِنَّا قد علِمْنا معنى نَهْىِ النبىِّ عَلَّه فى العِنَبِ أن يقال له :
كَوْمٌ. وفى العبدِ أن يقال له: عبدٌ. فما المعنى فى قوله: ﴿رَعِنَا﴾. حينئذٍ الذى
مِن أجلِه كان النهىُ مِن اللَّهِ جل ثناؤه المؤمنين عن أن يقولوه ، حتى أمَرَهم أن يُؤْثِروا
قولَهم(٢): ﴿أَنْظُرْنَا﴾ عليه(٣)؟
قيل: الذى فيه مِن ذلك نظيرُ الذى فى قولِ القائلِ: الكَرْمُ . للعنبِ،
و: العبدُ. للمملوكِ. وذلك أن قولَ القائلِ: عبدٌ. ( صفةُ جميع" عبادِ اللَّهِ، فکرِه
النبىُّ عََّّهِ أَن يُضَافَ بعضُ عبادِ اللَّهِ - بمعنى [٣/٤و] المعبودِ(٥) - إلى غيرِ (١) اللَّهِ، وأمَر
أَنَ يُضَافَ ذلك إلى غيرِهِ ، بغيرِ المعنى الذى يُضافُ إلى اللَّهِ عز وجلَّ، فيقال: (( فتى
اللَّهِ) . وكذلك وجهُ نهيِهِ فى العنبِ أن يقال لها: كَوْمٌ. («لأن الكَوْمَ مصدرٌ من
كرَم كرمًاً، وإن كانت راؤُها (٣) مُسَكّنةً، فإن العربَ قد تُسَكِّنُ بعضَ الحركاتِ
إذا تتابعت على "نوع واحدٍ)، فَكرِه أن يُوصفَ(١٠) بذلك العنبُ. فكذلك نھَى
اللَّهُ عزَّ وجلَّ المؤمنين أن يقولوا: راعِنا. لما كان قولُ القائل: راعِنا. محتمِلًا أن يكونَ
بمعنى : احْفَظْنا ونَحْفَظَك، وازْقُبنا ونَرْقُبَّك . مِن قولِ العربِ بعضِهم لبعضٍ : رعاك
(١) بعده فى م: ((لنا)).
(٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قوله)).
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لجميع)).
(٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((العبودية)).
(٦) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٧ - ٧) فى م: ((فتاى)).
(٨ - ٨) سقط من: ت ١، ت ٢، ت ٣، وفى م: ((خوفًا من توهم وصفه بالكرم)).
(٩ - ٩) فى الأصل ك ((تنوع واحدة)) .
(١٠) فى م: ((يتصف)).

٣٨٠
سورة البقرة : الآية ١٠٤
اللَّهُ. بمعنى: حفِظك اللَّهُ وكَلَك. ومحتمِلًا أن يكونَ بمعنى: أَرْعِنا سمْعَك. مِن
قولهم: أَرْعَيتُ به (١) سمعِى إرعاءً. أو: راعَيْتُه سمعِى رِعاءً أو مُراعاةً . بمعنى: فرَّغْتُه
لسماعٍ كلامِه. كما قال الأَعْشى ميمونُ بنُ قيسٍ (٢) :
يُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرِّجالِ إِذَا أَبْدَوْا لهُ الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا
يعنى بقولِهِ يُرْعِى: يُصْغِى سمعَه إليه مُفَرِّغَه لذلك .
وكأنَّ اللَّهَ جل ثناؤه قد أمَر المؤمنين بتوقيرٍ نبيِّه ◌ِ له وتعظيمِه، حتى نهاهم جلّ
٤٧٢/١ ذكرُه / فيما نهاهم عنه ، عن رفع أصواتهم فوقَ صوتِه ، وأن يَجْهَرُوا له بالقولِ کجَهْرِ
بعضِهم لبعضٍ، وخوَّفَهم على ذلك حبوطَ أعمالِهم ، تقدَّمُ إليهم بالزجرِ لهم عن
أن يقولُوا له من القولِ ما فيه جَفَاءٌ، وأمَّهم أن يَتَخَيَّرُوا لخطابِهِ من الألفاظِ أحسنَها ،
ومن المعانى أَرَقَّها، فكان من ذلك قولُهم: ﴿ رَعِنَا﴾. لما فيه(٤) احتمالُ معنى :
ارْعَنا نَرْعَك . إذ كانت المفاعلةُ لا تكونُ إلا مِن اثنين، كما يقولُ القائلُ: عاطِنا
وحادِثْنا وجالِسْنا. بمعنى : افعَلْ بنا نَفْعَلْ بك. ومعنى: أَزْعِنا سمعَك حتى نَفهمَك
وتَفهمَ عنا. فتَهَى اللَّهُ تعالى ذكرُه أصحابَ محمدٍ أن يقولوا ذلك كذلك،
وأمرَهم (٥) أن يُفْرِدُوا مسألَتَه بانتظارِهم وإمهالِهم؛ ليَعْقِلوا عنه، بتَبْجِيلٍ منهم له
وتعظيم، وألّا يَسألُوه ما سألوه من ذلك على وجهِ الجَفَاءِ والنَّجَهُّم منهم له، ولا
بالفظاظةِ والغِلْظةِ، تَشْبيهًا منهم باليهودٍ فى خطابِهِم نبيَّ اللَّهِ عَِّ بقولهم له:
﴿وَأُسَمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا﴾ [النساء: ٤٦]. يَدُلُّ على صحةِ ما قُلْنا فى ذلك قولُه:
(١) سقط من: م.
:) ديوانه ص ٠١٠٩
:١ م: «فقدم" رقى ت ١: ( يقدم.
بعلم في م:٠٤.٠٧