النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة البقرة : الآيتان ٩٧، ٩٨
إذا سمِع القرآنَ حفِظه ووعاهُ(١) ، وانْتَفَع به، واطْمَأَنَّ إليه، وصدَّق بموعودِ اللهِ الذى
وعَد فیه، و کان علی یقین مِن ذلك(٢) .
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَيْهِ، وَرُسُلِهِ.
٩٨
وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ(٢) فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه (+عن عداوته" مَن عاداه وعادَى جميعَ ملائكته
ورسلِه ، وإعلامٌ منه أن مَن عادَى جبريلَ فقد عاداه وعادَی میکائيلَ، وعادی جمیعَ
ملائكتِه ورسلِه؛ لأنَّ الذين سمَّاهم اللهُ فى هذه الآيةِ هم أولياءُ اللهِ وأهلُ طاعتِه ،
ومَن عادَى للهِ وَلِيًّا فقد عادَى اللهَ وبارَزه بالمحاربةِ ، ومن عادَى اللهَ فقد عادَى جميعَ
أهلِ طاعتِه وولايتِهِ؛ لأَنَّ العدوَّ للهِ عدوٌّ أوليائِه، والعدوَّ لأوليائِه عدوٍّ له. فلذلك(٥)
قال اللهُ تعالى ذكرُه لليهودِ الذين قالوا : إنَّ جبريلَ عدُّنا مِن الملائكةِ، وميكائيلَ
وليّنا منهم: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ
عَدُوٌّ لِلْكَفِينَ﴾. مِن أجلِ أَنَّ عدوًّ جبريلَ عدوٌّ كلٌّ ولىٍّ للهِ ، فأخبرَهم جلَّ ثناؤه
أنَّ مَن كان عدوًّا لجبريلَ، فهو لكلِّ مَن ذكَرَه؛ مِن ملائكتِهِ ورسلِه وميكائيلَ،
عدوٌّ، وكذلك عدوُ بعضِ رسلِ اللهِ عدوٌّ للهِ ولكلِّ وليّ للهِ(٢).
وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ - یعنی
العَتَكىَّ - عن رجلٍ مِن قريشٍ، قال: سأل النبيُّ عَ الِ اليهودَ فقال: ((أُسْألُكم
(١) فى م: ((ورعاه)).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨١/١ (٩٥٩) من طريق يزيد به.
(٣) فى الأصل: ((ميكائل))، وهى قراءة نافع. السبعة لابن مجاهد ص ١٦٦.
(٤ - ٤) فى م: ((من كان عدو لله)).
(٥) فى م: ((فكذلك)).
(٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٣٠٢
سورة البقرة : الآية ٩٨
بكتابِكم الذى تَقْرَءُونَ ، هل تَجِدُونى(١) قد بشّر بى عيسى أن يَأْتِيَكم رسولٌ اسمُه
أحمدُ؟)) فقالوا: اللهمَّ نعم(١)، وجَدْناك فى كتابِنا، ولكنَّ كرِهْناك لأَنَّك تَسْتَحِلٌ
الأموالَ وتُهَرِيقُ الدِّماءَ. فَأَنزَل اللهُ: [٥٦٠/٣] ﴿ مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَّبِكَتِهِ
وَرُسُلِهِ﴾. الآية (٣).
وحدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُّ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن حصينِ بنِ
عبدِ الرحمنِ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى ، قال: إِنَّ يهوديًّا لقِى عمرَ فقال له : إنَّ
جبريلَ الذى يَذْكُرُه صاحبُك هو عدوٌّ لنا. فقال له عمرُ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ
وَمَلَّبِكَيْهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾. قال:
فنزَلتْ(٤) على لسانٍ عمرٌ().
وهذا الخبرُ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه أنزَل هذه الآيةَ توبيخًا لليهودِ فی
کفرهم بمحمد پاے ، وإخبارًا منه لهم أن من كان لمحمد ێ عدوًّا فاللهُ له عدوٌّ ،
وأنَّ عدوًّ محمدٍ عَّهِ مِن الناسِ كلِّهم مِن الكافرين باللهِ الجاحدين آياتِه .
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس جبريلُ وميكائيلُ مِن الملائكةِ؟ قيل: بلى . فإن قال :
فما معنى تَكريرِ ذِكرِهما بأسمائهما وقد مضَى ذِكرُهما فى الآيةِ فى جملةٍ أسماءٍ
الملائكة ؟ قيل : معنی إفرادٍ ذ کرِهما بأسمائهما أن اليهود لمّاً قالت : جبريلُ عدُّنا
وميكائيلُ ولينا. وزعَمتْ أنَّها تَكْفُرُ(١) بمحمدٍ عٍَّ مِن أجلٍ أن جبريلَ صاحبُ
محمدٍ عَِّ، أعلَمهم اللهُ أن من كان لجبريلَ عدوًّا، فإنَّ اللهَ له عدوٌّ، وأنَّه مِن
(١) فى م: ((تجدون به)) وفى ت ١، ت ٢: ((تجدونه))، وفى ت ٣: ((تجدون)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩١/١ إلى المصنف.
(٤) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فنزل)).
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٢/١ (٩٦١) من طريق أبى جعفر به.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كفرت)).

٣٠٣
سورة البقرة : الآية ٩٨
الكافرين. فنصَّ عليه باسمِه وعلى ميكائيلَ باسمِه ، لئلا يقولَ منهم قائلٌ: إنما قال
اللهُ: مَن كان عدوًّا للهِ وملائكتِهِ ورسلِه. ولسنا للهِ ولا لملائكتِهِ ورسلِه بأعداءٍ؛ لأنَّ
الملائكةَ اسمٌ عامّ يَحتَمِلُ خاصًّا، وجبريلُ / وميكائيلُ غيرُ داخِلَينْ فيه. وكذلك ٤٤٠/١
قولُه : ﴿ وَرُسُلِهِ، ﴾ . فلست یا محمدُ بداخلٍ فیھم . فنصَّ اللهُ تعالى ذكرُه على
أسماءِ مَن زعَموا أنَّهم أعداؤه بأعيانِهم؛ ليقطَعَ بذلك تلبيسَهم على أهلِ الضعفِ
منهم، ويَحْسِمَ تمويهَهم أمورَهم على المنافقين .
وأما إظهارُ اسمِ اللهِ فى قولِه: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾. وتكريرُه
فيه - وقد ابتَدَأْ أوَّلَ الخبرِ بذكرِه فقال: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَتَّبِكَتِهِ﴾ - فإرادةٌ
نَفْىِ الشكُّ عن سامع ذلك أن الذى هو عدوٌّ من عادَى جبريلَ أو ملائكته أو رسلَه ،
اللهُ جلَّ ثناؤُه٢١ُ، ولئلّ يلتبِسَ - لو ظهَر ذلك بكنايةٍ ، فقيل: فإنه عدوٌّ للكافرين -
على سامِعِهِ - مَن المعنىُ بالهاءِ التى فى قولِه (١): فإِنَّه. آللَّهُ(١)، أم جبريلُ، أم
ميكائيلُ؟ إذ لو جاء ذلك بكنايةٍ على ما وصَفْنا - فإنه - لالتَبَس (١ معنى ذلك على
مَن لم يُوقَّفْ على المعنىِّ بذلك؛ لاحتمالِ الكلام ما وصَفتُ .
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجّهُ ذلك إلى نحوِ قولِ الشاعرٍ () :
كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ(٧
ليت الغرابَ غداةً يَنْعَبُ دَائِبًا (٦)
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) بعده فى م: ((أم رسل الله جل ثناؤه)) .
(٤) فى م: ((يلتبس)).
(٥) هو جرير بن عطية. والبيت فى ديوانه ١٣٦/١.
(٦) فی الدیوان: ((بالنوى)).
(٧) الوَدَج : عرق فى العنق، وهما ودجان. تاج العروس (ود ج).

٣٠٤
سورة البقرة : الآيتان ٩٨، ٩٩
[٦٠/٣ ظ] وأنه إظهارُ الاسم الذى حظُّه الكنايةُ عنه.
والأمر فى ذلك بخلاف ما قال؛ وذلك أن الغرابَ الثانی لو كان مَكْنًا عنه لما
التبسَ على أحدٍ يعقِلُ كلامَ العربِ أنه كنايةُ اسم الغرابِ الأولِ؛ إذ كان لا شىءٍ قبلَه
يحتملُ الكلامُ أن يوجّة إليه غيرُ كنايةٍ اسم الغرابِ الأُولِ، وأنَّ قبلَ (١) قوله: ﴿فَإِنَّ
اَللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ﴾. أسماءُ(١) لو جاء اسمُ اللهِ تعالى ذكرُه مكنيًّا عنه، لم يُعْلَمْ مَن
المقصودُ إليه بكتابة الاسم إلا بتوقيفٍ مِن حجةٍ ، فلذلك اختلف أمراهما .
القولُ فى تأويلٍ قوله: ﴿ وَلَقَّدْ أَنزَلْنَآَ إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍّ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَقَّدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. أى: أُنزَلنا
إليك يا محمدُ علاماتٍ واضحاتٍ دالَّاتٍ على نُبُوَّتِك ، وتلك الآياتُ هى ما حَواه
كتابُ اللهِ الذى أنزله إلى محمدٍ عَّهِ مِن خَفايا علومِ اليهودِ ، ومَكنونِ سرائرٍ أخبارِهم
وأخبارِ ) أوائلِهِم مِن بنى إسرائيلَ، والنباً عما تضمّنتْه كتبُهم التى لم يكنْ يعلمُها إلا
أحبارُهم وعلماؤهم، وما حرَّفه أوائلُهم وأواخرُهم وبدَّلوه مِن أحكامِهم التى كانت
فى التوراةٍ ، فأطلَع اللهُ تعالى ذكرُه فى كتابِهِ الذى أنزله إلى نبيّه محمدٍ سَّهِ ، فكان
فى ذلك مِن أمرِه الآياتُ البيناتُ لَمن أَنصَف نفسَه، ولم يدْعُه إلى إهلاكِها الحسدُ
والبغىُ ؛ إذ كان فى فطرةِ كلِّ ذى فِطرةٍ صحيحةٍ تصديقُ مَن أتَى بمثلِ الذى أُتَى به
محمدٌ عَظِّمِ مِن الآياتِ البيناتِ التى وصفتُ، عن غيرِ تعلَّم تعلَّمه مِن بشرىِّ(٤)،
ولا أخذِ شىءٍ منه عن آدمئٍّ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ .
(١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قيل)).
(٢) فى م: ((اسما)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((أحبارهم وأحبار)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بشر).

٣٠٥
سورة البقرة : الآية ٩٩
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال : ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أُبی
رَوْقٍ ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيْنَتٍ﴾ .
يقولُ: فأنت تَتلوه عليهم وتُخبرُهم به غُدوةً وعشيةً وبينَ ذلك، وأنت عندَهم أمىٌّ
لم تقرأ كتابًا ، وأنت تُخبرُهم بما فی أیدیھم علی وجهه، يقول اللهُ: ففى ذلك لهم
عبرةٌ وبيانٌ ، وعليهم حجةٌ لو كانوا يعلمون(١).
٤٤١/١
/ وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال : ثنا ابنُ إسحاقَ ، قال: حدّثنی
محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن عكرمةَ مولی ابنِ عباسٍ ، أو(١) عن
سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ابنُ صُورِيَا " الفِطْيَوْنى) لرسولِ اللهِ
عَّمِ: يا محمدُ، ما جئتنا بشىءٍ نعرِفُه، وما أَنزَل اللهُ عليك مِن آيةٍ بينةٍ فَتَتَّبِعَك
لها(٥) . فأنزل اللهُ " فى ذلك من قولِه): ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآَ [٦١/٣و] إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَةٍّ
وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ﴾(١).
(١) فى الأصل: ((يعقلون)).
والأثر ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٢، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٤/١ إلى المصنف.
(٢) فی م، ت ٢: ((و)).
(٣ - ٣) فى سيرة ابن هشام ٥٤٨/١: ((أبو صلوبا))، وفى نسختين منها: ((ابن صلوبا)).
وقد ذكر ابن إسحاق - كما فى سيرة ابن هشام ٥١٤/١ - الأعداء من بنى النضير فقال: ومن
بنى ثعلبة بن الفطيون ؛ عبد الله بن صوريا الأعور، ولم يكن بالحجاز فى زمانه أحد أعلم بالتوراة منه،
وابن صلوبا ...
(٤) فى م، ت ٢: ((القطيونى)). بالقاف. وضبط فى الأصل: ((الفَطْيُونى)). والمثبت موافق لما فى المعرب
ص ٢٩٣، والروض الأنف ٣٩٧/٤ حيث ذكراه: الفِطْيَوْن، وضبطه فى الجمهرة ٣/ ١١١: الفِطُيُون.
وقال السهيلى : والفطيون كلمة عبرانية، وهى عبارة عن كل من ولى أمر اليهود وملكهم.
(٥) فى م: (( بها)).
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧) سيرة ابن هشام ٥٤٨/١ .
( تفسير الطبرى ٢٠/٢ )

٣٠٦
سورة البقرة : الآيتان ٩٩، ١٠٠
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ ، قال: ثنا محمدُ بنُّ إسحاقَ ،
قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ
ابنُ جبيرٍ أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال ابنُ صُورِيا لرسولِ اللهِ عَلَه .
فذكر مثله(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَسِقُونَ
44.
يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾: وما يجحَدُ بها . وقد دلَّلنا فيما
مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى الكفرِ الجحودُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا(١) ،
وكذلك بيِّنا معنى الفِسْقِ، وأنه الخروج من(٣) الشىءٍ إلى غيرِهِ(٤).
فتأويلُ الآيةِ: ولقد أنزلنا إليكَ - فيما أوحينا إليك مِن الكتابِ - علاماتٍ
واضحاتٍ، تُبيِّنُ لعلماءِ بنى إسرائيلَ وأحبارِهم، الجاحدين نبؤَّتَك والمكذِّبين
رسالتك، أنك لى إليهم رسولٌ مُؤْسَلٌ، ونبىٌ مبعوثٌ، وما يجْحَدُ تلك الآياتِ
الدالَّاتِ على صدقِك ونبوَّتِك ، التى أَنزَلتُها إليك فى كتابى، فيكذِّبَ بها منهم ، إلا
الخارجُ منهم مِن دينِهِ ، التاركُ منهم فرائضى عليه فى الكتابِ الذى يَدينُ بتصديقِه ،
فأما المتمسكُ منهم بدينِه والمتَّعُ منهم حكمَ كتابِه ، فإنه بالذى أُنزَلتُ إليك مِن آیاتی
مصدِّقٌ، وهم الذين كانوا آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسوله محمدًا څچلِّ مِن یھودِ بنی
إسرائيلَ .
:
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣/١ (٩٧٠) من طريق يونس بن بكير به .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٦٢/١.
(٣) فى م: ((عن)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ١/ ٤٣٤.

٣٠٧
سورة البقرة : الآية ١٠٠
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
اختلف أهلُ العربيةِ فى حكم الواوِ التى فى قوله: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَهَدُواْ﴾؛
فقال بعضُ نحوِّى البصريين هى واوٌ تُجعَلُ مع حروفِ الاستفهامِ، وهى مثلُ الفاءِ فى
قوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَ نَهْوَىَ أَنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧]. قال: وهما
زائدتان فى هذا الوجهِ، وهى مثلُ الغاءِ التى فى قوله: أفاللهِ(١) لتصنَعنَّ كذا وكذا.
وكقولِك للرجلِ: أفلا تقومُ؟ قال (١) : وإن شئتَ جعلتَ الواوَ والفاءَ هلهنا حرفَ
عطف .
وقال بعضُ نحوِّى الكوفيّينَ: هى حرفُ عطفٍ أدخِل عليها ألِفُ (٣)
الاستفهامِ .
والصوابُ عندى فى ذلك مِن القولِ أنها واؤُ عطفٍ أُدخِلت عليها ألفُ
الاستفهام، كأنه قال جلّ ذكرُه : وإذا أَخَذْنا ميثاقكم ورفَعنا فوقَكم الطورَ، خذوا ما
آتيناكم بقوةٍ واسمَعوا، قالوا: سمِعنا وعصَينا. [٦١/٣ظ] وكلما عاهَدوا عهدًا
نَذْه فريقٌ منهم. ثم أدخَل ألفَ الاستفهام على ((وكلما))، فقال: قالوا : سمِعْنا
وعصَينا . أوَكلَّما عاهدوا عهدًا نبَذْه فريقٌ منهم .
وقد بيَّنا فيما مضى أنه غير جائزٍ أن یکونَ فی کتابِ اللهِ حرفٌ / لا معنَی
له(٥) ، فأغنَى ذلك عن إعادةِ البيانِ على فسادٍ قولٍ مَن زعم أن الواوَ والفاءَ مِن قولِه :
٤٤٢/١
(١) فى م، ت ٢: ((فالله)).
(٢) سقط من: م، ت ٢.
(٣) فى م، ت ٢: ((حرف)).
(٤) فى م، ت ٢: ((أو)).
(٥) ينظر ما تقدم فى ٤٦٦/١ وما بعدها .

٣٠٨
سورة البقرة : الآية ١٠٠
أَوَكُلَّمَا﴾. و﴿ أَفَكُلَّمَا﴾. زائدتان لا معنَى لهما .
وأما العهدُ ، فإنه الميثاقُ الذى أعطَته بنو إسرائيلَ ربَّهم لَيعمَلُنَّ بما (١) فى التوراةِ
مرةً بعدَ أُخرى ، ثم نقَض بعضُهم ذلك مرةً بعدَ أخرى ، فوبّخهم جلّ ذکرُه بما كان
منهم من ذلك ، وعيّر به أبناءهم إذ سلكوا منهاجھم فی نقض (٢) ما کان جلَّ ذکرُه
أخَذ عليهم بالإيمانِ به مِن أمرٍ محمدٍ عَلِّ مِن العهدِ والميثاقِ، فكفَروا به (١) ،
وجحَدوا ما فى التوراةِ مِن نعتِه وصفتِه ، فقال تعالى ذكره : أوَ كلما عاهَد اليهودُ مِن
بنى إسرائيلَ ربَّهم عهدًا، وأوثَقُوه ميثاقًا ، نبذه فريقٌ منهم فترَكه ونقضه !
كما حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال:
حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولی زیدِ بنِ ثابتٍ ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ ، أو
عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال مالكُ بنُ الضَّيْفِ(٤) حينَ يُعِث رسولُ اللهِ عَمِ،
وذكَر لهم ما أُخِذ عليهم مِن الميثاقِ ، وما عهِد اللهُ إليهم فيه: واللهِ ما عهِد اللهُ إلينا فى
محمدٍ عَ لَمِ عَهدًا، وما أَخَذ له علينا ميثاقًا. فأنزل اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَكُلَّمَا
عَهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنی
محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى(١) زيد بن ثابتٍ، عن عكرمةَ مولی ابنِ عباسٍ، أو عن
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((بها)).
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((بعض)).
(٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٤) فى م، ت ٢، ت ٣، ونسخة من سيرة ابن هشام: ((الصيف))، وهما روايتان فيه .
(٥) سيرة ابن هشام ٥٤٧/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٣/١ (٩٧٣) من طريق يونس بن
بکير به .
(٦) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: ((آل))، وانظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٨٢.

٣٠٩
سورة البقرة : الآية ١٠٠
سعيد بن جبير، عن ابنِ عباسٍ مثلَه .
وأما ((الَّذُ)) فإن أصلَه فى كلامِ العربِ الطَّرْحُ، ولذلك قيل للملقوطِ :
المنبوذُ . لأنه مطروحٌ مرمىٌّ به، ومنه سمّى النبيذُ نبيذًا؛ لأنه زبيبٌ أو تمرٌ يُطْرَحُ فى
وعاءٍ، ثم يعالَجُ بما ◌ُولج به)، وأصلُه ((مفعولٌ)) صُرف إلى ((فعيلٍ))، أعنى أن
النبيذَ أَصلُه منبوذٌ ، ثم صُرِف إلى ((فعيل)) ، فقيل: نبيذٌ . کما قيل : کفِّ خضيبٌ ،
ولحيةٌ دهيٌ. بمعنى مخضوبةٍ ومدهونةٍ . يقالُ منه : نبَذتُه أُنْبِذُه نَبْذًا. كما قال أبو
الأسودِ الدُؤلئ(٢) :
كتَبْذِكَ نعلاً أُخلَقَتْ مِن نِعالِكا
نظرتَ إلى عُنوانِه فنبَذتَه
فمعنى قوله جلَّ ذكرُه: ﴿ نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ﴾ : طرَحه فريقٌ منهم ، فتركه
ورفضه ونقضه .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال : ثنا يزيدُ بنُ زريع، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ:
﴿َتَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ يقولُ : نقَضه فريقٌ منهم (١).
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه :
نَّبَدَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُمَّ﴾. قال: لم يكنْ فى [٦٢/٣و] الأرضِ عهدٌ يعاهِدون عليه إلا
نقَضُوه، ويعاهِدونَ اليومَ ويَنقُضون غدًا. قال: وفى قراءةِ عبدِ اللهِ : (نقَضه فريقٌ
(٤)
منهم ) .
(١ - ١) فى م: ((بالماء)).
(٢) فى م: ((الديلى))، وفى ت ٢، ت ٣: ((الديلمى)).
والبیت فی مجاز القرآن ٤٨/١، واللسان (خ ل ق، ع ن ن ).
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٤/١ (٩٧٥) من طريق يزيد به .
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٥/١ إلى المصنف، وقراءة ابن مسعود ذكرها ابن عطية فى المحرر الوجيز
٣٣٦/١، وأبو حيان فى البحر المحيط ٣٢٤/١.

٣١٠
سورة البقرة : الآية ١٠٠
والهاءُ التى فى قولِه: ﴿ نَّبَذَهُ﴾ مِن ذكرِ ((العهدِ))، فمعناه: أوَ كلما عاهدوا
عهدًا نبَذ ذلك العهدَ فريقٌ منهم !
و ((الفريقُ)) الجماعةُ، لا واحدَ له مِن لفظِهِ، بمنزلةِ الجيشِ والرهطِ الذى لا
واحدَ له مِن لفظه .
والهاءُ والميمُ اللتان فى قوله: ﴿ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾. مِن ذكرِ اليهودٍ مِن بنى
إسرائيلَ .
وأما قولُه: ﴿ بَلْ أَكْتَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ . فإنه یعنی جل ثناؤه : بل أكثرُ هؤلاءِ
الذين كلَّما عاهدوا اللهَ عهدًا(١) ووَاتَقُوه موثقًا، نقَضه فريقٌ منهم لا يؤمنون .
٤٤٣/١
ولذلك وجهان مِن التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ الكلامُ / دلالةً على الزيادةِ
والتكثيرِ فى عددِ المكذِّبين الناقِضين عهدَ اللهِ على عددِ الفريقِ، فيكونَ الكلامُ حينئذٍ
معناه: أوَ كلما عاهَدِتِ اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ ربَّها عهدًا نقَض فريقٌ منهم ذلك
العهدَ؟ لا ، ما ينقُضُ ذلك منهم فريقٌ ، ولكن الذى ينقُضُ ذلك فیکفُرُ باللهِ أ کثرُهم
لا القليلُ منهم . فهذا أحدُ وجهَيْه .
والوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: أوَ كلما عاهَدتِ اليهودُ ربَّها عهدًا نَبَذ ذلك
العهدَ فريقٌ منهم؟ لا ، ما ينبِذُ ذلك العهدَ فريقٌ منهم فينقُضُه، على الإيمانِ منهم
بأن ذلك غيرُ جائزٍ لهم، ولكنَّ أكثرَهم لا يصدِّقون باللهِ ورسلِهِ، ولا بوعده
ووعيده .
وقد دلَّْنا فيما مضَى مِن كتابنا هذا على معنى الإِيمانِ وأنه التصديقُ(٢).
(١) ليست فى : الأصل .
(٢) ينظر ما تقدم فى ١/ ٢٤١.

٣١١
سورة البقرة : الآية ١٠١
القولُ فى تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿ وَلَمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ
◌ِّمَا مَعَهُمْ نَذَ فَيٌِّ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ
١٠١
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ وَلَمَا جَآءَهُمْ﴾: ولمَّا جاء أحبارَ اليهودِ
وعلماءَها مِن بنى إسرائيل ﴿ رَسُولٌ﴾ يعنى بالرسولِ محمدًا عَلَّه.
كما حدَّثنى موسى بن هارون قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ :
﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ﴾. قال: لِمَّ جاءهم محمدٌ عَلَهٍ(١).
وأما قولُه: ﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾. فإنه يَعنى به أن محمدًا مِّهِ يُصدِّقُ
التوراةَ ، والتوراةُ تصدِّقُه فى أنه نبيٌّ للهِ مبعوثٌ إلى خلقِه .
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ فإِنه : للذِى(٢) هو مع اليهودِ، وهو التوراةُ.
فأخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن اليهودَ لَّ جاءهم رسولٌ(٤) مِن اللهِ بتصديقٍ ما فى أيديهم مِن
التوراةٍ ، بأن محمدًا عَ ◌ّه [٦٢/٣ظ] نبىٌّ للهِ؛ ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾. يعنى بذلك أنهم
جحدوه ورفَضوه بعد أن كانوا به مقرِّين ؛ حسدًا منهم له وبغيًا عليه .
وقولُه: ﴿مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ﴾. وهم علماءُ اليهودِ الذين أعطاهم اللهُ
العلمَ بالتوراةِ وما فيها . ويعنى بقولِه: ﴿كِتَبَ اللَّهِ﴾: التوراةَ. وبقولِه : نَذوه
وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾: جعَلوه وراء ظهورِهم. وهذا مثَلٌ ، يقالُ لكلِّ رافضٍ أمرًا
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٤/١ (٩٧٧) من طريق عمرو بن حماد به .
(٣) فى الأصل: ((الذى)).
(٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((رسول اللَّه عَّهِ)) .

٣١٢
سورة البقرة : الآية ١٠١
كان منه على بالٍ : قد جعَل فلانٌ هذا الأمرَ منه بظَهْرٍ ، وجعله وراء ظهره . يعنى به :
أعرَض عنه وصدَّ وانصرَف .
كما حدَّثنى موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَلَمَّا
جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيْقٌّ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ﴾. قال: لمّ جاءهم محمدٌ عَظ ◌ِّهِ عارضوه بالتوراةِ
فخاصَموه بها ، فاتَّفَقتِ التوراةُ والقرآنُ ، فنبذوا التوراةَ وأخذوا بكتابٍ آصَفَ وسخْرِ
هاروتَ وماروتَ، فذلك قولُ اللهِ : ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾(١).
ومعنى قوله: ﴿ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: كأنَّ هؤلاء الذين نبَذوا كتابَ اللهِ مِن
٤٤٤/١ علماءِ اليهودِ - فنقَضوا / عهدَ اللهِ بتركِهم العملَ بما واثَقوا الله على أنفسِهم العملَ به
مما" فيه - لا يعلمون ما فى التوراةِ مِن الأمر باتباع محمدٍ ﴾ وتصديقه . وهذا مِن
الله جلَّ ثناؤه إخبارٌ عنهم أنهم جحدوا الحقَّ على علم منهم به ومعرفةٍ ، وأنهم عانَدوا
أمرَ اللهِ فخالَفوه على علمٍ منهم بوجوبِه عليهم .
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَبَذَ
فَيْقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ ﴾. يقولُ: نقَضه فريقٌ مِن الذين أوتوا الكتابَ
﴿كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أى: أن القومَ قد(١) كانوا
يعلمون، ولكنهم أفسدوا علمهم وجحدوه وكتَموه وكفروا به ) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٤/١ (٩٧٧، ٩٧٩) من طريق عمرو بن حماد به .
(٢ - ٢) فى ت ٢، ت ٣، م: ((بما)).
(٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) فى م: ((جحدوا وكفروا وكتموا)).
والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥/١ (٩٨٠) من طريق يزيد به إلى قوله: وراء ظهورهم، وأخرج
بقيته (٩٨١)، من طريق شيبان النحوى ، عن قتادة .

٣١٣
سورة البقرة : الآية ١٠٢
القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَنَّ ﴾ .
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾. الفريقَ مِن أحبارٍ يهودَ
وعلمائِها الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم نبذوا كتابَه الذى أنزله إلى (١) موسى وراءَ
ظهورِهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالمٍون، كأنهم لا يعلمون ، فأخبَر عنهم
أنهم رفضوا كتابَه الذى [٦٣/٣و] يعلمون أنه تنزِيلٌ(١) مِن عنده على نبيّه موسى
صلواتُ اللهِ عليه٢، ونقَضوا عهدَه الذى أخَذه عليهم فى العملِ بما فيه، وآثَروا
السحرَ الذى تلَتْه الشياطينُ فى ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك
هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.
واختلف أهلُ التأويل فى الذين عُنوا بقولِه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى
مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ تبارك وتعالى بذلك اليهودَ الذين كانوا بينَ
ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ عَّه؛ لأنهم خاصَموا رسولَ اللهِ عَ لَّهِ بالتوراةِ ، فوجَدوا
التوراةَ للقرآنِ موافقةً ، تأمُرُ مِن اتباع محمدٍ عَ ◌ّهِ وتصديقِه بمثلِ الذى يأمُرُ به القرآنُ،
فخاصَموه بالكتبِ التى كان الناسُ اكتتَبوها مِن الكهنةِ على عهدٍ سليمانَ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا
تَثْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾(٤). قال: كانت الشياطينُ تصعَدُ إلى السماءِ
(١) فى م: ((على)).
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((منزل)).
(٣ - ٣) فى م، ت ٢، ت ٣: ((عَلٍّ).
(٤) بعده فى الأصل: ((على عهد سليمان)).

٣١٤
سورة البقرة : الآية ١٠٢
٤٤٥/١ فتقعُدُ منها / مقاعدَ للسمع، فيستمِعون مِن كلام الملائكة فيما يكونُ فى الأرض مِن
موتٍ أو غيثٍ (١) أو أمرٍ، فيأتون الكهنةَ فيُخبِرونهم ، فتحدِّثُ الكهنةُ الناسَ فيجِدونه
كما قالوا، حتى إذا أمِنَتْهم الكهنةُ كذَبوا لهم، فأدخَلوا فيه غيرَه، فزادُوا مع كلِّ
كلمةٍ سبعينَ كلمةً ، فاكتتَب الناسُ ذلك الحديثَ فى الكتبِ، وفَشا فى بنى
إسرائيلَ أن الجنَّ تعلَمُ الغيبَ ، فبعَث سليمانُ فى الناسِ فجمَع تلك الكتبَ ، فجعلها
فى صندوقٍ ، ثم دفَنها تحتَ كرسيّه، ولم يكنْ أحدٌ مِن الشياطينِ يستطيعُ أن يدنُوَ
مِن الكرسىّ إلا احتَرق، وقال: لا أسمَعُ أحدًا يذكُرُ أن الشياطينَ تعلَمُ الغيبَ إلا
ضرّبتُ عنقَه . فلما مات سليمانُ وذهَبتِ العلماءُ الذين كانوا يعرِفون أمرَ سليمانَ ،
وخلَف بعد ذلك خَلْفٌ ، تمثَّل شيطانٌ(٢) فى صورةٍ إنسانٍ، ثم أتَى نفرًا مِن بنى
إسرائيلَ فقال لهم(٢): هل أدلُّكم على كنزٍ لا تأكُلونه(٤) أبدًا؟ قالوا: نعم. قال :
فاحفِروا تحتَ الكرسىِّ، وذهَب معهم فأَراهم المكانَ ، وقام ناحيةٌ ، فقالوا له : فادْنُ .
قال: لا، ولكنِّى هلهنا فى أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلونى. فحفروا فوجَدوا تلك
الكتبَ، فلمَّا أُخرَجوها قال الشيطانُ : إِن سليمانَ إنما كان يضبُطُ الإِنسَ والشياطينَ
والطيرَ بهذا السحرِ. ثم طار فذهَب، وفَشا فى الناسِ أن سليمانَ كان ساحرًا ، واتَّخَذتْ
بنو إسرائيلَ تلك الكتبَ ، فلمَّا جاء محمدٌ خاصَموه بها ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿ وَمَا
كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ [٦٣/٣ظ] كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾(١).
(١) فى تفسير ابن أبى حاتم وابن كثير: ((غيب)).
(٢) فى م: (( الشيطان)).
(٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٤) أكل فلان عمرَه: إذا أفناه. تهذيب اللغة ٣٦٩/١٠. والمراد : لا يفنى.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٦/١ (٩٨٧) من طريق عمرو بن حماد به إلى قوله: ((إلا احترق))،
وذكره ابن كثير بتمامه فى تفسيره ١٩٤/١.

٣١٥
سورة البقرة : الآية ١٠٢
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ
فى قولِه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾. قال (١): إن اليهودَ سألوا
محمدًا عَّهِ زمانًا عن أمورٍ مِن التوراة، لا يسألونه عن شىءٍ مِن ذلك إلا أَنزَل اللهُ
عليه ما سألوا عنه فيخصِمُهم(٢) ، فلمَّا رأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلمُ بما أُنزِل إلينا منَّا .
وإنهم سألوه عن السحرِ وخاصَموه به ، فأنزل اللهُ: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى
مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السّحَرَ ﴾. وإن الشياطينَ عَمَدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السحر والكهانةَ وما شاء اللهُ
مِن ذلك ، فدفَنوه تحتَ مجلسٍ سليمانَ - وكان سليمانُ لا يعلَمُ الغيبَ - فلما فارَق
سليمانُ الدنيا استخرَجوا ذلك السحرَ، وخدَعوا به الناسَ وقالوا : هذا علمٌ كان
سليمانُ يكتُمُه ويحسُدُ الناسَ عليه. فأخبرَهم النبيُّ ◌َّهِ بهذا الحديثِ ، فرجَعوا مِن
عندِه وقد خَرُوا(٢) وأدخَض اللهُ حجتهم(٤).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ
مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾. قال: لمّ جاءهم رسولُ اللهِ مُصَدِّقًا لِما معهم
﴿ نَبَذَ فِيْقٌ مِّنَ الَّذِيْنَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ الآية. قال: اتَّبَعوا السحرَ، وهم أهلُ
الكتابِ . فقرَأ حتى بلَغ: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وقال آخرون : بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا على عهدٍ سليمانَ .
(١) فى م، ت ٢، ت ٣: ((قالوا)).
(٢) خصمه يخصمه خصمًا وخصومة : غلبه. تاج العروس (خ ص م ).
(٣) فى م، ت ٣: ((حزنوا))، وفى ت ٢: ((خزيوا)).
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٤، ١٩٥ عن الربيع. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٥/١ إلى
المصنف وابن أبى حاتم عن أبى العالية. وهو عند ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٦/١ (٩٨٥).

٣١٦
سورة البقرة : الآية ١٠٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال : قال ابنُ جريجٍ :
٤٤٦/١ تَلَتِ الشياطينُ / السخْرَ على اليهودِ على ملكِ سليمانَ ، فاتَّبَعتْه اليهودُ على ملكِه .
يعنى : اتَّبَعت السخْرَ على ملكِ سليمانَ .
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، قال : عمَدتِ
الشياطينُ حين عَرَفت موتَ سليمانَ بنِ داودَ عليه السلامُ ، فكتبوا أصنافَ السحرِ :
مَن كان يحبُّ أن يبلُغَ كذا وكذا، فليقُلْ(١) كذا وكذا. حتى إذا صنَّفوا (٢) أصنافَ
السخرِ، جعَلوه فى كتابٍ ثم ختَموا عليه بخاتَّم على نقشِ خاتم سليمانَ ، وكتبوا فى
عُنوانِه : هذا ما كتَب آصَفُ بنُّ بَرْخِيَا الصديقُ للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرٍ كنوزٍ
العلم. ثم دفنوه تحتَ كرسيّه. فاستَخرَجْه بعدَ ذلك بقايا بنى إسرائيلَ حين أحدثوا ما
أحدَثوا، فلما عثَرُوا عليه قالوا: "واللهِ ما كان سليمانُ بنُ داودَ إلا بهذا. فأفشَؤا
السحرَ فى الناسِ، [٦٤/٣و] وتعلَّموه وعلَّموه، فليس فى أحدٍ أكثرُ منه فى يهودَ، فلما
ذكَر رسولُ اللهِ عََّمِ - فيما نزَل عليه مِن اللهِ - سليمانَ بنَ داودَ، وعدَّه فى مَن عدَّه
مِن المرسلين، قال مَن كان بالمدينةِ مِن يهودَ: أَلَا تَعجبون لمحمدٍ ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ
كان نبيًّا ، واللهِ ما كان إلا ساحرًا. فأنزل اللهُ فى ذلك مِن قولِهم على محمدٍ :
﴿ وَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ "الآية().
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال:
حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ" عَلَى مُلْكِ
(١) فى م: ((فليفعل)).
(٢) فى م، ت ٢، ت ٣: ((صنعوا)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ٢، ت ٣.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٩٥/١. وهو فى سيرة ابن هشام ٥٤٤/١ مختصرًا .

٣١٧
سورة البقرة : الآية ١٠٢
سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُوا﴾. قال: كان حينَ ذهَب
مُلكُ سليمانَ ، ارتدَّ فِئامٌ(١) مِن الجنِّ والإنس واتّبَعُوا الشهواتِ، فلما رجَع اللهُ إلى
سليمانَ ملكه ، أقام(٢) الناسُ على الدِّينِ كما كان(٢)، وإن سليمانَ ظهَر على كتبهم
فدفَنها تحتَ كرسيّه، وتوِّى سليمانُ حِدْثانَ(٤) ذلك، فظهرت الجنّ والإنسُ على
الكتبِ بعدَ وفاةٍ سليمانَ ، وقالوا: هذا كتابٌ مِن اللهِ نزَل على سليمانَ أخفاه مِنَّا ؛
فأخَذوا به فجعَلوه دينًا ، فَأَنزَل اللهُ: ﴿ وَلَغَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ
لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيْقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ◌ُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ﴾. واتّبَعُوا "الشهواتِ التى كانتْ) تَتْلو الشياطينُ، وهى المعازفُ
واللعِبُ، وكلُّ شىءٍ يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ(٩) .
والصوابُ مِن القولِ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَبْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ
سُلَيْمَنَّ﴾. أن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه توبيخٌ لأحبارِ اليهودِ الذين أدرَكوا رسولَ
اللهِ ، فجحَدوا نبوَّتَه وهم يعلمون أنه للهِ رسولٌ مرسَلٌ ، وتأنيبٌ منه لهم فى رفْضِھم
تنزيلَه، وهجْرِهم العملَ به، وهو فى أيديهم يعلَمونه ويعرِفون أنه كتابُ اللهِ،
واتباعِهم واتباع أوائلِهم وأسلافِهم ما تَلَتْه الشياطينُ فى عهدٍ سليمانَ . وقد بيَّنا وجهَ
جوازِ إضافةِ أفعالِ أسلافِهم إليهم فيما مضى، فأغنَى ذلك عن إعادتِه فى هذا
(١) الفئام: الجماعة الكثيرة : اللسان (ف أم ).
(٢) فى م: ((قام))، وفى تفسير ابن أبى حاتم وابن كثير: ((وقام)).
(٣) فى م: ((كانوا)).
(٤) حدثان الأمر، بالکسر: أوله وابتداؤہ کحداثته. التاج (ح د ث).
(٥ - ٥) فى م، ت ٢، ت٣: ((ما).
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٥/١ (٩٨٤) عن محمد بن سعد به .

٣١٨
سورة البقرة : الآية ١٠٢
(١)
الموضِعِ().
وإنما اخترنا هذا التأويلَ ؛ لأن المتَّبِعَةَ ما تَلَتْه الشياطينُ فى عهدِ سليمانَ وبعدَه ،
إلى أن بعَث اللهُ نبيَّه بالحقِّ، " من السحرة لم تَزَلْ" فى اليهودِ ، ولا دلالةَ فى الآيةِ أن
اللهَ أراد بقوله: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ﴾. بعضًا منهم دونَ بعضٍ، إذ كان جائزًا فصيحًا فى
كلامِ العربِ إضافةُ ما وصَفنا مِن اتِباع أسلافِ المُخْبَرِ عنهم بقولِه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَثْلُواْ
الشَّيَطِینُ ﴾ . إلى أخلافهم بعدهم ، ولم یکن بخصوص ذلك عن رسولِ اللهِ ټله
أثر منقولٌ، ولا حجةٌ تدلَّ عليه، فكان الواجبُ [٦٤/٣ظ] مِن القولِ فى ذلك أن
يقالَ: كلٌّ مُتَّبِعِ ما تَلَنْه الشياطينُ على عهدِ سليمانَ مِن اليهودِ داخلٌ فى معنى الآيةِ .
على النحوِ الذى قلنا .
/ القولُ فى تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ
٤٤٧/١
ويعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿مَا تَثْلُوا﴾: الذى تَتلو. فتأويلُ الكلام إذن: واتَّعوا
الذى تَتلو الشياطينُ .
واختلف (٣أهلُ التأويل٣ِ) فى تأويل قوله: ﴿تَنْلُواْ﴾ ؛ فقال بعضُهم: يعنى
بقولِه: ﴿ تَثْلُواْ﴾: تُحدِّثُ وتَروِى وتتكلَّمُ به وتخيِرُ، نحوَ تلاوةِ الرجلِ القرآنَ ،
وهى قراءتُه . ووجَّه قائلو هذا القولِ تأويلَهم ذلك إلى أن الشياطينَ هى التى عَلَّمت
الناسَ السحرَ وَرَوَته لهم .
(١) ينظر ما تقدم فى ٦٤٢/١، ٦٤٣.
(٢ - ٢) فى م: ((وأمر السحر لم يزل)).
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٣١٩
سورة البقرة : الآية ١٠٢
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا أبو حذيفةَ ، قال : ثنا شبلٌ، عن عمرٍو بنِ
دينارٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَبْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾ .
قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مائتين
مثلَها، فأرسَل سليمانُ إلى ما كتبوا مِن ذلك(١) ، فلما توفِّى سليمانُ وجَدَتْه الشياطينُ
فعلَّمَته الناسَ، وهو السحرُ().
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ
مَا تَثْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ﴾. قال(١٢): مِن الكهانةِ والسحرِ. قال(٢): وذُكِر
لنا ، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعتْ كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه فى الناسٍ
وعلَّموهم إِيَّهُ(٤) .
وحدثنا القاسمُ، قال : ثنا الحسينُ ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ،
قال: قال لى عطاء: قولُه: ﴿ مَا تَثْلُواْ﴾. قال: نُراه ما تُحدِّثُ(٥).
وحدَّثنى سَلْمُ ١ بنُ جنادةَ السُّوائىُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ ، عن
المنهالِ ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلقت الشياطينُ فى الأيام التى
ابتلى فيها سليمانُ ، فكتبَتْ فيها كتبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىٍّ
(١) بعده فى م: ((فجمعه)).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١/ ١٩٥.
(٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٨٧/١ (٩٩٢) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة نحوه بزيادة فى أوله
ستأتى فى ص ٣٢٧، ٣٢٨.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٦/١ إلى المصنف.
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((سالم)).

٣٢٠٠
سورة البقرة : الآية ١٠٢
سليمانَ ، ثم أخرَجوها فقرَءوها على الناسِ (١) .
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿ مَا تَثْلُوا﴾: ما " تتَّبِعُ وتأتُّه) وتعمَلُ به.
ذکرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسينُ بنُ عمرو بنِ محمدِ العَنْقزىُّ ، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ ،
عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَثْلُواْ﴾. قال: تَبِعُ().
وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأُودىُّ، قال : ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ ، عن سفيانَ
الثوری ، [٦٥/٣ و] عن منصورٍ ، عن أبی رزينٍ مثلُه .
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين أخبر
عنهم أنهم اتَّبعوا ما تَتلوا الشياطينُ على عهدٍ سليمانَ ؛ باتباعِهم ما تَلَته الشياطينُ.
ولقولِ القائلِ: هو يتلو كذا . فى كلامِ العربِ معنيان: أحدُهما: الاتِّبَاعُ، كما يقالُ:
تَلوتُ فلانًا. إذا مشَيْتَ خلفَه وتبِعتَ أَثْرَه، كما قال جلَّ ثناؤه: (هُنالِك تَتْلُو(٥) كلُّ
نفسٍ ما أسلَفَتْ ) [يونس: ٣٠]. يعنى بذلك: تشَبعُ. والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما
يقالُ: فلانٌ يَتَلو القرآنَ . بمعنى أنه يقرَؤُه ويدرُسُه، كما قال حسانُ بنُّ ثابتٍ(٢) :
ويَتْلو كتابَ اللهِ فى كلِّ مَشهَدٍ
٤٤٨/١ / نَبِّ يَرى ما لا يَرى الناسُ حولَه
(١) سيأتى بتمامه فى ص ٣٢٣.
(٢ - ٢) فى م: (( تتبعه وترويه)).
(٣ - ٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((الحسن بن عمرو العبقرى)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٩٦/١ إلى المصنف.
(٥) فى م، ت ٣: ((تبلو)). وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وأبى عمرو وابن عامر. والمثبت قراءة حمزة
والكسائى . السبعة لابن مجاهد ص ٣٢٥.
(٦) دیوانه ص ٣٧٧.