النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة البقرة : الآية ٩٢
٩٢
اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ
يغْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ﴾ أى: جاءَكم
بالبيناتِ الدالةِ على صدقِه وحقيقةٍ (١) نبؤَّتِه، كالعصا التى تَحَوَّلَتْ ثعبانًا مُبينًا، ويدِه
التى أخرَجها بيضاءَ للناظِرِين، وفَلْقِ البحرِ، ومَصيرِ أرضِه له طريقًا يَبَسًا ، والجرادِ
والقُمَّلِ والضفادِعِ، وسائرِ الآياتِ التى بَّنَتْ صدقَه وحقيقةً (١) نبوَّتِه. وإنما سمّاها
اللهُ جلَّ ثناؤه بَّنَاتٍ ، لِتَبَيِّنِها للناظرِين إليها أنها مُعجزةٌ لا يَقْدِرُ على أن يَأْتِىَ بها بَشَرٌ
إلا بتسخيرِ اللهِ ذلك له، وإنما هى جمعُ بَيّنةٍ مثلَ طَيِّيةٍ وَطَيِّبَاتٍ .
ومعنى الكلام: ولقد جاءَكم يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ موسى بالآياتِ
البيّناتِ على(٢) أمرِه وصدقِه وحقيقةٍ (١) نبوته .
وقولُه: ﴿ ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِه﴾ يقولُ جل ثناؤه لهم: ثم اتَّخَذْتُم
العجلَ من بعدٍ موسى(٢) . فالهاءُ التى فى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ،﴾ من ذكرٍ موسى .
وإنما قال: من بعدٍ موسى ؛ لأنهم اتخَذُوا العجلَ من بعدِ أن فارَقَهم موسى ماضيًا إلى
ربِّه لموعدِه، على ما قد بَيّنّا فيما مضى من كتابنا هذا(٤) . وقد يجوزُ أن تكونَ الهاءُ
التى فى: ﴿ بَعْدِهِ﴾ من ذكرِ المجىءٍ، فيكونُ تأويلُ الكلام حينئذٍ: ولقد
جاءكم موسى بالبيناتِ ، ثم اتخذتمُ العجلَ من بعدِ مجىءٍ " موسى بالبيناتِ" وأنتم
ظالمون . كما تقولُ: جِئْتَى فَكَرِمْتُك(٧) . يَعْنى: فَكَرِهْتُ مجيئَك.
(١) فى م: ((حقية)).
(٢) زيادة من : م .
(٣) بعده فى م، ت١، ت ٢، ت ٣: ((إلها)).
(٤) ينظر ما تقدم فى ٦٦٨/١ وما بعدها .
(٥) فى م: ((إلى)).
(٦ - ٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((البينات)).
(٧) فى م، ت١، ت ٢، ت ٣: ((فكرهته)).

٢٦٢
سورة البقرة : الآيتان ٩٢، ٩٣
وأما قولُه: ﴿وَأَنتُمْ ظَلِمُونَ﴾ فإنه يَعنى بذلك أنكم فعلْتُم ما فعلْتُم من
عبادة العجلِ وليس ذلك لكم ، وعبَدْتُم غيرَ الذى كان يَنْتَغى لكم أن تَعْبُدُوه ؛ لأن
العبادةَ لا تَنْبَغِى لغيرِ اللهِ . وهذا تَوبيخٌ من اللهِ جل ثناؤه لليهودِ ، وتَغییرٌ منه لهم ،
وإخبارٌ منه لهم أنهم إذ كانوا قد١) فعلُوا ما فعلُوا من اتخاذِ العجل [٤٩/٣ و] إلهًا
وهو لا يَمْلِكُ لهم ضَرَّا ولا نفعًا، بعدَ الذى عَلِموا أن ربَّهم هو الربُّ الذى يَفْعَلُ من
الأعاجيبٍ وبدائع الأفعالِ ما أجْراه على يَدَىْ موسى صلواتُ اللهِ عليه، من الأمورِ
التى " عايَنُوها التى" لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ من خلقِ اللهِ ، ولم يَقْدِرْ عليها فرعونُ وجندُه
مع بطشِه وكثرةِ أتباعِه ، وقُوْبٍ عهدِهم بما عائِنُوا من عجائبٍ حكم اللهِ فيهم، فهم
٤٢٢/١ إلى تكذيبٍ محمدٍ عَلَه؛ / وجحودٍ ما فى كتبهم التى زعموا أنهم بها مؤْمِنون من
صفتِه ونعتِه ، مع بُعْدِ ما بينَهم وبين عهدِ موسى مِن المدةِ - أسرعُ ، وإلى التكذيبِ بما
جاءَهم به موسى مِن ذلك أقربُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُوَرَ
خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ﴾: واذْكُروا إِذْأَخَذْنا عُهودَ كم
بأن خُذوا ما آتيناكم مِن التوراةِ التى أَنْزَلتُها إليكم أن تَعْملوا بما فيها مِن أَمْرِى، وتَنْتهوا
عما نَهَيْتُكم فيها بجدِّ منكم فى ذلك ونشاطٍ ، فأعْطَيتم على العملِ بذلك ميثاقكم ،
إذ رفَعنا فوقَكم الجبلَ .
وأما قولُه: ﴿وَأَسْمَعُواْ﴾ فإن معناه: واسْمَعوا ما أمرتُكم به، وتَقَتَّلوه
بالطاعةِ. كقول الرجلِ للرجلِ يأمرُه بالأمرِ: سمِعتُ وأطعتُ. يعنى بذلك:
سمِعتُ قولك وأطَعتُ أمرَك. كما قال الراجِزُ(١) :
(١ - ١) فى م: ((إذا كانوا)).
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) ذكره المصنف فى تاريخه ٢٩٩/٥.

٢٦٣
سورة البقرة : الآية ٩٣
السَّمْعُ والطَّاعَةُ والتَّسْلِيمْ
خَيْرٌ وأعْفى لبَنِى تَمِيمْ
يعنى بقولِه : السمعُ: قبولُ ما تسْمعُ، والطاعةُ لما تُؤْمرُ. فكذلك معنى قولِه
وَأَسْمَعُواْ﴾ : اقْتَلُوا ما سمِعتم، واعْمَلوا به .
قال أبو جعفرٍ: فمعنى الآية إذن : وإذا أخَذْنا مِيثاقَكم أن خُذُوا ما آتينا كم بقوةٍ ،
واعْمَلوا بما سمِعتم، وأطيعوا اللهَ، ورفَعنا فوقَكم الطورَ مِن أجلٍ ذلك.
وأما قولُه: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا﴾ فإن الكلامَ خرَج مَخْرِجَ الخبرِ عن الغائبِ بعد أن
كان الابتداءُ بالخطابِ، وذلك ما وصَفنا مِن أن ابتداءَ الكلام إذا كان حكايةً ،
فالعربُ تُخاطِبُ فيه ثم تَعودُ فيه إلى الخبرِ عن الغائبِ، وتُخْبِرُ عن الغائبِ ثم
تُخاطِبُ ، كما قد بَيَّنا ذلك فيما مضى قبلُ . فكذلك ذلك فى هذه الآيةِ ؛ لأن قولَه
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ﴾ بمعنى: قُلْنا لكم فأجَبْتمونا. وأما قولُه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾
فإنه خبرٌ مِن اللهِ عن اليهودِ الذين أخذ ميثاقَهم أن يَعْملوا بما فى التوراةِ ، وأن يُطِيعوا
اللهَ فيما [٤٩/٣ظ] يَسْمعون منها، أنهم قالوا حين قِيلَ لهم ذلك: سمِعنا قولَك ،
وعصَينا أمرَك .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُؤْمِمْ ﴾
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وأُشْرِبوا فى قلوبهم
حبَّ العِجلِ .
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن
قتادةَ: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّه حتى خَلَص ذلك إلى

٢٦٤
سورة البقرة : الآية ٩٣
(١)
قلوبهم(١).
٤٢٣/١
/حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ :
﴿وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ بِكُفْهِمْ ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّ الْعِجلِ بِكُفرِهم (٢).
حدَّثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ:
وَأَشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ﴾ قال: أَشْربوا حبَّ العجلِ فى قلوبهم .
وقال آخرون: معنى ذلك أنهم ◌ُقُوا الماءَ الذى ذُرِّىَ فيه سُحالةٌ() العجلِ .
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى موسى بنُّ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشُدىِّ: لِمََّ
رجَع موسى إلى قومِه أخَذ العجلَ الذى وجَدهم عاكفين عليه فذبحَه(٥)، ثم حَرقَه(٦)
بالمبرد ، ثم ذَرًّاہ فی الیمِّ، فلم يَتْقَ بحرٌ يومئذٍ يَجْرِى إلا وقَع فيه شىءٌ منه، ثم قال
لهم موسى : اشْرَبوا منه. فشرِبوا منه، فمن كان يُحِبُّه خرَج على شاربِه الذهبُ ،
فذلك حين يَقولُ اللهُ عز وجل: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ اُلْمِجْلَ
بِكُفْهِمْ﴾().
حدَّثنا القاسمُ ، قال : ثنا الحسينُ ، قال : حدَّثنی حجاج ، عن ابن جريج ، قال :
(١) تفسير عبد الرزاق ٥٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦/١ (٩٣٤) عن الحسن بن يحيى به.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦/١ عقب الأثر (٩٣٤) من طريق آدم به .
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦/١ عقب الأثر (٩٣٤) من طريق ابن أبى جعفر به.
(٤) السحالة: ما سقط من الذهب والفضة ونحوها إذا برد. التاج ( س ح ل).
(٥) أى : شقه .
(٦) فى م: ((خرقه)). وحرقه بالمبرد: برده. وينظر ما تقدم فى ١ / ٦٨١.
(٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٦/١ (٩٣٣) من طريق عمرو به .

٢٦٥
سورة البقرة : الآية ٩٣
لما سُحِلِ فَأَلْقِى فى اليّم استقبلوا جِرْيةَ الماءِ، فشرِبوا حتى ملئوا بطونَهم، فأوْرَث ذلك
مَن فعله منهم مجُثْنًا .
قال أبو جعفر: وأَوْلَى التأويلين اللذين ذكَرتُ بقولِ اللهِ جل ثناؤه :
وَأَشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ تأويلُ مَن قال: وأَشْرِبوا فى قلوبِهم حبَّ
العجلِ ؛ لأن الماء لا يُقالُ منه: أَشْرِب فلانٌ فى قلبِهِ. وإنما يُقالُ ذلك فى حبِّ
الشىءٍ ، فيُقالُ منه : أَشْرِب قَلْبُ فلانٍ حبَّ كذا. بمعنى : سُقِىَ ذلك حتى غلَب
عليه وخالطَ قلبَه . كما قال زُهيرٌ(١) :
والحُبُّ يُشْرَبُهُ فُؤَادُكَ دَاءُ
فَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْد ◌ُبِّ داخلٍ
ولكنه ترَكَ ذِكْرَ ((الحبِّ)) اكْتِفاءً بفهم السامعِ لمعنى الكلامِ؛ إذ كان
معلومًا [٥٠/٣و] أن العجلَ لا يُشْرِبُ القلبَ، وأن الذى يُشْرِبُ القلبَ منه حثُّه .
كما قال جل ثناؤه: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ
اَلْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِهَا وَالْعِيَرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا
(٣)
:
[ يوسف: ٨٢ ]. وكما قال الشاعر
فيه
حسِبتَ بُغامَ(٤) راحلتى عَناقًا(٥) وما هى وَيْبَ(١) غيرِك بالعَناقِ
يعنى بذلك: حسبتَ بُغامَ راحلتى بُغامَ عناقٍ .
(١) شرح ديوانه ص ٣٣٩.
(٢ - ٢) ليست فى : الأصل.
(٣) البيت فى اللسان (وى ب) (بغ م)، وفى النوادر ص ١١٦، ومعانى القرآن للفراء ١ / ٦٢، منسوب
لذى الخرق الطهوى يخاطب ذئبا تبعه فى طريقه، وفى اللسان (ع ن ق ) منسوب لقريط بن أنيف، وغير
منسوب فى مجالس ثعلب ١/ ٧٦.
(٤) بغام الناقة: صوت لا تفصح به. اللسان ( ب غ م).
(٥) العناق : الأنثى من المعز. اللسان ( ع ن ق ).
(٦) الويب : كلمة بمعنى ويل. اللسان ( وى ب ).

٢٦٦
سورة البقرة : الآية ٩٣
وكما قال طَرفةُ بنُ العبدِ(١) :
ألا بَجَلِى (٢) مِن الشّرَابِ أَلا بَجَلْ
ألا إِنَّنِى سُقِّيتُ أسودَ حالِكًا
يعنى بذلك: سُقِيتُ سَمًّا أسودَ. فاْتَفى بذكرِ ((أسودَ)) من ذِكْرِ ((السَمِّ))
لمعرفةِ السامعِ معنى ما أراد بقولِه: سُقِيتُ أسودَ . ويُزْوَى :
ألا إِنَِّى سُقِيتُ أَسْوَدَ سالخً(٣)
وقد تقولُ العربُ: إذا سرَّك أن تَنْظُرَ إلى السخاءِ فَانْظُر إلى هَرمٍ أو إلى حاتمٍ .
فَتَجْتَزِئُ بذِكرِ الاسم مِن ذكرٍ فعلِه ، إذا كان معروفًا بشجاعةٍ أو سخاءٍ، أو ما أَشْبَهَ
ذلك مِن الصفاتِ ، ومنه قولُ الشاعرِ(٤) :
وإن جِهادًا طَيِّئُ وَقِتالُهَا
يَقُولون جاهِدْ يا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ بِثْسَمَا يَأْمُرُكُم بِةٍ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم
٩٣
مُؤْمِنِینَ
يَعْنِى بذلك جل ثناؤه: قل يا محمدُ ليهودٍ بنى إسرائيلَ: بئس الشىءُ يَأْمرُكم
به إيمانُكم ، إن كان يأمرُ كم بقتلِ أنبياء الله ورسله، والتکذیبِ بگتُبه ، ومجحودٍ ما
٤٢٤/١ جاءمِن عندِه. ومعنى إيمانِهم: تَصْديقُهم /الذى زعموا أنهم به مصدِّقون مِن كتابٍ
اللهِ ، إذا قِيلَ لهم: آمِنوا بما أنزل اللهُ. فقالوا: نُؤْمنُ بما أُنزِلَ علينا .
وقولُه: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أى: إن كُنتُم مُصدِّقين - كما زعَمتم - بما
(١) ديوانه ص ١١٥.
(٢) بجلی : حسبی . التاج ( ب ج ل).
(٣) السالخ: الأسود من الحيات شديد السواد وأقتل ما يكون من الحيات. اللسان ( س ل خ).
(٤) معانى القرآن للفراء ٦٢/١، ومجالس ثعلب ٧٦/١، واللسان ( غ زى).

٢٦٧
سورة البقرة : الآيتان ٩٣ ، ٩٤
أَنزَل اللهُ عليكم. وإنما كذَّبهم اللهُ بذلك لأن التوراةَ تَنْهَى عن ذلك كلِّه، وتَأْمُر
بخلافِهِ ، فَأُخْبَرهم أنّ تصديقَهم بالتوراةِ إن كان يأمرُهم بذلك ، فبئس الأمْرُ تَأْمرُ به .
وإنما ذلك نَفْىٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه عن التوراةِ أن تكونَ تَأْمرُ بشىءٍ مِما يَكْرِهُه اللهُ مِن
أفعالِهِم ، وأن يكونَ التصديقُ بها يدلُّ على شىءٍ مِن مخالفةِ أمرِ اللهِ ، وإعلامٌ منه جل
ثناؤه [٣].٥ظ] أن الذى يَأْمرُهم بذلك أهواؤُهم، والذى يَحْمِلُهم عليه البغى
والعدوانُ .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ
خَالِصَةٌ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُأ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
(٩٤
قال أبو جعفرٍ : وهذه الآيةُ مما احتجّ اللهُ به لنبِّه محمدٍ ێے على اليهودِ الذين
كانوا بين ظَهْرَانَیْ مُهاجرِه، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله جل ثناؤه
أمَر نَبِيَّه ◌َ ◌ِّ أن يَدْعوَهم إلى قضيةٍ عادلةٍ بينَه وبينَهم، فيما كان بينَه وبينَهم مِن
الخلافِ، كما أمره اللهُ أن يَدْعوَ الفريقَ الآخرَ مِن النَّصارَى - إذ خالفوه فى عيسى
صلواتُ اللهِ عليه، وجادلوه فيه - إلى فاصلةٍ بينَه وبينَهم مِن المبَاهَلَةِ ، وقال لفريقٍ
اليهودِ : إن كنتم مُحِقِين فتَمنَّوا الموتَ ، فإن ذلك غيرُ ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما
تَّدَّعون مِن الإِيمانِ وَقُربِ المَثَّزِلةِ مِن اللهِ ، بل إن أُعْطِيتُمْ أُمْنِيتَكم مِن الموتِ إذا تمنَّيتم،
فإِنما تَصِيرون إلى الراحةِ مِن تَعَبِ الدنيا ونصبِها وكَدَرِ عَيْشِها ، والفوزِ بجوارِ اللهِ فی
جِنانِه ، إن كان الأمرُ كما تَزْعُمون، مِن أنّ الدارَ الآخرةَ لكم خالصةٌ دونَنا ، وإن لم
تُعْطَّوْها علِم الناسُ أنكم المُطِلون، ونحن المحِقُّون فى دعوانا ، وانْكَشف أمرنا
وأمرُكم لهم. فامْتَنعت اليهودُ مِن إجابةِ النبيِّ عَّهِ إلى ذلك لعلْمِها أنها إِن تَمَّت
الموتَ هلَكَت، فَذَهَبت دنياها، وصارت إلى خِزْى الأبدِ فى آخرتها، كما امتنع
فريقُ النَّصارى الذين جادلوا النبيَّ عَلِّ فى عيسى، إذ دُعُوا إلى المباهلةِ - مِن
المباهلةِ، فبلَغنا أن رسولَ اللهِ صَ لَه قال: ((لو أن اليهودَ تَمَتَّوا الموتَ لماتوا، ولرأَوا

٢٦٨
سورة البقرة : الآية ٩٤
مقاعدَهم مِن النارِ ، ولو خرَج الذين يُباهِلون رسولَ اللهِ سَ له لرجعوا لا يَجِدون أهلًا
ولا مالًا )).
حدَّثنا بذلك أبو كريبٍ، قال: حدثنا (١) زكريا بنُ عدىٍّ، قال: حدَّثنا عُبِيدُ اللهِ
ابنُ عمرٍو، عن عبد الكريم، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ عَ الهِ (١.
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: حدَّثنا عَنَّامُ بنُ علىّ ، عن الأعمشِ، عن ابنِ عباسٍ فى
قوله: ﴿فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ قال: لو تَمَّّوا الموتَ لشَرِقَ أحدُهم
(٣)
بريقه
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا مَعْمٌ، عن
٤٢٥/١ عبدِ الكريم الجَزَّرىِّ، / عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿فَتَمَنَّوَأ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ قال: [٥١/٣و] قال ابنُ عباسٍ: لو تَمَنَّى اليهودُ الموتَ لماتوا(*).
حدَّثنى موسى، قال: أَخْبَرنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ ، عن السُّدىِّ، عن ابنِ
عباسٍ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال:
حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ - قال أبو جعفرٍ: فيما أرى - أنا - عن سعيدٍ ، أو
عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو تَمَّوه يومَ قال لهم ذلك ، ما بقِى على ظَهرِ الأرضِ
(١) بعده فى م: ((أبو)).
(٢) إسناده صحيح. أخرجه البزار (٢١٨٩ - كشف)، وابن مردويه - كما فى الفتح ٧٢٤/٨ - من طريق
زكريا بن عدى به. وأخرجه أحمد ٩٩/٤ (٢٢٢٦)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٦١)، وأبو يعلى
(٢٦٠٤) من طريق عبيد الله بن عمرو به .
(٣) الأعمش لم يدرك ابن عباس. وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧/١ (٩٣٦) من طريق عثام ، عن
الأعمش قال : لا أظنه إلا عن المنهال ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .
(٤) تفسير عبد الرزاق ١/ ٥٢، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧/١ (٩٣٨) عن الحسن بن يحيى به.
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/١ إلى ابن المنذر وأبى نعيم.

٢٦٩
سورة البقرة : الآية ٩٤
يهودٌّ إلا مات(١).
قال أبو جعفر : فانكشف - لمن کان مُشْکِلاً علیه أمرُ الیھود یومئذٍ - گَذِبُھم
وبُهْتُهم وبَغْيُهم على رسولِ اللهِ عَ لَّهِ وأصحابه، وظهَرت حُجَّةُ رسولِ اللهِ وحُجةُ
أصحابِه عليهم، ولم تَزَلْ - والحمدُ للهِ - ظاهرةً عليهم وعلى غيرِهم مِن سائرٍ أهلٍ
المللِ، وإنما أُمِرَ رسولُ اللهِ عَمِ أن يقولَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوُاْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
ج
صَدِقِينَ﴾ لأنهم - فيما ذكر لنا - قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَؤُأُ اَللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾ [المائدة: ١٨]
وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ﴾ [البقرة: ١١١]. فقال اللهُ
النبيِّه محمدٍ عَ التِّ: قل لهم إن كنتم صادقين فيما تَزْعُمون فتَمنَّؤا الموتَ . فأبان اللهُ
كَذِبَهم بامْتِناعِهم مِن تَمَنِّى ذلك، وأُفَلَجَ حُجَّةَ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ .
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه أمَر اللهُ نبيَّه عَلَّمِ أن يَدْعوَ
اليهودَ إلى أن يَتمنَّؤًا الموتَ، وعلى أىِ وجهٍ أَمِروا أن يَتْمنَّوه ؛ فقال بعضُهم: أُمِروا أن
يَتمنَّوه على وجهِ الدعاءِ على الفريقِ الكاذبِ منهما .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، قال :
حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ ، عن سعيدٍ، أو عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: قال اللهُ
النبيِّه ◌ِعَهِ: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةٌ مِّنْ دُونِ النَّاسِ
فَتَمَنَّوَأ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ أى: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين
أْذَبُ(٢) .
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧/١ (٩٤٠) من طريق سلمة به .
(٢) سيأتى بتمامه فى ص ٢٧٢، ٢٧٣.

٢٧٠
سورة البقرة : الآية ٩٤
وقال آخرون بما حدَّثنى بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريع، قال: حدَّثنا
سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّنْ
دُونِ النَّاسِ﴾: وذلك أنهم قالوا: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ
نَصَرَىَ﴾. وقالوا: ﴿فَحْنُ أَبْكَوْاْ اللَّهِ وَأَحِبُّهُ﴾. فقِيلَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن
كُنْتُمْ صَدِّقِينَ﴾(١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى
العاليةِ، قال: قالت اليهودُ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ﴾
وقالوا: ﴿ فَحْنُ أَبْنَوْاْ اَللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾. فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ
اَلْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةُ [١/٣ ٥ظ] مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ فلم يَفْعَلوا(١).
حدّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفرٍ، عن
٤٢٦/١ أبيه١٣)، عن الربيع قولَه: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ / لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ﴾ الآية:
وذلك بأنهم قالوا: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ﴾ وقالوا:
﴿َتَحْنُ أَبَُْ اللَّهِ وَأَحِبَّتُهُ﴾(٤).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ﴾ فإنه
يقولُ : قُلْ يا محمدُ : إن كان نعيمُ الدارِ الآخرةِ ولَذَّاتُها لكم يا مَعْشَرَ اليهودِ عندَ
اللهِ . فاكْتَفى بذِكْرِ الدارِ مِن ذِكْرِ نعيمِها لمعرفةِ المخاطبين بالآيةِ معناها .
(١) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧/١ عقب الأثر (٩٣٥) معلقًا.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١/ ١٧٦، ١٧٧ (٩٣٥) من طريق آدم به .
(٣ - ٣) فى م: ((أبو جعفر)).
(٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧/١ عقب الأثر (٩٣٥) من طريق ابن أبى جعفر به.

٢٧١
سورة البقرة : الآية ٩٤
وقد بَينَّا مَعْنى الدارِ الآخرةِ فيما مضى بما أُغْنَى عن إِعادتِهِ فى هذا الموضعِ(١).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿ خَالِصَةٌ﴾ فإنه يعنى به : صافيةً. كما يُقالُ: خَلَص
لى " هذا الأمر". بمعنى: صارلى وَحْدى وصَفَالى، يُقالُ منه: خَلَصَ لى هذا
الشىءُ فهو يخْلُصُ خلوصًا وخالصةً. والخالصةُ مصدرٌ، مِثْلُ العافية، ويقالُ
للرجل : هذا خُلْصَانی. يعنى به : خالِصَتِی مِن دونِ أصحابِی .
وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتَأولُ قولَه: ﴿ خَالِصَةٌ ﴾: خاصةً . وذلك
تأويلٌ قريبٌ مِن مَعْنى التأويلِ الذى قُلْناه فى ذلك .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمَارةَ ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ
اُلْآَخِرَةُ ﴾ قال: قُلْ يا محمدُ لهم - يَعْنِى اليهودَ - إن كانت لكم الدارُ الآخرةُ ،
يَعْنِى الخَيرَ ﴿عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ﴾. يقولُ: خاصةً لكم(٤) .
وأما قولُه: ﴿مِّن دُونِ النَّاسِ﴾ فإن الذى يَدلّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ أنهم قالوا :
لنا الدار الآخرةُ عندَ اللهِ خالصةً مِن دونٍ جميع الناسِ. ويُبَيِّنُ أن ذلك كان قولَهم -
مِن غيرِ اسْتِثناءٍ منهم مِن ذلك أحدًا مِن بنى آدمَ - إِْبارُ اللهِ عنهم أنهم قالوا: ﴿ لَنْ
يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَىَّ﴾. إلا أنه قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ
غير ذلك .
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٥١/١، ٢٥٢.
(٢ - ٢) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((فلان)).
(٣) كذا فى النسخ، وفى الدر المنثور: ((الجنة)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/١ إلى المصنف.

٢٧٢
سورة البقرة : الآيتان ٩٤، ٩٥
ذكر ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال : ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِّن دُونِ النَّاسِ﴾ يقولُ: مِن دونٍ
محمدٍ عَّ الله وأصحابِهِ الذين اسْتَهزأتم بهم، وزَعَمْتم أن الحقَّ فى أيدِيكم ، وأن الدارَ
الآخرةَ لكم دونَهم .
وأما قولُه : ﴿ فَتَمَنَّواْ الْمَوْتَ ﴾ فإن تأويله : تَشھَّوه وأريدوه . وقد ژُوِی عن ابنِ
عباسٍ أنه قال فى تأويلِه: فسَلُوا الموتَ. [٥٢/٣و] ولا يُعْرَفُ التَّمنى بمعنى المسألةِ فى
كلامِ العربِ. ولكنى أخْسِبُ أن ابنَ عباسٍ وجَّه مَعنى الأمْنِيةِ - إذ كانت محبةً النفسِ
وشهوتَها- إلى معنى الرَّعْبةِ والمسألةِ ، إذ كانت المسألةُ هى رغبةَ السائلِ إلى اللهِ فيما سأله.
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا عثمانُ بنُّ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ﴾ يقولُ: فَسَلُوا الموتَ ﴿ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾.
القولُ فى تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ
بِالَّلِمِينَ ®
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن اليهودِ وكراهتِهم الموتَ، وامتناعِهم من
الإجابةِ إلى ما دُعُوا إليه مِن تَمَنِّى الموتِ ؛ لعلمِهم بأنهم إن فعلوا ذلك فالوعيدُ بهم
نازلٌ، والموتُ بهم حالٍّ، ولمعرفتِهم بمحمدٍ عَّهِ أنه رسولٌ مِن اللهِ إليهم مرسلٌ ،
٤٢٧/١ وهم به مُكذّبون، وأنه لن يُخْبرَهم خبرًا إلا كان حقًّا كما أخْبَر، فهم / يَحذَرُون أن
يتَمنَّوا الموتَ ، خوفًا أن يَحِلَّ بهم عقابُ اللهِ بما كسبت أيديهم مِن الذنوبِ .
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُّ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، قال : حدَّثنى محمدُ بنُ

٢٧٣
سورة البقرة : الآية ٩٥
إسحاقَ ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ - فيما يرَى أبو جعفرٍ - عن سعيدِ بنِ
◌ُبِيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قُلّ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ﴾ الآية.
أى: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكذبُ، فأبوا(١) ذلك على رسولِ اللهِ عَلَّهِ .
يقولُ اللهُ لنبِّه محمدٍ عَلَّهِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أى: لعلمِهم
بما عندَهم مِن العلم بك والكفرِ بذلك(٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ ، عن أبى
رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ . يقولُ : يا محمدُ ،
ولن يتَمنَّوه أبدًا؛ لأنهم يَعْلَمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقين لتَمنَّوه ، ورغبوا فی
التعجيلِ إلى كرامتى، فليس يتَمنَّونه أبدًا بما قدَّمت أيديهم(١) .
حدَّثْنا القاسمُ ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاج، عن ابنٍ مُجرَيج قولَه :
فَتَمَنَّوْأ ◌َلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾: وكانت اليهودُ أشدَّ الناسِ(٤) فرارًا مِن
الموتِ ، ولم يكونوا ليتَمنَّوه أبدًا .
وأما قولُه: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ [٥٢/٣ظ] أَيْدِيهِمْ﴾. فإنه يَعْنِى به: بما أَسْلَفَتْه
أيديهم . وإنما ذلك مَثَلٌ، على نحوٍ ما تَتَمَثَّلُ به العربُ فى كلامِها، فتقولُ للرجلِ
يُؤْخَذُ بِجَرِيرةٍ جرَّها ، أو جنايةٍ جَناها فيعاقبُ عليها : نالك هذا بما جَنَتْ يداك ، وبما
كَسبت يداك ، وبما قَدَّمت يداك . فتُضِيفُ ذلك إلى اليدِ ، ولعلَّ الجنايةَ التى جناها
فاستحقَّ عليها العقوبةً كانت باللسانِ أو بالفَرْج أو بغيرِ ذلك مِن أعضاءِ جسدِه سِوَى
(١) فى م: ((قالوا)).
(٢) سيرة ابن هشام ٥٤٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٧/١ (٩٣٧، ٩٤٠) من طريق سلمة به.
(٣) تقدم أول هذا الأثر فى ص ٢٧١.
(٤) سقط من: م، ت ١، ت ٣.
( تفسير الطبرى ١٨/٢ )

٢٧٤
سورة البقرة : الآية ٩٥
اليدِ . وأَّا قِيلَ ذلك بإضافته إلى اليدِ؛ لأن عُظْمَ جِناياتِ الناسِ بأيديهم، فجَرَى
الكلامُ باستعمالِ إضافةِ الجناياتِ التى يجنيها الناسُ إلى أيديهم، حتى أُضِيفَ كلَّ ما
مُوقِبَ عليه الإِنسانُ مما جَناه بسائرِ أعضاءِ جسدِه إلى أنها عقوبةٌ على ما جَنَتْه
يَداهُ(١) ، فلذلك قال جل ثناؤه للعربِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾
يعنى به : ولن يَتَمنَّى اليهودُ الموتَ بما قدَّموا أمامَهم فى حياتِهم مِن كفرِهم باللهِ، فى
مخالفتهم أمره وطاعته فى اتباع محمدٍ عَ لِّ وما جاءهم به مِن عندِ اللهِ، وهم
يَجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ ، ويَعْلمون أنه نبيٌّ مبعوثٌ . فأضاف جل ثناؤه ما
انْطَوت عليه قلوبُهم، وأَضْمَّرته نفوسُهم، ونَطَقت به ألسنتُهم ؛ مِن حسدِ محمدٍ
عَِّ والبغي عليه، وتكذيبِه ومجحودٍ رسالتِه - إلى أيديهم، وأنه مما قدَّمته أيديهم
العلمِ العربِ بمعنى ذلك فى منطقِها وكلامِها، إذ كان جل ثناؤه إنما أَنزَل القرآنَ
بلسانِها ، وبلغتِها خاطَبها(٢) .
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ فى ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ ، قال : ثنا عثمانُ بنُ
سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضَّحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ :
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ يقولُ: بما أُسْلَفت أيديهم (٤) .
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن ابنٍ مجرَيجٍ :
بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. قال: إنهم عَرَفوا أن محمدًاً مَِّ نبِيٌّ فَكَتَموه .
وأما قولُه: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فإنه يعنى جل ثناؤُه: واللهُ ذو علم بظَلَمةٍ
٤٢٨/١ بنى آدمَ - يهودِها / ونَصارَاها وسائرِ أهلِ (°مللها غيرِهمْ) - وما يَعْملون".
۔
(١) فى م: ((يده)).
(٢) فى م: ((جاء)).
(٣) سقط من: م.
(٤) ليست فى : الأصل .
(٥ - ٥) فى م: ((الملل غيرها)).

٢٧٥
سورة البقرة : الآيتان ٩٥ ، ٩٦
وظلمُ اليهودِ كفرُهم باللهِ فى خلافِهم أمرَه وطاعته فى اتباع محمدٍ عَّهِ، بعدَ أن
كانوا يَسْتَفْتِحون به وبمبعثِه، ومُحودِهم نبوتَه وهم عالمون أنه نبىُّ اللهِ ورسولُه إليهم.
وقد دَلَّلْنا على معنى الظلم فيما مضَى بما أغنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ(١).
القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤه : ﴿ وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَومٍ﴾ .
[٥٣/٣و] يَعْنِى جل ثناؤه بقولِه: ﴿ وَلَنَجِدَ تَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ﴾
اليهودَ. يقولُ : يا محمدُ ، لتَجِدَنَّ أشدَّ الناسِ حِرصًا على الحياةِ فى الدنيا ، وأشدَّهم
كراهةً للموتِ ، اليهودَ، كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ ، قال : حدَّثنی ابنُ
إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ - فيما يرَى (٢) أبو جعفرٍ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ،
أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنَجِدَهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ﴾. يعنى اليهودَ(٣).
وحدَّثنى المُنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، "عن الربيع))، عن أبى
العاليةِ: ﴿ وَلَنَجِدَنَّهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ﴾. يعنى اليهودَ (١).
وحدَّثنى المثنَّى، " قال: ثنا إسحاق) ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن
(٦)
الربيعِ مثلَه(٦).
وحدّثنی محمدُ بنُ عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عیسی ، عن ابنِ أبی
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١، ٥٦٠ .
(٢) فى م: ((یروی)).
(٣) سيرة ابن هشام ٥٤٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٨/١ (٩٤٤، ٩٤٦)، والحاكم ٢/
٢٦٣ من طريق مسلم البطين عن سعيد به بزيادة: ﴿ومن الذين أشركوا﴾ قال: الأعاجم. وستأتى بقيته فى
ص ٢٧٧، ٢٨١، ٢٨٢.
(٤ - ٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ٦ ٣.
(٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٨/١ عقب الأثر (٩٤٤) من طريق آدم به .
(٦) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٨/١ عقب الأثر (٩٤٤) من طريق ابن أبى جعفر به.

٢٧٦
سورة البقرة : الآية ٩٦
نجیح ، عن مجاهدٍ مثله .
وإنما كراهتُهم الموتَ لعلمِهم بما لَهم فى الآخرةِ من الخزْي والهَوانِ الطويلِ .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾ .
يَعْنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾: وأحرصَ من الذين أشرَكُوا
على الحياةِ. كما يقالُ : هو أشجعُ الناسِ ومن عنترةَ. بمعنى : هو أشجعُ من الناسِ
ومن عنترةَ. فكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾. لأن معنى الكلام: ولَتَجِدَنَّ يا
محمدُ اليهودَ من بنى إسرائيلَ أحرصَ من(١) الناسِ على حياةٍ ومن الذين أشركُوا .
فلمّا أُضِيفَ ﴿أَخْرَصََ﴾ إلى ﴿النَّاسِ﴾، وفيه تأويلُ ((مِن)) - أَظْهِرَتْ بعدَ
حرفِ العطفِ رَدًّا على التأويلِ الذى ذكَوْنا .
وإنما وصَف اللهُ جل ثناؤه اليهودَ بأنهم أحرصُ الناسِ على الحياةِ ، لِعِلْمِهم بما
قد أَعَدَّ لهم فى الآخرةِ على كفرِهم، مما لا يُقِرُّ به أهلُ الشركِ، فهم للموتِ أكْرَهُ من
أهلِ الشركِ الذين لا يُؤْمِنون بالبعثِ؛ لأنهم يؤمنون بالبعثِ ويَعْلَمون ما لهم هنالك
من العذابِ ، وأنَّ المشركِينَ لا يُصَدِّقُون ببعثٍ ولا عقابٍ ، فاليهودُ أحرصُ منهم
على الحياةِ وأكْرَهُ للموتِ.
وقيل: إن الذين أشركُوا، الذين أخبرَ اللهُ تعالى ذكره أن اليهودَ أحرصُ
منهم فى هذه الآيةِ على الحياةِ ، هم المجوسُ. (وقيل: هم) الذين لا يُصَدِّقُون
بالبعث .
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.

٢٧٧
سورة البقرة : الآية ٩٦
٤٢٩/١
/ ذكر من قال : هم المجوسُ
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا آدمُ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ :
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ يَوَذُ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَخَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: يعنى المجوسَ(١).
وحدَّثنى المثنَّى ، قال: ثنا إسحاقُ ، قال: [٥٣/٣ظ] ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه،
عن الربيعِ: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ يَوَذُ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . قال: المجوسُ.
وحدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرَنى ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿ وَمِنَ اُلَّذِينَ
أَشْرَكُواْ﴾. قال: يهودُ أحرصُ من هؤلاء على الحياةِ .
ذكرُ من قال : هم الذين يُنْكِرون البعثَ
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ ، قال: ثنا سلَمةُ ، قال : ثنا ابنُ إسحاقَ ، قال : حدَّثنی محمدُ
ابنُ أبي محمدٍ - فيما يَرَىُ أبو جعفرٍ - عن سعيدٍ بنٍ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ
عباسٍ: ﴿ وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوْمٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوْ﴾: وذلك أن
المشركَ لا يَرْجُو بعثًا بعد الموتِ ، فهو يُحبُّ طولَ الحياةِ ، وأن اليهودىَّ قد عَرَف ما له
فى الآخرةِ من الخِزْيِ، (" لما ما ضَيِّع بما) عنده من العلمِ(٤) .
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ .
وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه(٥) عن الذين أشرَكُوا، الذين أخبَر أن اليهودَ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩/١ (٩٤٧) من طريق آدم به .
(٢) فى م: ((يروى).
(٣ - ٣) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((بما ضيع مما)).
(٤) سيرة ابن هشام ٥٤٣/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩/١ (٩٥٠) من طريق سلمة به .
(٥) بعده فى: م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بقوله)).

٢٧٨
سورة البقرة : الآية ٩٦
أحرصُ منهم على الحياةِ ، يقولُ جل ثناؤه: يَوَدُّ أحدُ هؤلاءِ الذين أشرَكُوا - (اليأسِه
بفناءٍ " دنياه وانقضاءٍ أيام حياتِه، من(١) أن يكونَ له بعد ذلك نُشورٌ أو مَخْيًا، أو فَرح
أو سُرُورٌ - لو يُعَمَّرُ " فى الدنيا) ألفَ سنةٍ، حتى جعَل بعضُهم تحيةَ بعضٍ: (+عِشْ
ألفَ) عامٍ . حرصًا منهم على الحياةِ .
كما حدَّثنا محمدُ بنُ علىِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: سمِعتُ أبى عليًّا
يقولُ(٢) : أخبرنا أبو حمزةَ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه:
﴿يَوَذُ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ الأعاجمِ: هَزار(٢) سال زِه
(٥)(٦)
نَوْروز مِهْرْجان دَر (٥)(١).
وحُدِّثت عن نُعَيم النحوىِّ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿يَوَةُ
أَحَدُهُمْ لَوْ يُمَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾. قال: هو قولُ أهلِ الشركِ بعضِهم لبعضٍ إذا
عطِس : زِه هَزار سال(٧) .
حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ سعيدٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قالا: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن
ابنِ أبى نَجِيحِ، عن قتادةَ فى قوله: ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال :
حُبِّبَتْ إليهم الخطيئةُ طولَ العُمُرِ(٨).
(١ - ١) فى م: ((إلا بعد فناء)).
(٢) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عشرة آلاف)).
(٥) فى النسخ: (حر)) .
وهزار: ألف ، وسال: سنة، وزه : عِشْ، ونوروز ومهرجان: من أعياد الفرس ، ودر: حرف جر بمعنى :
فى. وينظر المعجم الذهبى ص ٢٥٨، ٣١٦، ٣٢٧، ٥٥١، ٦٠٣.
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٤/١ عن المصنف .
(٧) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩/١ عقب الأثر (٩٤٩) معلقًا .
(٨) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩/١ (٩٤٩) من طريق ابن علية ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد .
٠

٢٧٩
سورة البقرة : الآية ٩٦
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأُعلى ، قال: حدثنى ابنُ مَعْبَدٍ ، عن ابنِ عُلَيَّةَ ، عن ابنٍ
أبى تَجِيحٍ فى قوله: ﴿ يَوَذُّ أَحَدُهُمْ﴾. فذكَر مثلَه .
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿وَلَنَجِدَتَّهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْقٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ [١٥٤/٣]
سَنَةٍ﴾: ويهودُ أحرصُ من هؤلاء على الحياةِ، وقد وَدّ هؤلاءٍ لو يُعَمَّرُ أحدُهم ألفَ
.(١)
سنةٍ ().
.
/ وحُدِّثت عن أبى معاويةً، عن الأعمشِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ ٤٣٠/١
فى قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو قولُ أُحدِهم إذا عَطَس :
زِه هَزار سال. يقولُ: "عِشْ ألفَ) سنةٍ(٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ
يُعَنَّرُّ ﴾.
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَّ﴾: وما
التعميرُ وطولُ البقاءِ بُمُزَخْزِجِه من عذابِ اللهِ .
و(٤) قولُه: ﴿هُوَ﴾. عِمادٌ، لطلَبِ ((ما)) الاسمَ أكثرَ من طلبِها الفعلَ، كما
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٨٥/١.
(٢ - ٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عشرة آلاف)).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٠١ - تفسير)، والحاكم ٢٦٣/٢ من طريق أبى معاوية به . وأخرجه
ابن أبى شيبة ٤٧٣/١٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٩/١ (٩٤٨) من طريق ابن نمير، عن الأعمش، عن
مسلم البطين، عن سعيد به ، وأخرجه الحاكم ٢٦٣/٢ ، ٢٦٤ من طريق قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن
جعفر بن إياس ، عن سعيد به . وتقدم فى ص ٢٧٨ عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس . وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٨٩/١ إلى ابن المنذر.
(٤) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((هو)).

٢٨٠
سورة البقرة : الآية ٩٦
قال الشاعرُ(١):
فهل هو مَرَفُوعٌ بما هَهُنا رأسُ *
و﴿أَنْ﴾ التى فى: ﴿أَنْ يُعَثَّرُّ ﴾ رَفْعٌ ب﴿ مُزَحْرِحٍِ﴾، و(٢ ﴿هُوَ﴾ التى مع
◌ْ مَا﴾ ( من ذكرِه"، عمادٌ للفعلِ؛ لاستقباحِ () العربِ النكرةَ قبل المعرفةِ.
وقد قال بعضُهم: إن ﴿هُوَ﴾ التى مع ﴿وَمَا﴾ كنايةٌ مِن ذكرِ العُمُرِ. كأنه قال:
يَوَدُّ أحدُهم لو يُعَمَّرُ ألفَ سنةٍ ، وما ذلك العُمُرُ بُمُزَخْزحِه من العذابِ. وجعَل: ﴿أَنْ
يُعَنَّرُّ﴾ مُتَرْجِمًا(٥) عن ﴿هُوَ﴾. يُرِيدُ: ما هو بُمُزَخْزِحِه التعميرُ.
وقال بعضُهم: قولُه: ﴿ وَمَا هُوَ بِمُزَحْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَّ﴾ نظيرُ قولِك:
ما زيدٌ بُرَحْزِحِه أن يُعَمَّرَ .
وأقربُ هذه الأقوالِ عندنا إلى الصوابِ ما قلْناه، وهو أن يكونَ ﴿هُوَ﴾
عمادًا، نظيرُ قولِك: ما هو قائمًاً) عمرو.
وقد قال قومٌ من أهلِ التأويلِ: إِنَّ ﴿أَنْ﴾ التى فى قوله: ﴿أَنْ يُعَمَّرُّ ﴾ بِمَغْنَى:
وإنْ عُمِّرَ. وذلك قولٌ لمعانى كلام العربِ المعروفِ مخالفٌ .
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى المثنَّى ، قال : ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ :
(١) تقدم تخريج البيت فى ص ٢١٥ ، وينظر تعريف العماد هناك أيضًا .
(٢) فى م: ((أو)).
(٣ - ٣) فی م: « تکریر)).
(٤) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((لاستفتاح)).
(٥) ينظر تعريف الترجمة فى ص ٢٤٦ .
(٦) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قائم).
٠٠٦