النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة البقرة : الآية ٨٩ وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاج، قال : قال ابنُ جريجٍ : وقال ابنُ عباسٍ : كانوا يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ . [٤٣/٣ ظ] وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنى الحِمّانىُّ(١)، قال: حدَّثنَا شَريكٌ، عن أبى الجَحّافِ(٢)، عن مُسلم البَطِينِ، عن سعيد بن جبيرٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِةٍ﴾ قال: هم اليهودُ، عَرَفوا محمدًا أنه نبيٌّ وكفروا به (١) . وحُدِّثت عن المنجابِ ، قال: حدثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ ، عن الضحاكِ ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ قال: كانوا يَشْتَظْهِرون، يقولون: نحن نُعِينُ محمدًا عليهم(٤). وليسوا كذلك، يَكْذِبون(٥). وحدثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِه : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِةٍ﴾. قال: كانت يهودُ يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ، يقولون: أما واللهِ لو قد جاء النبىُ الذى بَشَّر به موسى وعيسى ؛ أحمدُ ، لكان لنا عليكم. وكانوا يَظُنون أنه منهم، "وكانوا بالمدينةِ) والعربُ حولَهم، وكانوا يَسْتَفْتِحون عليهم به ويَسْتَنْصِرون به، فلما " كان مِن غيرِهم أَبَوْا أن يُؤْمِنوا) به وحَسَدوه. وقرأ قولَ (١) فى الأصل: ((الجمانى)) . (٢) فى النسخ: ((الحجاف)) وهو داود بن أبى عوف، أبو الجحاف الكوفى. ترجمته فى تهذيب الكمال ٠٤٣٤/٨ (٣) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٤) فى الأصل: ((عليكم)) . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧١/١ (٩٠٣) عن أبى زرعة ، عن منجاب به . (٦ - ٦) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٧ - ٧) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جاءهم ما عرفوا كفروا)). ( تفسير الطبرى ١٦/٢ ) ٢٤٢ سورة البقرة : الآية ٨٩ ﴾ [ البقرة : ١٠٩ ] اللهِ: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندٍ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ قال: قد تَبَيَّنَ لهم أنه رسولُ اللهِ، فمِن هنالك نَفَع اللهُ الأُوسَ والخزرجَ بما كانوا يَسْمَعون منهم أن نبيًّا خارجٌ . فإن قال لنا قائلٌ: فأين جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقُ لِّمَا مَعَهُمْ﴾؟ قيل: قد اختلف أهلُ العربيةِ فى جوابِهِ ؛ فقال بعضُهم: هو مما تُرِك جوابُه استغناءً بمعرفةِ المخاطَبين به بمعناه وبما قد ذُكِر من أمثالِه فى سائرِ القرآنِ ، ٤١٣/١ وقد تفعَلُ العربُ ذلك إذا طال الكلامُ ، فتأتى بأشياءَ لها أجوبةٌ فتَحْذِفُ/ أجوبتها الاستغناءِ سامعيها بمعرفتهم بمعناها عن ذكرِ الأجوبةِ، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُئِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْنَى﴾ [الرعد: ٣١]. فترَك جوابه. والمعنى: ولو أن قرآنًا سوى هذا القرآنِ شُيّرَتْ به الجبالُ لَشُيّرَتْ بهذا القرآنِ. فترَك قولَه: لشُيِّرَتْ بهذا القرآن١ِ) . استغناءً بعلم السامعين بمعناه . قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَنَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ وقال آخرون: جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾. فى ((الفاءِ)) التى فى قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُوا بِئٍ﴾ . وجوابُ الجزاءَيْن فى ﴿كَفَرُواْبِةٍ﴾. كقولك: لما قُمْتَ فلما جِئْتَنَا أحسَنْتَ . بمعنى: لما جِئْتَنَا إِذْ قُمْتَ أُحسنْتَ . القولُ فى تأويلٍ قولِه: ﴿ فَلَعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ (٨٩) [٤٤/٣ و] قد دلَّلْنا على معنى ((اللعنةِ)) وعلى معنى ((الكفرِ)) فيما مضى بما فيه و(٢) الکفایةُ (١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٢) ينظر معنى ((اللعنة)) فى ص ٢٣١، وتقدم معنى الكفر فى ٢٦٢/١. سا ٢٤٣ سورة البقرة : الآيتان ٨٩، ٩٠ فمعنى الآيةِ : فخِزْىُ اللهِ وإبعادُه على الجاحدِين ما قد عَرَفوا من الحقِّ عليهم للهِ ولأنبيائه، المنكِرِين ما قد ثَبَت عندهم صحَّتُه من نبوةِ محمدٍ عَِّ. وفى إخبارِ اللهِ عز وجل عن اليهودِ بما أخبر عنهم بقولِه: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِةٍّ ﴾: البيانُ الواضحُ أنهم تَعَمَّدوا الكفرَ بمحمدٍ عَ لّ بعد قيام الحجةِ بنبوته عليهم وقَطْعِ اللهِ عُذْرَهم بأنه رسولُه إليهم . القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ بِثْسَمَا أَشْتَّرَوَأْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا﴾. ومعنى قوله جل ثناؤه: ﴿بِئْسَمَا أَشْتَّرَوَأْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾: ساء ما اشْتَرَوْا به أنفسهم . وأصلُ ((بِئْسَ)) ((يَكِسَ)) من البؤْسِ، سُكِّنَتْ همزتُها ثم نُقِلت حر كتُها إلى الباءِ، كما قيل فى : ظَلِلْتُ : ظِلْتُ . وكما قيل للكَبِدِ : كِبْدٌ . فتُقِلَتْ حركةُ الباءِ إلى الكافٍ لما سُكُنتِ الباءُ. وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ((بِئْسَ)) - وإن كان أصلُها ((بَيَسَ)) - من لغةِ الذين ينقُلُون حركةَ العينِ من ((فَعِل)) إلى الفاءِ، إذا كانت عينُ الفعلِ أحدَ حروفِ الحلقِ الستةِ ، كما قالوا من : لَعِبَ ، لِعْبَ . ومن: سَئم، سِثْمَ . وذلك فيما يقالُ لغَةٌ فاشِيَةٌ فى تميم ، ثم جُعِلَتْ دَلالةً (١) على الذمِّ والتوبيخ وُصِلَتْ بـ ((ما )). ثم اختلف أهلُ العربيةِ فى معنى (( ما )) التى مع ﴿بِثْسَمَا﴾؛ فقال بعضُ نحوييٌّ البصرةِ: هى وحدَها - اسمٌ، و﴿ أَن يَكْفُرُواْ﴾ تفسيرٌ له، نحوَ : نِعْمَ رجلًا زيدٌ. و﴿ أَنْ يُنَزِّلَ اَللَّهُ﴾ بدلٌ مِن ﴿أَنزَلَ اللَّهُ﴾. (١) فى م: ((دالة)). ٢٤٤ سورة البقرة : الآية ٩٠ وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى ذلك: بئس الشىءُ اشتَرَوْا به أنفسَهم أن يَكْفُرُوا. فـ ((ما)) اسمُ ((بِئْسَ))، و﴿أَنْ يَكْفُرُواْ﴾ الاسمُ الثانى. وزعَم ٤١٤/١ أنَّ قولَهُ(١): ﴿أَنْ يَكْفُرُواْ﴾(٢) إن شِئْتَ جعلْتَ: ﴿أَنْ﴾/ فى موضِعِ رفعٍ ، وإن شِئْتَ فى موضعٍ خفضٍ ؛ أما الرفعُ: فِئْسَ الشىءُ هذا أن يَفْعلوا. وأما الخفضُ: فِئْسَ الشىءُ اشتَرَوْا به أنفسَهم بأن(١) يَكْفُروا بما أنزل اللهُ بَغْيًا. قال: وقولُه: ﴿لَبِثْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠] كمثلٍ ذلك. قال(4): والعربُ تَجْعَلُ ((ما )) وحدَها فى هذا البابِ بمنزلةِ الاسم التامِّ، كقوله: ﴿ فَنِعِمَّا هِىِّ ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وبئسما أنت. واسْتَشْهد لقولِه ذلك برَجَزِ لبعضٍ() (٦) الُجّازِ(٦) : لا تَعْجَلا فى السَّيْرِ واذْلُواها(٧) [٤٤/٣ ظ] لَبِئْسما بُطْءٌ ولا نَزْعاها(٨) (١) سقط من: م. (٢) فى النسخ: ((ينزل الله من فضله))، والمثبت من معانى القرآن للفراء ٥٦/١، وينظر تفسير القرطبى ٢٨/٢. (٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت٣: ((أن)). (٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٥) فى م: ((بعض)). (٦) هو زفر بن الخيار المحاربى، والرجز فى التكملة والذيل والصلة ، واللسان ، والتاج (ن ب ل)، واللسان (د ل و ) باختلاف عما هنا . (٧) دلوت الناقة والإبل دلوا: سقتها سوقا رفيقا رويدا. (٨) فى الأصل، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((انزعاها))، وفى الموضع الأول من اللسان والتاج: ((ترعاها)). ٢٤٥ سورة البقرة : الآية ٩٠ والعربُ تقولُ: لِئْسَما تزويجٌ ولا مَهْرٌ. فَيَجْعَلون ((ما)) وحدَها اسمًا بغيرِ صلةٍ . قال أبو جعفرٍ: وقائلُ هذه المقالةِ لا يُجيزُ أن يكونَ الذى يَلِى ((بْسَ)) معرفةً مُوَقَّتَةً، وخبره معرفةٌ موقتةً. وقد زعم أن ((بئسما)) بمعنى (١) : بِئْسَ الشىءُ اشتَرَوْا به أنفسَهم . فقد صارتْ ((ما)) بصِلَتِها اسمًا موقَّتًا؛ لأنَّ ((اشتَرَوْا)) فعلٌ ماضٍ من صلةٍ ((ما)»، فى قولٍ قائلِ هذه المقالةِ، وإذا وُصِلَتْ بماضٍ من الفعلِ كانت معرفةً موقَّةً معلومةٌ ، فيصيرُ تأويلُ الكلام حينئذٍ : بئس شراؤُهم كفرُهم . وذلك عنده غيرُ جائزٍ ، فقد تبيَّنَ فسادُ هذ القولِ . وكان آخرُ منهم (١) يزعُمُ أنَّ ﴿أَنْ﴾ فى موضعِ خفضٍ إن شِئْتَ، ورفعٍ إن شِئْتَ. فأما الخفضُ فَأن تَرِدَّه على الهاءِ التى فى ﴿ بِيِةَ﴾. على التكريرِ على كلامَيْن، كأنك قُلْتَ: اشتَرَوْا أنفسَهم بالكفرِ. وأما الرفعُ فأن يكونَ مُكَوَّرًا (٣) على موضعٍ ((ما)) التى تَلِى ((بِئْسَ)). قال: ولا يجوزُ أن يكونَ رفعًا على قولِك: بِئْس الرجلُ عبدُ اللهِ . وقال بعضُهم: ﴿بِثَمَا﴾ شىءٌ واحدٌ (* يُعْرَبُ بما) بعدَه، كما حُكِى عن العربِ: بئسما تَزويجٌ ولا مَهْرٌ. فرفَع ((تَزويجٌ)) بـ ((بئسما))، كما يقالُ: بئسما زيدٌ. ونعمًا) عمرو. فيكونُ ((بئسما)) رفعًا بما عادَ عليها من الهاءِ، كأنك (١) فى م: ((بمنزلة)). (٢) هو الفراء فى معانى القرآن ٥٦/١. (٣) فى معانى القرآن: ((مكرزرا)). (٤ - ٤) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يعرف ,!)). (٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((بئسما)) . ١ ٢٤٦ سورة البقرة : الآية ٩٠ قُلْتَ: ((شىءٌ بِئْس ) الشىءُ اشتَرَوْا به أنفسَهم. وتكونُ ((أنْ)) مترجِمةٌ" عن ((بئسما)). وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ من جعَل: ﴿بِثْسَمَا﴾ مرفوعًا بالراجعِ من الهاءِ فى قولِه: ﴿ أَشْتَّرَوْا بِهِ﴾ كما رَفَعوا ذلك بـ ((عبدِ اللهِ))، إذ قالوا: بئسما عبدُ اللهِ. وجَعَل ﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ مترجمةً عن ﴿بِثْسَمَا﴾. فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ : بئس الشىءُ باع اليهودُ به أنفسَهم كفرُهم بما أَنزَلَ اللهُ بغيًا وحسدًا أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه. وتكونُ ﴿أَن﴾ التى فى قوله: ﴿أَنْ يُغَزِّلَ اَللَّهُ﴾. فى موضعٍ نصبٍ؛ لأنه يَعْنِى به: أن يَكْفُروا بما أنزل اللهُ من أجل أن يُتَزِّلُ اللهُ من فضلِهِ على مَن يشاءُ من عبادِه. وموضعُ ﴿أَنْ﴾ جَزاءٌ . وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيّينُ) يزعُمُ أنَّ ﴿أَن﴾ فى موضِع خفضٍ بنيةِ الباءِ . وإنما · اختَوْنا(٥) فيها النصبَ لتمامِ الخبرِ قبلَها، ولا خافضَ معها يَخْفِضُها، والحرفُ الخافضُ لا يُخْفَضُ به مُضْمَرًا . وأما قولُه: ﴿أَشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ فإنه يَعْنِى به: باُوا به أنفسَهم . كما حدثنى موسى بنُ هارونَ ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ: ﴿بِثْسَمَا أَشْتَرَوْاْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ﴾. يقولُ: باعُوا به (٦) أنفسَهم ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾(١). (١ - ١) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بئس شىء)). (٢) الترجمة هى تسمية الكوفيين لما يسميه البصريون عطف البيان. همع الهوامع ١/ ١٢١. (٣) فى م: ((جر)). وينظر معانى القرآن ١/ ٥٨. (٤) هو الكسائى. ينظر معانى القرآن الموضع السابق . (٥) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أجزنا)). (٦) سقط من : م. (٧) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢/١، ١٩٥ (٩٠٨، ١٠٣٠) من طريق عمرو به. ٢٤٧ سورة البقرة : الآية ٩٠ وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ(١) ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿ بِثْسَمَا أَشْتَرَوَأْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾: يهودُ ، شَرَوا الحقَّ بالباطلِ، وكتمانَ ما [٤٥/٣ و] جاء به محمدٌ عَ لِّ/ بأن يُبَيِّنوهُ(١). ٤١٥/١ والعربُ تقولُ: (شَرَيْتُ الشىءَ). بمعنى: بِعْتُه. و﴿ أَشْتَّرَوَأْ﴾ فى هذا الموضِعِ ((افتَعلوا)) مِن ((شَرَيت)). وأكثُ(٤) كلام العربِ - فيما بلغنا - أن يقولوا : شَرَيتُ . بمعنى : بِعْتُ، و: اشْتَرِيتُ . بمعنى: ابْتَعتُ. وقِيلَ: إِنما سُمِّىَ الشارى(٥) شاريًا؛ لأنه باع نفسَه ودنياه بآخرتِه . ومن ذلك قولُ يزيدَ بنِ مُفرّغِ الحِمْيرىِّ(٦): من قبل(٧) بُودٍ كُنْتُ هَامَةُ() وشَرَيْتُ بُـودًا ليتنى ومنه قولُ المُسيَّبِ بنِ عَلَسٍ (٩) : ويقولُ صاحِبُها(١٠) ألا تَشْرِى(١) يُعْطَى بِها ثَمَنَا فَيَمْنَعُها يعنى به: بِعْتُ بُرْدًا. وربما اسْتُعْمِلَ ((اشْتَرِيتُ)) (٢ ١ فى معنى١٢): بِعْتُ، (١) فى م: ((الحسن)). (٢) فى م: (( بینوه)). والأثر أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٢/١ (٩٠٩) من طريق حجاج به. (٣ - ٣) فى م: ((شريته)). (٤) سقط من: م ،ت ١،ت ٢، ت ٣. (٥) الشارى واحد الشراة: وهم الخوارج . التاج (ش رى). (٦) طبقات فحول الشعراء ٢/ ٦٨٩، وأمالى الزجاجى ص ٤٢، والأضداد ص ٧٣. (٧) فى مصادر التخريج: ((بعد)). (٨) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((كهامة)). يقال: هذا هامة اليوم أو غد. أى يموت اليوم أو غدا. اللسان (هـ وم). (٩) الأضداد ص ٧٤، وهو فى الخزانة ٢٣٧/٣ ضمن أبيات للأعشى . (١٠) كذا فى النسخ، وفى مصدرى التخريج: ((صاحبه))، وهو الصواب، راجع الخزانة. (١١) فى ت ٢، ت ٣: (( تشترى)). (١٢ - ١٢) فى م: ((بمعنى)). ٢٤٨ سورة البقرة : الآية ٩٠ و (( شَرَيتُ)) فى معنى: ابْتَعتُ. والكلامُ المُسْتَفيضُ(١) هو ما وصَفتُ. وأما معنى قوله: ﴿بَغْيًّا﴾ فإنه يعنى به: تعدِّيًا وحسدًا . كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ بَغْيًّا﴾. قال: أى حسدًا، وهم اليهودُ(١). وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿بَغْيًّا قال: بَغَوْا على محمدٍ عَِّ وحسَدوه، وقالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟ فحسَدوه أن يُنَزِّلَ اللهُ مِن فضلِه على مَن يشاءُ مِن عباده . وحدَّثنى المُنى، قال: ثنا آدمُ ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: بَغْيًّا﴾ يعنى: حسدًا ﴿أَن يُغَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِوَّةٍ ﴾ وهم اليهودُ، كفروا بما أُنْزِل على محمدٍ عَلَ (١). وحُدِّثْتُ عن عمارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه . فمعنى الآية : بئس الشىءُ باعوا به أنفسَهم، الكفرُ بالذى أنْزَله اللهُ فى كتابِهِ على موسى، مِن نبوَّةٍ محمدٍ عَ له والأمرِ بتصديقِه واتباعِه، مِن أجلِ أن أنْزَل اللهُ مِن فضلِه - وفضلُه حكمتُه وآياته ونبوَّتُه - ﴿عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهٌِّ ﴾ يعنى به: على محمدٍ عَلِّ، بغيًا وحسدًا لمحمدٍ عَظ ◌ِلّهِ مِن أجل أنه كان مِن ولدِ إسماعيلَ، ولم يكنْ مِن بنى إسرائيلَ . (١) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((فيهم). (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٨/١ إلى المصنف وعبد بن حميد. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣/١ (٩١٠، ٩١١) من طريق آدم به . ٢٤٩ سورة البقرة : الآية ٩٠ فإن قال قائلٌ: وكيف باعت اليهودُ أنفسَها بالكفرِ، فقيل: ﴿بِثْسَمَا أُشْتَرَوَأْ بِهِة أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾. وهل يُشْتَرى بالكفرِ شىءٌ؟ قيل : إن معنى الشراء والبيع عندَ العربِ هو إزالةُ مالكٍ مِلْكَه إلى غيرِه بعِوَضٍ يَعْتاضُه منه، ثم تَسْتَعملُ العربُ ذلك فى كلِّ مُغتاضٍ مِن عملِه ◌ِوَضًا ، شؤًا أو خيرًا ، فتقولُ : نِعْمَ ما باع به فلانٌ نفسَه ، وبئس ما باع به فلانٌ نفسَه . بمعنى : نِعْمَ الكَسْبُ أْسَبها، وبئس الكَسْبُ أكْسَبها. إذا أَوْرَثها بسَغْيِه عليها خيرًا أو شرًّا . فكذلك معنى قولِه جل ثناؤه: ﴿بِثَمَا أُشْتَرَوَأْ [٤٥/٣ظ] بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾. لمّا أُؤْبقوا أنفسَهم بكفرِهم بمحمدٍ مِّ الِ فَأَهْلَكوها، خاطَبهم اللهُ والعربَ بالذى يَعْرِفونه فى كلامِهم، فقال: ﴿ بِئْسَمَا أُشْتَرَوَأْ بِهِة أَنفُسَهُمْ﴾ يعنى بذلك: بئس ما أْسَبوا أنفسَهم بسعيهم ، وبئس العِوَضُ اعْتَاضُوا مِن كفرِهم باللهِ فى تكذيبهم محمدًا ؛ إذ كانوا قد رَضُوا عِوَضًا مِن ثوابِ اللهِ وما أعدَّ لهم - لو كانوا/ آمَنُوا باللهِ وما أنْزَل على أنبيائِه - بالنارِ وما أعدَّ لهم بكفرِهم بذلك . ٤١٦/١ وهذه الآيةُ - وما أُخْبَر اللهُ فيها عن حسدِ اليهودِ محمدًا عِِّ وقومَه مِن العربِ، مِن أجلِ أن اللهَ جعَل النبوةَ والحِكمةَ فيهم دونَ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ، حتى دعَاهم ذلك إلى الكفرِ به مع علمِهم بصدقِهِ ، وأنه للهِ نبىٌّ مبعوثٌ ورسولٌ مُؤْسَلٌ - نَظِيرةُ الآيةِ الأُخْرى فى سورةِ النساءِ، وذلك قولُه: ﴿أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اَللَّهُ فَن تَجِدَ لَهُ نَصِيًّا ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلَكِ فَإِذَا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِنْرَهِيمَ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٥١ - ٥٤ ] . ٢٥٠ سورة البقرة : الآية ٩٠ القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهٌِ﴾ . قد ذَكَرْنا تأويلَ ذلك وبَيًّا معناه ، ولكنا نذكرُ الرّوايةَ بتَصحيح ما قلنا فيه : حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن عاصمٍ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنْصارىِّ، عن أشياخٍ منهم قولَه: ﴿بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِةٌ﴾. أى: أن الله تعالى جعلَه فى غيرِهم (١). حدّثنا بشرٌّ، قال : ثنا یزیدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةً ، قال: هم اليهودُ ، لما بعَثِ اللهُ نبيّه محمدًا عَّمِ فرأوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفروا به حسدًا للعربِ ، وهم يَعْلمون أنه رسولُ اللهِ عَظَهِ، يَجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ (١) . وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ مثله . وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه . وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ ، عن الشّدىِّ، قال : قالوا : إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟ وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى نجيحٍ، عن علىّ الأَزْدِىِّ، قال: نزلت فى اليهودِ (). القولُ فى تأويلٍ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾. • (١) تقدم تخريجه فى ص ٢٣٦. (٢) تقدم تخريجه فى ص ٢٣٨. (٣) تقدم تخريجه فى ص ٢٣٧. ٢٥١ سورة البقرة : الآية ٩٠ [٤٦/٣ و] يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فرجَعت اليهودُ من بنى إسرائيلَ - بعدَ الذى كانوا عليه مِن الاسْتِنصارِ بمحمدٍ عَه والاستفتاحِ به، وبعدَ الذى كانوا يُخْبِرون (١) الناسَ مِن قبل مَبْعثِه أنه نبيٌّ مَبْعوثٌ - مُؤْتَدين على أعقابِهم حين بعثه اللهُ نبيًّا مرسلاً، (وانصرَفَت بغضبٍ من اللهِ، اسْتَحقوه منه بكفرِهم بمحمدٍ حينَ بعَثهُ(١) ، وجحودِهم بنبوَّتِه، وإنکارِهم إياه أن يكونَ هو الذى يَجِدون صفتَه فى كتابِهم، عِنادًا منهم له، وبغيًا وحسدًا له وللعربِ ، عَلی غَضَبٍ سالفٍ كان مِن اللهِ علیھم قبلَ ذلك ، سابقٍ غضبه الثانىَ ؛ لكفرهم (١٤/ كان قبلَ ذلك، بعيسى ابن مريمَ ، أو لعبادتِهم العجلَ، أو لغيرِ ذلك مِن ٤١٧/١ ذنوبٍ كانت لهم سَلَفت، اسْتحقُّوا (٥) بها الغضبَ مِن اللهِ . كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ - فيما يرَى أبو جعفرِ الطبرىُّ) - عن سعيد بن جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ : فالغضبُ على الغضبِ ، غضبُه عليهم فيما كانوا ضَيَّعوا مِن التوراةِ وهى معهم ، وغضبٌ بكفرِهم بهذا النبىّ الذى أحْدَث اللهُ إليهم(٧) . وحدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا : ثنا سفيانُ ، (١) بعده فى م: (( به)) . (٢ - ٢) فى م: ((فباءوا)). (٣) فى م: ((بعث)). (٤) بعده فى م: ((الذى)). (٥) فى م: ((يستحقون)). (٦ - ٦) فى م: ((أروى))، وفى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أرى)). (٧) سيرة ابن هشام ٥٤٢/١، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣/١ (٩١٥) من طريق سلمة به. (٨) فى ت ١، ت ٢، ت٣: (( يسار)). ٢٥٢ سورة البقرة : الآية ٩٠ عن أبى بكرٍ(١)، عن عكرمةَ: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: كُفْرٌ بعيسى وكفرٌ بمحمدٍ صلَّى اللَّهُ عليهما وسلَّم. وحدثنا أبو كريبٍ، قال : ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةَ: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال: كفرُهم بعيسى ومحمد چێِّ . وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أُخْبَرنا عبد الرزاقِ ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةً مثلَهُ(٣). وحدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةً، عن الشعبىِّ، قال: الناسُ يومَ القيامةِ على أربعةِ مَنازلَ: رجلٌ كان مؤمنًا بعيسى فَآمَن بمحمدٍ عَِّ، فله أجران ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فَآمَن بمحمدٍ صلَّى اللَّهُ عليهما وسلَّم ، فله أجرٌ ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فَكَفَر بمحمدٍ عَلَهِ ، فباءَ بغضبٍ على غضبٍ ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى مِن مُشرِكى العربِ، فمات بكَفرِه قبلَ محمدٍ عَ المه ، فباءَ بغضبٍ . حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريع قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ قولَه : فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وبعيسى صلى اللَّه عليه، وغَضِب عليهم بكفرِهم بالقرآنِ وبمحمدٍ عَ اله(١). وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو محذَيفةً ، قال: ثنا شِئْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن (١) فى الأصل، م، ت ١: ((بكير)). وينظر تهذيب الكمال ١٥٩/٣٣. . (٢) فى الأصل: ((نحوه)). والأثر فى تفسير عبد الرزاق ٥١/١ . وأبو بكر هو الهذلى ، ضعيف . (٣) ذكره البغوى فى تفسيره ١٢١/١ عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٨/١ إلى المصنف وعبد بن حمید . ٢٥٣ سورة البقرة : الآية ٩٠ مجاهدٍ: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾: اليهودُ، غضَبٌ (١) بما كان مِن تبديلهم التوراةَ قبلَ خروجٍ النبيِّ عَِّ، ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ جُحودُهم [٤٦/٣ ظ] النبىَّ ◌َِّ وكفرُهم بما جاء به (١) . وحدَّثنى المثنى ، قال: ثنا آدمُ ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العالية ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ يقولُ: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وعيسى، ثم غَضِبُ " عليهم بكفرِهم بمحمدٍ عَ لَه وبالقرآنِ(). وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن الشُّدىِّ: ﴿ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾: أما الغضبُ الأولُ ، فهو حين غَضِب اللهُ عليهم فى العجلِ، وأما الغضبُ الثانى، فَغَضِب عليهم حين كفَروا بمحمدٍ عَهَ(٥). وحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنی حجاجٌ، عن ابنٍ جريجٍ ، عن عطاءٍ وعبيدِ بنِ عميرٍ فى قولِهِ: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ . قال: غَضِب اللهُ عليهم فيما كانوا فيه مِن قبلِ خروجِ النبيِّ عَّهِ / من تبديلهم وكفرِهم، ثم غَضِب ٤١٨/١ عليهم فى محمدٍ عَ لِّ إذ خرَج فكَفَروا به . وقد بيّا معنى الغضَبِ من اللهِ على مَن غَضِب (١) من خلقِه، واختلافَ المختلِفِين فى صفتِه فيما مضَى من كتابنا هذا بما أغْنَى عن إعادتِه(١). (١) سقط من: م. (٢) ذكره البغوى فى تفسيره ١٢١/١ عن مجاهد . (٣) فى م: ((غضبه)). (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٣/١ (٩١٤) من طريق آدم به . (٥) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤/١ (٩١٧) عن أبى زرعة ، عن عمرو به . (٦) فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((و)). (٧) بعده فى م: ((عليه)). (٨) ينظر ما تقدم فى ١/ ١٨٩، ١٩٠. ٢٥٤ سورة البقرة : الآيتان ٩٠، ٩١ ٩٠ القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وللجاحدِين نبوّةَ محمدٍ عَّالِ من الناسِ كلِّهم عذابٌ من اللهِ، إِمَّا فى الآخرةِ وإمّا فى الدنيا والآخرةِ، ﴿ ◌ُهِيرٌ﴾: وهو المُذِلُّ صاحبه المخْرِى، المُلِّسُه هوانًا وذِلّةً. فإن قال قائلٌ : وأُّ عذابٍ هو غيرُ مُهِينٍ صاحبه، فيكونَ للكافرين المُهِينُ منه؟ قيل : إن المُهِينَ هو الذى قد بَيَّا أنه المُورِثُ صاحبه ذِلَّةٌ وهوانًا ، الذى يَخْلُدُ فيه صاحبُه فلا ينتقلُ من هوانِه إلى عزِّ وكرامةٍ أبدًا، وهو الذى خصَّ اللهُ به أهلَ الكفرِ به وبرسله ، وأما الذى هو غيرُ مُهِينٍ لصاحبِه، فهو ما كان تمحيصًا لصاحبِه، وذلك(١) كالسارقِ من أهلِ الإسلامِ، يَشْرِقُ ما يجِبُ عليه به القطعُ فتُقْطَعُ يِدُه ، والزانى منهم يَزْنِى فيقامُ عليه الحدُّ، وما أشبه ذلك من العذابِ والنَّكالِ الذى جعله اللهُ كفاراتٍ للذنوبِ التى عَذَّبَ بها أهلَها، وكأهلِ الكبائرِ(٢) من أهلِ الإسلامِ الذين يُعَذَّبُون فى الآخرةِ بمقاديرِ أجرامِهم التى ارتكبُوها ليُمَخَّصُوا من ذنوبِهم، ثم يَدخُلون الجنةَ ، فإن كلَّ ذلك وإن كان عذابًا ، فغيرُ مُهِينٍ مَن ◌ُذِّبَ به، إذ كان تعذيبُ اللهِ له (٣) به ليُمَخِّصَه به (٤) من آثامِه، ثم يُورِدُه مَعْدِنَ العَزِّ والكرامةِ ، ويُخَلِّدُه فى نعيمِ الجِنانِ . القولُ فى تأويل قولِه جلّ ثناؤُه [٤٧/٣ ]: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ تُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ . یغنی بقوله جل ثناؤه : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: وإذا قيل لليهود من بنى إسرائيلَ، (١) بعده فى م: ت ١، ت ٢، ت ٣: ((هو)). (٢) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((الكتاب)). (٣) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((إياه)). (٤) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. ٢٥٥ سورة البقرة : الآية ٩١ الذين كانوا بين ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِعَه: ﴿ءَامِنُوا﴾ أى: صَدِّقُوا ﴿بِمَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ ﴾ يَغْنِى بقوله: ﴿بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القرآنِ على محمدٍ عَِّ ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ﴾ أى: نُصَدِّقُ ﴿ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنى: بالتوراةِ التى أنزلَها اللهُ على موسى. القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾. يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾: وَيَجْحَدُون، ﴿بِمَا وَرَآءَهُ﴾ يَعْنِى: بما وراءَ التوراةِ . وتأويلُ ((وراء)) فى هذا الموضعِ: ((سوى))، كما يقالُ للرجلِ يتكلّمُ(١) بالحَسَنِ: ما وراءَ هذا الكلامِ شىءٌ. يُرادُ به: ليس عندَ المتكلم به شىءٌ سِوَى ذلك الكلام. فكذلك معنى قوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَ هُ﴾ أى: بما سوى التوراةِ وبما بعده من کتبِ اللهِ التى أنزلَهَا إلی رسله . كما / حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ٤١٩/١ قولَه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده(٢) . وحدثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ ، قال : ثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العاليةِ : : وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ أى: بما بعدَه، يَعْنى: بما بعدَ التوراةِ (١). حدثنى المثنى ، قال : ثنا إسحاقُ ، قال : ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه ، عن الربيعِ: ﴿ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده(٤). القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَهُوَ اُلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمُّ ﴾ (١) فى م: ((المتكلم)) . (٢) ذكره ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤/١ عقب الأثر (٩٢١) معلقًا. (٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤/١ (٩٢١) من طريق آدم به . (٤) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤/١ عقب الأثر (٩٢١) من طريق ابن أبى جعفر به. ٢٥٦ سورة البقرة : الآية ٩١ يَعْنِى جل ثناؤه بقولِه: ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أى: وما وراء الكتابِ الذى أُتْزِل عليهم، من الكتبِ التى أنزلها اللهُ إلى أنبيائِه، الحقُّ. وإنما يَغْنِى بذلك تعالى ذكرُه القرآنَ الذى أَنزَلَه إلى محمدٍ عَلِّ . كما حدثنى موسى ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾: وهو القرآنُ، يقولُ اللهُ جل ثناؤه: ﴿ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمُّ﴾ وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمٌ﴾. لأَنَّ كتبَ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا ، ففى الإنجيلِ والقرآنِ من الأمرِ باتباع محمدٍ عَلَه ، والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذى من ذلك فى توراة موسى عليه السلامُ ، فلذلك قال جل ثناؤُه لليهودِ - إذ أُخبرَهم عما وراءَ كتابِهِم الذى أَنزَلَه على موسى، من الكتبِ التى أَنزَلَها إلى أنبيائه - أنه الحَقُّ مُصدِّقًا للكتابِ الذى معهم . يَغْنى أنه له مُوافِقٌ فيما اليهودُ به مُكَذِّبون(٢). وذلك خَبَرٌ من اللهِ جل ثناؤه أنهم من التَّكْذِيبِ [٤٧/٣ ظ] بالتوراةِ على مثلِ الذى هم عليه من التكذيبِ بالإنجيلِ والفرقانِ ، عنادًا للهِ، وخلافًا لأمرِه، وبَغْيًا على رسلِه صلواتُ اللهِ عليهم . القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُتُم مُؤْمِنِینَ ٩١ يَغْنِى بقولِه جل ثناؤه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ﴾ : قلْ يا محمدُ ليهودِ بنى إسرائيلَ الذين إذا قُلْتَ لهم: ﴿ ءَامِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ﴾ قالوا لك: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَآ (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٤/١ (٩٢٢) عن أبى زرعة ، عن عمرو بن حماد به . (٢) بعده فى م: ((قال)). ٢٥٧ سورة البقرة : الآية ٩١ أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ - : لم تَقْتُلون - إن كنتم يا معشرَ اليهودِ مؤمنين بما أنزلَ اللهُ عليكم - أنبياءَه ، وقد حَرَّم اللهُ فى الكتابِ الذى أنزلَ علیکم قَتْلَهم ، بل أمَر کم فیه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم. وذلك من اللهِ جل ثناؤه تكذيبٌ لهم فى قولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وتَغْبِيرٌ لهم . كما حدثنا موسى بنُّ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ ، قال: ثنا أسباطُ ، عن السدىِّ، قال: قال اللهُ تعالى ذكرُه وهو يُعَيِّرُهم، يعنى اليهودَ: ﴿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾(١). فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل(١): ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ فابتدأ الخبرَ على لفظِ المستقبلِ، ثم أخبر أنه قد مضَى ؟ قيل: إن أهلَ العربيةِ مُختلفون فى تأويل ذلك ؛ فقال بعضُ البصريِّين: /معنى ذلك: فلم قَتَلْتم أنبياءَ اللهِ من قبلُ، كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أى: ما تَلَتْ. وكما قال الشاعرُ(): ٤٢٠/١ ولقد أمُرُ على اللئِیم یسُبُنى فَمَضَيْتُ عنه وقلتُ لا يَعْنِينى يريدُ بقولِه : ولقد أمُرُ: ولقد مَرَرْتُ . واستدلَّ على أن ذلك كذلك بقوله : فمضَيْتُ عنه . ولم يَقُلْ: فأمْضِى عنه. وزعَم أن ((فعَل)) و ((يفعَلُ)) قد تَشْتَرِكُ فى معنّى واحدٍ ، واسْتَشْهَدَ على ذلك بقولِ الشاعرِ(): (١) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره ١٧٥/١ (٩٢٤) عن أبى زرعة ، عن عمرو به. (٢) بعده فى م: ((لهم)) . (٣) البيت لشمر بن عمرو الحنفى فى الأصمعيات ص ١٢٦، ولرجل من بنى سلول فى الكتاب ٢٤/١، وبلا نسبة فى الصاحبی ص ٣٦٤، واللسان ( ث م م، م ن ى ). (٤) هو الطرماح، والبيت فى ذيل ديوانه (ملحق بالديوان) صفحة ٥٧٢. ( تفسير الطبرى ١٧/٢ ) ٢٥٨ سورة البقرة : الآية ٩١ من الأمرِ واسْتِيجابَ ما كانَ فِى غَدِ وإنى لآتِيكم تَشَكُرُ(١) ما مَضَى يعنى بذلك: ما يكونُ فى غدٍ . وبقولِ الْحُطَيْئَةِ(٢): شَهِد الحُطَيئَةُ يومَ يَلْقَى رَبَّه أنَّ الوَلِيدَ أَحَقُّ بالعُذْرِ يعنى : يَشْهَدُ. وكما قال الآخر(٣): فما أُضْحِى ولا أَمْسَيْتُ إلَّا أَرانى منكمُ) فى كُوَّفانٍ(٥) فقال: أُضْحِى. ثم قال: ولا أمْسَيْتُ. ٤٢١/١ وقال بعضُ نحونِّى الكوفيّين(١): إنما [٤٨/٣ و] قيل: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ فخاطَبهم بالمستقبلِ من الفعلِ ومعناه الماضى، كما يُعَنِّفُ الرجلُ الرجلَ على ما سلَف منه من فِعْلِ، فيقولُ له: ويحكَ لِمَ تَكْذِبُ ، ولِمَ تُبَغِّضُ نفسَك إلى الناسِ ! كما قال الشاعر(٧). ولم تَجِدِی من أن تُقِّی بھا(٨) بُدًّا إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنِی لَئِیمَةٌ (١) فى م: (( بشکری». (٢) ديوانه ص ٢٣٣. (٣) البيت فى الصاحبى ص ٣٦٤، واللسان ( ك وف ). (٤ - ٤) فى الصاحبى: ((رأونى منهم)) . (٥) يقولون : وقعنا فى كُوفَان وكُؤَّفان. أى عناء ومشقة، كأنهم اشتقوا ذلك من الرمل المتكوف؛ لأن المشى فيه يُعنِّى. مقاييس اللغة ١٤٧/٥. وفى حاشية الأصل: ((كوفان من كيف). (٦) هو الفراء فى معانى القرآن ١/ ٦٠، ٦١. (٧) تقدم البیت فی ص ٥٧. (٨) فى م: (( به )). ٢٥٩ سورة البقرة : الآية ٩١ فالجزاءُ للمستقبَل، والولادةُ كلُّها قد مضَت، وذلك أن المعنى معروفٌ ، فجاز ذلك . قال: ومثلُه فى الكلام: إذا نظَرْتَ فى سيرةٍ عمرَ لم يُسِئُ ). المعنى: لم تَجِدْه أساء. فلما كان أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ فى مُضِيِّه، لم يَقَعْ فى الوَهْمِ أنه مُسْتَقْبَلٌ، فلذلك صَلَحت: ﴿ مِن قَبْلُ﴾ مع قولِهِ: ﴿ فَلِمَ تَقْكُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ . قال: وليس الذين خوطِبوا بالقتلِ هم القَتَلةَ، إنما قتَل الأنبياءَ أسلافُهم الذين مَضَوْا، فتؤَلَّؤْهم(٢) على ذلك ورَضُوا، فَتُسِب القتلُ إليهم . والصوابُ فى ذلك من القولِ عندنا أن الله تعالى ذكره خاطَب الذين أدرَكُوا رسولَ اللهِ عَظِّمِ من يهودِ بنى إسرائيلَ - بما خاطَبهم به(٢) فى سورةِ ((البقرةِ)) وغيرِها من سائرِ السورِ - بما سلَف من إحسانِه إلى أسلافِهم، وما(٤) سلَف من كُفْرانٍ أسلافِهِم نِعَمَه ، وارتكابِهم معاصيه، واجترائِهم عليه وعلى أنبيائه، فأضاف(٥) ذلك إلى المخاطَبين به، نظيرَ قولِ العربِ بعضِها لبعضٍ: فعَلْنا بكم يومَ كذا وكذا، وفعلْتُم بنا يومَ كذا (١) وكذا - على نحوٍ ما قد بيَّا فى غيرِ موضع من كتابنا هذا () - يَعْنُون بذلك أن أسلافَنا فعَلُوا ذلك بأسلافِكم، وأن أوائلَنا فعَلُوا ذلك بأوائلكم ، (١) فى م: ( تجده يسىء)). (٢) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قتلوهم)). (٣) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٤) فى م: (( بما)). (٥) فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((وأضاف)). (٦) بعده فى م، ت ١، ت ٢، ت ٣: (( كذا)). (٧) ينظر ما تقدم فى ٦٤٢/١، ٦٤٣. ٢٦٠ سورة البقرة : الآيتان ٩١، ٩٢ فكذلك ذلك فى قولِه: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَثْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾. وما أشبَهَه . فإِذ كان ذلك معناه، وكان قولُه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَثْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ - وإن كان قد خرَج على لفظِ الخبرِ عن المخاطَبين به - خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن فعلِ السالفين منهم - على نحوِ الذى بَيْنَّا - جاز أن يُقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾. إذ كان معناه: قل: فلمَ يَقْتُلُ أسلافُكم أنبياءَ اللهِ من قبلُ. وكان معلومًا بأن قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ إنما هو خبرٌ عن فعلِ سَلَّفِهم. وتأويلُ قولِه: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أى: من قبل اليومِ . أما قولُه: ﴿إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾. فإنه يَعْنى: إن كنتم مؤمنين بما أنزل اللهُ عليكم كما تَزْعُمون(٢). وإنما يغنى(٢) بذلك اليهود الذين أدركُوا رسولَ اللهِ عَّه وأسلافَهم : إن كانوا وكنتم - كما تزعُمون أيها اليهودُ - مؤمنين. وإنما عَيَّرهم جل ثناؤه [٤٨/٣ ظ] بقتل أوائلِهم أنبياءَه عندَ قولهم - حين قيل لهم: ﴿ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) قالوا: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ لأنهم كانوا لأوائلِهم الذين تولَّا قَتْلَ أنبياءِ اللهِ مع قيلهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ مُتَوَلِين، وبفعلِهِم راضِين، فقال لهم: إن كنتم كما تزعُمون مؤمنين بما أُنزِلَ عليكم، فلمَ تَتَوَلَّوْن قَتَلَةَ أنبيائى(٥)، وتَزْضَوْن أفعالَهم. القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَ كُم ◌ُوسَى بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ الَّخَذْتُمُ (١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢، ت ٣. (٢) فى م، ت١، ت ٢، ت ٣: ((زعمتم). (٣) فى م، ت١، ت ٢، ت ٣: ((عنى)). (٤) بعده فى م، ت١، ت٢، ت٣: ((قالوا)). (٥) فى م: ((أنبياء الله، أى))، وفى م، ت١، ت ٢، ت ٣: ((أنبياء الله)).